image
imagewidth (px)
612
612
text
stringlengths
93
1.64k
source
stringclasses
1 value
ليس يعنيني ما يقوله الفتى في ذاته، وإنما أن يتشدَّق رجلٌ ملء هدومه يعيش في بلدٍ من أعظم بلدان الغرب منذ سنوات، ويرى الحضارة وهي ترقى إلى القمر، ويظل الفخر عنده بإجرام أُسرته وقوَّتها؛ فهذا أمر يجعل الإنسان حائرًا مع البشر. إذا لم يتفاخر هذا الفتى الذي تُفتَرض فيه الثقافة والتحضُّر الإنساني بالعلم أو الفن أو الخلق فمن يتفاخر به؟ كيف يعيش في هذا القرن الباذخ العلم الشاهق الحضارة؟! فمتى حصَل على شهادة تعليمه العالي وعاصَر هذا العلم وتلك الحضارة في أرقى منابعها، ثم يتفاخر بالإجرام بلغةٍ جاهليةٍ قضى عليها الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا؟! فالبشرية إذن عند هؤلاء جامدةٌ متحجرة لا تتطوَّر ولا تنمو مع العصر، ونحن إذن قوم نعالن العالم أن حضارته وثقافته لم تصِل بعدُ إلى أغوار نفوسنا، وأن فينا — لا نزال — هذه البداوة الجاهلية، وأننا حتى نختلقُ أحداث الإجرام لنُضفي بها على أنفسنا وأُسراتنا الجلال والهيبة. وبدل أن نبحث لهذه الأُسرات عن أثَر في الفن أو الحياة العامة أو الوطنية أو الأخلاق الرفيعة أو المُثُل العليا نختلق لها الفخر من أحقرِ ما ينبغي أن ينتسب إليه الإنسان. وهل هناك أحقر من الإجرام؟
hindawi
كَفْكَفَتْ دَمْعَتَيْها فِى الْحَالِ، والْتَفَتَتْ قائِلَةً: «هَلُمُّوا أَيُّها الْأَطْفالُ الصَّابِرُونَ، هَلُمُّوا نَبْتَهِلْ إِلَى اللهِ دَاعِينَ أَنْ يَكشِفَ عَنَّا هذَا الْبَلاءَ، وَيُفَرِّجَ هذِهِ الضَّائِقَةَ؛ فَإِنَّهُ لا يَرُدُّ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذا دَعَاهُ.» وَجاءَ الْمَساءُ مُظْلِمًا بارِدًا، وَبَدَأَتِ السَّهْرَةُ الْعابِسَةُ، لِهذِهِ الْأُسْرَةِ الْفَقِيرَةِ التَّاعِسَةِ. كانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ أَنَّهُمْ رَقَدُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُمُ الَّليْلُ؛ فَإِنَّهُمْ — إِذْ يَنامُونَ — يَنْسَوْنَ آلامَهُمْ. لكِنَّ هؤُلاءِ الْفُقَراءَ الْأَخْيارَ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْعِيدَ بِالسَّهَرِ، وَيَقْطَعُوا لَيْلَهُ بِالْحَدِيثِ وَالسَّمَرِ. وَلَمَّا رَجَعَ أَبُوهُمْ إِلَى بَيْتِهِ قالَ لَهُمْ: «أَعادَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْعِيدَ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكاتِ.»
hindawi
أما نحن فنقول للحكيم: «نحن لا نريدك صحفيًّا يذوي إنتاجه مع غروب شمس يومه، بل نريدك أديبًا يضيف إلى التراث الإنساني شيئًا خالدًا ذا غناء دائم الحياة والنفع والإثارة.» ثم اتفق لي بعد ذلك أن لاقيت الأستاذ الحكيم وحدثته ببعض ما جرى في هذه المناقشة، وأبديت له بعض ما أحسست به خلالها من أن مسرحه الذهني الذي يعيبه البعض قد يكون أصلب قيمة وأقدر على البقاء داخل التراث الأدبي من كثير من مسرحيات المجتمع التي يُخشى أن تفقد الاهتمام بها بزوال المشكلات التي تعالجها، وضربت له مثلًا بمشكلة السفور، ووافقني أديبنا على هذا الرأي. ولكني مع ذلك ما زلت أرى أن من الممكن أن يعالج الأديب أو الفنان الموهوب مشاكل الحياة والمجتمع في قصص أو مسرحيات أو قصائد باقية القيمة، وذلك بفعل الغوص وراء حقائق الإنسان والمجتمع، ثم بفضل الصورة الأدبية أو الفنية التي يأخذها ذلك الإنتاج، ومَنْ هنا لا يطرب حتى اليوم لصرخات الحرية ومجادلة الطغيان التي كان يطلقها خطيب كديموستين لاستثارة الأثينيين ضد غزو المقدونيين لوطنه، أو صيحات مصطفى كامل أو سعد زغلول التي لا نظن أن قيمتهما ستزول بزوال الاحتلال، أو أن طربنا منهما سيضعف بعد تحررنا من الاستعمار.
hindawi
وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادة لا حد لها، فهو شديد على صاحبه ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول: فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين: انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إن الذي يريد أن يبلغ العلا، وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل من بلغ مرتبة في السماحة، يعد ثم لا يفي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول: وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة وغالى حتى آلمه، وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق، ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:
hindawi
طوبى للعصيان(١) طوبى للعصيان كان هناك سبع عنزات صغيرة، وكان يسمح لهن بأن يتطفلن على كل شيء، باستثناء صندوق الساعات، الذي حرمته عليهن الأم، حتى لا تفسده وتدمره. كانت هناك ست عنزات مؤدبة، أرادت أن تتطفل على كل شيء، إلا على صندوق الساعات، الذي حرمته الأم عليهن، حتى لا تفسده وتدمره. وكانت هناك عنزة عاصية، أرادت أن تتطفل على كل شيء، بما في ذلك صندوق الساعات، الذي أفسدته ودمرته كما خشيت الأم. ثم جاء الذئب الشرير. كانت هناك ست عنزات مؤدبة، اختفت عندما شعرت بأن الذئب قد جاء؛ تحت المائدة، وتحت السرير، وتحت الكرسي الكبير، ولم يختف أحد منها في صندوق الساعات، فافترس الذئب العنزات الست جميعًا. كانت هناك عنزة غير مؤدبة، قفزت في صندوق الساعات، كانت تعلم أنه فارغ ومجوف، ولذلك لم يعثر عليها الذئب، فبقيت على قيد الحياة.
hindawi
على الأقل — أن إيفات يفعل العكس، غير أن إلحاح سبيندر كان ذا هدف في رؤيته. انتُزعت معاهدة أنزوس في نهاية المطاف من واشنطن رغم مخاوف وزارة الخارجية الأمريكية ورغم إصرار هيئة أركان الحرب المشتركة الأمريكية، الذي لا يتزعزع، على أن يظل التواصل مع الأستراليين والنيوزيلنديين في مسائل الدفاع الأمني ظاهريًّا قدر الإمكان. وُقِّعَتْ معاهدة أنزوس — أو معاهدة الأمن التي ضمت كلًّا من أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية — في سان فرانسيسكو في الأول من سبتمبر عام ١٩٥١، وصدَّق عليها الرئيس الأمريكي ترومان في ١٥ أبريل ١٩٥٢، ودخلت حيز التنفيذ بعد أسبوعين من إبرامها في ٢٩ أبريل. إذا ما نظرنا إلى هذه الاتفاقية سنجد أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعقد ما سُمِّي باتفاقية سلام «ناعم» مع اليابان، وتأتي منافية للاتهامات التاريخية بتصاغر الطرف الأقل قوة؛ لذا فإن مفاوضات تحالف الأنزوس لم تأتِ إلا بعد مساومات شاقَّة. كان مثار الخلاف الرئيسي، الذي شكَّل نوعًا من المفارقة، هو إصرار قادة الحزبين الرئيسيين بأستراليا على تأسيس علاقة تحالف أمني مُلزمة بين أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، وإصرار صانعي السياسات الأمريكيين من الحزبين المتعارضين في الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر نفسه على عدم الشروع في أي إجراء من هذا القبيل. ببساطة، أرادت كانبيرا ضمانًا استراتيجيًّا بمساعدة
hindawi
مَشَوْا فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى كُوخِهِمْ، وَقَدِ امْتَلَأَتْ نُفُوسُهُمْ فَرَحًا وَإِينَاسًا، وَثِقَةً واطْمِئْنَانًا، بِما نَعِمُوا بِهِ مِنْ مَناظِرَ فاتِنَةٍ، تَحْتَ السَّماءِ: تِلْكَ الْقُبَّةِ الزَّرْقاءِ، الَّتِي انْتَثَرَتْ فِيها النُّجُومُ الْبَدِيعَةُ. كانَ الْجُوعُ قَدِ اشْتَدَّ بِهِمْ، فَأَسْرَعُوا لِيَأْكُلُوا ما أَعَدُّوهُ فِي دَارِهِمْ، مِنْ خُبْزٍ يابِسٍ، وَحَسَاءٍ قَلِيلٍ. وَلكِنَّهُمْ شَدَّ مَا دَهِشُوا إِذْ رَأَوْا نُورًا يَظْهَرُ لِأَعْيُنِهِمْ — فَجْأَةً — مِنْ بَعِيدٍ، خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ يَنْبَعِثُ مِنْ دَارِهِمْ. لكِنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا أَعْيُنَهُمْ. وَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْبَيْتِ رَأَوْا أَضْواءً لا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِها: رَأَوْا مَكَانَ الْكُوخِ قَصْرًا فاخِرًا، مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «السَّعِيدُ حَسَنٌ الْحَطَّابُ».
hindawi
ورغم أن دورة الخصوبة لدى البشر ما زالت تحمل سمات التوقيت الشهري المعهودة في الرئيسيات، فإن إناث البشر وحدهنَّ بين إناث الثدييات ليس لديهنَّ فترات محدَّدة من الاستعداد الجنسي؛ فإناث البشر لا تأتيهنَّ دورات من الرغبة الجنسية الخارجة عن السيطرة التي تُثيرها الهرمونات، ولا يبدو عليهنَّ التضخُّم الهائل في الأعضاء التناسلية الذي يتزامن مع التبويض لدى الأنواع غير البشرية من الرئيسيات. لإناث البشر حرية أن يُثاروا جنسيًّا خلال أي جزء تقريبًا من الدورة الإنجابية، ويُشاركن في علاقة جنسية ليس فقط حين تقل خصوبتهن، لكن أيضًا أثناء الحمل والرضاع وبعد انقطاع الطمث. ومع هذه الزيادة الهائلة في استعداد الإناث للنشاط الجنسي، تغيَّر كذلك نمط السلوك الجنسي لذكور أشباه البشر تغيرًا تطوريًّا كبيرًا. فقد نشأ لدى ذكور أشباه البشر نمط من السلوك الجنسي يبدو أيضًا فريدًا بين الرئيسيات التي تعيش في مجموعات؛ فيرتبط الذكر البالغ العادي من أشباه البشر بقرينةٍ واحدة لديها استعداد للنشاط الجنسي أغلب الوقت، وهو النسق الجنسي الذي نُسميه العلاقة الأحادية. ولاستيعاب الزيادة الكبرى في السلوك الجنسي للأنثى، ازدادت لدى ذكر أشباه البشر النموذجي مدة الجماع زيادةً هائلة؛ فعلى عكس القردة والسعادين التي تجامع لبضع ثوانٍ فقط في المرة الواحدة، أغلب الذكور من البشر يُجامِعون لعدة دقائق قبل أن تنتابهم نشوة الجماع. في الواقع، تطول العلاقة الجنسية النموذجية بين البشر عنها بين الرئيسيات الأخرى بنحو خمسين مرة.
hindawi
ماكلاجلن: ليس ضروريًّا … فمثلًا في البترول قد ينتهي البحث بالعثور على بترول بكمياتٍ قليلةٍ … أو العثور على بترول من نوع سيئٍ … وكذلك في الآثار … فقد ينتهي بالعثور على آثار لا قيمة لها … أو قيمتها محدودة. وصمت قليلًا ثم أضاف: إن عدد الأبحاث الأثرية التي انتهَتْ بالعثور على آثار ذات قيمةٍ تاريخيةٍ وماديةٍ كبيرة محدود للغاية. قال «تختخ»: أين الأعرابي؟ رد «ماكلاجلن»: إنه نائمٌ … فقد أمضى الليل بطوله ساهرًا! تختخ: للأسف إن الخريطة التي كنا نُريد أن نعرضها عليك قد فُقِدَت! بدا الاهتمام على وجه «ماكلاجلن» وقال: فُقِدَت؟! كيف؟ تختخ: كانت مع صديقي «محب» وكنا نتفرَّج عليها معًا، ثم حضرتَ أنت والأعرابي فشُغِلْنا بكما ونسينا مع مَن كانت … وعندما بحثنا عنها لم نجدها. لوزة: بقي أن نبحث عنها في المقطورة.
hindawi
٢ ولكن هل ماتت الفلسفة حقًا وانتهى دورها على مسرح الحياة العقلية؟ هل زالت فضيحتها التي رماها بها «كانط» عندما احتضرت بعيدًا عن العيون؟ أم أنها تظاهرت بالموت — كما تفعل بعض الحيوانات الماكرة! — لكي تنهض أكثر قوة وحيوية؟ لقد تحملت اللعنات التي انهالت على رأسها (ملعون هو المطلق! هكذا زفر وليم جيمز زعيم البراجماتيين) وصبرت على شماتة أبنائها الجاحدين (من أقطاب العلوم المتخصصة المنتشية بالنصر!) وتمددت برضاها على مشرحة النقد اللغوي والتحليل المنطقي كالطبيب الذي أجرى على نفسه عملية جراحية تشفيه نهائيًّا من مرضه، فلم يلبث الجمهور المتحمس من حوله أن هتف صائحًا: نجحت العملية ومات المريض! غير أنها خيَّبت ظنون الجميع عندما فوجئوا بها ترفرف بجناحيها كالعنقاء التي نفضت عنها بقايا الصدأ والرماد. وتبدلت الصورة الحزينة التي خيَّمت عليها في السنوات الأخيرة عندما أسرع قصار النظر فجللوها بالسواد. وعادت «الفضيحة» تثير اهتمام الناس وتنشر حولها عاصفة من النقد والجدل والحوار اهتزت لها الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية. وتعمدت «الحية الخالدة» أن تغير اسمها كما تغيِّر جلدها. ظهرت هذه المرة تحت أسماء أخرى كالنظرية النقدية، والنظرية العلمية والاجتماعية، ومشكلة المنهج والقيم، والنقد الأيديولوجي، والماركسية الجديدة، ونظرية البنية … إلخ، وانتعشت المشكلات الفلسفية — وبخاصة المشكلات الاجتماعية والأخلاقية — انتعاشة حرَّكت الشارع السياسي، وأطلقت ثورات الشباب، وزلزلت قلاع السلطة والبيروقراطية، وأجبرت الفلسفات التي تعرج على المسرح (فلسفات الوجود والأنطولوجيا الجديدة والمدارس الأكاديمية … إلخ) على الانزواء في ركن خفي، وأغضبت حراس القبور الذين ظنوا أن جثمانها التاريخي قد استقر إلى الأبد في مرقده الأخير.
hindawi
ذلك كله في حدود المبادئ المشتركة … لا، بل إن كل عبارة يخطها الكاتب إنما يلتزم فيها بمبادئ كثيرة، دون أن يحد ذلك من حريته في اختيار مادتها وطريقة صياغتها، ففضلًا عن قواعد اللغة نحوًا وصرفًا، هنالك مبادئ المنطق يلتزمها بحكم طبيعته نفسها، فهو لا يجيز لنفسه — مثلًا — أن يقول إنه إذا أراد مسافر قطع المسافة التي طولها مائتا كيلو متر في ساعتين، فيكفيه قطار يسير بسرعة عشرين كيلومترًا في الساعة، أو أن يقول إنه إذا أرادت البلاد تنفيذ خطة صناعية تكلفها مائتي مليون من الجنيهات، فيكفيها أن تجمع من المواطنين خمسين مليونًا — الكاتب حر فيما يقول، ما دام قوله ملتزمًا لطائفة من مبادئ اللغة والفكر، وهكذا قل في المواطن الفرد بالنسبة للمبادئ والأهداف التي وضعها المجموع، وكان هو أحد أفراد ذلك المجموع، فهو حر في طريقة سيره وأسلوب حياته، على أن تجيء مناشطه ملتزمة للمبادئ المقررة. فرغنا حتى الآن من فكرتين: الأولى هي أن الإرادة هي نفسها العمل الذي يحقق الهدف المنشود، وأنه حيث لا عمل فلا إرادة، وأن كل عمل إنما هو تغيير لأوضاع الأشياء، وإذن فنحن إذا قررنا لشخص أو لجماعة «إرادة» فقد قررنا بالتالي أن هذا الشخص أو هذه الجماعة تعمل عملًا تغير به من أوضاع الحياة قليلًا أو كثيرًا، والثانية هي أنه لا تعارض بين حرية الفرد الواحد في طريقة حياته، وبين أن يكون ملتزمًا بالأهداف والمبادئ والقواعد التي أقامها المجتمع الذي هو أحد أفراده.
hindawi
فهل نستدل بهذا على أنه كان يعرف غير اللغة العربية أيضًا؟ أظن ذلك؛ فابن خلكان يروي في ترجمة الفارابي أنه كان لسيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يحدثهم به. ومن مظاهر حبه للأدب وسعة اطلاعه وحسن ذوقه أنه كان كثيرًا ما يتمثل بأبيات قديمة، وتعجبه أبيات يرددها، أو قافية يستملحها، أو معنى يستجيده؛ فيطلب من الشعراء أن يجيزوها أو يقولوا على قافيتها، فمرة — مثلًا— ورد على خاطره بيتان للعباس بن الأحنف: واستحسن المعنى، فأرسل رسولًا مستعجلًا لأبي الطيب ومعه رقعة فيها البيتان يسأله إجازتهما، فقال المتنبي أبياته المشهورة: وديوان المتنبي وغيره من الشعراء مملوء بهذه الأمثال. ثم مجلسه الأدبي الحافل في حلب، والذي قل أن يكون له نظير؛ فالشعراء والأدباء في مجلسه يثيرون الموضوعات المتنوعة، ويساهم فيها سيف الدولة، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزل العطاء لمن أجاد؛ فأحيانًا يستذكرون الشعر القديم، وأحيانًا يسألهم إجازة الشعر، وأحيانًا مسألة نحوية، وأخرى مسألة لغوية، حسبما اتفق؛ فمثلًا مرة ينشئ سيف الدولة هذا البيت:
hindawi
إِنِّي لَيُسْعِدُنِي أَنْ تُقِمْنَ عِنْدَنا فَلا تُفارِقْنَنا أَبَدًا. تَعالَيْنَ، أَيَّتُها النَّحْلُ. لَنْ تَرَيْنَ إِلَّا مَا يَسُرُّكُنَّ. لَنْ يُكَدِّرَ أَحَدٌ صَفَاءَ الرَّاحَةِ والنَّوْمِ عَلَيْكُنَّ. لَنْ يَمَسَّ أَحَدٌ خَلِيَّتَكُنَّ. كَلَّا، لَنْ يَشْتَارَ (لَنْ يَجْنِيَ) شَيْئًا مِمَّا جَمَعْتُنَّ مِنَ الشُّهْدِ، يا أَمِيرَةَ النَّحْلِ. هَاكِ ثُغْرَةً أَمامَكِ فِي حائِطِ الْكُوخ، عَلَى يَمِينِ الْمَوْقِدِ؛ فَهَلْ تَرَيْنَها تُوَافِقُكِ أَنْتِ وَرَفِيقَاتُكِ؟» ••• أُعْجِبَتْ أَمِيرَةُ النَّحْلِ بِأَدَبِها فَقالَتْ: «شُكْرًا لَكِ، أَيَّتُها الْمَرْأَةُ الطَّيِّبَةُ. أَنْتُمْ — عَلَى مَا أَرَى — أَهْلٌ لِلتَّكْرِيمِ. أَنا أَقْبَلُ الضِّيَافَةَ بِسُرُورٍ وابْتِهاجٍ. سَنَعِيشُ جَمِيعًا تَحْتَ سَماءِ هذا الْبَيْتِ الْوادِعِ الْجَمِيلِ. لَنْ تَفُوتَنا السَّعادَةُ فِيهِ.»
