Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/10

كان بين يدي موظفة الوكالة الدولية لأسرى الحرب قائمة بأسماء الجنود الذين وقعوا في الأسْر، أدخلت بطاقة الوقوع في الأسْر في الآلة الراقنة (الكاتبة) وبدأت في كتابة البيانات الخاصة بكل أسير. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، بلغ عدد البطاقات من هذا القبيل، نحو سبعة ملايين بطاقة.
بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، أنشأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوكالة الدولية لأسرى الحرب التي اتخذت مقرا لها في متحف راث Rath في جنيف، بوصفها هيئة تختص بجمع ونقل البيانات المتعلقة بالأسرى، والتي سُرعان ما انهالت عليها طلبات البحث عن مفقودين من كل مكان. وعند نهاية عام 1914، بلغ عدد الأفراد العاملين فيها حوالي 1200 موظف، معظمهم من النساء.
ولغاية نهاية الحرب، ملأ موظّفو الوكالة الدولية لأسرى الحرب نحو سبعة ملايين بطاقة، ضمت مليونين ونصف مليون أسير. وما هي إلا فترة وجيزة، حتى وسّعت الوكالة أنشطتها، فلم يعد يقتصر عملها على المساعدة في إعادة وصل الضحايا بعائلاتهم، وإنما أصبحت تقوم بعمليات تفتيش داخل المعتقلات وتنظّم عمليات تبادل الأسرى، وأيضا تتبنّى القضايا الخاصة بحماية ضحايا الحرب.
أصحاب همّة
في بداية هذا العقد، كان في جنيف 280 منظمة خيرية إلى جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكانت اللجنة حينها تتألّف في مجموعها من اثني عشر عضوا من أبناء الأسَر المتوسّطة ومن ذوي النوايا الحسنة، والذين كانوا يلتقون خلال أوقات فراغهم.
وقال دانييل بالمييري، مؤرخ اللجنة الدولية للصليب الأحمر لـ swissinfo.ch: "اقتصر نشاطهم على المهام الإدارية والعمل المكتبي، مثل كتابة الرسائل واستلام المراسلات الواردة والتفكير في قوانين وضحايا الحرب".
وبعد 50 عاما عن تأسيسها في عام 1863، استطاعت اللجنة الدولية أن تكتسب ثقة الحكومات وأن تقوم بأدوار هامة، وشاركت في تكوين أكثر من 50 جمعية من جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في جميع أنحاء العالم.
وكان لوجود الحرب الكبرى على أبوابها أثر في أن تحوّلت اللجنة إلى منظمة دولية حقيقية وفاعلة. ولقد أطلقت اللجنة في فبراير عام 1918 نداءً ضد استخدام الغاز السام في الحرب، تُوّج في عام 1925 بالتوقيع على بروتوكول جنيف وحظر استخدام الأسلحة الكيماوية.
وفي بداية الحرب، كان مصير الأسْرى هو الشغل الشاغل للجنة، لاسيما وأنه في غضون فترة زمنية قصيرة من نشوب المعارك، والتي تركّزت بداية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، وقع في الأسْر عشرات الآلاف من جنود البلدان المتحاربة.
سيل من الطلبات
مع اشتداد المعارك، كثّف أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهودهم في طلب قوائم الأسْرى من جميع الدول المتحاربة، واضطرت الوكالة الدولية لأسْرى الحرب إلى الاستعانة بالمتطوِّعين والذين كان معظمهم في بداية الأمر، من أقارب ومعارف أعضاء الصليب الأحمر، لكنهم سُرعان ما أغرقهم سيْل الرسائل الواردة، حيث وصل عددها إلى نحو 16500 خطاب يوميا، مما اضطرّهم إلى توسيع دائرة البحث عن متطوِّعين.
وأوضح بالمييري أن "اللجنة تمكّنت من تجنيد أشخاص على مستوى عالٍ من الشعور بالمسؤولية ومن القُدرة التنظيمية، لدرجة أن بعضهم استلم مسؤولية إدارية أو مسؤولية قسم، ويُذكر هنا سيدة تُدعى روني مارغريت كريمر، أمينة مكتبة وصاحبة فكرة استخدام البطاقات المبوّبة ضِمن الفهارس، لسهولة تجميع البيانات والتعامل معها". وفي عام 1918، أصبحت روني مارغريت كريمر أول امرأة تنضم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
أسرى بحاجة لرعاية صحية
تمكّنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تنظيم عمليات تبادل، شملت نحو 10 آلاف أسير، وشاركت سويسرا في نقل الأسرى من ذوي الإصابات الخطيرة والمرضى، ما بين ليون وكونستانس.
في عام 1915، سعت إلى إخراج أسرى من ذوي الإصابات غيْر الخطيرة من معتقلاتهم، نظرا لحاجتهم إلى العناية الطبية التي لا توفّرها معسكرات الاعتقال.
تم التوصل إلى اتفاق بشأن عدد منهم، بحيث يتم نقلهم إلى سجن في بلد محايِد، يقبل استضافتهم ويلتزم بعدم تسليمهم إلى دولة معادية.
خلال الفترة ما بين يناير 1916 ونوفمبر 1918، استضافت سويسرا في معتقلاتها ما يقرب من 68 ألف أسير من جنود جميع الدول التي شاركت في الحرب، وقد تمّ اعتقال معظمهم في المنتجعات الجبلية، التي خلت من السياح بسبب الحرب. وفي بعض الحالات، سُمِح لأفراد الأسرة بزيارة أقربائهم من المعتقلين.نهاية الإطار التوضيحي
متابعة مصير المدنيين
واليوم، يقدّم أرشيف محفوظات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الخاص بالحرب العالمية الأولى، والذي تمكّنا من زيارته، شهادات مؤثِّرة تتحدّث عن مصير ملايين الأشخاص، منها الرسائل ومنها قوائم الأسْرى، فضلا عن صناديق البطاقات المُفهْرسة التي تحتوي على الطلبات وعلى البيانات الخاصة بكل جندي أسير. فيما يجري العمل على رقمنة هذا التراث، ليكون متاحا للجمهور عبْر شبكة الإنترنت في أغسطس 2014 (أنظر جانبا).
ومنذ البدايات، تم فتح قسم خاص تحت مسمّى الوكالة الدولية لأسْرى الحرب، يعمل حصْرا وبدوام كامل لمصلحة المدنيين من ضحايا الصراعات، سواء أكانوا محاصرين أو رهائن أو مرحّلين أو معتقلين، فكانت هذه هي المرة الأولى التي توسِّع فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنشطتها، لتشمل المدنيين وغير المقاتلين.
كم من المدنيين مَن تَمّ اعتقالهم لمجرّد وجودهم في المكان الخاطِئ، كأن يكونوا يعيشون في بلد أو منطقة محتلة، فقامت الوكالة الدولية لشؤون الأسرى بمساعدتهم وإعادة الاتصال بينهم وبين ذويهم.
ووقعت أعيُننا ضمن الأرشيف، على رسالة موجهة إلى رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر من إحدى السيدات من أهالي باريس، تسأل عن مصير أستاذ فرنسي يُدرّس مادّة الرياضيات في جامعة ليل، اعتُقل من قِبل الجنود الألمان الذين احتلّوا المنطقة.
ثم نقرأ: "لقد ذاق أبْشع صور الانتقام في ثلاثة معسكرات أسْر، بما فيها معسكر هايدلبيرغ، مقرّ إقامته الأخير، أودِع فيه منذ بداية هذا الشهر... وها هو يقتله التجويع والتعب".
معسكرات الانتقام
تردت أوضاع الأسْرى في معسكرات الاعتقال، حيث كان للانتقام دور، وعملت الشائعات عملها، فما أن يصل إلى مسامع دولة أن جنودها في الأسْر يتلقون معاملة سيِّئة، حتى تردّ بمعاملة ما لديها من أسْرى لتلك الدولة بالمثل، لدرجة أن الدول المتحاربة درجت جميعها على نوع من أنواع الانتقام، يتمثل في تشغيل الأسْرى بالقُرب من جبهات القتال، ليقوموا مَثلا بحفر الخنادق، الأمر الذي شكّل انتهاكا صارخا لاتفاقيتيْ جنيف ولاهاي.
وتبيّن رسالة مؤرّخة في عام 1917، وموقّعة من قبل هوراس رامبولد، السفير البريطاني في برن، حقيقة ما كان يحصل، يقول السفير: "لقد أبلغوني بخصوص ما ورد في برقية وولف (وكالة الصحافة الألمانية) ونقلته الصحف، والذي مفاده بأن إنجلترا حذت حذْو فرنسا، حيث قامت باستخدام الأسرى الألمان في مرمى إطلاق النار، وهذا غير صحيح على الإطلاق، وإن ما يقومون به من عمل، قد يكون في بناء السكك الحديدية أو الطُّرق، وبعيدا عن نِطاق نيران مدفعية العدُو".
ووفقا لبالمييري: "كثيرا ما كان يحصل مثل هذا النوع من الامتهان، بيْد أن أماكن معيّنة وأوقات معيّنة شهِدت انتهاكات قانونية متكرّرة وبلا حدود".
في ظل تلك الظروف ووسط مثل تلك المناخات، بدأت اللجنة الدولية في إرسال ممثلين لتتفقّد أحوال الأسْرى في المعسكرات والمعتقلات. وفي المجموع، أرسلت 54 بعثة وقامت بزيارة أكثر من 500 موقع. وقامت بنشر تقارير المندوبين، رغبة منها في إظهار النزاهة والحياد وفي التّصدي للدعاية المغرضة.
ومنذ ذلك الحين، تقوم لجنة الصليب الأحمر الدولية بزيارات مُنظّمة للأسْرى وللمعتقلات، وتعمل بشكل تِلقائي على مساعدة ضحايا الصراعات والنزاعات والحروب في جميع أنحاء العالم، وغدا هذا العمل الرائد، أحد الأعمِدة الأساسية لأنشطة المنظمة.
أرشيف الوكالة الدولية لأسرى الحرب
خلال الحرب العالمية الأولى، عملت الوكالة الدولية لأسرى الحرب على تجميع وتحليل المعلومات التي تتلقاها من طرف المتحاربين، فيما يتعلق بالأسرى والمعتقلين المدنيين.
كانت مهمة الوكالة تنحصر في مقارنة ما لديها من معلومات مع الطلبات المقدّمة من قبل الأقارب والأصدقاء، من أجل المساعدة في وصل الأسْرى بذويهم.
يحتوي أرشيف الوكالة على أكثر من 600 ألف صفحة من الوثائق (قوائم الأسْرى وقتلى الحرب و...)، وسبعة ملايين بطاقة، وكذلك المراسلات الرسمية والدبلوماسية، بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والدول التي شاركت في الحرب، بخصوص تأمين الحماية للمعتقلين، بالإضافة إلى تقارير مندوبي اللجنة الدولية عن معسكرات الاعتقال.
تمّ مؤخرا استكمال مشروع التوثيق الرقمي للأرشيف، وسيكون في متناول الجميع عبر الإنترنت اعتبارا من شهر أغسطس 2014.نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch