Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/6

أثناء توجهي إلى جنيف بالقطار الأسبوع الماضي، تناهى إلى مَسمعي ذلك الصوت المُدَوي لصفارات الإنذار. إنه هذا الوقت من السنة مرة أخرى إذن، حيث تتم صيانة الملاجئ المتوفرة لكل أسرة سويسرية في جميع المباني القائمة في البلاد، واختبار تلك الأبواب المُحَصَّنة المقاومة للانفجارات، والتأكُد من قدرة صفارات الإنذار على مُمارسة ضجيجها المعهود.
لسنوات عديدة، كان الكثيرون منا يتعاملون مع الدفاع المدني السويسري بنوع من الاستخفاف. وأتذكر هنا قيامي مرة بكتابة تقرير ساخر تضمن مشهداً أشرب فيه القهوة مع جارتي في الملجأ الخاص بمنزلها، تحيطنا الزلاجات وزجاجات النبيذ.
وبِحَسب الرسالة التي استهدَفَت المقالة ايصالها بأسلوب فَكِه، لَمْ يكن أحد يتوقع أن تُستخدم هذه الملاجئ يوماً للغرض الذي أنشأت من أجله على الإطلاق... ولكنها والحق يُقال، كانت مُفيدة للغاية كأقبية للنبيذ، ومستودعات لأدوات التزلج، أو كفضاءات لمُعاقبة المراهقين المشاكسين - الذين يودون أن يُتركوا لحالهم - لبعض الوقت.
ولكن، وبعد مضي أيام قليلة فقط على اختبار صفارات الإنذار، عثرت على رسالة في صندوق بريدي الالكتروني تسألني: "هل يبدو العالم مُستعداً لمواجهة حرب نوويةرابط خارجي؟"
الإجابة القاطعة "لا"! قفزت إلى ذهني بسرعة تفوق تلك التي تنطلق بها إحدى تلك الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تصل إلى أهدافها - المُكتظة بالسكان عادة - في بضع دقائق معدودة.
ارتفاع درجة الخطر النووي
الإجابة التي أوردتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر جاءَت على شكل "لا" مدوية أيضاً. وكانت اللجنة قد دأبت في السنوات الأخير على مُناشَدة الدول الأعضاء لدَعم معاهدة حَظر الأسلحة النووية، هذه المعاهدة التي يرى رئيس اللجنة بيتر ماورَر، أنها تمثل "منارة أمل وإجراءً ضرورياً للحد من خطر وقوع كارثة نووية".
وكما تؤمن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن من شبه المؤكد بأن استخدام هذه الأسلحة ‘الأشد فتكاً وتدميراً التي اخترعت حتى الآن‘، لا يمكن أن يتم وفقاً لمقتضيات القانون الإنساني الدولي. إذ كيف يمكن لسلاح قد صُمِّمَ للقضاء على مدن بأكملها ان يحترم مبادئ التناسب أو التمييز؟
لسوء الحظ أيضاً، فإن الحكومات ليست في عُجالة للتوقيع على هذه المعاهدة؛ حتى أن أياً من القوى النووية لم تلمسها حتى. وفي أوروبا، لم تصادق على المعاهدة سوى ثلاث دول فقط هي النمسا، والكرسي الرسولي وسان مارينو، على الرغم من توفر جميع الأدلة التي تشير إلى توجه العالم نحو سباق تَسَلُّح آخر، وفقاً لـ مارك فينو من مركز جنيف للسياسة الأمنيةرابط خارجي.
"نحن نعيش في وسط هذا السباق"، كما يشير خبير انتشار الأسلحة والدبلوماسي الفرنسي السابق، مضيفاً "أن من الصعب للغاية اليوم العثور على أي دولة نووية غير مُشتركة في هذا السباق".
العين بالعين
بِحَسب فينو، فان إعلان واشنطن هذا الشهر الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى مع روسيا ليست العلامة الأولى، ولكنها الأحدث في مسلسل التراجُع الخطير في مسألة الحَد من الأسلحة النووية على الأجندة العالمية.
"لقد بدأ ذلك في عام 2000 بعد الانسحاب الأمريكي من معاهدة الصواريخ المضادة للقذائف التسيارية (أو الباليستية)، كما يوضح. "لقد أدركت موسكو آنذاك بأن نظام الدفاع الروسي بأسره القائم على الضربة الثانية، سيكون مُعرضاً للخطر في حال قامت الولايات المتحدة بنَشر أنظمة الصواريخ المُضادة للقذائف التسيارية، الأمر الذي لم يبق خياراً آخرأً أمامها سوى العثور على المَزيد من الأنظمة الهجومية".
وكما يعتقد خبير نَشر الأسلحة، فقد انطلق سباق التسلح الجديد عندما بدأت روسيا بتطوير نُظُمَها الصاروخية للتعويض عن فُقدان معاهدة الصواريخ المضادة للقذائف التسيارية. وبالطبع، رأت الولايات المتحدة في ذلك انتهاكاً لـمعاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وقامت بتحذير روسيا، ثم أعلنت عن نيتها الانسحاب من هذه المعاهدة أيضاً.
الرد الروسي لم ينتظر طويلاً، حيث قالت موسكو بأنها سوف تتخلى بدورها عن معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى لو فعلت الولايات المتحدة ذلك. كما أعلنت الحكومة الروسية عن قيامها بتطوير منظومتين جديدتين من الصواريخ، وألمحت بإن هذه ستكون أكثر سرعة ومراوغة من سابقاتها.
ساحة المعركة الأوروبية
يقول فينو: "عندما يكون لديك نوع الصواريخ التي تم حَظرَها من خلال معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، فإنك انما تخلق ميدان قتال في الواقع، وفي هذه الحالة ستكون أوروبا هذا الميدان".
وبدون أدنى شك، فإن هذه الأفكار ليست مريحة بالمرة، رغم إعراب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرغ عن عدم قلقه بشأن انهيار هذه المعاهدة - إلى الآن على الأقل.
مع ذلك، يراود القلق بعض المؤسسات والمنظمات مثل مركز جنيف للسياسة الأمنيةرابط خارجي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي ترى أن هذه المعاهدات التي تم التوصل إليها بشق الأنفس للسيطرة على أسلحة العالم الأشد فتكاً آخذة بالانقراض.
ومع الانسحاب الحاصل من معاهدة الصواريخ المضادة للقذائف التسيارية ومعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى الآن أيضاً، وفي حال لم تتوصل واشنطن وموسكو إلى إعادة إحيائها، فسوف يدور الاختبار الكبير القادم حول صمود المعاهدة الوحيدة المتبقية، المعروفة باسم معاهدة "ستارت الجديدة" (New START) التي وقعها كل من الرئيسيين أوباما ومدفيديف في 8 أبريل 2010 في براغ. وتُنَظِّم هذه المعاهدة الحدود القصوى للصواريخ الهجومية الاستراتيجية (أو العابرة للقارات) بالنسبة لواشنطن وموسكو، وتمكن البلدين من تدمير بعضهما البعض. وتنتهي مهلة العمل بـ "ستارت الجديدة" في غضون عامين، دون وجود أي تحركات لتجديها حتى الآن.
"نحن نود إنقاذ شيء ما بالتأكيد"، كما يقول مارك فينو، ويضيف: "نحن جميعاً نأمل بسيادة العقل في هذه المسألة، ذلك أن إزالة القيود على أي دولة نووية ليس من مصلحة أحد". وكما يشيرالدبلوماسي الفرنسي السابق، فإن هذا يعود لعدة أسباب ليس أقلها عدم توقيع بعض القوى النووية في العالم على أي معاهدات. وعلى سبيل المثال، فإن الصين المعروف عنها امتلاكها لترسانة كبيرة من الأسلحة النووية المتوسطة، لم تقم بالتوقيع على معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى.
هل تستطيع جنيف تقديم المساعدة؟
إذن، وفي خضم كل ما يحدث، هل تستطيع هيئات نَزْع السلاح في جنيف تقديم المساعدة؟ في مؤتمر نزع السلاح الذي ينعقد هذا الأسبوع في جنيف، أعربت العديد من الدول الأعضاء بالفعل عن قلقها من الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى [التي تم التوقيع عليها في عام 1987 بين الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشيف].
ورغم توفير هذا المؤتمر منتدى مناسباً للمناقشة، إلّا أنه وحسب فينو "ليس مكاناً للتفاوض على اتفاقٍ، ولكن منبراً للنداءات والمناشدات والجدال".
على الصعيد نفسه، تعترف أنيا كاسبرسن، الأمين العام المساعد لمؤتمر نزع السلاح، بأن الهيئة لم تكن فعالة جداً في الآونة الأخيرة.
"من الثابت أن المفاوضات كانت تتصف بالمراوغة في العقدين الأخيرين"، كما اعترفت. "لكن الآلية تعمل مع ذلك".
وكمثال على ذلك، تستشهد كاسبرسن بمعاهدة مَنْع انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الأسلحة البيولوجية، اللَتين تم التفاوض بشأنهما في إطار مؤتمر نزع السلاح، والتي ترى أن كلاهما تشكلان "عناصر مهمة في الإطار العالمي لنزع السلاح".
من جهته، يقول مارك فينو "ان جنيف بيئة جيدة، ولدينا الكثير من الخبرة هنا، لذا فأنها ستكون مكاناً جيداً للتفاوض، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية، لا أرى أنها موجودة في الوقت الراهن".
ويتوقع معظم خبراء مراقبة الأسلحة بأنه في حال وجدت خطوة الى الوراء نحو التفاوض، فإنها سوف تبدأ على المستوى الثنائي بين روسيا والولايات المتحدة، وليس في إطار متعدد الأطراف مثل مؤتمر نزع السلاح.
مع ذلك، وفي ظل تعدد الأطراف النووية حالياً، فإن المفاوضات بشأن نَزْع السلاح لا يُمكن ان تكون فَعّالة، في حال بقيت ثنائية.
وكما تقول كاسبرسن: "لا يمكن مواجهة التحديات الجديدة والمترابطة والمتشابكة في الوقت الحاضر بالكامل من خلال نُهَج مُجزأة ومُتشعبة". وتضيف: "نحن بحاجة إلى التعددية وإلى هيئات مثل مؤتمر نزع السلاح - والتي لا يوجد لها بديل ملحوظ اليوم".
وهكذا، ومع صدى تلك الصفارات الذي لا يزال يُدَوي في أذني، فإن ما يُطمئنني بعض الشي، هو مَعرفتي بوجود هؤلاء الدبلوماسيون والخُبراء والمُوظفين في المجال الإنساني، الذين يجتهدون لإبقائنا بعيداً عن حافة الهاوية النووية، حتى لو كان ساستنا المُنتخبين يدفعون بنا باتجاهها.
وقد يكون من الأفضل لهؤلاء السياسيين أن يخصصوا بضع دقائق (الوقت المستغرق بين انطلاق الصاروخ وتكون سحابة عش الغراب - مثلا) لمشاهدة هذا الفيديورابط خارجي الذي نفذته اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول العواقب الحقيقية لحرب نووية.
وفي غضون ذلك، فإنني شخصياً أريد الاحتفاظ بجميع هذه الملاجئ - ولكن لِحِفْظ الزلاجات وزجاجات النبيذ فقط.
(ترجمته من الانجليزية وعالجته: ياسمين كنونة), swissinfo.ch