hindawi
وعلى الفور رفع جميع الشياطين أيديهم وكأنهم طلبةٌ مجتهدون، يريدون الإجابة عن سؤال الأستاذ … أحمد: شكرًا لكم ودعوني أُرشِّح الذين تلقوا الدورة التدريبية الأخيرة على الأسلحة الحديثة … «عثمان» و«إلهام» و«بو عمير» و«زبيدة»، وأرجو أن نستعد بسرعةٍ للسفر الليلة إلى «هامبورج» للبحث عن «ساندي»، فالوقت ليس من ذهب فقط، ولكن من القنابل النووية أيضًا! وفي الساعة الخامسة مساءً قام «قيس» بتوصيل الشياطين الذين سيُسافرون «هامبورج» إلى مطار «هيثرو»، حيث استقلَّت المجموعة طائرة شركة الخطوط الجوية البريطانية المُتجهة إلى «برلين» … وبعدها يُكملون رحلتهم بالسيارة إلى «هامبورج». وقد غير «أحمد» من أسلوب الوصول؛ خوفًا من أن تكون حركة السفر في مطار «هامبورج» تحت مُراقبةٍ ما من المنظمات المُعادية للشياطين. استغرقت الرحلة ثلاث ساعات بين مدينتي «برلين» و«هامبورج»، قطعها «أحمد» بالسيارة المرسيدس الزرقاء التي وضعها أحد عملاء رقم «صفر» تحت تصرُّف الشياطين عند وصولهم لمدينة «برلين» …
hindawi
فكَّر الأعرابي لحظات ثم قال: نعم … إنها لا تقلُّ عن مسيرة يومٍ كامل بالناقة؛ لأننا سنتجه جنوبًا حتى الحدود المصرية الليبية، ثم ننحرف يسارًا لنتبع الآبار حتى الوصول إلى الوادي. قام «تختخ» بترجمة حديث الأعرابي إلى «ماكلاجلن» الذي قال مبتهجًا: عظيم، إننا نستطيع أن نبدأ غدًا. تدخَّلت «لوزة» في الحديث قائلةً: نريد أن نذهب معك. قال «ماكلاجلن» ضاحكًا: أنت يا صغيرتي؟! إن الرحلة ستكون شاقةً جدًّا عليكِ، يكفي واحدٌ منكم … أو فلتبقوا جميعًا، وسأذهب أنا مع «مولود»! قال «تختخ»: إننا مُصرُّون على الذهاب … فنحن الذين وجدنا الخريطة … وسنحتفظ بها حتى نعثر على «وادي المساخيط» … المشكلة أن يوافق خالي على الرحلة! ماكلاجلن: المشكلة الثانية أن نوفر ما يكفي من النياق لتحملكم جميعًا … ليس معنا هنا سوى ناقةٍ واحدةٍ، هي ناقة «مولود»، وهي لا تستطيع أن تحمل أكثر من شخصَينِ.
hindawi
(٣) هيبيل (فريدريش: ١٨١٣–١٨٦٣م) نشأ في ظروف بائسة، وتولَّى تعليم نفسه بنفسه بعد عجزه عن إتمام تعليمه العالي. استقر سنة ١٩٤٥م — بعد أكثر من إقامةٍ في هامبورج وهيدلبرج وميونيخ وروما — في مدينة فيينا وعاش في علاقة مع مسرح «البرج» العريق الذي تزوَّج — أيضًا (سنة ١٨٤٦م) — إحدى ممثلاته. وهيبيل هو أعظم كاتب وشاعر مسرحي ألماني في القرن التاسع عشر، ويتناول مسرحه «التراجيدي» مشكلات الصراع بين الأنا والعالم، وبين الأجيال والعصور والحضارات. ومن أهم مسرحياته: «ماريا مجدالينا» و«هيروديس» و«ماريا منه» و«أجنيس بيرناور» و«أجينيس وخاتمه» و«النيبولنجن»، وتجمع مسرحياته وأشعاره بين العاطفة العميقة المؤثرة والتأمل الفكري الدقيق، وبين التعبير الشخصي والتحليق في الأجواء الرمزية، وبين المثالية والواقعية النفسية والجبرية. وقد تأثَّرت «بالاداته» و«رومانساته» التي نظمها في بداية حياته بالشاعر أولاند الذي اعتبره نموذجه ومَثَله الأعلى.
hindawi
إلا أنه ثَمة أدلةٌ قوية على أن معالجة جلود الحيوانات تعود إلى زمنٍ بعيد من عصور ما قبل التاريخ من حياة أشباه البشر، وقد أكَّد هذا الفحص المجهري لأدوات حجرية قديمة، وخاصةً الأدوات المسطَّحة الضخمة ذات الحد القاطع الواحد المسمَّاة بالمكاشط. عند النظر إلى الحد القاطع لهذه الأدوات تحت المجهر، يمكن رؤية نمط مميز من التآكل، وهذا «التآكل المجهري» يشير إلى أن العديد من هذه المكاشط كان يُستخدم في إزالة اللحم والدهن من الجانب السفلي لجلود الحيوانات. في الواقع، يعود دليل التآكل المجهري على استخدام أدوات حجرية في كشط الجلود إلى ٧٨٠ ألف سنة على الأقل، وقد استمر هذا السلوك دون انقطاع في ثقافات الصيد وجمع الثمار حتى صارت الأدوات المعدنية متاحة في العصور الحديثة. إزالة اللحم من الجلود خطوة أولى ضرورية في عملية تحويل جلد الحيوانات إلى جلدٍ مدبوغ. الجلود التي كان يدبغها الصيادون والجامعون كانت تُستخدم كلها تقريبًا في غرض من ثلاثة أغراض؛ أولًا: من أجل أسقف الخيام والأكواخ وأغطيتهما. ثانيًا: من أجل الفراش المستخدم داخل مساكن أشباه البشر. وثالثًا: من أجل الأثواب والعباءات والقبعات والأحذية والقفازات، وسائر الملابس الأخرى التي لا بد أن أشباه البشر كانوا يرتدونها حين استقر بهم المُقام في البداية في المناطق الشمالية البعيدة. الدليل على أن جلود الحيوانات الخام كانت تُدبغ هو في حد ذاته دليلٌ غير مباشر على أن أناس ما قبل التاريخ كانوا يبنون مساكن ويَحيكون ملابس منذ مئات آلاف السنين.
hindawi
ولكن الوقت طويل، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وأحيانًا ستة وستون، وهذه المواضيع كلها لا تكفي لقطع الوقت، على الرغم من الإجازات الكثيرة التي تنفرد بها مصر دون سائر بلدان العالم، مثل عيد الوحدة الفاتح من سبتمبر، وأعياد النصر الذي تمَّ في وسائل الإعلام وحدَها، وغير ذلك من أعياد الأحزان في مصر. على الرغم من كل هذه الإجازات تبقى الأيام متطاولة، وحينئذٍ لا يجد كاتب الأرشيف مناصًا من أن يتكلَّم في الدين ويُفسِّر القرآن كما يفهمه هو. وليس الكاتب محتاجًا أن يقول إنَّ من حق كل إنسانٍ أن يفسِّر القرآن؛ فإن أحدًا لن يُطالِبه بالمراجع حتى يقول هذه المقالة؛ فهو سيُفسِّر وهم سيصمُتون، فالوقتُ المتطاول عليه متطاولٌ عليهم أيضًا، وما داموا لا يجدون شيئًا يصنعونه، فما عليهم لو أنهم استمعوا إلى أي حديثٍ، حتى إذا انتهى من تفسير القرآن بادئًا من الفاتحة وسورة البقرة منتهيًا إلى سورة الناس، دلَف إلى السياسة
hindawi
وحسبنا أنْ نلاحظ أنَّ الصحافة المصرية إنْ كانت قد بلغت من القوة في هذه الأيام حظًّا موفورًا، فهي بعد لم تستطع أنْ تتجاوز السياسة، وهي إنْ أثرت في الأدب فمن طريق السياسة، ومن السعي إلى السياسة، فأمَّا الصحافة الأدبية والعلمية الخالصة التي تتناولها لتقرأ فيها فصلًا من فصول الأدب، أو مبحثًا من مباحث العلم ليس غير؛ فما زالت إلى الآن سورية، وهي ترحب بضيوفها من المصريين وغير المصريين، وتجد في تضييفها إياهم حياة وقوة، ولكنها على كل حال سورية. والآن وقد ألممنا بأصول هذه النهضة النثرية العربية، فهل نستطيع أنْ نشخصها تشخيصًا صحيحًا، وأنْ نصل إلى المميزات التي تفرق بين هذا النثر الذي نكتبه الآن والنثر الذي كان يكتب منذ خمسين سنة؟ أعتقد أنَّ ذلك ليس عسيرًا؛ فقد كان النثر منذ خمسين سنة كما قلت لك آنفًا متوسطًا بين حالين فيه معنى قيِّم يُحدث في نفسك ما تطمح إليه من لذة علمية وفنيَّة، ولكنه لم يخلص من تلك الأغلال والقيود التي كان يرسف فيها النثر القديم، فهو مقيَّد بالسجع متكلف للاستعارة وألوان البديع والبيان، ولكنه لم يكن يتكلف هذه الألوان بحكم الفقر والإعدام، وإنما كان يتكلفها بحكم العادة، ولم يكن بدٌّ في ذلك الوقت الذي أحسَّ العقل الشرقي فيه حريته وشخصيته؛ من أنْ تشب الحرب ضروسًا بين المذهبين المختصمين دائمًا في النثر: مذهب أصحاب القديم، ومذهب أصحاب الجديد. وقد شبت بالفعل هذه الحرب، وكان السوريون هم الذين شبوها؛ لأنهم — كما رأيت — أصحاب الصحافة، ولأنهم — كما رأيت — أقرب إلى النشاط في
hindawi
وإنما اهتممت بهذا السؤال في بدء الحديث؛ لأنَّ قسمة الفكر إلى يمين ويسار مرتبطة في الأذهان ارتباطًا وثيقًا بموقفين متضادين في مجال الاقتصاد والاجتماع، فالاقتصاد الاشتراكي من جهة، والاقتصاد الرأسمالي من جهة أخرى، بما يتبع هذا التقسيم من تصوُّرَيْن مختلفين للعلاقة بين الفرد والمجتمع، الأول يسار والثاني يمين على سبيل الاصطلاح المتفق عليه، وإلى هنا تكون القسمة مفهومة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، لكن سؤالنا هنا هو: هل تمتد هذه التفرقة عينها إلى سائر جوانب الحياة الفكرية، بحيث تشمل الفلسفة والعلم والأدب والفن؟ وهل تكون هذه التفرقة عندئذٍ واضحة المعالم وضوحها في مجال الفكر الاقتصادي والاجتماعي؟ ألدينا من معرفة الخصائص المميزة لليمين واليسار في نواحي الفكر، ما يجعلنا ننظر في فلسفة ابن رشد وفلسفة الغزالي — وهما كما نعلم متعارضان — فنقول أيهما في اليمين وأيهما في اليسار؟ وما يجعلنا ننظر في فن العمارة بمسجد ابن طولون، وفي هذا الفن في مسجد السلطان حسن — وهما متباينان — فنقول أي الفنين يمين وأيهما يسار؟ هل يُعد زهير شاعرًا تقدميًّا لأن شعره هادف، ويعد ذو
hindawi
وفي اعتقادي أن الأستاذ الحكيم قد استجاب لما وُجِّه إلى مسرحه الرمزي الذهني من نقد نزيه، وأنه قد تطور في إنتاجه الأدبي نحو الواقعية الحية التي دعا إليها أو على الأقل قد أخذ يعود إلى إنتاجه الواقعي الذي طالعنا به في مستهل إنتاجه الأدبي الخصيب في قصة «عودة الروح»، وجاءت مسرحية إيزيس دليلًا على هذا التطور أو تلك العودة إلى اتجاهه المبكر. فتوفيق الحكيم في مسرحية «إيزيس» قد أراد — وله مطلق الحرية فيما أراد، بل وله الشكر على ما أراد — أن ينزل بالأسطورة القديمة من غياهب السماء إلى وضح الأرض، وهو لا يريد أن يرى في إيزيس إلهة خرافية تحمل من نسر يرمز لروح أوزوريس على نحو ما ترمز الحمامة لروح القدس في المسيحية، بل يريد أن يجعل منها المرأة المصرية كما كانت في عهد الفراعنة وكما لا تزال حتى اليوم على نحو ما أوضح في «عودة الروح»، حيث نرى باشمهندس الري يجمع الأدلة والبراهين ليثبت أن مصر القديمة لم تمت بل لا تزال حية في مصر الجديدة، وعلى أساس هذا الفهم لم يَعُد هناك مجال لأن نسأل توفيق الحكيم لماذا جعل من النقاب الذي ترتديه إيزيس مجرد حجاب تستتر به بدلًا من رمز للأسرار التي كانت تحتويها إيزيس في الأسطورة القديمة؟
hindawi
ليس يعنيني ما يقوله الفتى في ذاته، وإنما أن يتشدَّق رجلٌ ملء هدومه يعيش في بلدٍ من أعظم بلدان الغرب منذ سنوات، ويرى الحضارة وهي ترقى إلى القمر، ويظل الفخر عنده بإجرام أُسرته وقوَّتها؛ فهذا أمر يجعل الإنسان حائرًا مع البشر. إذا لم يتفاخر هذا الفتى الذي تُفتَرض فيه الثقافة والتحضُّر الإنساني بالعلم أو الفن أو الخلق فمن يتفاخر به؟ كيف يعيش في هذا القرن الباذخ العلم الشاهق الحضارة؟! فمتى حصَل على شهادة تعليمه العالي وعاصَر هذا العلم وتلك الحضارة في أرقى منابعها، ثم يتفاخر بالإجرام بلغةٍ جاهليةٍ قضى عليها الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا؟! فالبشرية إذن عند هؤلاء جامدةٌ متحجرة لا تتطوَّر ولا تنمو مع العصر، ونحن إذن قوم نعالن العالم أن حضارته وثقافته لم تصِل بعدُ إلى أغوار نفوسنا، وأن فينا — لا نزال — هذه البداوة الجاهلية، وأننا حتى نختلقُ أحداث الإجرام لنُضفي بها على أنفسنا وأُسراتنا الجلال والهيبة. وبدل أن نبحث لهذه الأُسرات عن أثَر في الفن أو الحياة العامة أو الوطنية أو الأخلاق الرفيعة أو المُثُل العليا نختلق لها الفخر من أحقرِ ما ينبغي أن ينتسب إليه الإنسان. وهل هناك أحقر من الإجرام؟
hindawi
رغم أن احتمال استخدام الهومو إريكتوس للرموز ما زال مسألة بحاجة للحسم، فإنه ثَمة دليلٌ مادي على أن بشر النياندرتال كانوا يصنعون أشكالًا بدائية من الحلي مثل القلائد وزينة الشعر وربما الأقراط قبل أن يأتي الإنسان الحديث تشريحيًّا بزمنٍ طويل. ولم يكن المقصود من هذه الزينة الشخصية تدفئة الجسم أو حمايته من تأثيرات الطقس، وإنما كانت تُلبس باعتبارها رموزًا للمكانة، أو كتمائم سحرية لدرء المرض أو الإصابة، أو للتزين فحسب. فلم تكن تُستخدم في أغراضٍ عملية؛ إذ كان الغرض منها رمزيًّا محضًا. في موقعين من مواقع كهوف النياندرتال في جنوب شرق إسبانيا، عُثر على أصداف متعددة أحدثت بها ثقوبًا، بحيث يمكن نظمها كقلائد أو ربط الشعر أو الملابس بها. كذلك احتوت مواقع الكهوف على أصباغ حمراء وصفراء كانت تُستخدم في تلوين الأصداف بألوانٍ زاهية. وفي كهف في شمال إيطاليا كان يستخدمه بشر النياندرتال، تُعطي بقايا عظام أجنحة النسور والعقبان والحمام والغربان أدلةً واضحة على نزع الريش الكبير من أجنحتهم عن عمد. وحيث إنه لا يوجد دليل على أن بشر النياندرتال استخدموا أيًّا من هذه الأنواع للغذاء، فمن الجلي أنهم كانوا يقتلعون ذلك الريش من أجنحتها لارتدائه كأغراض للزينة، ربما أقراطًا أو أغطية للرأس.
hindawi
حالما أظهر تايتس وجهَه للحشد من أسفله، اندفعوا جميعًا باتجاه الرافعة وهم عازمون على شدِّ الحبل ولفِّه كي يستردُّوا المنطادَ ويُنزلوه أرضًا. لكن تايتس مالَ إلى جانب المقصورة ولوَّح مهدِّدًا بخنجر عريض تلويحًا لم يُخالطْه شكٌّ أنه ينوي قطْعَ الحبل ويستقلُّ بالمنطاد إن حاول أحدٌ أن يسحبَه للأسفل. وهكذا أصبح سيدَ الموقف. أما الأعداء فقد ظلُّوا خاملين مذبذبين حيالَ أيِّ مسار يسلكون، بينما كان أصحابُ المقام الرفيع في الشرفة بالأعلى منخرطين في مشاورةٍ انخراطًا جديًّا. في الساحة وتحت الشرفةِ مباشرة، لمحتُ القنصلَ وسطَ عُصبةٍ من الأمريكيين، فشققْتُ طريقي إلى تلك البُقعةِ بصعوبة وبالمدافعة. لفتَتْ غمغماتُ الحشدِ انتباهي إلى المنطاد. كان تايتس يُرسل إشاراتٍ معينة مستخدمًا رايتَين صغيرتَين حمراوين. أخرجتُ رايتَين مماثلتَين من تحت مِعطفي، وهكذا أُقيمتْ قناةٌ للتواصل بين طرفَي جيش الولايات المتحدة الأمريكية. ودقَّت ساعةُ الكنيسة معلنةً تمام الساعة التاسعة.
hindawi
ولا يُمكن القول إنَّ هذا التَّعامُل النَّقدي قد بدأ لأول مرَّةٍ في الفترة التي نَتناوَلُها هنا بالعَرْض، إذ إنَّ بَوادِرَه الأولى قد بدأتْ منذ الحضارات القديمة، كالحضارة السُّومَرِيَّة، التي ظهرت فيها أول بدايات نظام الائتمان ودَفْع الفوائد لقاء القروض، كذلك تَضمَّن قانون حمورابي الذي يرجِع تاريخه إلى حَوالي ١٧٥٠ قبل الميلاد نُصوصًا خاصَّةً بالعقود وبالتَّعهُّدات والالْتِزامات في مجال الأعمال الاقتصادية. ولكنَّ أهمِّيَّة التَّعامُل النقدي، بوصفِه عاملًا حاسِمًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لم تظهَر بوضوحٍ إلَّا في العهد المُبكر للرأسمالية. ذلك لأن مُرونةَ المال النقدي وسهولة تبادُله وتشكيله بأشكالٍ مُختلفة، أدَّت إلى تحرُّر الأفراد الذين يَملكونه من الارتِباط بالمكان الثابت الذي كان من قبلُ هو المَصدَر الوحيد للثروة، وأعني به الأرض الزراعية، وزيادة قُدرتِهم على التنقُّل من مكانٍ إلى آخر، بل من وَطنٍ إلى وَطن. وكان هذا من العوامِل الأساسيَّة التي أدَّت إلى أن تُصبِح المُدُن مركز الثِّقَل في الحياة الاقتصادية في العصر الرأسمالي، بعد أن كانت هذه الحياة تتركز من قبل في الريف. فالحضارة الرأسمالية حضارة مُدن قبل كلِّ شيء، بل إن بقايا الطبَقة الإقطاعية حين شعَرَت بالضَّعف، نظرًا إلى ثَبات دَخلِها وافتِقارِها إلى المُرونة، أخذَت في بَيع أراضيها وتحوَّلَت إلى المدينة مُستهدِفةً تحقيق مَطالِبِها فيها، وبذلك ازدادَت أهمية الريف ضآلة، وساهَم الإقطاع في هدْم نفسه بنفسه. وكلَّما تَوطَّدَت دعائم حياة الحضر، ازداد المجتمع تعلُّقًا
hindawi
وماذا عن الثقافات التي كانت متقدمة ثقافيًّا وتقنيًّا لكنها لم تترك خلفها آثارًا مكتوبة؟ فالثقافات الكلتية في أوروبا العتيقة، على سبيل المثال، كانت شعوبًا زراعية متقدمة لديهم نظامٌ طبقيٌّ متطور ومعرفةٌ معقَّدة بتشكيل المعادن سواء البرونز أو الحديد. ومع بداية القرن الأول الميلادي كانت الثقافة الكلتية قد انتشرت في أنحاء أوروبا من المجر حتى الجزر البريطانية. ورغم أن الإغريق والرومان كانوا على معرفة بالكلتيِّين وكتبوا عنهم كثيرًا، فإن الكلتيين أنفسهم لم يستخدموا الكتابة. ورغم ذلك سيكون من المضلل بالتأكيد أن يُقال إن الثقافة الكلتية من ثقافات ما قبل التاريخ. أما مؤرخو المستقبَل فسيدرسون القرن الحادي والعشرين وهم يتنفسون الصعداء؛ فعام ٢٠٠٠م يُميز قرب بداية أفق التاريخ الرقمي، الذي تتوافر بعده المعلومات المسجَّلة لكل المجتمعات البشرية لأجيال المستقبل بتمام ودقة منقطعتَي النظير. على النقيض من ذلك، أكثر التاريخ المسجل قبل عام ٢٠٠٠م مجتزأ وغير مكتمِل.
hindawi
كان لدى أشباه البشر الأوائل أقفاص صدرية عريضة ومتباعِدة قرب الجزء السُّفلي، وكذلك عظام حوض أعرض وأكثر تباعدًا. تدل هذه السمات على أن بطن هذه المخلوقات كان كبيرًا نسبيًّا، في تشابه مع بطون القردة العليا؛ إنسان الغاب والغوريلا والشمبانزي، لكن مع ظهور الهومو إرجاستر والهومو إريكتوس صار القفص الصدري أضيق كثيرًا في الجزء السُّفلي، وصار الحوض أصغر في قطره. تُوحي هاتان السمتان بأن الهومو إريكتوس قد تطوَّر لديه البطن الأصغر حجمًا والأكثر اكتنازًا الذي يتميز به إنسان العصر الحديث، ومن المُمكن أن يكون قد أدَّى هذا إلى تقلُّص كبير في حجم الجهاز الهضمي. كذلك يؤيد فرضيةَ الطهو تغيرٌ تشريحي كبير آخر جاء مع ظهور الهومو إريكتوس: التقلص الكبير في حجم أسنان وفكوك البشر الناشئين. فسوف تتذكَّرون أن الشمبانزي الذي يعيش على الطعام النيئ فقط، لا بد أن يقضي ٥٠ في المائة تقريبًا من ساعات صحوه في مضغ الطعام، بينما إنسان العصر الحديث الذي يعيش بدرجة كبيرة على نظام غذائي من الطعام المطهو، يستطيع إنجاز كل عمليات المضغ الضرورية لتغذيته خلال خمسة في المائة من ساعات صحوه. هكذا كما تتخيَّلون، تفوق أسنان الشمبانزي وفكه نظائرها لدى الإنسان حجمًا بدرجة كبيرة بحكم الضرورة.
hindawi
الأجهزة المنزلية أقمت مع أسرتي طيلة خمسة عشر شهرًا، بدءًا من خريف عام ١٩٦٧م في جزيرة إيوس اليونانية، حيث درستُ أساليب المعيشة التقليدية لقُرويِّي الجزيرة اليونانية من أجل رسالة دكتوراه في علم الإنسان الثقافي. وقد اخترتُ جزيرة إيوس لأنها في ذلك الوقت لم يكن بها مَرافق بحرية قادرة على خدمة السفن السياحية، ولم تكن الكهرباء أو العربات المزوَّدة بمحركات قد دخلت الجزيرة بعد. ونتيجة لهذا، كان سكان الجزيرة يعيشون بدرجةٍ كبيرة كما كان يعيش أغلب سكان الجزر الأوروبيين قبل بداية الثورة الصناعية. كان أهل إيوس ما زالوا يزرعون حبوبهم ويطحنونها لتصير دقيقًا في طاحونة القرية. وكانوا يُعدُّون عجين الخبز في منازلهم ليخبزه خبَّاز القرية كل صباح في فرنٍ حجريٍّ ضخم يعمل بنار الحطب الذي كان يُشعَل كل مساء ويظل يحترق طوال الليل. وكان أهل الجزيرة يزرعون محاصيل الزيتون، التي كانوا يعصرونها لاستخراج الزيت؛ ومحاصيل العنب، التي كانوا يعصرونها لاستخراج النبيذ. وكانت كل لحوم الخنازير والخِراف والماعز والدجاج والبيض الذي يُستهلك على الجزيرة، وكذلك كل الأسماك والخضروات، يرعاها مُزارعون محليون ويصطادها صيادون محليون. أما لحم الأبقار فلم يكن متوافِرًا. وكانت نساء إيوس ما زِلن يَغْزلن خيوطًا من القطن والصوف، ويحِكْن كثيرًا من ملابسهن بأياديهن.
hindawi
وما أهون على الإنسان الراوية أن يروي عن عالمٍ فذٍّ من علماء الطبيعة، كيف يعيش حياته العلمية في وقار العلماء، حتى ليحسبه تلاميذه وخلصاؤه أنه إلى خصائص الملائكة أقرب منه إلى خصائص البشر، لكن ما أصعب أن يقع هذا الراوية في حياة هذا العالم على حقيقة عجيبة، وهي احتفاظه في مكتبته ببعض الكتب التي تخاطب الغريزة في أحط دركاتها، لينفس عن نفسه بها أثناء خلوته (اقرأ قصة «العبقري والإلهة» لأولدس هكسلي)، ففي الكشف عن مثل هذا الضعف وأمثاله في طبيعة البشر، ما يبصر الإنسان بحقيقة نفسه، كائنًا من كان ذلك الإنسان، وإني لأذكر قصة رواها لي صديق عن أستاذين من أجلِّ أساتذته — ومن أجلِّ من نعرف من أساتذة — خيل إليه عنهما، حين لم يكن يراهما إلا في قاعات الدرس، وبين الكتب وفي غمار البحث العلمي، خُيل إليه أنهما صنف من الكائنات يستغني عما يضطر إليه سائر الناس من طعام وشارب، حتى كان ذات يوم، رآهما معًا — وكانا صديقين متلازمين — يمصان القصب في جانب من الطريق العام، فهاله ما رأى لأنه لم
hindawi
قد يكون أعمق تغيير وقع في حياة البشر مع التحول إلى مجتمعٍ صناعي هو الاختفاء العام للنشاط البشري القديم المتمثِّل في البحث عن الغذاء وإنتاجه، والاستعاضة شِبه التامة عنه بالعمل في وظيفةٍ مقابل كسب النقود. قبل عام ١٨٠٠م كان جزءٌ صغير فقط من سكان الأرض من البشر يعملون في وظائف من أجل الحصول على أجر. وبعيدًا عن الحكام بالوراثة كان أغلب الناس مُزارعين، وكان البقية تجارًا وحِرفيين ومهنيين مثقفين وموظفين حكوميين وجنودًا ورجال دين، لكن مع انتشار المصانع والمكاتب في القرنين التاسع عشر والعشرين أصبح العمل مقابل أجر أكثرَ أشكال العمل شيوعًا في مجتمع العمل الجديد. يمكننا أن نُسلم بأن الناس يحتاجون لوظائف، وأن رفاهية مجتمعنا مرهونة بتوفر وظائف جيدة الدخل، لكن تظلُّ حقيقة أن المجتمع الذي يتكون بأكمله تقريبًا من أشخاص يعملون تحت توجيه أشخاص آخرين — الذين يُمدُّونهم بدورهم بموردٍ منتظم من المال — هو ظاهرةٌ جديدة تمامًا في تاريخ البشر. وتظل منظومة القيم والتقاليد التي أفرزتها الثقافات الحديثة لمعالجة المشكلات الاجتماعية والنفسية التي خلقها مجتمع العمل غير مكتملة وفي مرحلة التبلور.
hindawi
يُعَدُّ تحقيق المساواة بين الجنسين اليوم هدفًا محوريًّا للوصول إلى التنمية البشرية المستدامة؛ إذ يؤدي «تمثيل المرأة» — حيثما يُسمَح به في عملية التنمية — إلى استغلال الموارد البشرية والطبيعية على نحو أكثر فعالية؛ لأن المرأة تميل إلى ضمان المساواة في تقسيم الموارد المقدَّمة إلى المجتمع، والتأكد من الاستفادة من دروس التنمية ونقلها إلى الأجيال القادمة، إلا أن مؤيدي المساواة بين الجنسين يواجهون معارضة قوية في المجتمعات التي تُحرَم فيها المرأة من الالتحاق بمستويات التعليم العليا ومن العمل؛ إذ تُستغَل «القيم التقليدية» في العديد من أنحاء العالم لتبرير إقصاء المرأة. وليس الأمر مسألة صراع بين المحافظة الدينية والحداثة العلمانية؛ ففي العديد من الدول الإسلامية الحديثة، ومن بينها ماليزيا على سبيل المثال، تُشكِّل الفتياتُ غالبيةَ الطلاب في مرحلة التعليم بعد الثانوي. فالأمر يتعلق بالأحرى بالتقاليد الراسخة والهيمنة الذكورية والتخلف الاقتصادي؛ وهي عوامل تتعلق بالأنظمة ككل، وقد يستغرق هدمها عدة عقود.
hindawi
وقبعتُ في المنزل أترصَّد الساعة حتى أصبح الموعد مناسبًا، ونزلتُ من بيتي وذهبتُ إلى مقر الاحتفال. فوزي المعلاوي لا يدخل مع الفرقة الموسيقية، ولكنه يترك الفرقة تعزف جزءًا كبيرًا من المقطوعة ثم يدخل حتى يضمن التصفيق له أن يكون واضحًا في الإذاعة، ولا يضيع صداه في زحمة فتح الستار والتصفيق المتخاذل للفرقة. وانتظرتُ حتى أعلن مذيع الحفل عن فقرة فوزي المعلاوي، وفُتحت الستارة، وصفَّق الحشد الهائل تصفيقًا هينًا للفرقة وبدأَت الموسيقى العزف، ولكنها لم تكَد حتى رآني الناس أتسلَّق المسرح من الصالة، ورحتُ من فوري أغني أغنية المعلاوي. وما له، لا بأس؛ فما دمتُ لا أستطيع أن أغني أغنياتٍ من شعري ومن تلحيني فلْأتواضَعْ وأغنِّ كلماتٍ لشاعرٍ آخر وبلحنٍ لم أؤلِّفه. لا بأس أن تكون هذه هي البداية. بُهت الجمع الحاشد، وارتسمَت الدهشة في كل الوجوه، واضطرب أعضاء الفرقة الموسيقية، وأصبحوا لا يدرون ماذا يفعلون؛ فقد كانوا يتوقَّعون أي شيء إلا هذا الذي صنعتُه. توقَّف بعضهم عن العزف واستمر بعضٌ آخرون، ولكن ضابط الإيقاع الذي ينقر الطبلة كان أسرعهم إلى العمل؛ فقد كان رجلًا ضخم الجثة قوي البنيان، ولا شك أنه خبيرٌ موسيقي. وقد أدرك في اللحظات القليلة التي استمع إليَّ فيها أنني سأمحو فوزي المعلاوي من الوجود، بل وسأمحو معه كل المغنين السابقين منهم واللاحقين.
hindawi
رد الأول: أفضِّل أن نأخذها معنا إلى الزعيم … وهو حُر التصرف … فنحن قريبون من حِصار الشرطة … وقد يفتِّشون عنها بعد قليل ويصِلون إليها. الثاني: ولكن كيف نمرُّ بها في الشارع؟ ربَّما عرفوا خطفها، ويفتِّشون السيارات. الأول: سنمضي بها عبر النيل؛ فنحن قريبون منه، ولا أظنُّهم سيفكِّرون في حِصاره. خرجا بها من الكوخ … وكان الظلام قد تكاثف … وبعد أن مرُّوا بالأرض المزروعة وصلوا إلى النيل، حيث كان يوجد زَورقٌ مُختفٍ تحت الأشجار الطويلة … كانت «نوسة» مُستسلِمةً صامتة؛ فقد كان أحد الرجُلَين يحمل مسدَّسًا ضخمًا، ويبدو من وجهه الصارم أنه على استعداد لاستعماله في أي لحظة. وفي تلك الأثناء كان الأصدقاء الثلاثة قد أتمُّوا تجهيز الخطة التي تصوَّروا أنها ستجذب الجواسيس إلى «الفيلا» … وكان المفتش «سامي» ينتظر مكالمة منهم، فقال «تختخ»: والآن نتَّصل بالمفتش!
hindawi
وجاءنا بأظرف إنسان فاستظرفه المعتز، وقال لي: قل له — فيما بينك وبينه — من تحب أن يكون معك من هذين لا يفارقك؟ فقلت له. فقال: كلاهما وتمرًا. فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير فقلت للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الاختيار والله في هذا دمار، وما خلق الله عقلًا يميز بين هذين، ولحقهما الموكب فارتاع الديراني، فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه، فإني لمن ثم مولى ولمن ها هنا صديق. فمزحنا ساعة، ثم أمر بخمسمائة ألف درهم. فقال: والله ما أقبلها إلا على شرط. قال: وما هو؟ يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد. قال: ذلك لك فاتعدنا ليوم جئناه فيه. فلم يبقَ غاية، وأقام للموكب كله ما احتاج إليه، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا، ووصله المعتز يومئذ صلة سنية، ولم يزل يعتاده ويقيم عنده. هذه الحياة ألهمت المعتز نفسه ذوقًا فنيًّا خالصًا، فكان شاعرًا وشاعرًا مجيدًا، ولو قد مُدَّ له في عمره لكان كابنه شاعرًا نابغة، ولكنه أعجل فلم تطل أيامه، وكان يُعنَى من الشعر بهذه الفنون التي تلائم القصر، وتلائم المجون والدعابة، أو التي تلائم حياته الخاصة، وكان يطلب من المغنين والمغنيات أن يغنوه فيما يصنع من الشعر، وكان إذا قال بيتًا وطلب من المغنين غناءه طرب وطرب الندماء، يصنع من الشعر، وكان إذا قال بيتًا وطلب من المغنين غناءه طرب وطرب الندماء، وأنفقوا يومهم أو يومهم وليلتهم يسمعون ويشربون، ولكن هذه الحياة لم تطل، وهذا النعيم لم يدم، فقد كانت حياة القصر العباسي شديدة التعقيد، وكأنها ورثت من القصر الفارسي القديم كل ما كان فيه من اضطراب وعبث وكيد حد له.
hindawi
وصل الشاويش إلى مدخل «الفيلا» والصديقان يخرجان، فرفع بندقيَّته، وطلب منهما أن يقفا حيث هما، وقال «تختخ»: إننا لسنا لِصَّين … لقد كنَّا نُحاول القبض على اللِّصَّين. قال الشاويش في صوتٍ خَشِن: وما لكما وهذا؟ ردَّ تختخ: دعنا من هذا الحِوار یا شاويش وتصرَّفْ بسرعة. قال الشاويش في سخط: إنك لن تعلِّمني عملي، تعالَيا معي إلى الداخل. وأطاع الصديقان وهما ينفُضان ثيابهما، ويتحسَّسان مكان الإصابات التي حدَثت في أثناء الاشتباك، ثم قال «تختخ»: إن المفتِّش «سامي» سيهمُّه أن يعلم ما حدَث … فاتَّصل به یا شاويش «علي» فورًا. وقف الشاويش مُترددًا لحظةً ثم رفع سمَّاعة التليفون، واتَّصل بالمفتش «سامي» وروى له تفاصيل ما حدَث … وطلب المفتش الحديث إلى «تختخ»، وسمع منه كل ما حدث، ثم قال: سأحضر فورًا فلا تنصرفا. اطمأنَّ الشاويش إلى أنه أدَّى واجبه، وقال لهما إنه كان يقف أمام باب «الفيلا» عندما خُيِّل إليه أنه يسمع أصواتًا تصدُر من داخلها، فأخذ يستمع، وعندما تأكَّد من صِدق الأصوات أطلق صفارته، وعندما اقترب من الباب الخلفي كان اللصَّان يجریان فجرى خلفهما، ولكنهما كانا يسبقانه بمسافةٍ طويلة، وكانت هناك سيَّارةٌ دائرة في انتظارهما فانطلقا بها … وقد أطلق الرَّصاص على السيارة، ولكنه ليس مُتأكدًا أنه أصاب أحدًا.
hindawi
هذا ومن الحق أن نسجل لتوفيق الحكيم ما قرره هو نفسه من مرونة طبعه وقدرته على التكيف، في مقال له بعنوان «الحياة هدف وإرادة»، المنشور في أحد كُتبه الأخيرة وهو كتاب «أدب الحياة»، وهذه القدرة على التكيف هي التي مكَّنته من أن يتطور بفنه نحو الحياة التي يعيشها مجتمعه ويحاول أن يساهم في تطويرها، فنتج عن ذلك اتجاهه الأخير الذي سميناه الاتجاه نحو المسرح الهادف.
hindawi
التلوث والبلاستيك بدأ التلوث الجوي الخطير على يد البشر على نطاقٍ عالَمي منذ ألفَي عام على الأقل، عندما بدأ الرومان في صهر كميات كبيرة من النحاس. ثَمة أدلةٌ أخرى على التلوث الجوي بالنحاس كذلك من العصور الوسطى، عندما كان صهر النحاس مُنتشرًا في كل من أوروبا والصين؛ إذ تُشير التقديرات إلى إطلاق ما يقرب من ألفَي طن من النحاس في الغلاف الجوي كل عام خلال هاتين الفترتين. بيد أن التلوث الناجم عن نشاط الإنسان تسارعت وتيرتُه بدرجةٍ هائلة مع قدوم الثورة الصناعية؛ فقد تدفَّقت كمياتٌ ضخمة من ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والميثان والبوتادين والبنزين والتولوين والزيلين وسائر المُذيبات النفطية والمنظفات والكلوروفورم والمُبيدات الحشرية ومُبيدات الحشائش والأمونيا والأحماض والنترات والفوسفات والمعادن الثقيلة والمستحضرات الدوائية في الغلاف الجوي للأرض وتربتها ومجاريها المائية ومحيطاتها، وينتهي الحال بالكثير من هذه الملوثات في البحر.
hindawi
وأخيرًا منحت القدرة على السرد الإنسان الحديث تشريحيًّا طريقة لمعرفة كيف جرت الأحداث في الماضي، بل وكيف ستجري في المستقبل أيضًا. على هذا المنوال، منح اختراع الحكي لنوعنا القدرة الفريدة على تصوُّر مرور الوقت والاستعداد لأحداث لن تقع قبل أيام أو أسابيع أو شهور في المستقبل. لذا، ليس من قبيل المصادفة أنه عندما حلَّ مكانَ بشر النياندرتال الإنسانُ الحديث الذي تمتَّع بثقافاتٍ ثرية بالتواصل الرمزي — والذي امتلك، من خلال الاشتراك في رمزية اللغة والتراث الشفهي، معلومات أكثر بكثير حول سبل العيش — ازدادت أعداد البشر في أوروبا خلال بضعة آلاف السنين حتى صارت عشرة أضعاف ما كانت عليه خلال زمن بشر النياندرتال. قوة التطور الثقافي تتكوَّن الآلية الأساسية للتطوُّر البيولوجي من ثلاث عمليات أساسية؛ أولًا: يرث كل جيل خواص والدَيه من خلال المعلومات المشفرة في المواد الوراثية التي يمدُّه بها كلٌّ من الأب والأم. وثانيًا: تُفقد بعض هذه المعلومات أو تتغير حتمًا من خلال عملية إلى حدٍّ كبير عشوائية نُسميها «الطفرة». وثالثًا: أغلب الطفرات إما أن تكون بلا تأثير على نمو الكائن أو تكون مُضرَّة أو غير مُلاءمة؛ مما يجعل الحياة عسيرة على الأفراد الذين تغيَّر حمضهم النووي.
hindawi
(أ) في إيطاليا وإنجلتراراجع عنه في العربية: كتاب جورج باركلي للدكتور يحيى هويدي، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، وكذلك ترجمته وتقديمه لمحاوراته الثلاث بين هيلاس وفيلونوس.راجع في العربية كتاب «ديفيد هيوم» للدكتور زكي نجيب محمود وفلسفة هيوم والنظرية السياسية عند ديفيد هيوم ومحاورات في الدين الطبيعي لهيوم وكلها للدكتور محمد فتحي الشنيطي.(ب) في فرنساراجع عنه في العربية: جان جاك روسو للمرحوم الدكتور محمد حسين هيكل، العقد الاجتماعي ترجمة الأستاذ عادل زعيتر، إميل أو التربية ترجمة الدكتور نظمي لوقا، اعترافات جان جاك روسو ترجمة الأستاذ محمد بدر الدين خليل.(ﺟ) في ألمانياراجع عنه: تربية الجنس البشري من ترجمة الدكتور حسن حنفي، وكذلك ترجمة الدكتور مصطفى ماهر لمسرحيته «مينافون بارنهيلم».
hindawi
جلس الملك «فرانز» أمام حديقته التي تحبس بين أسوارها وفي أقفاصها الأُسُود، منتظرًا بداية الصراع بين الوحوش بعضها وبعض، وبين الوحوش والإنسان. اتخذ كبار رجال البلاط أماكنهم من حوله، أما كرائم السيدات فجلسن في الشرفة العالية، وقد تألَّقت زينتهن، وسطعت حليهن، ووُضِعت على رءوسهن أكاليل الزهور. لم يكد الملك يعطي الإشارة من إصبعه حتى انفتح أحد أبواب الحلبة الواسعة، ودخل منها أسد يمشي بخطًى ثقيلة متأنية، ويتلفت حوله بنظرات متوانية صماء. فتح فمه على اتساعه، وأخذ يتثاءب، ويهز عُرفه الأشقر المتهدِّل على رأسه، ثم تمطَّع قليلًا قبل أن يتمدد على الأرض ويستريح. عاد الملك يشير بإصبعه، فانفتح على الفور باب ثانٍ، خرج منه نمر ضخم أخذ يقفز قفزات وحشية خاطفة. ولم يكد يرى الأسد الراقد أمامه، حتى دوت زمجرته العالية، وأخذ يضرب الأرض بذيله ذات اليمين وذات اليسار، ثم بدأ يلف في دائرة بعيدة عن الأسد، وقد تدلَّى لسانه، وراح يلعق به شفتَيه قبل أن يتمطَّى على الأرض، وهو يدمدم بصوتٍ متحشرجٍ مكتوم.
hindawi
(١) الرأسمالية المُبكرةظهور فِئةٍ مُنتِجةٍ مُستقلَّة هي فئة «الصُّنَّاع» التي يُمكن أن يُعدَّ ظهورُها مرحلةً وسَطًا بين الاقتصاد الإقطاعي الذي كان زراعيًّا، ولم يكن يَعرِف إنتاجًا حِرَفِيًّا مُنظَّمًا، وبين المرحلة الصناعية المُكتمِلة في العصر الحديث. هذه الفئة لم تكن قد تحوَّلَت بعدُ إلى «طبقةٍ عاملة» بالمعنى المعروف حديثًا لهذه الكلمة، ولم تكن قد انفصلَت تمامًا عن الواقِع الذي تُنتِج فيه ومن أجله، بل كانت لا تزال لها صِلاتٌ قوية بإنتاجها وبالأغراض التي تُنتِج من أجلِها.ظهور نَمَطٍ اقتصادي لا يَستهدِف الاستهلاك في نفس الوحدة المُنتجة، أي ظهور البوادر الأولى «للسوق»، التي ينفصِل فيها المُنتِج عن المُستهلِك. ومع ذلك فإن المَعالِم الكاملة للسُّوق، من حيث هي كِيان لا شخصي مجهول لا يعرِف العامل المُنتِج عنه شيئًا سوى أنه قوَّة تتحكم فيه دون أن يدري عنها شيئًا — هذه المعالم لم تكن قد تحدَّدَت بعدُ بوضوحٍ في هذه الفترة.
hindawi
ومضى يتتبع السلك الذي كان يَظهر أحيانًا ثم يختفي حتى وجد «بو عمير» نفسه قد اقترب من أعلى قمة في الجزيرة دون أن يدري، ولاحظ على يساره فتحة عميقة، نظر فيها، فوجد أنها تُطلُّ على البحر مباشرة، وشاهد من بعيد زبد المياه الأبيض، وتوقف لحظات يلتقط أنفاسه … وفي هذه اللحظة سمع صوتًا مُتقطِّعًا يشبه الصوت الذي تُصدرُه آلة كاتبة من طراز كبير، وأخذ يستمع في انتباه، وبعد لحظات كان متأكدًا من مصدر الصوت … ومن أنها ليست آلة كاتبة، ولكنها آلة تتحدَّث بشفرة خاصة؛ فقد كانت الدقات والوقفات تمضي بأسلوب خاص، ورغم تدريب الشياطين على فكِّ الشفرة، فإن «بو عمير» لم يستطع أن يفهم اللغة التي تتحدَّث بها الآلة … وأخذ يسير مُحاذرًا اتجاه مصدر الصوت، وفي لحظة كالبرق لمح — وهو يمر بأحد المنحنيات — رجلين يقفان ومع كلٍّ منهما بندقية مثل التي شاهدها مع الرجل ذي الغطرة الحمراء … ورفع أحد الرجلين بندقيته ليُطلقها، وبسرعة البرق كان خنجر «بو عمير» يَطير في الهواء ويستقرُّ في ذراع الرجل الذي صرخ من الألم ثمَّ استدار «بو عمير» وقفز في الهواء … وسمع طلقة رصاص تمرُّ بجانبه، ثم ألقى بنفسه في قفزة رائعة عبر الفتحة الواسعة التي تؤدي إلى البحر، ووجد نفسه يسبح في الهواء فترةً تزيد على الدقيقة، وعرف أنه ينزل من ارتفاع شاهق جدًّا، وأن المياه إذا لم تكن عميقة بما يكفي فسوف يتحطَّم على قاع البحر، ثم لمست ذراعاه المبسوطتان المياه، وأحس بألم وهو يمرق في المياه نازلًا في العمق، وظل يهبط ويهبط حتى فقد قوة اندفاعِه وأخذت حركته تُبطئ، فدار في حركة لولبية، وأخذ يشق طريقه إلى سطح المياه.
hindawi
والظاهر أن حرص توفيق الحكيم على «السيمترية» هو الذي دفعه إلى إقحام شخصية إيسمين على هذه المسرحية، فدورها يكاد يقتصر على محاولة عابرة لإخصاب روح نرسيس الضحلة التافهة، وكأن المؤلف يريد أن يقول لنا إن المرأة حتى ولو كانت نبيلة حكيمة فاضلة لا تصنع من الإنسان التافه شيئًا، بينما تستطيع جالاتيا المرأة أن تُفسد على الفنان الموهوب حياته وتبدد أحلامه وتعوق ملَكاته الخلاقة. وفي اعتقادنا أن حذف شخصية إيسمين لا يُفقد المسرحية شيئًا، بل لعله يزيدها تركيزًا وإحكامًا في البناء، وبخاصة أن المؤلف قد عالج وجهتي النظر علاجًا ضافيًا مسهبًا في الفصل الأخير عن طريق الحوار شبه الجدلي الذي يُجريه بين نرسيس وبجماليون حول دور المرأة في الحياة عامةً وحياة الفنان خاصةً، وهي القضية التي حلها توفيق الحكيم بنفسه ولنفسه في حياته الفعلية بزواجه في سنة ١٩٤٦ وإنجابه طفلين دون أن يشل الزواج ملَكاته الخلاقة، بل لعله أخرجه من التردد بين الفن والحياة وعشق الفن للفن، حتى كانت ثورة سنة ١٩٥٢
hindawi
– خادمك الأمين حسونة هنداوي. – ومتى تبدأ عملَك؟ – لقد بدأتُه فعلًا يا مولاي. وضحك السلطان في سرور واستظراف. واستأذن حسونة في إلطاف. وما لبث أن بدأ العمل في غير تأخُّر ولا مهل. وراح يندَس بين الجموع، ويختلق المحامد للسلطان ويذيع. ولم يلحظ الأبلَه الموهوم، أن الناس تستمع إليه في وجوم، وأنها تدعو للسلطان في الظاهر؛ لأنها لا تملكُ أن تقول ما يدور بالخاطر. وكما فشا حسونة في الشعب، أضحك السلطان من القلب. وجهل أنه قد يستطيع أن يضحك سلطانًا، ولكنه لا يستطيع أن يخدَع إنسانًا. ومَرَّ الزمان واستدار. وجاء موعد السلطان لملاقاة الجبار القاهر فوق عباده، والذي لا يخرج شيءٌ عن مراده. وانقلَب الحال إلى حال جديد، وانتهى زمن حسونة والوزير غير الرشيد. وذهب الوزير إلى كسرة من زاوية النسيان، ولكن حسونة أراد أن يُغالِب الزمان، فنزل إلى الناس في السوق، فإذا هم يضربونه ضربًا لم يذُقه مخلوق، وهو يجري أمامهم مذعورًا، ويتخاضَع لهم مذلولًا مدحورًا.
hindawi
••• حين يبدأ مجتمعٌ وثقافة عالمية في التشكل، لن يكون المزيد من الاندماج بين البشر ممكنًا أو ضروريًّا. كذلك لن تكون حركة الاندماج الأخيرة والنهائية هذه معناها أن أيًّا من الجماعات البشرية التي نشأت بالفعل ستختفي من الوجود. فالتاريخ يُبرهن لنا أن الجماعات البشرية التقليدية التي انبثقَت عن تحولات سابقة — الأسر والعشائر والقبائل والأحياء والقرى والبلدات والمدن والأقاليم والدول والأمم —احتفظت كلها بهوياتها، وحافظت على وحدتها، وظلت هي المتحكِّمة في مجالات الحياة الملائمة لها، حتى مع ظهور كيانات أكبر وأكثر شمولية. في الفصل التالي والأخير، سنتناول بالبحث القوى المتعددة — التي أطلقت لها العنان التقنيات نفسها التي جعلتنا بشرًا — والتي صارت تهدد استمرار كوكبنا على المدى الطويل وشبكته الهشة من أشكال الحياة. كذلك سنأخذ في الحسبان احتمال استخدام البشر لقوى التقنية الرقمية بهدف إنشاء كيانات عالَمية جديدة قادرة على إدارة موارد الأرض — ليس لمصلحة دولة واحدة وإنما لمصلحة البشرية جمعاء، وكل أشكال الحياة الأخرى على ظهر البسيطة.
hindawi
هذه خلاصة موجزة للتخطيط الذي استطعت أن أصل إليه وسط أحراش توفيق الحكيم بعد طول الروية والاستجمام.
hindawi
وأظنكم توافقونني على أن هذا المطلع غريب، وأنَّ فهمه ليس بالشيء اليسير. وأظنكم سمعتم أن أبا العميْثَل قال له: لمَ لا تقول ما يُفهَم؟ فأجابه: ولمَ لا تفهم ما يُقال؟ وتذكرون قصته حينما مدح أحمد بن المعتصم بسينيته المشهورة، وسمع الكندي الفيلسوف قوله: فقال له يعقوب الكندي: الأمير فوق ما ذكرت. فقال أبو تمام: ثم لما أتم قصيدته وأخذت منه لم يوجد فيها هذان البيتان، وهذا يدل على أن اعتراض الكندي هو الذي أملاهما عليه بديهة، فقد كان ذكاء أبي تمام وحدَّة ذهنه شيئًا لم ينكره أحد من الذين عاصروه. إلى جانب هذا الذكاء كان أبو تمام حاد الشعور وكان يحس الأشياء حسًّا سريعًا، ويتأثر بها تأثُّرًا عميقًا، ثم لم يكن ذكاؤه يمتاز بهذه الحدة فحسب، وإنما كان يمتاز بشيء من العمق لم يكن لغيره من الشعراء، فأبو تمام لم يكن كغيره إذا تعرض لشيء أخذ منه ما يبدو أخذًا سريعًا، ولكنه كان إذا تعرض لمعنى من المعاني تعمقه، وكان هذا التعمق من مزايا أبي تمام ومن عيوبه في وقت واحد. من مزاياه؛ لأنه من أظهر الدلائل على قوة العقل، ومن أحسن الوسائل لفهم الأشياء ومن أقوم الطرق التي تحول بين الإنسان وبين الخطأ وفي الفهم وفي التقدير، ولكنه في الوقت نفسه كان يضطره إلى ألوان من الإغراب في المعاني وفي الألفاظ أيضًا، فكان يصل إلى أشياء لم يتعود الناس أن يروها، ولا أن يصلوا إليها، كان يدهش الناس بما يظهر من هذه المعاني المختلفة، ثم كانت تعوزه اللغة أيضًا.
hindawi
وتعوَّد من لا حياء له هذه الحياة، وجنى منها مالًا ما كان يحلُم أن يصيبه؛ فميدان النهب أوسع الميادين مجالًا للغنى. وانعدام الضمير من أعظم شِباك الثراء نجاحًا، فإذا واكبه انعدام الحياء أيضًا أصبحَت الأموال غدَقًا وصار الغِنى فاحشًا. وجاب السفَّاح المهرِّج والمدَّاح الصفيق أقطار الحياة، وساحا في أرجائها، وأصبح اسم كلٍّ منهما على ألسنة روَّاد السيرك جميعًا. وراح يذكُرهما في غير تصريحٍ كلَّ من أصاباه في ماله أو عِرضه، أو أصابا أحدًا من أقاربه في حياته. وتدور الأيام وإن الأيام دائمًا تدور. وذلك أعظمُ سُنن الكون وأرفعُها شأنًا وأعلاها دستورًا. ومات المهرِّج. والمهرِّج هو الأصل، والمدَّاح نباتٌ عليه متسلِّق، لا يحيا بدونه، ولا يعيش بغير وجوده. ولكنه صفيق. أصَر أن يبقى في حلَبة السيرك، وحاول أن يتقافز كما كان يتقافز، ولكن الجمهور في هذه المرة ثار عليه ثورةً جادَّةً لا هزل فيها. وأعاد هو المحاولة في يوم تالٍ، ثم في أيام توالٍ، ولكن الجمهور أصَر أن يظل ثائرًا عليه، لا يريد أن ينظر إليه، ولا يجد في وجوده بالحلبة أي معنًى؛ فقد كان قطعةً صغيرة مكمِّلة لآلةٍ مضحكة. وقد هلكَت الآلة، فما معنى بقاء هذه القطعة المكملة لها؟! كان يمكن أن تصلُح الآلة بغير القطعة، ولكن هيهاتَ أن تصلُح القطعة بغير آلة.
hindawi
ولذلك فإنه إذا كانت قِيَم الشجاعة والترفُّع والأرستقراطية هي السائدة في جانب الإقطاعيين، فإن قِيَم الخضوع والولاء كانت هي السائدة في جانب عامَّة الناس، وكان النموذج المَرغوب فيه لإنسان العصر الوسيط هو نموذج الإنسان الخاضِع، الذي لا يتجاوَز حدودَه ولا يتطلَّع إلى ما هو أعلى منه، والذي تنحصِر أغلى أمانِيه في رِضاء سيِّدِه الإقطاعي عنه.وقد أسهم رجال الدِّين بدَورهم في إكمال صورة العصر الإقطاعي الغربي، فنَشروا بين عامَّة الناس «قِيَم الزُّهد» وصَوَّروا حياة الإنسان على هذه الأرض بأنها مرحلةٌ عابرة، لا ينبَغي أن يُولِيَها اهتمامًا كبيرًا؛ ومِنْ ثَمَّ كانت أفكارهم مُنصرِفةً عن هذا العالَم، زاهِدة فيه، ولم تكن لأوْجُه النشاط المُتعلِّقة بهذه الحياة من قِيمةٍ سوى أنها تُهيئ الإنسان للحياة الأخرى الباقية. على أن هذه القِيَم كانت في واقع الأمر مُوجَّهةً نحوَ عامَّة الشعب؛ أعني نحو أولئك الذين يُريد رجال الدين في ذلك العصر أن يَظلُّوا في حالةٍ من القناعة والاكتِفاء بأقلِّ القليل. أمَّا رجال الدين أنفسهم فكان الكثيرون منهم يعيشون حياةً لا صِلةَ لها على الإطلاق بما يَدعُون الناس إليه؛ إذ إنهم كانوا يستمتعون بكلِّ مَباهِج الحياة، ولم يكن إصرارُهم على تأكيد قِيَم الزُّهد إلَّا تَغطيةً لنَمَط حياتهم الذي كان أبعدَ ما يكون عن الزُّهد. والمُهِمُّ في الأمر أن انتشار أفكار الخضوع والولاء والرِّضا بالقليل كان يرجِع إلى تأثير رجال الدين بقدْر ما كان يرجِع إلى تأثير النُّبلاء الإقطاعيين.
hindawi
ﻓ «التشخيص» في ذاته لا يمكن أن ينفر منه أديب مثقف كتوفيق الحكيم، وإنما ينفر أو يمكن أن ينفر من تشخيص التوافه، وأكبر الظن أن عدم استجابة الجمهور العام لهذا النوع الجديد من المسرحيات هو الذي ساق توفيق الحكيم إلى مثل هذه المغالطات، وجعله ينادي بأنه يكتب هذه المسرحيات الذهنية للقراءة لا للتمثيل. وهذه التجربة الخطيرة تتطلب منا كنقاد ودارسين أن نبحث عن أسباب ضعف استجابة الجمهور لهذه المسرحيات، وهل هو راجع إلى ضعف في المستوى الثقافي والفني للجمهور وحده، أم أن هناك اعتبارات تُضعف من القوة الدرامية المؤثرة لمسرحيات الحكيم الذهنية. والواقع أن المسرح الذهني لتوفيق الحكيم ممتاز في اختيار القضايا الذهنية التي عالجها، وفي إدارة الحوار الذي يعرضها بواسطته، ولكن النقص الواضح في مسرحيات الحكيم الذهنية هو في خلق الشخصيات وتحديد أبعادها وتحميلها عبء الصراع الذي يجريه داخل الذهن البشري كما يقول، فالشخصيات في مسرحه الذهني لا تبدو حية نابضة منفعلة بالصراع متأثرة به ومؤثرة فيه، وهو نفسه يعترف بأنه قد جعل الممثلين أفكارًا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز، وقد ساعده على ذلك أو ساقه إلى ذلك أن معظم شخصيات مسرحه الذهني شخصيات أسطورية أو شبه أسطورية، مثل شخصيات «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«بجماليون» و«سليمان الحكيم» و«أوديب الملك»، ونحن قد نجد مبررًا لتوفيق الحكيم في هذه المسرحيات الأسطورية المصدر، وإن يكن برنارد شو قد نقل بجماليون من عالم الأساطير إلى عالم الواقع، وجعل منه شخصية حية نابضة مع احتفاظه بفحوى المعاني الرمزية والذهنية التي تحملها الأسطورة الإغريقية القديمة كما سنرى، ولكننا لا نعفي
hindawi
إن حياة التأمل والنظر ليست حياة بشرية خالصة، وإنما هي شيء يسمو فوق البشرية. لأن في الإنسان نفسه شيئًا يفوق الإنسان. بيد أنه ينظر ويتأمل — أي يتفوق على الإنسان — بما هو إنسان، وبقدر ما تغوص قدماه في الوحل تكون قدرته على التطلُّع للنجوم. بقدر ما ينغمس في أعماق الواقع اليومي بقدر ما يرتفع فوقه ليراه في كليته. من ثمة هذا الوضع الغريب الفاجع: سقراط يغوص «حافي القدمين» في حارات أثينا وفي نفس الوقت يُحلِّق فوق السُّحب، يكون في كل لحظة يتحاور فيها مع الناس في العالم وخارجه، يسأل عن هذا الشيء أو ذاك ويسأل في نفس الوقت عن الكل، يتكلم عن المعرفة والعدالة والفضيلة … إلخ، ويسعى في نفس الوقت إلى «ماهية» المعرفة و«جوهر» العدالة و«حقيقة» الفضيلة. إنه في كل سؤال فلسفي حقيقي إنما يسأل عن «كل» ما هو موجود، عن ماهيته وحقيقته الأخيرة. إذ ليس سؤالًا فلسفيًّا ذلك الذي لا ينصب على «الكل».
hindawi
هزَّ المفتش رأسه قائلًا: لا أجد به شيئًا يستحقُّ الاهتمام! تختخ: لعلهما كانا يبحثان عن شيءٍ آخَر. المفتش: أرجِّح أنهما لم يكونا يبحثان عن هذا الطائر الأسود؛ فليس فيه شيء له علاقة بالتجسُّس … كل ما هُنالك أنه طائرٌ غريب، لا أعتقد أني رأيت مِثله من قبل. عاطف: فعلًا … إنه شديد الغَرابة … وليس في بلادنا طائرٌ مِثله … إلا أنه يُشبِه الغُراب. تختخ: ولكن الغُراب أبيض المِنقار … وضخم في الحجم، أما هذا الطائر فهو طويل ورفيع. المفتش: على كلٍّ احتفِظا به معكما؛ فلست أدري ماذا أفعل به … ولكن حافِظا عليه؛ فقد تكون له أهمية لا نعرفها، وسأُواصل مع رجالي البحثَ عن الشيء الذي أتى من أجله الجاسوسان، وتستطيعان الآن الانصراف، وشكرًا لكما. وضع «تختخ» الطائر في قفصه، ثم حمَله وخرجا معًا … وبعد خطوات قليلة قال «تختخ»: سآخذ الطائر إلى «نوسة»، إنها تُحبُّ الطيور جدًّا … ولعلها تعرف عنه أكثر مما نعرف …
hindawi
بأسرها في البحث الفلسفي منذ ظهر هذا الكتاب وإلى يومنا هذا. وأما التياران المعاصران اللذان أدخلا في حياتنا الثقافية، فهما — كما ذكرنا — الوجودية، والوضعية المنطقية، الأولى لتكون فلسفة حياة، والثانية لتكون فلسفة علم، وكانت حياتنا الفكرية بحاجة إلى الفلسفتين؛ ولذلك أحدث هذان التياران أصداء متفاوتة القوة، فهنا مؤيد وهناك معارض، وكان أهم من قدم لنا الوجودية من زاوية جديدة، هو عبد الرحمن بدوي في كتابه «الزمان الوجودي» (١٩٤٤م) وأهم من قدَّم الوضعية المنطقية بتطبيق عربي هو زكي نجيب محمود في كتابه «المنطق الوضعي» (١٩٥١م) وكتابه «خرافة الميتافيزيقا» (١٩٥٣م). إن العوامل المختلفة التي أخذت تعتمل في الثقافة العربية في مصر، منذ أواخر القرن الماضي، والتي ما انفكت منذ ذلك التاريخ توسع من نطاق فعلها، فكلما امتدت إلى جانب من جوانب الحياة، جاوزته إلى جانب آخر: فمن مطالبة بالحرية السياسية، إلى مطالبة بالحرية الفكرية، وبالحرية الاجتماعية، أقول إن هذه العوامل المختلفة كلها، كانت طوال هذه الفترة تعمل في أنفس الكتاب والمفكرين، باحثة عن شخصية عربية جديدة، تحافظ على تراث الماضي، وتضيف إليه عناصر الحاضر، وكان لهذا البحث عن ذات جديدة تولد من رماد التخلف ومن أغلال المستبدين والمستعمرين، كان لهذا البحث عن ذات جديدة، لحظات مشهودة، حفزتها على سرعة الحركة وحيوية النشاط: الثورة السياسية سنة ١٩١٩م، وحرب فلسطين سنة ١٩٤٨م على أثر إعلان الأمم المتحدة لقيام إسرائيل اغتصابًا من الشعب العربي، ودع عنك قيام حربين عالميتين، شبت في ختام الأولى منهما ثورة سياسية تطالب بالاستقلال عن إنجلترا، وتخمرت في ختام الثانية منهما خمائر ثورة اجتماعية — تهمس ألسنتها أول الأمر، ثم تجهر — مطالبة للشعب كله — لا للفئة المحظوظة وحدها — بحق العيش
hindawi
عن صديقنا علي. كان منذ أيامٍ في النادي وتعرَّف هناك بصديقٍ جديد هو خيري، وحدث بينهما هذا الشيء الذي يحدُث كثيرًا بلا معنى ولا تبرير، أحَسَّ كلٌّ منهما أنه يعرف الآخر منذ سنوات، وفي لحظاتٍ أصبحا صديقَين حميمَين. – أين تسهر الليلة؟ – عند عصام. – الله! أنا الآخر مدعُو عنده. – نذهب معًا. وذهبا وظلَّا رفيقَين طَوال السهرة، وازدادت الصداقة بينهما قوة، حتى قارب موعد الرحيل فقالت ربة البيت: إلهام ستأتي الآن. وقال خيري لعلي. – أظُن أنه حان موعد قيامنا. وقال علي: مستحيل، لا بد أبقى. – لماذا؟ – لأرى إلهام هذه. – أتعرفها؟ – دون أن أراها. – كيف؟ – إنها صديقةٌ لصيقة لابن عمي.
hindawi
قال ويدون: «انهض يا سميث، ما الذي جاء بك إلى هنا؟» تلعثم بيوتي وهو يرد: «أنا … أنا … أنا.» استمر أبيض الناب في الهرير، وأدرك سميث أنه في ورطة كبيرة، فأردف قائلًا: «احرص فقط على ألا ينفلت الذئب من يدك.» سأله ويدون: «لماذا تحوم حول كوخنا في منتصف الليل، يا سميث؟ لا أظن أنها زيارة ودية.» رد سميث وهو يئن: «أتيت … أتيت لأستعيد ملكيتي؛ لأستعيد ذئبي!» وما إن نظر سميث إلى أبيض الناب حتى بدأ الذئب يزمجر ويهِرُّ ثانيةً. ضحك منه ويدون: «هل تريدني حقًّا أن أتركه من يدي؟ هل تحب حقًّا أن تأخذ أبيض الناب معك إلى المنزل؟» جاهد الكلب لكي يحرر نفسه من قبضة سيده وقد لمعت أنيابه في الظلام وانتصب شعر فروه. عندئذ صرخ سميث: «لا … لا … لا، لا تتركه من يدك.» ووضع يديه على وجهه. قال ويدون: «سيظل أبيض الناب حيث هو الآن، إن رحلت في هذه اللحظة.»
hindawi
أي العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر، الفرس أم اليونان؟ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى من تأثير اليونان ودليلهم واضح، فأكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام، سواء في عصر الأمويين أو في عصر العباسيين، من الموالي، وهؤلاء من الفرس. وإذن فيجب أن يكون هؤلاء قد أثروا في النثر بثقافتهم الفارسية، وكيف نستطيع أن نشك في هذا وزعيم الكتاب «ابن المقفع» فارسي؟ ولكنَّ هناك قومًا آخرين — وأنا من هؤلاء — يفكرون في أن التأثير اليوناني أقوى من التأثير الفارسي، برغم أن كثرة الكتاب من الفرس. وذلك لأن الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر، في القرن الثالث قبل الميلاد. ولم ينتهِ القرن الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المسيحي حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق قد انبثت فيها مدارس يونانية، تعلم الفلسفة والأدب وعلوم اليونان.
hindawi
ابتسم المأمور ثانية وقد توقَّف عن الشعور بالدهشة. أكمل العالِم حديثه قائلًا: «بهذه الخطة فعلت كل ما بوسعي ولم يكن بوسعي شيء سوى انتظار ما سيحدث. لم يكن بوسعي أن أعلم ما إذا كانت رسالتي قد وصلت إلى وجهتها أو عُثِر عليها، أو ما إذا كان الفأر قد قرضها تمامًا، ولم أجرؤ على أن أجذب عبر الماسورة الخيطَ الرفيع الوحيد الذي يربطني بالعالم الخارجي. حين ذهبتُ إلى الفراش في تلك الليلة لم أستطع النوم؛ خوفًا من أن تأتي إشارة الجذب الخفيفة عبر الخيط والتي تُنبئني بأن السيد هاتش قد تسلم الرسالة. وفي الثالثة والنصف صباحًا، حسب اعتقادي، شعرت بإشارة الجذب هذه، ولم يَسبق لسجين ينتظر حكم الإعدام أن رحَّب بإشارة كهذه بمثل هذه الحماسة.» ثم توقَّف آلة التفكير عن الحديث واستدار إلى الصحفي. ثم قال: «حريٌّ بك أن توضِّح ما فعلت.» قال السيد هاتش: «جلب لي الرسالةَ المكتوبة على قطعة الكتان صبيٌّ صغير كان يلعب البيسبول، وقد رأيت على الفور قصة مُثيرة في الأمر؛ لذا منحت الصبي عشرة دولارات، ثم ابتعت بضع بكرات من الحرير، وبعض الخيوط المجدولة، ولفة من السلك الخفيف المرن. ذكر البروفيسور في رسالته أنه يتعيَّن عليَّ أن أطلب ممَّن أوصل الرسالة أن يدلني على الموضع الذي التقطها منه بالضبط، وأخبرني بأن أبدأ بحثي من هذا الموضع، بداية من الساعة الثانية صباحًا، وإذا وجدت الطرف الآخر للخيط، كان يتعين عليَّ أن أجذبه برفقٍ ثلاث مرات، ثم مرة رابعة.
hindawi
– يا لكَ من داهية! – دهائي كله ملكُكَ. – إذن؛ فأنت تعرف فيمَ أريدك. – إذا لم أكن قد عرفتُ من أول وهلة فلستُ جديرًا باستدعائكَ لي. – فهل تستطيع أن تقوم بما انتدبتُك له؟ – وأكثر. – قبل أن تذهب إلى الأكثر، قل لي فيمَ أردتُكَ لأختبر مقدار ذكائك. – تُريدني أن أجعل الناس يمتدحونك في دخيلة نفوسهم، كما يطيعونكَ في جهير أقوالهم. – أصبتَ، فهل تستطيع؟ – لكَ أن تُجرِّبني. – وما الأكثر؟ – أن أجعلكَ أنتَ دائم السرور موفور الحبور. – بالكذب والتحايل؟ – بل برواية دخائل الناس ومجنون أسرارهم وكل ظريفٍ طريفٍ من أحوال معيشتهم. – هل أنت أيضًا صاحب حكاية؟ – لن أقول لا أو نعم حتى تشهد لي.
hindawi
ثم وقع في أبيات لم يصقلها الذوق حين قال:والبيت الأخير ثقيل أضرت به التورية النحوية.وتكلم عن الجهاد فوصف النبي وأصحابه بالبأس والقوة، وبيَّن أن الأعداء سقطوا من صدمة الرعب والفزع:ويعجبنا قوله في وصف جند الرسول: وهذه الأبيات تخيرناها مما وصف به الجهاد والمجاهدين، وهي تمتاز بقوة السبك وروعة الخيال، وهي أيضًا من نوادر الشعر في قصيدة البردة؛ لأن الشعر لا يتفق لهذا الرجل في جميع المقامات.وقد ظهرت نفحات التصوف ظهورًا قويًّا في الجزء الأخير من البردة، وهو التوسل بالرسول:ويخاطب نفسه، ويدعو ربه، فيقول:ولنقيد أن الشطر الأخير من البردة ضعيف من الوجهة الشعرية، ولكنه لا يخلو من صدق، والصدق من أهم عناصر البيان.
hindawi
وقد لقي هذا الجَدُّ ربَّه بعد أن أصبح ابنه موظفًا بالحكومة بشهادةٍ متوسطة. واستطاع هذا الأب بجهدٍ جهيد وكفاحٍ مرير أن يُعلِّم ابنه موضوع هذه الصورة، فتخرَّج في كلية. مسكين هذا الفتى. لقد شَبَّ في زمن الحقد فهو ينظر إلى ماضي أُسرته في فزع وفرَق وإشفاق، ويخشى أن يعلم الناس حقيقة هذا الماضي. والمجنون لا يعرف أن الناس تعرف هذا الذي يخشاه، وأنهم يُقدِّرون جده أكثر مما يقدِّرون أباه، وأنهم يحتقرونه هو مع أنه يحمل هذه الشهادة التي حصل عليها؛ فقد كان أبوه وأُسرته جميعًا قومًا شرفاء يُحبُّهم الناس ويُقدِّرونهم لأنهم عاملوا ربهم في تخشَّع المسلم الصادق، وعاملوا الناس في وُدٍّ وإيناس يسعَون لهم ويسعَون بينهم بالخير والحب والصفاء؛ فجدُّه وأخو جده كانا في زمانهما صفحةً مضيئة مشرقة من صفحات الحياة، يراهما الناس فيحمدون الله أن بينهم مثل هؤلاء القوم الأتقياء والأنقياء. وليس يعني الناس في كثيرٍ أو قليلٍ بهذه الشهادة التي يحملُها هذا الغِر ما دامت شهادتُه لم تستطع أن تجعل نفسه شفيفة، ولا استطاعت أن تجعل في قلبه حبًّا.
hindawi
ولننظر أيضًا كيف يعود فيتحدث عن أرومة الرسول:ويصور هذا المعنى بصورة أخرى فيقول:ويمدح النبي ﷺ بالزهد فيقول:وهذه النزعة ستكون كذلك أصلًا لكثير من المدائح النبوية.وكلمة «الوسيلة» سيكثر ورودها في كلام الصوفية، وهذه القطعة ستكون نمطًا لكثير من الأدعية والصلوات.ولو مضينا نستقري ما في كلام علي من أمثال هذه الفقرات لطال بنا القول، فلنكتفِ بما أسلفنا من كلامه، فما نريد الاستقصاء، وإنما الغرض أن ندل على ما في خطبه من أصول المدائح النبوية.فقال الفرزدق:وفي هذه القصيدة الجيدة نفحات من التصوف، فالشاعر يقرن شكر الله بشكر آل الرسول ويرى أن حبهم دين وبغضهم كفر، وتلك أقصى غايات الصدق في الحب، ويؤيد هذا ما وقع للشاعر بعد إنشاد هذه القصيدة؛ فقد غضب هشام وحبسه، وأنفذ له زين العابدين وهو في الحبس اثني عشر ألف درهم فردها وقال: «مدحته لله تعالى لا للعطاء.»
hindawi
ويود أن لو كانت الصحة تُوهب فيهبها له، والحياة تُمنح فيخلعها عليه، ويتشهى أن يفقد كل نعم الدنيا لينعم — فقط — بابنه صحيحًا بجانبه. كان يؤمن بالطب فدعا الأطباء، وكان يكفر بالرقى والتعاويذ ودعوة الصالحين فآمن بها وتشفع بأهلها، وكان لا يذكر الله في سرائه فذكره في ضرائه، وحشد لشفاء ابنه كل ما يستطيع من قوى مادية وقوى روحانية. ولكن غلب القدر فمات الولد. ••• لقد انقلب برنامج حياته رأسًا على عقب، شكا الدنيا كما كان يشكو الناس، ولم يستطعم لذائذ الحياة كما كان يستطعمها من قبل، ما قيمة المزارع الواسعة والقصور المشيدة والمال الكثير إذا لم تكن نفس تتذوقها ورغبة تتشربها؟ وما جمال الدنيا إذا لم تكن عين تبصرها؟ وما الموسيقى الرائعة إذا لم تكن أذن تسمعها؟ إن النفس المرحة التي لم تصب بكارثة تجتاحها تستطيع أن تخلق من العدم وجودًا، ومن الألم لذة، أما النفس التي براها الحزن فلا تستطيع أن تجد في الجنة متاعًا، والروح التي أظلمتها الكوارث لا تضيئها الشمس.
hindawi
وجاء المخرج فزاد الطين بلة، فبالرغم من أننا نصحناه في إصرار بأن الطريقة المثلى لإخراج مثل هذه المسرحية هي أسلوب المسرح السحري الذي يجمع بين العرض السينمائي والتمثيل المسرحي حتى يتمكن من الجمع بين تمثيل حمدي وزوجته ورؤيتهما في المشهد الخيالي الذي يظهر لهما على الحائط ويعلقان عليه؛ فإنه ركب رأسه، وأصر على أن يُخرج المسرحية بالأسلوب المسرحي العادي، ويا ليته اكتفى بذلك! إذ رأيناه يستخدم إمكانية الدوران التي أُدخلت حديثًا على مسرح الأزبكية، فرأيناه يُنزل ستارة رُسمت عليها أشباح طارق وأخته وأمهما، ثم يرفع هذه الستارة لترى أسطوانة الدائرة وقد ظهرت عليها الممثلة القديرة أمينة رزق في دور الأم مولية ظهرها هي وابنها وابنتها إلى الجمهور، ثم تدور الأسطوانة ليعطونا وجوههم، وهذا شيء غريب ومضحك بل مذهل حقًّا؛ لأن المفهوم أننا برفع الستارة المرسومة عليها الأشباح نرى الشخصيات في نفس الوضع لا مولية ظهورها إلينا، وكان من السهل على المخرج أن يصل إلى ذلك بالاستغناء عن
hindawi
– «مرحبًا بك أيتها الأسراب الودودة التي نعمتُ بصحبتها، حتى بلغت شواطئ البحر. كم أتفاءل بك، وأحس بأن قدري يشبه قدرك. فكلانا بدأ سفره من مكان بعيد، وراح يتوسل للآلهة أن تظله بسقف يحميه. فَلْيتلطف بنا المضيف الذي نلبِّي دعوته، هذا المضيف الذي يرعى الغريب ويذود عنه الذل والعار.» هكذا راح يغذُّ خُطاه وهو منتشٍ ومنتعش، حتى وجد نفسه في قلب الغابة، هنالك سدَّ عليه الطريق فجأةً مجرمان قاتلان. اضطره الموقف أن يتأهب للقتال، ولكن سرعان ما سقطت يده هامدة باردة، يده التي تدرَّبت على أوتار القيثار، ولم يحدث لها أبدًا أن شدت قوسًا ولا أطلقت سهمًا. أخذ يستغيث بالبشر وبالآلهة، لكنَّ ضراعته لم تصل لأحد يمكن أن ينقذه، ومهما صرخ وصاح بأعلى صوت، فما من مخلوق حي يلمحه البصر في هذا المكان: «آه! قُضِي عليَّ أن أموت هنا وحيدًا مهجورًا، هنا على أرض غريبة لا يبكيني فيها أحد. آه! كُتِب عليَّ أن أهلك هنا بأيدي أشقياء أشرار، حيث لا يظهر شبح إنسان ينتقم لي.»
hindawi
المسرح الذهني والتجريدي رأينا فيما سبق كيف نشأت نظرية مسرح القراءة عند توفيق الحكيم، كما رأينا نظريته في محاولة خلق أدب مسرحي لذاته وبصرف النظر عن تمثيله بعد أن عجز فن التمثيل الذي عرفه عالمنا العربي منذ منتصف القرن الماضي عن أن يخلق هذا الأدب ليضيفه إلى تراثنا الأدبي العام. وبالرغم من أن الآداب العالمية كلها قد استطاعت أن تخلق في تراثها فن الأدب التمثيلي مع المحافظة على طابعه الدرامي الذي يجعله صالحًا للتمثيل ويجذب إليه الجماهير، مثل مسرحيات سوفوكليس وشكسبير وراسين وموليير وإبسن وتشيكوف وشو وغيرهم؛ فإن توفيق الحكيم قد رأى أن خير وسيلة لخلق أدب تمثيلي في لغتنا العربية هو أن يجعل للحوار قيمة أدبية بحتة ليُقرأ على أنه أدب وفكر. والحكيم بهذا الاتجاه قد تحسس في نفسه وعرف الملَكة البارزة التي يتمتع بها، وهي ملَكة الحوار، فهو من أقدر كُتابنا المعاصرين على إدارته، وهو يجمع بين الصفتين اللتين تعطيان حواره قيمة أدبية فنية لا شك فيها، وهما: الروح الشعرية التي تعبق بسحرها بعض محاوراته، مثل «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«بجماليون»، ثم روح السخرية المرهفة التي تُبرز المفارقات الدقيقة في المواقف والسلوك ومشاعر النفس البشرية. وهو بعد ذلك يملك القدرة على بلورة بعض القضايا الإنسانية العامة وإبراز ما بينها من صراع يقول إنه يجريه داخل الذهن البشري؛ ولذلك سمى هذا النوع من المحاورات ﺑ «المسرحيات الذهنية».
hindawi
فما ميزان التجار؟ وما الحاجة إليه إلا لأنه قافية؟ ولكني أثني في غير تحفظ على هذه الأبيات الجيدة حقًّا الصادقة حقًّا: وإن كنت أجد شيئًا من الابتذال في قوله: «ترك المجال لغيره» وأشعر بأن لفظ «مع» شديد القلق في هذا الشطر: «ورأى النجاة مع الفرار» وهلا قال: ورأى الركون إلى الفرار، وهل يأذن لي حافظ في ألا أحب «لقم الطريق» في قوله: وقد يكون اللفظ صحيحًا، ولكن ليس كل صحيح جيدًا ملائمًا للغة الشعر، وأكبر ظني أننا مدينون بهذا البيت كله للفظ الساري فهو قافية، والسرى يستتبع الصوى والأعلام، والصوى والأعلام تستتبع الطريق، ولكنها لا تستتبع «لقم الطريق» وهل يغضب حافظ إذا لم أرتح إلى قوله: وأنا أعلم أنه يطلب إلى الأستاذ لطفي السيد أنْ ينشر كتاب «السياسة» قبل كتاب الكون والفساد، ولكن ألا يشاركني حافظ في أنَّ ضرورات الشعر قد تكون منكرة أحيانًا، وفي أنَّ التعبير بالفساد عن كتاب الكون والفساد ضرب من هذه الضرورات المنكرة، ولكن أشد من هذه الضرورة نكرًا «عادية البوار» التي جاءت لا أدري لماذا؟ أستغفر الله، جاءت للقافية فآخرها راء، وويل لشعرائنا من القافية!
hindawi
رد السجَّان: «سأسأل المأمور.» ثم انصرف. بعد نصف ساعة عاد حاملًا الماء في وعاء خزفي. ثم أخبر السجين: «يقول المأمور إنك تستطيع الاحتفاظ بهذا الوعاء، لكن عليك أن تُريه لي متى طلبتُ منك ذلك، وإذا كُسِر فلن تُمنَح وعاءً آخر.» قال آلة التفكير: «أشكرك، لن أكسره.» ذهب السجَّان لمباشرة أعماله، ولجزء بسيط من الثانية فحسْب بدا أن آلة التفكير كان يُريد السؤال عن شيء، لكنه أحجم عن ذلك. بعد ساعتَين سمع ذلك السجَّان ذاته، في أثناء مروره أمام باب الزنزانة رقم ١٣، ضوضاء بالداخل وتوقَّف. كان آلة التفكير جاثيًا على يدَيه وركبتَيه في أحد أركان الزنزانة، ومن الركن ذاته كانت تصدُر عدة صرخات مذعورة. نظر السجَّان بكل اهتمام. سمع السجين يقول: «آه، أمسكت بك.» سأله بحدة: «أمسكت بماذا؟» جاءه الرد: «أحد هذه الجرذان. أترى؟» وبين أصابع العالِم الطويلة رأى السجَّان جرذًا رماديًّا صغيرًا يُناضِل من أجل الإفلات. قرَّبه السجين من الضوء ونظر إليه من كثب.
hindawi
الفرد، والمواطن، والإنسان أما أن العالم قوامه — آخر الأمر — أفراد، فذلك ما لست أشك فيه لحظة واحدة، بل إنه ليأخذني العجب كلما صادفت أحدًا ممن يشكون فيه، حتى لتراني — عندئذٍ — أوقن بيني وبين نفسي، أننا لا بُدَّ متحدثان عن أمرين مختلفين، بلغتَين مختلفتَين، وإن ذهب بنا الظن الواهم أن موضوع الحديث واحد، وأن لغة التفاهم واحدة، فدفاتر المواليد وحدها شاهد حاسم بأننا — عند الدولة وعند الناس — محسوبون أفرادًا، لكل فرد منا اسمه الخاص، وساعة ميلاده الخاصة، من والدين معلومين، وعلى كل فرد منا — بمفرده — تقع التبعة الخلقية أمام ضميره وأمام الله وأمام الناس، عما يقول وعما يفعل، كما تقع عليه التبعة الجنائية أمام القانون، وإن المجتمع ليكافئ من أبنائه الفرد المحسن من حيث هو فرد، ويعاقب الفرد المسيء من حيث هو فرد كذلك. فإذا كان الأمر بهذا الوضوح كله، فكيف — إذن — يقع في الرأي اختلاف؟ أغلب ظني أن موضع الخلاف إنما هو في طريقة فهمنا لكلمة فرد، لا في طريقة سلوكنا الفعلي في مواقف الحياة العملية، وحسبك — لكي تعلم أن أصحاب الرأيين جميعًا متفقون على سلوكٍ واحدٍ — أن تجد هؤلاء وأولئك معًا يلجئون في نشر الرأي الذي يرونه، إلى الكتابة أو إلى الخطابة، أو إلى أية وسيلة أخرى من وسائل النشر، مما يدل على أن كليهما سواء، في الرغبة في الاتصال بالناس، ولو كانت «الفردية» معناها عند فريق منهما عزلة تفصل صاحبها عن المجتمع، لما لجأ إلى نشر رأيه في هذا المجتمع نفسه، وبنفسه الطريقة التي يلجأ إليها الفريق الآخر.
hindawi
ما المقترح البديل إذن؟ وجَّه الرئيس الأمريكي إلى رئيس الوزراء البريطاني نصيحة برفق قائلًا: «إننا نرى أنه من الأفضل أن توجه الجهود إلى تأسيس آلية تشاور لتبديد سوء التفاهم، والحد من الاتجاه إلى تأسيس مناطق نفوذ حصرية.» وقد أرسل تشرشل رده بحزمه المعهود، ولكن بالطبع بدون المجازفة بإفساد علاقته الخاصة بروزفلت. وكتب في برقية وجَّهَها لروزفلت في اليوم نفسه: «إذا كان من المفترض أن يستشير كل طرف الطرف الآخر في كل شأن قبل اتخاذ أي إجراء، فلن تُتخَذ أي إجراءات قط؛ والأحداث ستسبق دومًا الموقف المتغير في مناطق البلقان تلك. فيجب أن يملك طرفٌ ما القدرةَ على التخطيط والتصرف.» وآلية التشاور «لن تكون إلا عقبة يتم تجاوزها دائمًا في حالات الطوارئ عن طريق تبادل الآراء بيني وبينك، أو بينك وبين ستالين.» ومضى تشرشل يخاطب كبرياء الرئيس — بعد أن شرح له حقائق احتمال دخول القوات السوفييتية إلى رومانيا قائلًا: «سيُقْدِم السوفييت على الأرجح على ما يحلو لهم بأي وسيلة.» ووضح الاستثمارات البريطانية من دماء وثروات في اليونان — موجهًا له العديد من الأسئلة: «ما الداعي لأن يتحول هذا الاتجاه الفعال إلى لجنة من المسئولين دون المستوى مثل تلك اللجان التي ننشرها حول العالم؟! لِمَ لا نبقي الأمر تحت سيطرة كِلَيْنا بما أننا نتفق على الكثير في هذا الأمر؟!»
hindawi
وكان الوفاء الزوجي أمرًا محترَمًا لدى بني إسرائيل، وكان زنا الأزواج يُعَدُّ جُرمًا فظيعًا فيُعاقَب مقترِفه بالقتل، وزنا المرأة، لا زنا الرجل، هو المقصود هنا؛ وذلك لاستطاعة الرجل أن يتزوَّج بالعدد الذي يرغب فيه من الزوجات الشرعيات وغير الشرعيات ما سمحت وسائله له بذلك، وما كان الرجل ليُعَدَّ مجرمًا إلا إذا زنى بفتاة مخطوبة أو بامرأة متزوجة، فهنالك يُقتَل. وليس زنا الأزواج هو الجُرم الوحيد الذي تحرِّمه الشريعة على مزاج بني إسرائيل الداعر، ففي شريعتهم تعدادٌ لدعارات عنيفة مع شدة عقوبة مَن يقترف إحداها، وتُثْبِت هذه الشدةُ كثرةَ المخالفات. وسِفاحُ ذوي القربى، أي الزنا بالأخت والزنا بالأم، واللواط والمساحقة ومواقَعة البهائم من أكثر الآثام التي كانت شائعةً بين ذلك الشعب الذي نصَّ تاسيت على شَبَق له لا يُروَى غليله. وأريد لدى بني إسرائيل — كما عند كل شعب ذي غُلْمَةٍ — خلطُ أفظع الملاذِّ بالطقوس المقدسة، وموافقة الشريعة على هذه الملاذ، فعُدَّت ضروب البغاء تكريمًا لعَشْتَروت، وعُدَّ الانهماك في السكر على بُسط الأزهار وتحت ظلال شجر الزيتون في الليالي الرطيبة نوعًا من العبادة التي لم تفتَأْ تُمارس آنئذٍ في فلسطين، على الرغم من غضب الأنبياء.
hindawi
فَانْبَرَى قائِدُ الجَيْشِ قائلًا: «ما لِهذا الأَمْرِ غَيْرِي أَيُّها الأَمِيرُ. وَلَنْ تَرَى مِنِّي — إنْ شاءَ اللهُ — غَيْرَ ما يَسُرُّكَ.» فَقالَ لَهُ الأَميرُ «إقْبالٌ»، وَقَدِ اسْتوْلَى عَلَيْهِ الْجَزَعُ: «هَيْهاتَ أَنْ آذَنَ لَكَ بِذلكَ. كَلَّا، لَنْ أُمَكِّنَكَ مَنْ هذِهِ المُحاوَلَةِ الجَريئةِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ لَكَ عاقِبَتُها. وَأَنْتَ قائدُ الجَيْشِ وَمُرْشِدُهُ، وَلَنْ يُطاوِعَنِي قَلْبِي عَلَى أَنْ أُعَرِّضَكَ لِلْمَوتِ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتَ مَصارِعَ ثَلاثَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسانِنا المُدَرَّبِينَ.» وَطالَ الحِوارُ وَالجَدَلُ بَيْنَ الأَمِيرِ وَقائِدِ الجَيْش، ثُمَّ انْتَهَى رَأَيُ الأَمِيرِ إلَى إجابَةِ القائِدِ؛ ثِقَةً بِحَزامةِ أَمْرِهِ، وَرَجاحَةِ عَقْلِهِ، وَرَباطَةِ جَأْشِهِ. وَارْتَقَى الْقائِدُ السُّلَّمَ، وَقَلْبُهُ مُمْتَلِئٌ يَقِينًا وَإيمانًا بِنَجِاح مَسْعاهُ، حَتَّى بَلَغَ أَعْلَى السُّورِ. وَما كادَ يَفْعَلُ حَتَّى شَخَصَ بِبَصَرِهِ، وَبَدَتْ عَلَيْهِ أماراتُ الاضْطِرابِ، وَصاحَ كَما صاحَ أَصْحابُهُ مِنْ قَبْلُ: «لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ، لَبَّيْكِ، ها أَنَا ذا حاضِرٌ إلَيْكِ، وَماثِلٌ بَيْنَ يدَيْكِ.» ثُمَّ قَذَفَ بِنَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ السُّورِ، وَهَوَى إلَى الأَرْضِ كَما هَوَى أَصْحابُه مِنْ قَبْلُ.
hindawi
طويل ولكن! حين يأذنُ الله لي بسَفرٍ إلى الخارج لا أتوقَّع في نفسي شيئًا لا من الناس ولا من المكان. ولا أُحب أن أرسم ما قد تستقبلُني به الدول التي سأزورها، فلا أنا أتصوَّر الفندق ولا أنا أُحب أن أتخيَّل الأشخاص، وإنما أترك البلدة التي أضع بها حقائبي تُطالِعني هي بجديدٍ منها في كل خطوةٍ أخطوها. وليكن هذا الجديد متمثلًا في الناس وفي المكان، وفيما وهب لها الله من جمالِ معالمَ، وفيما حرمَها الله من نِعَم. وبقَدْرِ ما كان هذا البياض الذي أفرضُه على مخيِّلتي يجعلُني أتمتَّع بكل ما هو ممتع، كنتُ أُفجَع فجيعةً مضاعفة فيما يُواجهُني مما لا إمتاع فيه. ورحلتي هذه التي التقيتُ فيها بذلك الفتى الطويل الهايف كانت إلى دولةٍ من أكبر الدول الغربية. ووجدت ذلك الطويل ضمن الذين يستقبلون وفدنا، وعرفتُ أنه أحد الذين يمثِّلوننا تمثيلًا ثقافيًّا أو صحفيًّا أو شيئًا من هذا القبيل. ولم أتبيَّن مقدار هذه الهيافة في الفتى إلا حين بدأ يتكلَّم.
hindawi
في هذا الوقت كان «أحمد» والمجموعة الثانية يُجدفون على مبعدة من القارب الذي كان يحمل الرجال الثلاثة، وكان المنظار الذي تحمله «إلهام» ويعمل بالأشعة تحت الحمراء يقوم بدوره في متابعة القارب. وبعد نحو ربع ساعة ظهر على السطح الأسود للمُحيط طرف الغواصة، وعندما وصل القارب إليها، صعد جزء منها إلى السطح، وهمست «إلهام»: إنها أكبر غواصة في العالم، كما أنها مزوَّدة بشبكات من الأنابيب الخارجية لم أرَ لها مثيلًا في حياتي. انفتح سطح الغواصة، وابتلع الرجال الثلاثة بعد أن أفرغوا قاربهم المطاط من الهواء وأخذوه معهم، وبدأت الغواصة تغوص مرة أخرى في المياه السوداء، وجاء دور الشياطين، قفزوا جميعًا إلى المياه ومعهم شحنات الديناميت، وسرعان ما كانوا يُحيطون بالغواصة كما يحيط السمك الصغير بحوت ضخم، وأخذت الأيدي المدرَّبة تربط شحنات الديناميت، كانت كميات ضخمة تكفي لنسف مدينة كاملة، وحسب خطة «أحمد» … كان عليهم أن يجعلوا الديناميت يؤدي دوره بعد ربع ساعة حتى يتمكنوا من الابتعاد عن دائرة التدمير.
hindawi
تُرى أوجدتَ النغْمة السياسية الخافية في هذه القصة؟ ما أحسبُ أنها فاتت ذكاءكَ. فقد صنع هذا المهندسُ مالَه وشققَ زوجتِه ومنصبَه في عهدٍ كان النفاق فيه هو البضاعة الوحيدة في السوق. وأخشى أن أمضيَ في الحديث إلى أبعدَ من هذا، فأجدَ القلم قد انغرس في أسماء الأشخاص، وتنقلبَ الحكاية إلى نميمة. وما أشتهي هذا لنفسي ولا لقلمي. تُرى هل استطعتُ أن أُخفِّف عنكَ وطأة الحر. إن لم أكن فاذكُر أن هذا عهدٌ قد مضى وأنه لن يعود. وحين تذكُر هذا ستُحِس نسمةً من أمنٍ ومن ريحٍ طيبةٍ رُخاء ترطِّب حَولكَ أعباءَ الحياة.
hindawi
ومن الواجب أن تكون نقطة بدايتنا في دراسة السِّمات العقلية المُتولِّدة عن نظام الإقطاع هي تلك الحقيقة التي أشَرْنا إليها من قبل، وأعني بها أن نظام الإقطاع مُرتبِط أساسًا بالحياة الريفية الزراعية. ولا شكَّ أن طول المُدَّة التي ظلَّ فيها الإقطاع سائدًا في الريف قد أدَّى إلى تداخُلٍ وَثيقٍ بين العلاقات الاجتماعية الإقطاعية وبين نمَط الحياة الريفية بوجهٍ عام، بحيث يُمكن القول إن قدْرًا غير قليلٍ من مَعالِم الحياة في الريف، كما نعرِفها حتى يومنا هذا، قد تحدَّدَ عن طريق نظام الإقطاع، كما يُمكن القول من ناحيةٍ أخرى إن السِّمات الرئيسية المُميِّزة للعقلية التي تعيش في ظلِّ الإقطاع قد تشكَّلَت نتيجةً لظروف البيئة الزراعية التي لا يَسُود هذا النظام إلَّا فيها. أولى السِّمات التي تلفِتُ الأنظار في البيئة الريفية التي يَسُودها الإقطاع، والتي تؤثِّر تأثيرًا قويًّا على العقليات في هذه البيئة: هي «بَساطة نمَط الحياة وبِطء إيقاعها» وصحيح أنَّ هذه سِمةٌ مُشترَكة بين كلِّ المجتمعات الزراعية، ولكن نُزوع المجتمع إلى الثَّبات ومُحاربته للتجديد من الصِّفات التي تزداد وضوحًا في المجتمع الإقطاعي على وَجه التخصيص؛ ذلك لأن الإقطاع بطبيعته نظام راكِد، يحرِصُ أصحاب السلطة فيه على الاحتفاظ بنفوذهم وسيطرتهم، ويؤمنون — عن حق — بأن شُيوع الاتجاه إلى التجديد في أي ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية يُمكن أن تَنتقل عَدْواه إلى سائر الميادين؛ ومِنْ ثَمَّ فإنه يُهدِّد سُلطتهم ذاتها بالخطر.
hindawi
إن احتمال الآلام في هذه الدنيا كان لنا منه أكبر الفضائل، من حزم وصبر وثقة بالنفس وتضحية للخير وعذاب للإصلاح، ولولاه ما كانت. لولا عواطف الألم ما كان شعر ولا فن، ولا نحت ولا موسيقى ولا تصوير، ولا معانٍ إنسانية، ولا وطنية ولا قومية. فلو كان العالم كما يتطلبه العامة خاليًا من الآلام لكان بالطبيعة أيضًا خاليًا من اللذائذ، ولو كان خاليًا من الرذائل كما يبغون لخلا أيضًا من الفضائل؛ إذ لا يمكن أن تتصور لذة بدون ألم، ولا فضيلة بدون رذيلة. إن عالمنا هذا بُني على الخير والشر، واللذة والألم، والفضيلة والرذيلة، والسعادة والشقاء، وكل منهما كأحد جانبي الوجه لا يكمل إلا بجانبه الآخر، ولا يُفهم إلا بالآخر، فمن أراد عالمًا لا ألم فيه فليطلبه في غير هذا العالم، وعلى غير هذا النظام كله. وتبارك الله رب العالمين.
hindawi
فما كان الجهل مصدرًا للخير، ولا وسيلة للإجادة، ولا طريقًا إلى البراعة الفنية، وما رأيك في مثال يطمع في ابتكار الآيات الفنية، وهو يجهل التشريح، وما يتصل به من تَكوُّن الجسم الإنساني، وما إلى ذلك من هذه العلوم، التي لا سبيل إلى الإجادة الفنية بدونها؟ إنَّ الإجادة الفنية إذا كانت أثرًا في آثار الشعور، ومظهرًا من مظاهر الحس القوي، والعواطف الدقيقة، والخيال الخصب، فهي لغو إذا لم تستمد غذاءها الحقيقي من العقل والعلم. وربما كان شوقي أحق الشعراء الثلاثة بأن يعاتب في هذا الموضوع. نعم، هو أحقهم بالعتب، فهو من بينهم قد تعلق بأرستطاليس، وأراد أنْ يشيد بذكره، ويرفع من شأنه، وخص له في قصيدته أكثر مما خص للأستاذ المترجم، ولعلك تُدْهَش، ولعل شوقي نفسه يدهش إذا قُلْت لك وله إنه لم يمدح أرستطاليس، وإنما مدح أفلاطون … نعم! أراد عمرًا، وأراد الله خارجة! ولكنه أراد عمرًا بالخير، فانصرف هذا الخير عن عمرو إلى خارجة؛ لأن الشاعر لم يحسن تلمس السبيل إلى عمرو، ولولا أنَّ نفوس الفلاسفة والحكماء رضية بطبيعتها لكان من حق أرستطاليس أنْ يخاصم شوقي، وأن ينفس على أفلاطون أستاذه هذا المدح، الذي جاءه من حيث لا يحتسب. أراد شوقي أرستطاليس، وأراد الله أفلاطون.
hindawi
إن القائمة لتطول بنا ألف ألف فرسخ، إذا نحن أخذنا نعد التفصيلات الجزئية التي يراد تغييرها، كأن نحصر الأفراد الذين يراد لهم أن يصحوا بعد مرض، وأن يعلموا بعد جهل، وأن يطعموا بعد جوع، وأن يكتسوا بعد عري، وكأن نحصر الطرق التي يراد لها أن ترصف، والحشرات التي لا بُدَّ لها أن تباد، والأرض التي لا بُدَّ أن تزرع والمصانع التي لا بُدَّ أن تقام … تلك تفصيلات جزئية تعد بألوف الألوف، لكنها تندرج كلها تحت مبادئ محدودة العدد، ثم تندرج هذه المبادئ بدورها تحت ما يُسمى بالقيم أو المعايير التي عليها يقاس ما نريده وما لا نريده لحياتنا الجديدة، فإذا أنت غيرت ما لدى القوم من معايير وقيم، تغير لهم بالتالي وجه الحياة بأسرها. ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا نحن لم نوحد في أذهاننا توحيدًا تامًّا بين العام والخاص، فتلك من أولى القيم التي لا بُدَّ من بثها في النفوس وترسيخها في الأذهان، فنحن بما ورثناه من تقليد اجتماعي أحرص ما نكون على الملك الخاص، وأشد ما نكون إهمالًا للملك العام، فالفرق في أنظارنا بعيد بين العناية الواجبة بالابن والعناية الواجبة بالمواطن البعيد، بين العناية بتنظيف الدار من داخل والعناية بتنظيف الطريق، الفرق في أنظارنا بعيد بين المال نملكه والمال تملكه الدولة للجميع، بين العيادة الخاصة يديرها الطبيب الذي يستغلها والمستشفى العام يديره الطبيب نفسه ولكنه يديره باسم الدولة، الفرق في أنظارنا بعيد بين معنى «أنا» و«نحن» وبين «هو» و«هم»، فما زال الذي يشغلنا هو هذه الأنا والنحن اللتان لا تعنيان أكثر من الأسرة وحدودها، وأما هو وهم اللتان تمتدان لتشملا أبناء الوطن جميعًا فما تزالان في أوهامنا تدلان على ما يشبه الأشباح التي لايؤذيها التجويع والتعذيب.
hindawi
رأيناها من قبل في أهل الكهف، وهي أنه لا فائدة من نزال الزمن وأن الحكمة تقضي بأن يلزم كل منا مكانه في الصف فليس في الإمكان أبدع مما كان، وأما النتائج التي قد تبدو محتملة مقبولة كمشكلة تولي الشيخ للوزارة أو تغيير توقيعه على الشيكات، فإن حلها كان ممكنًا لولا الروح الانهزامية التي تخشى استئناف الجهاد في الحياة بروح الشباب وقطع الشوط من جديد، لو أن المؤلف كان ممن يؤمنون ويدعون إلى إرادة الحياة. وأغرب من كل هذا أن الباشا لا يكاد يصحو من حلمه في نهاية المسرحية شيخًا كما كان ويُدعى تليفونيًّا لتأليف الوزارة، ويرتدي ملابسه الرسمية لمقابلة صاحب الأمر، حتى نراه يخر ميتًا تحت وطأة الشيخوخة، فلا هو فرح بالشباب الذي عاد إليه في الحلم وانطلق من جديد في شوط الحياة، ولا هو جنى ثمرة الشيخوخة التي كان ينتظرها بتأليفه للوزارة، وبهذا أطبقت الروح الانهزامية على المسرحية من جميع أطرافها، وكأن المؤلف يطلب من رجال العلم الحديث أن يوقفوا مسعاهم في مجالدة الزمن ومغالبة الفناء، ويحذِّر الناس من الابتهاج بمثل هذا الانتصار إذا تحقق في يوم من الأيام.
hindawi
حدث فجأة! بعد أن أرسل «محب» آخر خطابٍ إلى «تختخ» قرَّر أن يُحاول البحث عن سر بقعة الأرض الصغيرة بين الصبار … هذه البقعة التي كان رجل الليل يذهب إليها كل ليلةٍ ويحاول معرفة ما تحتها … وأمضى «محب» ليلتَيْن يراقب الرجل حتى تأكَّد أنه لا يذهب إلى الصبار إلا في الثانية صباحًا … وهكذا قام «محب» في الليلة الثالثة بتجهيز فأسٍ صغيرة … وبطارية، وانتظر حتى الواحدة بعد منتصف الليل وقرر أن يدخل حديقة القصر ويبحث سر أرض الصبار. وقدَّر «محب» أنه سيقضي نحو ثلاثة أرباع الساعة في البحث ثم يغادر الحديقة قبل أن يأتيَ الرجل. وفي الواحدة إلا عشر دقائق تسلَّل «محب» من الفيلا، دون أن يترك خبرًا «لنوسة» عن وجهته، وحمل أدواته وانطلق إلى فرع الشجرة الكبيرة وتسلقه، ثم زحف على الأغصان حتى وصل إلى جذع الشجرة ونزل عليه إلى الأرض … وأضاء «محب» البطارية … وأمسك بالفأس وأخذ يدق الأرض هنا وهناك حتى عثر على شبه حافة من الحديد مثبت في الأرض فأخذ يحفر حوله بحذرٍ حتى لا تحتك الفأس بالحديد وتحدث صوتًا … ومضى «محب» في مهمته بحماسةٍ وقد امتلأت رأسه بالأفكار … فقد تأكد أنه سوف يعثر على فتحةٍ لسرداب تصل إلى سراديب القصر الممتلئة بالآثار والتحف … وأنه سوف يكشف لغز قصر الصبار وحده … ومضى الوقت دون أن يشعر «محب» … وفجأة أحس بخطواتٍ سريعة تقترب منه، وقبل أن يتمكَّن من الوقوف سمع صوتًا جافًّا يأمره قائلًا: لا تتحرك من مكانك!
hindawi
انتقل الغريب في هدوء إلى أحد الأركان، ومكث على مقربة شديدة من الحائط دون أن يصدر أي صوت أثناء سيره. وفي الوقت الذي رفع فيه الرجل قدمه ليصعد درج السلم، عاجله أبيض الناب بالهجوم. صرخ الرجل على الفور، إذ كانت أسنان أبيض الناب قد غاصت في قدمه. جره أبيض الناب من فوق الدَرَج وطرحه أرضًا. كانت ردهة المنزل مظلمة، ولم يتمكن الرجل من رؤية مهاجمه، وهكذا استمر الاثنان في التدحرج فوق السجادة حتى سُمع إطلاق الرصاص ثلاث مرات لتنتهي المعركة بعده. استيقظ جميع من بالمنزل وعدوا إلى الردهة الأمامية. أضاء ويدون الأنوار ليرى جيم هول مستلقيًا على السجادة وقد فارق الحياة وبجانبه أبيض الناب يلتقط أنفاسًا بطيئة للغاية. جرى ويدون نحوه، وصرخ: «أبيض الناب!» هر الذئب هريرًا خفيضًا، وحاول النظر إلى سيده، لكنه لم يمتلك القوة الكافية لذلك.
hindawi
من «تختخ» إلى «محب»لم تكتب لي منذ ثلاثة أيام … هل حدث شيء جديد! اكتب لي سريعًا فقد أحضر بعد يومٍ أو اثنين أنا و«لوزة» و«عاطف» في سيارة خالي.من «تختخ» إلى «محب»إنني قلقٌ عليك جدًّا … لماذا لم تكتب لي؟برقيةمن «تختخ» إلى «نوسة»لماذا لم يكتب إليَّ «محب»؟ هل هو مريض؟برقيةمن «نوسة» إلى «تختخ»خرج «محب» منذ يومَيْن ولم يعُد … احضر بسرعة!
hindawi
غير أنَّ نفَحات الحديث الفاترة عن العمل كانتْ كافيةً لإخماد حرارة النقاش الفلسفي الروحاني، وبدأ الضيوف يغادرون واحدًا تلوَ الآخر. وكان السيد إيملاك سميث، مديرُ البنك والعازف، هو الوحيد الذي بقيَ حتى النهاية، وحين غادر البقيَّة، دخل مع مُضيفه الغرفة الداخلية، التي يحتفظ فيها بالأسماك الذهبية، وأغلقَ الباب. كان المنزل طويلًا وضيِّقًا، ويحتوي على شرفة مغطَّاة بستائر من الخارج تمتد بطول الطابق الأول، الذي كانت أغلبُ مساحتِه تتكوَّن من غرفٍ يستخدمها صاحبُ المنزل نفسه: غرفة نومه وغرفة تبديل الملابس وغرفة داخلية كان أحيانًا ما يحفظ فيها كنوزه النفيسة ليلًا، بدلًا من تركِها في غرف الطابق السفلي. وكانت هذه الشرفة، مثلها مثل الباب غير الموصد كما ينبغي في الطابق الأسفل، مثارَ قلق لمدبِّرة المنزل ومدير المكتب والخدام الآخرين الذين كانوا ينتحبون على لامبالاة سيِّدِهم، ولكن في الحقيقة، كان هذا الرجل المُسِن الداهية أشدَّ حذرًا ممَّا بدا عليه. صحيحٌ أنَّه أبدى عدمَ اعتماده على الأقفال وقضبان الإيصاد، التي تحسَّرت مديرة المنزل على رؤية الصدأ يَعتليها بسبب تركِها بلا استخدام، لكنَّه كان يُركِّز على الاستراتيجية الأهم؛ إذ دائمًا ما كان يضع أسماكَه الذهبية المفضلة لديه في الغرفة التي تقع وراءَ غرفة نومه طوال الليل، وكان ينام أمامَها، إن جاز التعبير، واضعًا مُسدسًا تحت
hindawi
مؤلم جدًّا هذا الشعور الذي تجده حين تقرأ الجبرتي وأمثاله من الذين كانوا يكتبون في أول هذا العصر الحديث، ولكن توسَّطِ القرن الماضي واقرأ ما كان يكتب في مصر والشام، فستجد شيئًا من اللذة يشوبه شيء من الألم كثير؛ لأنك تقرأ كلامًا يدل على شيء، ويريد بنوع خاص أنْ يدل على شيء، ولكنه لا يكاد يبلغ ما يريد؛ لأن حظه من المعنى قليل من جهة، ولأنه لم يستطع بعد أنْ يخلص من تلك القيود والأغلال من جهة أخرى، ثم صِلْ إلى الثلث الأخير من القرن الماضي، واقرأ ما كان يكتب في مصر والشام أيضًا، فسيعظم حظك من اللذة، وستشعر بشيء من الألم، ولكنه ليس هذا الألم الذي تجده حين تشهد البؤس والإعدام، وإنما هو نوع آخر من الألم تجده حين تشهد التكلف والتصنع، وحين نحس أنَّ هذه المعاني لو أُطلقت من قيودها، وأرسلت على سجيتها لأحدثت في نفسك من البهجة واللذة ما لا تستطيع أنْ تحدثه وهي مثقلة بما يحيط بها من لفائف البديع والبيان.
hindawi
أما بعد، فهل بعدنا عن موضوعنا الذي أردنا أن ندير حوله الحديث، وهو طراز الفردية الذي يتفق وظروف عصرنا، التي من أهمها العلم والصناعة؟ فربما سبق إلى ظن القارئ أنني بما قدمته أقول إن لا فردية بعد اليوم، وليس ذلك هو مبدئي، بل ولست أتصور كيف يكون ذلك؛ لأنني «فرد» وأنا أكتب هذه الصفحات نفسها، لم أشرك معي أحدًا في كتابتها، وأنا «فرد» حين أختار من الكتب ما أقرأ، ومن المسارح ما أرتاد، ومن مطارح الطبيعة، أو من ندوات المدينة ما أقضي فيه وقت الفراغ، فليس إذن سؤالي هو: هل تكون فردية أو لا تكون؟ إنما السؤال هو: بأي معنى نفهم الفردية؟ ولكي أجيب عن السؤال، رأيت ألا مناص من عرض فكرة الفردية كما كانت، حين كان يُنظر إلى الإنسان — وإلى غيره من الكائنات — من باطن لا من ظاهر، فيرى وكأنه «جوهر» ثابت يدوم ما دامت الحياة، بل وإلى ما بعد الحياة، وأما ما يبدو لأعين الناظرين من سلوكه الظاهر المتغير لحظة بعد لحظة، فكان يغض عنه النظر، باعتباره عرضًا زائلًا؛ ولذلك لم يكن ثمة تناقض بين أن يكون الإنسان فردًا، وأن ينعزل راهبًا في صومعة، لا بل إن الفردية بمعناها ذاك، لم يكن يؤكدها شيء بمقدار ما يؤكدها مثل ذلك الاعتزال الزاهد.
hindawi
(٢) الإقطاع في الغرب من العوامل الأساسية لظهور نظام الإقطاع في أوروبا تلك الحروب الكثيرة التي كان يَخوضها الملوك، إمَّا ضِدَّ بعضهم، وإمَّا ضِدَّ أعداءٍ من الخارج. فلقد أدَّت هذه الحروب إلى ازدياد أهمية فئة العسكريين المُحترِفين، وزيادة عدد أفرادها. ونظرًا إلى أنَّ الملوك لم يكن لدَيهم دائمًا المال الذي يكفي لمُكافأة هؤلاء المُحاربين، ولا سيَّما القادة منهم، على خِدماتهم، فقد كانوا يَمنحونَهم قِطعًا من الأرض جزاءً لهم على حُسن بلائهم في الحروب. ولم تكن هذه المِنَح في البداية على شكل مِلكيَّة دائمة، بل كانت تُعطي المُحارب حقَّ الانتفاع من الأرض، ثم تَحوَّل هذا الحقُّ فيما بعدُ إلى مِلكيةٍ دائمة. وممَّا ساعَد على هذا التحوُّل أن صغار الفلاحين كانوا يَحتمُون بالمالِك الكبير ضِدَّ أخطار الضرائب وعدَم الاستقرار، ورغبةً منهم في الشعور بمزيدٍ من الأمن. وهكذا كان الفُرسان المُحاربون من أهمِّ العناصر التي تكوَّنت منها طبقةُ الإقطاعيين في العصور الوسطى، وكان لهذه الحقيقة أثرها البالِغ في صَبْغ القِيَم الفكرية في عصر الإقطاع الأوروبي بطابعها الخاص.
hindawi
لو قال ماركس إن العلاقة بين الفكر والمادة علاقة متبادلة، لكان — فيما نرى — أقرب إلى الصواب، فالواقع المادي يوحي بالفكرة، والفكرة بدورها تؤثر في الواقع وتعيد تشكيله، وإننا لنرى هذه العلاقة المتبادلة بين الفكرة العقلية وتطبيقها المادي في جميع المستويات على تفاوتها واختلافها، فكم من ثورة سياسية قامت، حين أثار الواقع الكريه أنفس الناس، فتبلورت في رءوسهم فكرة، فثاروا ليخرجوها إلى الواقع، وهكذا يكون الترتيب: واقع ففكرة فواقع، ثم واقع ففكرة فواقع، وماذا يكون البحث العلمي إلا السير على هذا الترتيب نفسه: واقع نشاهده ونحلله، ففكرة تنشأ، فتطبيق جديد لها لنطمئن على صوابها، ثم ماذا يكون التخطيط لأي مستقبل قريب أو بعيد، في الحياة الخاصة أو في الحياة العامة، إلا سيرًا على هذا الترتيب: موقف واقعي راهن، ففكرة لتغييره، فإخراج لتلك الفكرة إلى دنيا الواقع لتبدل الموقف القائم بموقف واقعي جديد.
hindawi
وعلى حين أنَّ الرأسماليين كانوا في أول عهدهم أشخاصًا يتَّسِمون بِصِفات النشاط والمُثابَرَة وتقديس العمل — أيًّا كانت عُيوبهم الأخرى — لأنهم كانوا عِصاميِّين يتوَلَّون إدارة أعمالهم بأنفسهم، أو يَبتدِعون الأفكار الجديدة التي تكفُل نجاح أعمالهم، فإن الكثيرين منهم أصبحوا في المرحلة اللاحِقة أشخاصًا تأصَّلَت فيهم عادات التَّرَف المُفرِط، والتفنُّن في التبذير الماجِن. وكانت هذه الصِّفات الأخيرة أوضَحَ ظهورًا لدى الرأسماليين الذين انفصلوا عن عملية الإنتاج، ولم يعودوا يرتبِطون بمصانعهم أو يعرفون شيئًا عما يَتمُّ فيها، بل يَعهَدون بها إلى مُديرين أكفاء، ويكتَفون هم بما يَنالونه من أرباح. وبالمِثل، فإن الطبقة الرأسمالية أو البورجوازية التي كانت في أول عهدِها تُحارب امتِيازات الأشراف والإقطاعيين، أخذت تُكرِّس جهودها للمُحافظة على نفوذها عندما تحقَّقَت لها السَّيطَرة. بل إنَّ الطبقة الجديدة كانت في بعض الأحيان تتداخَل مع طبَقة النُّبلاء الزراعيِّين القديمة بالمُصاهرة، وتُحاوِل مُحاكاة العادات الأرستقراطية العتيقة. وبِعبارةٍ أخرى، فإن الرأسماليين عندما أصبَحوا هُم أصحاب المصالح الحقيقية القائمة، أخذوا يتَّجِهون إلى المُحافَظة على مصالحهم، وبعد أن كانوا في البداية يَستخدِمون «العقل» قوَّةً ثورية، أخذوا يَستعينون به في تبرير الأوضاع القائمة بطريقةٍ يَغلِبُ عليها الطابع المُحافظ. والواقع أنَّ هذا التَّحوُّل كان أمرًا تقتضيه نفس رُوح المُرونة والحركيَّة التي كان يتَّسِم بها المجتمع الرأسمالي، فهذه المُرونة ذاتها كانت تُحتِّم أن تتحوَّل العناصر
hindawi
وأضاف أديب ثالث أن نشأة اللغة نشأة طبيعية وفقًا لمطالب الحياة والأدب لم يجعل من اللغة وسيلة للتعبير الذهني كرموز الجبر فحسب، بل أكسب كل لغة ظلالًا وإيحاءات وشحنات عاطفية اكتسبتها من تكرار مرورها خلال النفس البشرية وتلوُّنها بألوان تلك النفس، حتى أصبحت لكل لغة طبيعية قدرة على الإيحاء والإثارة والتحريك لا تملكها أية لغة مصطنعة تُستعمل كرموز ذهنية أو وسائل لنقل المعنى فحسب من نفس إلى أخرى. ولما كان الأدب لا يهدف إلى نقل المعاني فحسب بل يتطلع إلى ما خلف المعاني من ظلال وإيحاءات وشحنات عاطفية، فإنه لا مفر للأدب من أن يستعمل لغة طبيعية لديها كل هذه الإمكانيات التي اكتسبتها عبر الزمن وبفضل رحلاتها المستمرة المتجددة خلال النفس البشرية. هذا هو مجمل الاعتراضات التي أثارها أو يمكن أن يثيرها زملاؤنا الأدباء والأساتذة ضد هذه المحاولة التي قام بها توفيق الحكيم في مسرحية «الصفقة».
hindawi
محب: وماذا نفعل الآن؟ سيف: لا تخف إن الأبواب تغلق من تلقاء نفسها وراءنا … فهي تفتح وتغلق بزنبرك قوي … وقفا فترة … وظل الصوت يتكرر … فقال «محب»: إن مصدر الصوت لا يتحرك من مكانه. إنه يبدو كدق على جدار السرداب. واقتربا معًا من مصدر الصوت … كان من الواضح أن شخصًا يدق جدار السرداب. وفجأة تذكر «محب» الجنايني «الطيب» فقال: لعله «الطيب» … وأعتقد أنه مسجون مثلنا في سردابٍ من السراديب الفرعية التي يعرفون طريقها … ولعله سمع خطواتنا! سيف: معقول جدًّا … ﻓ «الطيب» يعرف بعض أسرار السراديب ولعله أدرك أن من في هذا السرداب غرباء وليسوا من العصابة. محب: هل يمكن فتح سردابه؟ سيف: ممكن جدًّا … هل هناك لوحة قريبة منك تمثل فارسًا مملوكيًّا يركب جوادًا أبيض؟ أطلق «محب» ضوء بطاريته على الجدار فشاهد اللوحة وقال: نعم هنا لوحة للفارس.
hindawi
وَلَمَّا انْتَهَتْ «صَبِيحَةُ» مِنْ حَدِيثِها سَأَلَها الأُمَراءُ الأَرْبَعَةُ مُتَلَهِّفِينَ: «وَكَيْفَ وَقَعَتِ الواقِعَةُ؟ وَأَيُّ ساحِرٍ دَبَّرَ هذِه الفاجِعَةَ؟» فَقالَ الأَمِيرُ «فاضِلٌ»: «لا رَيْبَ أَنَّهُ المَلِكُ «مَرْمُوشٌ» الحَقُودُ وَوَزِيرُهُ «أُنْبُوشٌ»، فَكِلاهُما عَدُوٌّ لَنا لَدُودٌ، وَهُما بِأَمْثالِ هذِهِ الدَّسائِسِ أَخْبَرُ، وَبِتَدْبِيرِ هذِهِ المَكايِدِ أَبْصَرُ، وَعَلَى تَنْفِيذِها أَقْدَرُ!» فَقالَتْ «صَبيحَةُ»: «لَوِ اسْتَطاعَ «مَرْمُوشٌ» ذلِكَ لَما تَوانَى وَلا قَصَّرَ، وَلا تَرَدَّدَ وَلا تَأَخَّرَ، وَلكِنَّهُ أَعْجَزُ عَنْ بُلُوغِ هذِهِ الغايَةِ وَأَصْغَرُ، وَأَقَلُّ وَأَحْقَرُ. كَلَّا أَيُّها الإخْوانِ، فَلَيْسَ لَهُ في هذِهِ النَّكْبَةِ شَأنٌ، وَلا طاقَةَ لَهُ بِتَدْبِيرِها وَلا يَدانِ؛ بَلْ هِي مِحْنَةٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدَةٍ وَلا مَقْصُودَةٍ. وَلَوْلا لُطْفُ اللهِ لَضاعَ كُلُّ أَمَلٍ في انْفِراجِ الأَزْمَةِ، وَكَشْفِ الغُمَّةِ.»
hindawi
وحتى استنادًا إلى الرقم المُتحفِّظ الذي فرَضته للكواكب القابلة للسكنى الشبيهة بكوكب الأرض في مجرتنا؛ وهو ١٠٠ مليون، إضافة إلى الرؤية المتشائمة بأن احتمالات بدء الحياة لا تتعدى نسبتها ١٪؛ فإن هذا يترك مليونًا من العوالم التي بها حياة، وكوكب الأرض من بينها. قد يكون غريبًا (ومذهلًا) إذا تبين أن كوكب الأرض هو الوحيد من بين هذا العدد من الكواكب الذي تعيش على ظهره كائنات ذكية، لكن إذا كانت الحياة متوفرة بهذا القدر، وإذا كانت الكائنات الذكية ترتبط دومًا بوجود حياة، فأين تلك الكائنات إذن؟ إذا لم تكن الحياة نادرة الظهور، وإذا لم تكن تستمر لوقت طويل (على سبيل المثال، حضارتنا قد تندثر بسبب الحروب، أو وقوع كوارث طبيعية، أو بسبب تغير المناخ بفعل النشاط البشري)، فلا بد أن مجرتنا تعج بالكائنات الذكية. وقد لا يشترط أن تكون الكائنات الذكية في نفس المكان الذي نعثر على حياة فيه؛ فبالرغم من أن المسافات بين النجوم شاسعة، فمن الممكن عمليًّا السفر بينها. لست بحاجة إلى سفر أسرع من الضوء؛ كل ما تحتاج إليه هو التصميم والصبر. تخيَّلْ سفينة فضاء كبيرة بما يكفي لأن تحوي مئات من البشر، وتستغرق ١٠٠ عام للسفر إلى كوكبٍ واقعٍ خارج المجموعة الشمسية قابلٍ للسكنى، يتبع نجمًا يبعد بمسافة ١٠ سنوات ضوئية. يمكننا إنشاء تلك السفينة بأنفسنا باستخدام تقنيات يمكن التوصل إليها في العقود القليلة القادمة. قد يعيش ويموت جيل أو جيلان من الطاقم وهو في الطريق (ما لم يُستخدم نوعٌ ما من تعليق الحياة، وهو تعطيل الوظائف الحيوية لفترة من الزمن مع بقاء الكائن على قيد الحياة)، وتكون الرحلة — على الأرجح — رحلة ذهاب دون عودة. وإذا أرسلنا مثل هؤلاء المستعمرين إلى جميع الكواكب القريبة القابلة للسكنى الواقعة
hindawi
نوسة: لقد فكَّرت في خطة للإيقاع بهم. نظر إليها الثلاثة في دهشة، وقال «تختخ»: خطة للإيقاع بهم مرةً واحدة؟! إنك طموحة جدًّا … إن المفتش «سامي» لا يستطيع أن يزعم هذا. نوسة: إنها خطةٌ بسيطةٌ مبنية على فكرة أنهم يُراقبوننا. تختخ: لا بأس … قولي يا «نوسة» … فأنتِ دائمًا خير من يُدبر الخُطط. نوسة: إنهم يُراقبوننا، أليس كذلك؟ فقال «محب» بنفاد صبر: نعم إنهم يُراقبوننا … وبعد؟ نوسة: نقوم بعدة أعمال تلفت أنظارهم، بحيث يُحاولون مُهاجَمتنا ويكون المفتش ورجاله قريبين منا. محب: ولكنهم لا يمكن أن يُهاجمونا ونحن أربعة … فسوف نُثير ضجة ًكبيرةً تلفت الأنظار. نوسة: لقد وضعت ذلك أيضًا في اعتباري … فسوف تتظاهرون بأنكم غادَرتم الحديقة إلى مكانٍ بعيد … وهم طبعًا سيرقُبون انصرافكم … وسأبقى هنا وحدي وأنزل إلى الحديقة، وما داموا يريدون أن يعرفوا الكلمات التي يحفظها «الماي ناه» فسوف يُحاولون خطفي … وفي هذه اللحظة يتدخل رجال المباحث ويقبضون عليهم.
hindawi
أخذ «عثمان» مكان «بو عمير» الذي انصرف هو و«أحمد» ليرتاحا قليلًا، وكان ضوء النهار يزحف في بطءٍ على سطح المحيط. فقال «خالد»: هذا هو مضيق «موزمبيق». إننا نقطعه منذ بداية الليل! ظل اللنش يتقدَّم بسرعة، وأضواء النهار التي تتسرب إلى الوجود تكشف سطح الماء أكثر فأكثر، حتى بدأت الألوان الحمراء تنتشر عند الأفق، وظهر طائر النورس الأبيض، فقال «عثمان»: إننا نقترب؛ فهذا هو طائر النورس يدلُّنا على المكان. فجأة، امتلأت شاشة الرادار باهتزازاتٍ جعلت «خالد» يقول: إن هناك حالةَ تشويشٍ علينا، وهذا يعني أن العصابة في مكانٍ قريبٍ! واستمرت حالة التشويش حتى إن «خالد» أيقظ «أحمد» و«بو عمير»، فقال «أحمد»: يجب أن نستعدَّ! وأخذ الثلاثة يلبسون ملابس الغوص، ثم تقدَّم «بو عمير» فأخذ مكان «عثمان» حتى يستعدَّ هو الآخر … فجأة، سمع الشياطين صوت طائرةٍ، فأنصت «أحمد» بتركيزٍ، ثم قال: إنها طائرةٌ صغيرةٌ. يبدو أنها للاستطلاع! واتَّجه إلى مؤخرة اللنش، ثم أخذ ينظر في اتجاه الصوت. كانت هناك طائرةٌ تقترب، ففكَّر بسرعة: هل تقذفنا بشيء؟! ثم أسرع إلى مدفع رشاش ثُبِّت في وسط اللنش، ثم أخرج ماسورته من النافذة وانتظر. كانت الطائرة تأتي من ارتفاع متوسط في اتجاه اللنش مباشرة، فأحكم النيشان في اتجاهها، وعندما أصبحت في مدى المدفع، أطلق دفعة طلقات، أصابت خزان الوقود، فاشتعلت فيها النيران ثم انفجرت مُحدِثةً فرقعةً دوت في الفضاء، وسقطت متناثرةً فوق سطح الماء في نفس اللحظة، التي ظهرت فيها عند الأفق باخرةٌ ضخمةٌ جعلت «عثمان» يقول: ها قد بدأ الصدام!
hindawi
بعد ذلك علمت أنني لو أردت العمل بحُرية على هذه النقطة، سيتعين عليَّ أن أجذب انتباه المأمور إلى اتجاه آخر. أترى، حين أخبرتَ المأمور أنني أتيت إلى هنا كي أهرب فقد جعلت الاختبار أشد صعوبة؛ لأنه صار عليَّ أن أُضلِّله.» نظر إليه المأمور بعينَين حزينتَين. «الأمر الأول هو أن أجعله يفكِّر في أنني أُحاوِل التواصُل معك يا د. رانسوم؛ لذا فقد كتبت رسالة على قطعة من الكتان قطعتُها من قميصي، ووجَّهتها إلى د. رانسوم، ولففتُ ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات حولها وألقيتها من النافذة. كنت أعلم أن الحارس سيأخذها إلى المأمور، لكنني كنتُ آمل أن يُرسِلها المأمور إلى الشخص الموجهة إليه. أرأيتَ هذه الرسالة أيها المأمور؟» أخرج المأمور الرسالة المشفَّرة. ثم تساءل: «ما الذي تعنيه على أي حال؟» ثم أضاف وهو لا يزال يبتسم: «حسنًا، ما رأيك في هذا؟»
hindawi
الكويكبات لا يمكن أن يكتمل كتاب عن الكواكب دون التعرض لموضوع الكويكبات؛ لأنها أكثر الأجرام التي تصطدم بكواكب المجموعة الشمسية الداخلية (حيث تكون اصطدامات الكويكبات أكثر شيوعًا بنحو عشرة أضعاف من اصطدامات المذنبات). وبالإضافة إلى ذلك، يُصنف رسميًّا أكبر كويكب، ويدعى سيريس، بأنه كوكب قزم. (١) الأشكال والأحجام والتركيب نحو كويكب واحد بين ٥٠ كويكبًا يكون له — على الأرجح — قمر تابع، ومن حسن الحظ أن الكويكب إيدا، وهو ثاني كويكب تزوره مركبة فضاء عندما مرَّت به بعثة «جاليليو» عام ١٩٩٣، تبيَّن أنه واحد من تلك الكويكبات. كان هذا هو الاكتشاف الأول المؤكد لقمر تابع لكويكب، لكن لاحقًا تم العثور على المزيد من الأقمار التابعة باستخدام تقنيات تليسكوبية متطورة، مثل تقنيات التكييف البصري للتعامل مع لمعان الغلاف الجوي لكوكب الأرض. وتتراوح الأقمار التابعة للكويكبات في حجمها بين أقمار صغيرة نسبيًّا وأقمار أشبه بحجم الكويكب الرئيسي الذي تتبعه. في الواقع، يبدو أن الكويكب الذي يحمل اسم أنتيوبي يتكون من جرمين يدور كلٌّ منهما حول الآخر، ويبلغ حجمهما ١١٠ كيلومترات، ولا يفصل بين مركزيهما إلا نحو ١٧٠ كيلومترًا. وإلى الآن، يوجد كويكبان معروف أن كلًّا منهما يتبعه قمران صغيران. وبعض الأقمار التابعة للكويكبات يمكن أن تكون شظايا ناتجة من تصادم، ويمكن أن يكون البعض
hindawi
والواقِع أن الدَّور الأكبر الذي قام به التاجر في تطوير الاقتصاد نحوَ المرحلة الرأسمالية، كان يَتمثَّل في تأكيده لأهميَّةِ المال كقوَّةٍ جديدة لها وَزنُها الفعَّال في المجال الاقتصادي. فبعدَ أن كانت الأرض، وقوة العمل التي كان يبذُلها فيها الفلَّاحون، هي المصدر الأساسي لإنتاج الثروة في المجتمع، أصبح هناك مصدر جديد لا صِلةَ له بأيِّ شكلٍ مباشر من أشكال الإنتاج (لأن المال النقدي لا يستطيع، بذاته، أن يُنتِج شيئًا). ولقد كان هذا المصدر الجديد هو الذي أعطى المرحلة الرأسمالية شكلَها المُمَيَّز، وهو نقطة البداية في تحديد المعالِم الرئيسية لهذه المرحلة الجديدة. تأثير التَّعامُل النقدي لكي نُدرِك قوَّة التأثير الماديِّ والمَعنويِّ الذي أحدَثَه التعامُل النقدي في العصر الرأسمالي المبكر، ينبغي علينا أن نبدأ بكلمةٍ مُوجَزة نعرِض فيها لطبيعة النقود من حيث هي قوة اقتصادية؛ فالنُّقود وَسيط يَتمُّ عن طريقه التَّبادُل، وهي وسيلة لتخزين الثروة، ومِقياسٌ للقِيمة، وإن كانت مِقياسًا مُتقلِّبًا لا يتَّسِم بالثَّبات. وقد كانت النقود تتَّخِذ في البداية شكل قِطَعٍ من المَعادن (كالذهب أو الفضة أو النُّحاس) تُوزَن عند إجراء كلِّ تعاملٍ أو صفقة، ثم صُنِعت قِطَع من المعدِن لها وَزنٌ ثابِت وسُمك معلوم، وأصبحت الحكومات ضامِنةً لها، وبهذه الوَسيلة أصبَح تبادُل السِّلع أيْسرَ بكثيرٍ مما كان عليه في نظام المُقايَضة؛ إذ إن هذا النظام الأخير يُحتِّم على الشخص الذي يريد استبدال سِلَع أن يجِد شخصًا آخَر لديه ما يُريد من السِّلَع، ويريد ما لدَيه منها، وهو شرط لا يُمكن تحقيقه في كلِّ
hindawi
وبالرغم من أن أستاذنا الخولي قد قرر في عمق ووضوح مدى حرية الأديب أو الفنان إزاء التاريخ وحقه في استكمال الصورة الفنية التي يختارها من أحداثه وإعادة تفسيرها واستخراج دلالتها، فإنه لم يستطع أن يُقر توفيق الحكيم على ما فعل بهذا القاضي الجليل العز بن عبد السلام هو والمخرج، ثم يقول: «وللعز بن عبد السلام في نفسي وفي التاريخ الصورة التي قدمتها، وأكتفي بأن أسأل: أهكذا أيها المؤلف …؟! أهكذا أيها المخرج؟!» وأنا أقر أستاذنا المحقق على الحدود التي رسمها لحرية الأديب أو الفنان إزاء التاريخ عندما يلجأ إلى أحداثه، كما أشكر له بحثه الدقيق القيِّم عن تاريخ القاضي عبد العزيز بن عبد السلام، والصورة المشرفة التي صوَّرها لتلك الشخصية الناصعة، وكان باستطاعتي أن أقره على نقده للصورة التي تعاون الأستاذ توفيق الحكيم مع المخرج على إبرازها أمام الجمهور لهذه الشخصية الجليلة في مسرحية «السلطان الحائر»، ولكن الذي يمنعني من ذلك هو اختلافي الجذري مع أستاذنا المحقق أمين الخولي في النظرة إلى طبيعة هذه المسرحية.
hindawi
طويل ولكن! حين يأذنُ الله لي بسَفرٍ إلى الخارج لا أتوقَّع في نفسي شيئًا لا من الناس ولا من المكان. ولا أُحب أن أرسم ما قد تستقبلُني به الدول التي سأزورها، فلا أنا أتصوَّر الفندق ولا أنا أُحب أن أتخيَّل الأشخاص، وإنما أترك البلدة التي أضع بها حقائبي تُطالِعني هي بجديدٍ منها في كل خطوةٍ أخطوها. وليكن هذا الجديد متمثلًا في الناس وفي المكان، وفيما وهب لها الله من جمالِ معالمَ، وفيما حرمَها الله من نِعَم. وبقَدْرِ ما كان هذا البياض الذي أفرضُه على مخيِّلتي يجعلُني أتمتَّع بكل ما هو ممتع، كنتُ أُفجَع فجيعةً مضاعفة فيما يُواجهُني مما لا إمتاع فيه. ورحلتي هذه التي التقيتُ فيها بذلك الفتى الطويل الهايف كانت إلى دولةٍ من أكبر الدول الغربية. ووجدت ذلك الطويل ضمن الذين يستقبلون وفدنا، وعرفتُ أنه أحد الذين يمثِّلوننا تمثيلًا ثقافيًّا أو صحفيًّا أو شيئًا من هذا القبيل. ولم أتبيَّن مقدار هذه الهيافة في الفتى إلا حين بدأ يتكلَّم.
hindawi
الطائرات رقم ٧٧ قصف طائرات تي-٣٤ التابعة لكوريا الشمالية، وقصف قوات كوريا الجنوبية التي تسلك الاتجاه نفسه أحيانًا. ولم يكن الأستراليون على وجه التحديد أول من قدَّموا عرضًا إيجابيًّا بتقديم المساعدة للولايات المتحدة، لكنهم كانوا حقيقةً أول من خاض تلك الاشتباكات. كان أمام سبيندر خيار بديل آخر. قرر ترومان في ٣٠ يونيو إرسال قوات برية تابعة للولايات المتحدة لخوض المعركة في كوريا، واعتبرت هيئة الأركان المشتركة أن «أستراليا قادرة على الإمداد بثلاث كتائب مشاة … وأن هذا الإسهام من جانب أستراليا مطلوب للغاية.» فقرَّر رئيس وزراء أستراليا روبرت جي مينزيز زيارة لندن لاستشارة الحكومة البريطانية قبل تحديد سياسة أستراليا، حيث أُبلِغ هناك بأن البريطانيين يؤيِّدون قراره بعدم توريط القوات الأسترالية في الحرب. وبعدما بلغ مينزيز وسط الأطلنطي عائدًا إلى بلاده، قرر البريطانيون حينها إرسال قواتهم الخاصة. ولما أبلغ الدبلوماسي الأسترالي السير ألان وات سبيندر بنوايا البريطانيين، بدأ سبيندر على الفور في الضغط على القائم بأعمال رئيس الوزراء السير آرثر فادن لإصدار بيان — على مسئوليته ودون استشارة مينزيز أو أي وزراء آخرين — كتبه سبيندر مفاده أن الحكومة الأسترالية قرَّرَتْ توفير القوات البرية اللازمة
hindawi