Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00912.jsonl.gz/95

ها قد حانَ هذا الوقت من السنة الذي يَحج فيه الأثرياء والمُتَنَفذون والشخصيات الأكثر شهرة، وطائفة من الذين يَتَمَتَّعون بجميع هذه الصفات الثلاثة، وآخرون يسعون جاهدين للحصول على صفة واحدة فقط، إلى الوادي المُرتفع حيث بلدة دافوس، لحضور المُنتدى الاقتصادي العالمي في هذه المُنتج الشهير.هذا المحتوى تم نشره يوم 23 يناير 2019 - 11:00 يوليو,
أنه لَحَدثٌ غريبٌ هذا المنتدى الاقتصادي العالميرابط خارجي الذي يُعقَد سنوياً في بلدة صغيرة شرق سويسرا، وهو ليس بالمناسبة الأكثر إرضاءً للصحفي من الناحية المهنية. لقد امضيتُ سنوات عديدة في الكتابة عن هذا المُنتدى، حتى قَرَّر أحد المحررين الرُحماء بأن هذه المهمة باتت من نصيب شخص آخر.
بالرغم من حضور العديد من صانعي القرار - ابتداء من رؤساء الدول والحكومات وكبار المسؤولين في المنظمات الدولية، وأصحاب المليارات وحتى الطُغاة إلى هذا المنتدى، لكن المشكلة بالنسبة لنا في وسائل الاعلام، هي أن غالبية هؤلاء المشاركين هم أكثر اهتماماً [خلال فترة وجودهم في دافوس] بالتشابك وبناء العلاقات، من اهتمامهم بالإجابة على أسئلتنا المُحرجة.
في نفس الوقت، فإن هذا المَحفل الاقتصادي العالمي هو فُرصة تواصل من النادر أن يُفَوِتها قادة المنظمات الإنسانية في العالم. وبالنسبة لي، تزامَنَت أول تجاربي في دافوس مع السنة الأولى لعملي كمراسلة بجنيف. وهنا أتذكر مبلغ دهشتي وأنا أستلم العديد من الرسائل الإلكترونية من قِبَل بعض وكالات المعونة التابعة للأمم المتحدة، التي تبلغني عن نية كبار مسؤوليها التوجه الى المنتدى، واستعدادهم لتقديم مقابلات "حصرية".
ماهي الفائدة المُتَحَقَّقة لوكالات المعونة؟
في الواقع، فإنني سرعان ما أدركتُ بأن قادة العالم في المجال الانساني يَنظرون إلى مؤتمر دافوس بوصفه حدثٌ أساسي، يمكنهم فيه مُفاتحة حكومات الدول التي تخوض صراعاً مسلحاً، والتحدث معهم بهدوء حول الاحتياجات الإنسانية أو تعزيز عملية السلام. أو بكونه المكان الذي يُمكنهم فيه حَثَّ رؤساء الشركات مُتَعَدّدة الجنسيات على تَبَني مُمارسات تجارية أكثر أخلاقية واستدامة.
وما هو أهم من ذلك، ومع تنامي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فإن دافوس هو المكان المناسب لإبرام صفقة مؤاتيه بين إحدى وكالات المعونة التي تعاني من ضائقة مالية مستمرة، وإحدى الشركات التي تسعى إلى تحسين صورتها من خلال القيام بأعمال خيرية لصالح العامة.
تأثير المشاهير
لا شكّ بأن حضور شخص مشهور إلى دافوس مُفيد دائِماً. وهنا نتذكر أنجلينا جولي (في عام 2006) وهي تدخل إلى إحدى القاعات مُرتدية ما يشبه زي كومبارس من فيلم "الدكتور زيفاغو"، لِحَث الحضور على دَعم اللاجئين، بينما يُصفق لها كوفي عنان.
أو شارون ستون، وهي تهب من مكانها في قاعة مؤتمرات مظلمة (حيث تعثر الأضواء الكاشفة عليها بسرعة وسهولة فائقة)، لتَعِد بالتبرع بمبلغ 10,000 دولار لتمويل شراء شِباك لتغطية الأسِرّة "الناموسيات"، لحماية أطفال افريقيا من البعوض الناقل للملاريا، وتُطالب زملاءَها الحضور بالتَبَرع بمبلغ مُشابه. وبالفعل، نَجَحَت ستون في جَمع أكثر من مليون دولار في خمس دقائق فقط.
علاوة على ما سبق، فإن اللجوء إلى حيلة ذكية هو أمرٌ جيدٌ على الدوام أيضاً. وهنا أتذكر ذهابي ذات مرّة إلى حَدَث مسائي استضافه برنامج الأغذية العالمي. حينها، وُعِدَ الضيوف رفيعي المستوى بِوَجبة عشاء فاخرة، وبِفُرصة للتعرف على الأعمال الصالحة التي يقوم بها برنامج الأغذية العالمي.
من جانبهم، وَصَلَ أصحاب الملايين ليجدوا امامهم كوخاً خشبياً، قُدِّمَ لهم فيه نوعاً من العصيدة - هي ذات العصيدة التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي للملايين من أطفال المدارس. وهذه الوجبات ليست مُجَرَّد سلاح مجاني لمكافحة سوء التغذية، ولكنها تشكل حافزاً لأولياء الأمور الفقراء لإرسال أطفالهم إلى المدرسة بدلاً من إبقائهم في المنزل لِجَلب الماء أو جَني المحاصيل.
لم يكن مُستَغرباً ان لا يستحسن ضيوف برنامج الأغذية العالمي طعم العصيدة تماماً؛ الأمر الذي أعقبه نظرات خفية إلى علب ساعات "رولكس أويستر"، وهمسات مُتَحَفِّظة تتساءَل عن توفر الشمبانيا أم لا. لكن ذلك كله لم يكن سوى جزءً من خطة مَحبوكة: فبعد انقضاء ما لا يزيد عن عشرين دقيقة، سقطت الجدران الخلفية للكوخ الخشبي، لتَكشف عن غرفة طعام مطلية بالذهب، ونادلين يقدمون الطعام ببدلاتهم الرسمية، ومأدبة من خمسة أطباق استضافها بعض الملوك الأوروبيين.
من الواضح أن هذه الاستراتيجية نجحت بالفعل: حيث بات برنامج الأغذية العالمي يحظى بالعديد من الشراكات مع شركات عدة، من بينها "بيبسيكو" (وهي شركة أمريكية متعددة الجنسيات للمشروبات)، و"يونيليفر" (المتخصصة في صناعة الصابون و تصنيع السمن النباتي)، و"فودافون" (هي شركة بريطانية متعددة الجنسيات متخصصة في تقديم خدمات شبكات الهواتف المحمولة).
معايير أخلاقية مُشتبه بها
من الملاحظ ان العنصر الإنساني في دافوس قد ازداد بوضوح على مَرّ السنين، حيث أضحت مسائل الصراعات المُسلحة، وتغير المناخ، وعدم المساواة، والفقر، والتمييز مواضيع نقاش منتظمة. مع ذلك، يوجد هناك العديد من الأشخاص الذين يشككون في قيم وأخلاقيات قادة الشؤون الإنسانية المتوجهين إلى دافوس.
فبادئ ذي بدء، وعلى الرغم من عدم اضطرار وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة لدفع رسوم عضوية للمنتدى، إلّا أن عليها أن تدفع ثمن الفنادق الباهظة في دافوس، كما يتوجب عليها إبراز صورتها من خلال استضافة فعاليات مُكلِفة في كثير من الأحيان.
وفي هذا العام، من المُحتَمَل أن تستفيد بعض هذه الوكالات على الأقل من أسعار أنسَب لبعض الاجنحة الفندقية، بعد ان ألغى الرئيس الأمريكي ترامب وحاشيته العملاقة مشاركتهم في المؤتمر بسبب الاغلاق الحكومي. مع ذلك، لا يزال البعض يتساءَل عن سبب حضور مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في هذا الحدث، سيما مع تَصَدُّر رئيس البرازيل اليميني المتشدد الجديد جاير بولسونارو قائمة كبار الرؤساء. وسبق لـ بولسونارو أن تفاخر بأن بعض النساء من القباحة إلى درجة انهن لا يستحققن الاغتصاب، كما قال إن الخطأ الذي ارتكبته الديكتاتورية العسكرية السابقة للبلاد كان اعتمادها على "التعذيب وليس القتل".
براغماتية اللجنة الدولية للصليب الاحمر
كانت رغبة ماورَر في أن تكون وكالات الإغاثة الدولية نقية كالثلج المتساقط في دافوس هي الأمنية التي واجهت الرئيس البراغماتي للجنة الدولية للصليب الأحمر بالدرجة الأولى.
وليس ماورَر مُجرد ضيف عادي في المنتدى الاقتصادي العالمي، ولكنه أيضاً عضو مُنتخب في مجلس المؤسسة منذ عام 2014. وكما قال في وصفه للأساس المنطقي لهذه الخطوة: "على الرغم من المهام المُنفَصِلة للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنتدى الاقتصادي العالمي، إلا أنهما يركزان على التعاون عبر القطاعات وبين الأطراف الفاعلة المختلفة من أجل تحسين حالة العالم".
وكما أضاف: "بصفتي رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أتمنى أن أشارك المجلس تجربتنا في مساعدة وحماية الفئات الضعيفة من السكان في جميع أنحاء العالم، وتعزيز صمودهم".
مع ذلك، فقد تعرضت هذه العلاقة للانتقاد حتى من قبل بعض كبار المسؤولين السابقين في اللجنة الدولية نفسها. ورأى بعض هؤلاء أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر "سوف تفقد روحها" في سَعيها لِعقد شراكات مع الشركات الكبرى، في حين يخشى آخرون بأن يكون مَقعَد ماورَر في مجلس إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي خطوة أبعد من اللازم. وهنا يجب أن نتذكر بأن الكلمات المُعتَمدة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي الحياد والنزاهة، والأهم من ذلك، هو اعتماد المندوبين في مناطق النزاع على تلك الصفات بلا هوادة، من أجل العمل بشكل مجد وآمن.
مبادرة الاستثمار الإنساني
لكن، ومع تفاقم الازمات الإنسانية في العالم، فإن وكالات المعونة تبحث باستمرار عن أساليب جديدة لدعم عملها المُنقذ للأرواح. وخلاصة القول هو ان هذه الوكالات لا تستطيع تحمُّل عدم التوجه إلى دافوس، مهما تحسس بعضها من القيام بهذه الخطوة.
وبهذا الصدد، فإن استراتيجية بيتر ماورَر المتمثلة في عدم طلب المساعدة فحسب، ولكن الانضمام إلى مجلس صُنّاع القرار الذين قد يقدمون المساعدة أيضاً، يمكن أن تُؤْتي أُكُلَهَا، ليس من الناحية المالية فَحَسب ولكن من الناحية الأخلاقية أيضاً.
وفي دورته التاسعة والأربعين التي تنعقد من 22 إلى 25 يناير، سوف يَطلق المنتدى الاقتصادي العالمي مبادرة جديدة "للإستثمار الإنساني". وسوف تدرس هذه المبادرة - وبمساهمة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والبنك الدولي - مشكلة مُزمنة للمساعدة والتنمية، هي كيفية الاستثمار المُستدام على المدى الطويل، في المناطق الهشة المُهيأة للنزاع.
ومن المُقَرَّر أن يُجلَب عالم الشركات إلى هذه المبادرة ويُدعى إلى"دَعم المزيد من الحلول الفعالة والمشتركة، والاشتراك في تصميمها". ولربما لن نرى نتائج هذه الاستراتيجية لسنوات، بل وحتى لعقود، ولكن قادة العمل الإنساني والعمل والتجاري على حدٍ سواء يودون المحاولة.
من السهل أن يُشَكِّك المرء بمنتدى بدافوس، وأن يتهكم على النجوم، وعلى الأثرياء بلا داعٍ، والراغبين بأن يكونوا كليهما وهم يتجولون على الثلج.
لكن الحقيقة هي أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، لن تكون الأطراف التي ستُعيد إعمار سوريا أو اليمن، وإطلاق اقتصادات البلدان التي خرجت من حرب كارثية أخيراً. فالحكومات والشركات الكبرى هي من سيقوم بذلك. وربما سيكون من الأفضل لهؤلاء أن يأخذوا بعض النصائح من المجتمع الإنساني حول كيفية القيام بذلك على النحو الصحيح.
يمكنك متابعة إيموجين فولكس على تويتر على imogenfoulkes@، وإرسال أسئلتكم ومقترحاتكم إليها حول المواضيع المتعلقة بالأمم المتحدة.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة