Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00891.jsonl.gz/65

العمل غير القانوني الذي يُعرف في سويسرا وعدد من البلدان الأوروبية بـ "العمل الأسود"، ليس فقط مجرد وسيلة للتهرب من دفع الضرائب أو استغلال صناديق التأمينات الاجتماعية، بل هو يسمح للعمــال الفقراء بالمحافظة على قدرتهم على العمل وعلى كرامتهم.هذا المحتوى تم نشره يوم 21 فبراير 2012 - 11:00 يوليو,
هذا ما استنتجته مؤخرا دراسة استقصائية واسعة أجراها معهد علوم الاجتماع في جامعة نوشاتيل.
"إن هشاشة الوضع المالي تشجعك على العمل بشكل غير قانوني. فعندما تعيش تحت ضغط مستمر ولا تدري كيف يمكنك تلبية احتياجاتك إلى آخر الشهر، أعتقد أنه من المبرر تماما اللجوء إلى مزاولة نشاط غير معلن عنه".
هذا الرأي لفابيو* (30 عاما)، الذي يعمل لحسابه الخاص في القطاع الثقافي، والذي كان ضمن مجموعة من حوالي ستين شخصا أجابوا على أسئلة ثلاثة من علماء الإجتماع في جامعة نوشاتيل السويسرية، في إطار دراسة أنجزت بدعم من الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي.
صدور كتاب "العمل الأسود – لماذا يتورط فيه المرء، وكيف يخرج منه"، يأتي بعد أربعة أعوام من اعتماد القانون حول العمل غير القانوني الذي تلته حملة إعلام واسعة قامت بها سلطات الكنفدرالية بهدف وقف انتشار الإقتصاد السري. ولئن كانت سويسرا لا تزال تُفلت نسبيا من هذه الظاهرة، مُقارنة مع بلدان جنوب وشرق أوروبا، فإن ما يُعرف بـ "العمل الأسود" يثير القلق في صفوف السياسيين منذ عقدين من الزمن.
فرونسوا إينار، مدير معهد علوم الاجتماع بجامعة نوشاتيل، والمؤلف المشارك للدراسة، أشار إلى أن "العمل الأسود كان دائما موجودا، ولكن انشغال الدولة بتحصيل عائداتها الضريبية زاد منذ عقد التسعينات. الشيء نفسه حصل بالنسبة للتأمينات الاجتماعية التي بدأت تعاني من مشاكل التمويل وسعت بالتالي إلى استعادة المساهمات المالية التي يمكن أن تقدّم لها (من كل من يمارس عملا في سويسرا)".
صعوبات ولوج سوق الشغل
وموازاة مع المطاردة المتزايدة للمحتالين، استمر ضعف وتراجع دولة الرفاه، مما أدى على سبيل المثال إلى تقليص خدمات التأمين على البطالة، بينما تتسع أكثر فأكثر فئة السكان التي تجد صعوبة في دخول عالم الشغل. وهو بمثابة "كوكتيل" (مجموعة من العوامل المتزامنة) يفسر إلى حد كبير، حسب واضعي الدراسة، لجوء أشخاص إلى مزاولة عمل غير مُعلن عنه رغم توفرهم على كافة التراخيص القانونية في سويسرا.
ولا تمس هذه الظاهرة فقط القطاعات التقليدية التي غالبا ما يشار إليها لدى تناول موضوع "العمل الأسود"، أي الفندقة، والمطاعم، والبناء، بحيث تتحدث الدراسة أيضا عن المجالات الفنية والثقافية، والحرف، وإصلاح الأعطال المعلوماتية، وحتى عن المهن الفكرية (بما في ذلك الترجمة)، إذ تضم مجموعة المُستجوبين العديد من الجامعيين. ويشدد إينار على أن "تزايد هشاشة (الوضع المالي) ومرونـة تنظيم العمل عاملان أساسيان للجوء إلى العمل غير المعلن عنه".
وما أثار بشكل خاص انتباه علماء الاجتماع الثلاثة أثناء الحوارات التي أجروها مع المُستجوبين – الذين يعيش معظمهم حياة متقلبة ملؤها الصعوبات والعقبات – هو تلك الكرامة التي تحدثوا عنها في مناسبات عديدة لتبرير لجوئهم إلى ممارسة أنشطة غير مصرح عنها. ومن بينهم آن (35 عاما) التي قبلت، بعد فترات كثيرة من البطالة وتلقي العلاوات الإجتماعية، بوظيفة نادلة بهدف إعادة الإتصال مع العالم المهني. وقالت ضمن هذا السياق: "كان الدافع الأول هو التمرن وإعادة تعلم بعض الـحركات، ولكن أقدمت (على هذا العمل) أيضا لإرضاء شخصي، لأنني أصبحت أشعر بالمرارة نتيجة (اعتمادي طويلا) على الخدمات الإجتماعية".
لأجل البقاء على اتصال بسوق الشغل
ويؤكد فرونسوا إينار أن "أشخاصا كثيرين يتجهون إلى "العمل الأسود" الذي يُعتبر مخالفة بسيطة وحتى ذي قيمة لأن (الشخص يثبت قدرته على) "إعالة نفسه"، بهدف الإفلات من وصمة العار القوية التي تحيط بوضع من يتلقى المساعدات (الإجتماعية). من جهة أخرى، يشير الباحث إلى أن العمل، ولئن كان بشكل غير قانوني، يسمح للشخص بالمحافظة على مهاراته وخبراته وشبكة (اتصالاته) في سوق العمل الذي يتطلب القدرة على التوظيف الفوري.
وما يـــُبرر أحيانا العمل بصفة غير مشروعة هو تدني الرواتب، وهو ما يعتبر أحد مواضيع الساعة بما أن السويسريين سيصوتون قريبا على اعتماد حدّ أدنى للأجور على المستوى الوطني. ويشدّد إينار على أنه "من الطبيعي عندما تتلقى أجرا لا يسمح لك بالعيش (الكريم) حتى عندما تعمل بدوام كامل، أن تبحث على تكملة دخلك بطريقة أخرى".
ويفضل أشخاص كثيرون إيجاد حل لوضعيتهم بأنفسهم، دون الحاجة إلى اللجوء إلى مكاتب الهيئات العامة أو الجمعيات الخيرية. ويقول باسكال* (30 عاما)، الذي يعمل في قطاع الفندقة: "كيف تريدون العيش بألفي فرنك في الشهر؟ أنا أتحمل مسؤولية المخاطر تماما، ولكنني أحتاج لذلك المال على أية حال".
قانون جدّ قمعــي
في السياق نفسه، تشير الدراسة إلى مشكلة أخرى، تتمثل في الآثار الناجمة عن المساعدات الحكومية الممنوحة وفقا لمقاييس مُحددة. ويوضح فرونسوا إينار في هذا الصدد أن "بعض الأشخاص يلجؤون أحيانا إلى إخفاء بعض الأنشطة للبقاء مثلا ضمن فئة دخل تسمح لهم بالحصول على دعم مالي لدفع مستحقات التأمين الصحي".
وإذا كان علماء الاجتماع يقرون بأن العمل غير المصرح به يضر بالاقتصاد والعمال على حد سواء، فإنهم يُبدون انتقادهم للقانون الفدرالي الخاص بـالعمل غير القانوني، الذي يعتبرونه "قمعيا للغاية وكثيرا ما يحجب الأسباب التي تدفع الناس إلى اللجوء إلى العمل الأسود". وتشاطر هذا الرأي سيدة مُستفيدة من المُساعدات الإجتماعية بقولها: "أتفق مع (ضرورة) تعقب من يستغلون (المساعدات)، ولكن ليس جليسات الأطفال، وخادمات المنازل، وعمال تنظيف المكاتب، لأنهم يقومون بذلك العمل تحديدا من أجل تغطية نفقاتهم".
هذا الوضع يُغذي أكثر الشعور بالحذر إزاء الدولة، والذي يُستخدم في بعض الأحيان كحجة لتبريـر اللجوء إلى العمل غير المُعلن عنه. وهنا يحث إينار على "ضرورة إعلام العمال أكثر حول مخاطر عدم مساهمتهم في مختلف التأمينات الاجتماعية، وذلك من خلال إعطائهم مثلا أرقاما حول الخسائر التي سيتكبدونها على مستوى معاشاتهم التقاعدية".
*أسماء مستعارة
دراسة جامعة نوشاتيل
صدرت دراسة "العمل الأسود – لماذا يتورط فيه المرء، وكيف يخرج منه" عن دار النشر L’Harmattan، وهي من تأليف ثلاثة باحثين في معهد علوم الاجتماع بجامعة نوشاتيل: جيروم هايم Jérôme Heim، باتريك إيشر Patrick Ischer، وفرونسوا إينار François Hainard.
استنادا إلى بحوث تجريبية أجريت في مناطق سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية)، يبحث المؤلف الأسباب التي تدفع المأجورين، وصغار العاملين لحسابهم الخاص (المستقلين الصغار) والأشخاص المستفيدين من المساعدات الاجتماعية، إلى العمل بشكل غير قانوني في حين أنهم يتوفرون على كافة التراخيص الضرورية للعمل بشكل مشروع في البلاد.End of insertion
"العمل الأسود"
تقديرات: يصعب ضبط نسبة العمالة غير القانونية في سويسرا. ويعتبر العمل الأسود نشاطا بمُقابل مالي، أو بمقابل أجر منتظم، أو عملا مستقلا؛ وهو مشروع من الناحية القانونية، لكن ممارسته تقترن بمخالفة للإجراءات القانونية، ويمثل 9% من إجمالي الناتج الداخلي السويسري، أي ما يعادل 39 مليار فرنك، حسب تقديرات رسمية تعود لعام 2007. ولكن هذا الرقم يشتمل أيضا على الأنشطة غير القانونية مثل المتاجرة بالمخدرات أو تجارة الأسلحة.
في أوروبا: حسب دراسة أنجزها الاتحاد الأوروبي في بروكسل عام 2004، تؤثر هذه الظاهرة بشكل متفاوت في دول الاتحاد؛ إذ يُعتقد أنها تمثل أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من بلدان الاتحاد، مثل هولندا والسويد. ويُقدر أن العمل الأسود يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا وفرنسا، لكنه ربما يقارب 16% في إيطاليا، و20% في اليونان، وأكثر في بلغاريا ورومانيا.
التأثيرات: أكدت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس في تقرير أصدرته عام 2008 أن "التوظيف غير الرسمي والعمل غير المعلن عنه يشكلان بالنسبة لبعض البلدان ذات العائدات الضعيفة وذات الدخل المتوسط، مشكلة كبيرة تثير القلق بشأن حماية العمال المعنيين، وتجعل من الصعب بالنسبة للسلطات الحكومية توفير خدمات عامة ذات جودة، كما تحول دون زيادة الإنتاجية والنمو".End of insertion
القانون الفدرالي حول "العمل الأسود"
دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2008 بعد مناقشات تواصلت ثلاث سنوات في البرلمان الفدرالي. ولا يُعرّف القانون على وجه التحديد مفهوم "العمل الأسود"، بحيث يشير أساسا إلى الإلتزامات المفروضة على أرباب العمل إزاء مأجوريهم، مثل الإعلان عنهم لدى صناديق التأمين على العجز والباقين على قيد الحياة AVS، أو التأمين على البطالة، أو الإعلان لدى السلطات الضريبية.
المراقبة: في عام 2010، حسب معطيات كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية، تم توظيف 67 مفتشا من قبل الكانتونات السويسرية لمكافحة "العمل الأسود"، وسمحوا بإجراء 12223 عملية مراقبة في الشركات و37001 عملية مراقبة تخص الأفراد. وقد تضاعفت نسبة العقوبات التي يفرضها القانون، مقارنة مع عام 2009.End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة