Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/14

حسمت المحكمة الفدرالية، التي تُعد أعلى هيئة قضائية في سويسرا، مسألة تصويت المواطنين على طلبات الجنسية في بعض مناطق الكنفدرالية.
المحكمة قضت يوم الأربعاء في لوزان أن هذه الممارسة مخالفة لأحكام الدستور في قرار جاء ردا على مبادرة لحزب الشعب اليميني في مدينة زيوريخ.
وضعت المحكمةُ الفدرالية في لوزان يوم الأربعاء 9 يوليو الجاري حدا للجدل القائم منذ زهاء أربع سنوات حول حق المواطنين في التصويت على طلبات الجنسية في سويسرا.
فلأول مرة نظرت المحكمة الفدرالية في هذه القضية وحسم قضاتُُها الخمس الأمر بالتأكيد أن كل المبادرات الداعية لطرح طلبات الجنسية في استفتاءات شعبية هي مخالفة للدستور الفدرالي. وبينما وُُصف حكم المحكمة بـ"قرار ثوري" من قبل أحد القضاة الخمس، وبـ"المعقول" من قبل الحزب الاشتراكي، وبالـ"العادل" من طرف الراديكاليين، أصر حزب الشعب اليميني المتشدد على وصفه بـ"حكم عبثي ذي صبغة سياسية عالية".
مبادرة مخالفة للدستور
وكان فرع حزب الشعب اليميني المتشدد في مدينة زيوريخ قد أطلق في أكتوبر من عام 1999 مبادرة شعبية على مستوى البلدية تطالب بخضوع طلبات الجنسية التي يتقدم بها الأجانب في المنطقة إلى تصويت شعبي محلي.
لكن أصحاب المبادرة اصطدموا في يناير عام 2001 برفض سلطات بلدية زيوريخ التي اعتبرت أن مضمون المبادرة يتعارض مع أحكام الدستور. وفي نوفمبر 2002، دعمت حكومةُ دويلة زيوريخ موقف البلدية برفضها طلب الاستئناف الذي تقدم به حزب الشعب.
القضيةُ وصلت أمام المحكمة الفدرالية، أعلى هيئة قضائية في سويسرا وكان الفصل فيها يوم الأربعاء 9 يوليو الجاري. المحكمةُ لم تحِد عن موقف سلطات بلدية ودُويلة زيوريخ، بـل رفضت مبادرة حزب الشعب رفضا مطلقا وبالإجماع.
القضاةُ الخمسة الذين يترأسون المحكمة اعتبروا أن المبادرة تنـتهك الدستور الفـدرالي لأنها لا تضمن احترام الحقوق الأساسية لطالبي الجنسية. ويوضحُ القـُضاة الفدراليون في هذا السياق أن عـملية منح الجنسية أصبحت إداريةً بالدرجة الأولى ولها انعكاسات على حقوق الأشخاص الذين يطلبون الجواز السويسري. وبالتالي وجب احترام الضمانات القانونية المكفولة لطالبي الجنسية.
حقان أساسيان
ويتصدر هذه الضمانات حقّ طالب الجنسية في أن يُُستمعَ إليه من طرف السلطات القضائية، لأنه يستجيب مبدئيا لعدد من الشروط القانونية مثل مدة الإقامة، والإندماج في المجتمع، واحترام عاداته ونظامه القانوني. كما يحق لطالب الجنسية أن يحصل على تبريرات قانونية في حال رُفض طلبه.
احترامُ هذين الحقيـن الأساسين يُصبح مـُستحيلا عندما يخضع طلب الجنسية للتصويت الشعبي. فكيف يمكن تبرير نتائج صناديق الاقتراع القابلة لكل الاحتمالات؟ فـفي هذه الحالة، لا يُمكن معرفة الأسباب الحقيقية أو الجهات التي دفعت الناخب إلى رفض أو قبول طلب جنسية هذا الأجنبي أو ذاك.
وفي غرفة التصويت السرية، تزداد مخاطر حصول تمييز من طرف الناخبين إزاء عرقِ أو دينِ طالبِ الجنسية أو مستواه الإجتماعي أو حتى مظهره. لكن الدستور الفدرالي ينقذ الموقف هنا حيث يحظر بوضوح كافة أنواع التمييز هاته. وقد شدَّد القاضي المُقَرِّر في المحكمة الفدرالية بلـوزان على حقِّ طالب الجنسية في معرفة مبررات قرار رفض طلبه، وإلا فإن مبدأ عدم التمييز الدستوري سيُفرغ من مضمونه.
من جهة ثانية، وضع القضاة الفدراليون الأصبع على عنصر آخر يجعل من مبادرة حزب الشعب في زيوريخ خطوة مخالفة للدستور، حيث اعتبر القضاة أن هنالك تناقضا هائلا بين حق المواطنين في الحصول على معلومات كاملة عن طالب الجنسية حتى يتمكنوا من اتخاذ القرار بهذا الشأن، وبين حق طالب الجنسية في الحفاظ على معطياته الشخصية وحرمة خصوصياته. فإلى أي حد يمكن الكشف عن هذه المعطيات؟
ويدخُل عالم الإجتماع في جامعة زيوريخ هانس غيسر على الخط قائلا: "لا يجب إخضاعُ عمليات التجنيس لقاعدة الأغلبية لأنها تمس بالحقوق الإنسانية للفرد". وهنا يتفق الأستاذ الجامعي كليا مع موقف المحكمة الفدرالية وحكومة دُويلة زيوريخ حول هذه النقطة.
قرار شامل
وإن كان قرارُ المحكمة الفدرالية قد صدر للفصل في قضية مُبادرة حزب الشعب بمدينة زيوريخ، فإن تطبيقه سيتجاوز بالتأكيد حدود هذه المدينة وسيُطبق في مختلف أنحاء التراب السويسري. وقد أرفقت المحكمة قرار منع إخضاع عمليات التجنيس للتصويت الشعبي بقرار يهم مدينة إيـمن بكانتون لوسيرن التي لازالت تلجأ للاستفتاء الشعبي لمنح الجواز السويسري.
ويقضي قرار المحكمة بقبول الاستئناف الذي تقدم به خمسة مواطنين من يوغوسلافيا السابقة بعد أن رفض سكان المدينة منحهم الجنسية السويسرية في مارس 2000. آنذاك، رفض معظم سكان إيـمن 48 طلب جنسية معظمهما لرعايا من جمهوريات يوغوسلافيا السابقة فيما وافقوا على طلبات 8 مرشحين من أصل إيطالي.
وبعد أن قال أبناء إيـمن كلمتهم، لجأ أبناء البلقان الخمسة إلى حكومة كانتون لوسيرن لعلها تغير في الأمر شيئا.. لكن دون جدوى. فاضطروا إلى إحالة قضيتهم أمام المحكمة الفدرالية التي استنتجت يوم الأربعاء 9 يوليو الجاري أن الرعايا الخمسة وقعوا ضحية تمييز تحظره الفقرة 2 من البند 8 من الدستور الفدرالي، حيث أنهم حرموا من الجنسية بسبب أصلهم ودون أي مبرر موضوعي.
وبذلك سقط قرار حكومة لوسيرن ووجب على السلطات المعنية في بلدية وكانتون لوسيرن تنظيم المراحل اللاحقة الخاصة بمنح الجنسية. بعبارة أخرى، سيتوجب على سلطات لوسيرن (وبقية الكانتونات التي لا زالت تمارس هذا الأسلوب) تعويض التصويت الشعبي بنظام آخر يتوافق مع مقتضيات الدستور الفدرالي.
ولا يعني منع التصويت الشعبي في هذه القضية منح الجنسية السويسرية بصفة تلقائية لكل طالبيها. فقرار المحكمة الفدرالية لا يمس على الإطلاق بصلاحيات المجالس التشريعية البلدية في هذا المجال.
ذهول إيـمن وعنـاد زيوريخ
سلطات مدينة إيـمن تلقت بذهول وارتباك شديدين قرار المحكمة الفدرالية الذي يعني تغيير نظامها الحالي، وهذا يقتضي تعديل التشريعات على المستوى البلدي وربما على مستوى الكانتون أيضا. وأعرب نائب حزب الشعب في بلدية إيـمن بيتر بوهلمان عن اعتقاده أن سكان كانتون لوسيرن ليسوا مستعدين للاستجابة لقرار المحكمة الفدرالية.
أما على مستوى الكانتون، فأعرب المسؤولون عن الارتياح لقرار المحكمة الفدرالية حيث قالت مديرة وزارة العدل في دويلة لوسيرن إيفون شارلي "إن قرار المحكمة يضع حدا للقرارات الاعتباطية في مجال منح الجنسية". كما أقرت المسؤولة بضرورة تعديل قانون كانتون لوسيرن المتعلق بعمليات التجنيس.
وبينما تنظُر مدينة إيـمن في كيفية تعاملها مع قرار المحكمة، عبر فرع حزب الشعب اليميني في زيوريخ عن عزمه الأكيد على التمسـك بموقفه والاستعانة بقيادة الحزب على المستوى الوطني لـدراسة فكرة طرح مبادرته على المستوى الفـدرالي.
فهل ستظل المحكمة الفدرالية سدا منيعا يرسم حدود ممارسة الديـمقراطية المـباشرة التي تبقى المبرر الرئيسي لكل مبادرات حزب الشعب السويسري؟
إصلاح بخات - سويس انفو مع صحيفة "24 ساعة"
معطيات أساسية
في عام 1999، أطلق فرع حزب الشعب اليميني في بلدية زيوريخ مبادرة محلية لطرح طلبات الجنسية في تصويت شعبي
في 2001، اعتبرت سلطات بلدية زيوريخ المبادرة مخالفة للدستور
في 2002، وردا على استئناف حزب الشعب للحكم، أكدت حكومة دويلة زيوريخ أن المبادرة تتعارض مع مضمون الدستور
في 2003، صدر حكم المحكمة الفدرالية في هذا الملف: مبادرة حزب الشعب تنتهك الدستور بعدم احترامها لبعض الحقوق الأساسية مثل الحق في أن يُُُُستمع إلى طالبي الجنسية من طرف العدالة وأن يكون القرار الصادر بشأن طلبهم مبررا.