Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/202

ربما يبدو من المستغرب الحديث عن ظاهرة الفقر في بلد يتجاوز إجمالي دخل الفرد السنوي فيه 20.000 دولار ويصل فيه معدل الراتب الشهري إلى نحو 2500 دولار. لكن بلاد الشوكولاته والساعات المنضبطة عرفت الفقر بأشكاله القديمة وتعرفه اليوم بصوره الحديثة.هذا المحتوى تم نشره يوم 26 مارس 2001 - 18:39 يوليو,
المؤرخون يشيرون إلى أن سويسرا عايشتْ أوضاعا اقتصادية ً مضنيه في فتراتِ ما قبل الحربِ العالميةِ الثانية أرهقت السويسريين وأتعبتهم إلى المدى الذي دفعَ بالكثيرِين منهم إلى الهجرةِ بحثا عن حياةٍ أفضل ورزق أوفر. ليس من الغريب إذن |ن نسمعَ عن جالياتٍ سويسرية استقرت في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة منذ ُ عهودِ الفاقة في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي.
أما الدراسات الاجتماعية الحديثة فتشير إلي بروز نوع جديد قديم من الفقر في سويسرا.... فقر العاملين الذين لا تكفى أجورهم للإيفاء بالحد الأدنى الذي تتطلبه ضرورات الحياة الكريمة. وشتان ما بين فاقة الماضي وفقر الحاضر.
ظاهرة الفقر في سويسرا قبل الحرب العالمية الثانية
رغم كفالة الدستور السويسري في المادة 31 لرفاهية المواطن وأمنه الاقتصادي فإن ترجمة هذا النص على ارض الواقع لم تتحقق إلا بعد الحرب العالمية الثانية. أما سنوات ما قبل الحرب فقد غابت عنها معظم الضمانات الاجتماعية السارية المفعول اليوم، وتكاد تكون الرعاية الاجتماعية الوحيدة المتوفرة آنذاك هي دعم مالي يقدم من قبل المجلس البلدي للفقير. فالدولة الفيدرالية لم تكن تتحمل أية مسئولية اجتماعية تجاه مواطنيها.
أوضاع الفقر آنذاك كانت مثلها مثل اليوم...فهي تنبع من عدم مقدرة الفرد على تحمل تكاليف ونفقات المعيشة مقارنة بالآخرين. لكن العنصر المميز للفقر في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، يشير السيد جاكوب كنخت الرئيس السابق لقطاع المسنين للحزب الاشتراكي في زيورخ، هو وصمة العار التي كانت تلحق بالفقير: "المجتمع كان ينظر إلى الفقير نظرة دونيه، فهو المسئول عن فقره... هو إما ِسكير أو فاشل و هو المتسبب في وضعه. ومما ساهم في تفاقمِ هذه النظرةِ الدونية للمحتاج هو تكفل المجلس البلدي بتكاليف المعونة المالية التي تقدم إليه... بعبارة أخرى، فإن الشعور السائد لدي أفراد القرية هو أنهم يكدون ويكدحون ويقتطعون من رزقهم لكي يتمكن الفقير من الحصول علي المعونة".
في تلك الفترة، لم يكن المجتمع السويسري قد شهد تفاوتا كبيرا بين طبقاته. بل كان تقارب المستوي الاجتماعي بين فئاته، خاصة في المناطق الريفية، سمة من سماته الأساسية. فئات المجتمع الرئيسية، يشرح السيد جاكوب كينخت، كانت لا تتعدى أربع فئات.. فئة الفلاحين، والعمال، وأصحاب المهن الحرفية، إضافة إلى فئة صغيرة هي فئة أصحاب المصانع ومالكي رؤوس الأموال. وعلى رغمِ تواضعِ الحياةِ حينذاك، فإن مظاهرَ الفاقة كانت تميزُ الفقير بوضوح. فعلى سبيل المثال، وعلى غرارِ بيوتِ المسنين المتواجدة اليوم تواجدت في الماضي بيوت أطلق عليها أسم "بيوت الفقراء"، كان المحتاجون يجمعون فيها، وتتولى البلدية رعايتهَم. وبديهي أن هذا الأسلوب في مكافحة الفقر كان له أثره القوى في ترسيخ وصمة العار التي تلحق بالفقير وأسرته.
وعلاوة على الدور الذي لعبته البلديات في تقديم الدعم للفقير، كانت الكنيسة وسيلة موازية في مكافحة الفقر. يقول السيد جاكوب كينخت:" الكنيسة في سويسرا لعبت الدور الأساسي في مواجهة الفقر منذ عدة قرون، وأستمر هذا الوضع إلى بدايات القرن العشرين، أي إلى نهايةِ الحرب العالمية الأولى. لم يكن لاختلافِ المذاهب الدينية في الكونفدرالية أثر على هذا الدور،.. فالكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية، كانتا تلعبان نفسَ الدور الاجتماعي في مناطق نفوذهما. أذكر في هذا الشأن مثلا شخصي، فجدي، الذي ورث مهنته عن أبيه، كان يعمل مع الكنيسة كراعي للفقراء، أي كان عليه أن يتعهدَ فقراءَ القريةِ بالرعايةِ وتقديمِ المساعدة. لكن الوضعَ تبدل تدريجيا مع التغير الذي طرأ على دورِ الدولة وانفرادها بعد ذلك بتحمل مسئولية الضمان الاجتماعي للمواطن ".
هذا التغير في دور الدولة اخذ وقتا طويلا لان المسالة تطلبت موافقة كانتونات سويسرا الستة والعشرين. أما أول خطوة جديه اتخذت في هذا الشأن، يشير المؤرخ السويسري موراي لوك في كتابه "تاريخ سويسرا"، فقد تمثلت في الاستفتاء الشعبي الذي أجري في عام 1947 وبموجبه تم البدء بالعمل بنظام التأمين على الشيخوخةِ والعجز. وشملت مبادئ التأمين على الشيخوخةِ والعجز برعايتِها كافة َ سكان الكونفدرالية العاملين منهم والعاطلين عن العمل على حدِ سواء .. فهي إلزامية بحكم القانون. بعد ذلك توالت القوانين بضمانات اجتماعية أخرى تلزم الدولة وأصحاب العمل على حد سواء تأمين حياة كريمة للمواطن وإعالته في حالِ فقدانه لعمله.
فقراء الحاضر، عاملون ولكن...
رغم توافر الضمانات الاجتماعية في سويسرا الحديثة، فإن ظاهرة الفقر لم تختف من كيانها الاجتماعي. أما الصورة المعاصرة للفقر في الكونفدرالية فتتمثل في مصطلح "الفقراء العاملين" أو The Working Poor. الفقراء العاملون، هو مصطلح تم اقتباسه من الولاياتِ المتحدة، وُيقصدُ به الأفراد الذين بالرغمِ من عملهم إلا أن وظائفهم لا تدر عليهم دخلا يفي باحتياجاتهم الأساسية. فلا يكفى أن يجدَ الإنسان عملا ما لكي يدرأ عنه وعن أسرته شبح الفقر، لا بل عليه أن يتفادى الوظائف ذات الحد الادنى من الأجور.
يشير المختصون إلى أن نسبة الفقراء العاملين في سويسرا ازدادت بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة. حيث أظهرت الإحصائيات الأخيرة للمكتب الفيدرالي للإحصاء أن 7.5% من إجمالي سكان سويسرا ينتمون إلي هذه الفئة من الفقراء. وعند احتساب الأطفال الذين يعيلهم أفراد هذه الشريحة فإن عدد الفقراء في سويسرا يصل إلى 530 ألف شخص.
وفقاً للإحصائيات السكانيةِ السويسرية لعامِ 1990، يعيشُ في الكونفدرالية نحو 75 ألف عائلِ أسرة، 90% منهم نساء، يتكفلن وحدهن بأطفال تقل أعمارُهم عن عشرينَ عاما. وعلى حين لا تقيد تربية الأطفال الأب الذي يعيش وحده، حيث يعمل بصورة عادية، فإن الأمهات اللاتي يتولين رعاية أطفالهن بمفردهن، يقللن من ساعات عملهن لتصل إلى ما بين 20 و30 ساعة أسبوعيا. و بصورة عامة يزداد معدل البطالة في هذه الأسر، كما ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض النفسية والجسمانية.
ومن البديهي أن تّحمل أحدِ الأبوين عبء تربية الأطفال وإدارة شئون الأسرة بمفرده ينعكسُ بصورة سلبية على حجم دخل الأسرة. ربما لهذا، ليس من المستغرب، أن تكون نسبة الفقر بين مثل هذه العائلات ضعف المعدل السائد بين العائلات التي يتواجد فيها الأب ألام معا؛ ولتصبح العائلة التي تقتصر على أحد الأبوين هي الأكثر فقرا على مستوى الكونفدرالية بأسرها. ولا يزيد معدل دخل مثل هذه الأسرة شهريا عن 2100 فرنك سويسري. وإذا كان هذا الدخل يبدو مرتفعا مقارنة بالدول النامية، فإنه لا يكاد يفي بمتطلبات الحياة للأسرة من كسوة وطعام وأجرة منزل ومتطلبات التعليم، وتأمين صحي، وغير ذلك من الضروريات الأساسية.
وكما في الماضي فإن الفقر ظل عارا يلحق بأصحابه في الحاضر. يقول السيد جاكوب كينخت: "وصمة الفقر لازالت متواجدة، ولعلها ترتبط اكثر بالحساسيةِ المتناهية التي يتعامل بها أصحاب الدخول المتواضعة مع حقيقِة أوضاعهم المعيشية. ويبدو ذلك بصورةٍ جلية في سعى الأسر الفقيرة إلى كتمانِ حقيقِة فقرها وحرمانها. فهي في كثير من الأحيان تتصرف كأن شيئا لم يكن، وكأنها لا تعانى من الفاقة خوفا من نظرة المجتمع، مما يتسبب في رفضِ هذه الأسر اللجوء إلى الدولة للاستفادةِ من الضمانات الاجتماعية الكفيلة بالتخفيف من معاناتهم ولو قليلا. ومن جانبٍ أخر، فإن محاولة َ إخفاءِ أوضاع الفقر التي تعايشها يدفعها دفعا إلى التقليلِ من إحتكاكاتِها الاجتماعية، مما يفرض عليها عزلة اجتماعية تكاد تكون اختيارية".
ليس الفقرُ الذي يعايشه "الفقراء العاملون" في سويسرا المعاصرة بشبيهٍ بأوضاعِ الفقر المتواجدة في كثيرٍ من أنحاء العالم. فمن الإجحاف أن يقال إن معاناة َ الفقير في بلدٍ كبنغلادش على سبيل المثال ، مرادفة لمعاناة نظيره في سويسرا. لن تجدَ متسولا يستجدى لقمة َالعيش في شوارعِ سويسرا، فالتسول يكادُ ينحصر على المدمنين الذين دفعهم الإدمان على المخدرات إلى إستجداء ثمن الجرعة المخدرة، وفيما عدا ذلك، فإن أشكال التسول الأخرى لا تخلو من قدر التهذيب، حيث يقف متسولٌ بقيثارته يعزفُ أنغاما جميلة، يسألك أن تقدر فنه بثمن زهيد.
نعم، في المقارنة إجحاف، لكن النسبية َ تظل هي الرائد خاصة عند الحديث عن أوضاعِ الفقر في سويسرا المعاصرة. هذه النسبية، رغم ذلك، لن تقلل من شأن حرمان طفلٍ من كسوةٍ أو وجبه أو لعبه، ينعمُ بها غيرَه من الأطفال. فالألم واحد.
إلهام مانع
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة