Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00916.jsonl.gz/70

السيدة ليليان موري باسكيير هي قابلة. تولد النساء الحوامل، وتقف إلى جانبهن حتى يضعن أطفالهن. وهي أيضا الرئيسة الجديدة لمجلس النواب السويسري. مفارقة؟ ربما لا، لكن المفارقة الأكبر هو أن يحدث ذلك في دولة رفض رجالها منح المرأة حق التصويت حتى عام 1971.
حقا. شتان ما بين الأمس واليوم! في عام 1848 تم إقرار دستور تضمن أسس دولة سويسرا الحديثة وكيانها الكونفدرالي. بنُوده، التي حددت أسس ديمقراطية سويسرا المباشرة، ضمنت حق التصويت للرجل. أما المرأة فقد أعتبر واضعو الدستور "أن دورها ومكانها ينحصران في بيتها وعائلتها".
كان ذلك في الأمس البعيد. أما اليوم، أو بالأحرى الحاضر القريب، فقد صوّت مجلس النواب يوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، وبأغلبية مائة وواحد وخمسين صوتا مقابل ستة عشر صوتا، على اختيار أم لأربعة أطفال وقابلة في الخامسة والأربعين من عمرها رئيسة لمجلسه. أصبحت كما يحلو للسويسريين أن يطلقوا على منصبها "السويسرية الأوسع نفوذا".
لكنها ليست مفارقة!
يوم انتخابها أعلنت السيدة موري باسكيير أنها ستُسخرَ فترة انتدابها، على مدى العام المقبل، للدفاع عن حقوق ثلاث أقليات، وحددتها بالترتيب التالي: المرأة، اليسار، والرومانديين. ولم يأت هذا الترتيب اعتباطا. فإذا كان اليسار السياسي أقلية في ساحة القوى السياسية السويسرية، والرومانديون الناطقون باللغة الفرنسية أقلية في بلدهم الذي تنطق أغلبيتها باللغة الألمانية، فإن المرأة هي أولى الأقليات.
يشهد على ذلك أن انتزاعها لحقها في التصويت والانتخاب كان كانتزاعها لأضراس كل الذكور في المجتمع السويسري. ألم يستغرق حصولها على هذا الحق أثني عشر عقدا، ظل خلالها الناخبون في استفتاء بعد الأخر حتى عام 1971 يرفضون منحها هذا الحق. كان ذلك في الأمس القريب.
خلق هذا الرفض المتكرر وضعا حرجا لسويسرا وسط جيرانها الأوروبيين الذين ظلوا ينظرون بقدر من التململ إلى هذا العناد الذي دأب السويسريون على التحلي به في كل خصوصياتهم. بدا ذلك واضحا في قرار المجلس الفيدرالي عام 1968 التصديق على الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان شريطة التحفظ على البند الخاص بحق المرأة التصويت، والذي أثار زوبعة كبيرة ليس فقط داخل الأوساط النسائية في سويسرا بل في أوروبا الغربية بأسرها.
لكن التململ والاستغراب وحتى الغضب لن توفر تفسيرا عقلانيا كافيا لهذا الإصرار "السويسري الذكري"، إن جاز التعبير، على عدم منح المرأة حق التصويت. فالمسألة تظل منطقية رغم كل شئ. كيف؟ منطقيتها تتبدى في الطبيعة المحافظة الصرفة التي تغلب على المجتمع السويسري. فليس من قبيل المصادفة أن لا يزيد حجم التأييد الشعبي للحركات اليسارية عن خمسة وعشرين في المائة، على حين تستحوذ الحركات اليمينية بمختلف تياراتها على البقية الباقية.
بل إن نظرة واحدة على الملصقات والأساليب الدعائية التي استخدمت على مدى العقود الماضية في استفتاءات بعض الكانتونات والاستفتاءات الشعبية تبرز بوضوح القناعات المحافظة التي كانت سائدة آنذاك. أحد الملصقات الدعائية لعام 1927 تظهر رضيعا باكيا سقط من مهده وفوقه عبارة:"الأم تمارس السياسية! لا لحق المرأة في التصويت". وأخرى تظهر أم تحتضن وليدها وتكتفي بكلمة "لا".
وحتى الملصقات الداعمة لهذا الحق فعلت ذلك على استحياء شديد. أحدها على سبيل المثال والذي أُستخدمَ في كانتون بازل عام 1959 أظهر امرأة مغطاة الرأس تمسك بفمها زهرة، وفوقها عبارة تقول:"نحن رجال بازل أصحاب مروءة ونصّوت لصالح نساءنا".
وماذا عن اليوم؟
اليوم، لم تعد قضية تصويت المرأة ، والأم بالتحديد، وعملها في الحقل السياسي تثير الكثير من الجدل في المجتمع السويسري. ورغم أن تمثيلها السياسي يظل ضئيلا بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى، لاسيما الاسكندنافية منها، فإن القضايا الرئيسية التي تعني المرأة حاليا تحولت إلى قطاعات أخرى لاسيما الاقتصادية منها. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، عدم مساواتها في الأجر مع الرجل، ووجود سقف مهني يمنعها من تبوء المناصب الوظيفية العليا، هذا عدا سعيها إلى اليوم لتأمين حقها في علاوة اجتماعية للأمومة.
ثلاثون عاما أخرى؟ كان هذا هو التساؤل الذي طرحته صحافيتان سويسريتان في تقرير لهما عن أوضاع المرأة السويسرية هذا العام. كانت أمنيتهما أن لا يستغرق الأمر ثلاثين عاما، كما حدث مع حقوق المرأة السياسية، حتى يقتنع القطاع الخاص بضرورة مساواة المرأة مع زميلها الرجل. وربما لم تبتعدا في ذلك كثيرا عن الواقع.
فالتاريخ السويسري شاهد على أن التغييرات الاجتماعية التي تحدث فيه تأخذ مداها على النفس الطويل... ولو أن الوضع كان غير ذلك، ما وضعت السيدة ليليان موري باسكيير، رئيسة مجلس النواب الجديدة، قضية الدفاع عن حق الأقلية الأولى في المجتمع، المرأة، على رأس قائمة أهدافها.
إلهام مانع