Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00906.jsonl.gz/12

الصيغة السحرية، فَصْل السلطات، الدستور الفدرالي: من الصَعب على الأطفال فهم هذه الكلمات، ما قد يَجعَلَهم يهابونها بعض الشيء، لأنها - وكما يتراءى لهم، صُنِعَت للبالغين فقط. واليوم يحاول كتاب صدر حديثاً، أن يوضح للأطفال كيفية عمل الديمقراطية في سويسرا. ويلجأ المؤلف في كتابه إلى استخدام شخصية مُحببة جداً في قصص الأطفال المقروءة في جزء سويسرا المتحدث بالألمانية، ألا وهو ‘غلوبي’.
من الصعب توضيح النظام السياسي في سويسرا للأطفال. ومن حاول أن يجرِّب ذلك، لربما لم يحصد سوى عيون واسعة ملأى بالتساؤلات، خاصة وأن السياسية من وجهة نظر الكثير من الأطفال هي شيء يخص الكبار.
كيف يُمكن للمرء إذن أن يُحَوِّل السياسة إلى موضوع جذّاب للأطفال؟ "مِن خلال قَصِّ حكاية عليهم، واصطحابهم في رحلة عبر سويسرا، برفقة شخصية كرتونية مُحَبَّبة ومألوفة بالنسبة لهم"، كما يقول مارك تسولّينغَر، مؤلف كتاب "غلوبي والديمقراطيةرابط خارجي".
‘غلوبي’، سفير الديمقراطية
تَمَّ ابتكار شخصية غلوبي، وهو نصف إنسان ونصف ببغاء، منذ أكثر من 80 عاماً، كومضة إشهارية لسلسلة متاجر ‘غلوبوس’ (Globus) السويسرية في عام 1932. لكن الطائر الأزرق اللون سُرعان ما أسر قلوب الأطفال السويسريين من خلال القصص المصورة (الكوميكس)، ولا يزال حتى اليوم. وبمنقاره الأصفر، وسرواله المنقوش بالمربعات السوداء والحمراء، وبيريته السوداء التي لا تفارقه، نجح ‘غلوبي’ في اختطاف أجيال عديدة إلى الصين، وجبال الألب، والبندقية، ومبنى الإذاعة والتلفزيون وإلى حديقة الحيوان.
"لكن ‘غلوبي’ لم يَخُض أكبر مغامرة بعد، ألا وهي الديمقراطية المُباشرة"، كما قال دومينيك دي بومان، رئيس المجلس الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي) عند عرض الكتاب في القصر الفدرالي بالعاصمة بَرن. "في الواقع، فإن السياسة هي التي تُحَدِّد علاقة سويسرا مع الصين، أو كيفية مُعاقبة سرّاق السبائك الذهبية من البنك الوطني السويسري" - أي تلك الأشياء التي تلعب دوراً في مغامرات ‘غلوبي,.
وبرفقة ‘هيلفيتيا’، وهي شخصية نسائية ترمز إلى سويسرا [وهي التسمية التي أطلقها الاتحاد السويسري على شخصيته الذاتية نسبة إلى قبيلة الهيلفيت السلتية]، يقوم غلوبي في الكتاب الجديد بزيارة أماكن وأشخاص يلعبون دوراً مهماً في تطور الديمقراطية السويسرية.
المغامرة تبدأ على سهل روتلي. هذا المكان الذي شَهِد ولادة الإعلان الأول لنشأة الكنفدرالية السويسرية بحسب الأساطير. غلوبي - وبفضول الأطفال - يوجه آلاف الأسئلة لـ هيلفيتيا، التي تتمثل مهمتها بالإجابة على هذه التساؤلات بطريقة يسهل فهمها. من جهتهم، يجد الأطفال أنفسهم في غلوبي، ويشعرون بوجود قواسم مشتركة تجمعهم بـه، لأنه يشبههم بعض الشيء: فهو مثلهم، مُشاغب ولطيف ومضحك. وهو يوضح للأطفال بهذه الطريقة، كيفية عمل المؤسسات السويسرية.
"ان غلوبي أشبه بسفير للديمقراطية، وهو يقوم ببناء الجسور بين الأطفال وبين المفاهيم المُجردة"، كما تقول موريا تسورّير من جمعية Neuen Helvetischen Gesellschaftرابط خارجي (المجتمع السويسري الجديد)، التي أوعزت بإعداد هذا الكتاب. وهذه الجمعية هي مُنَظَمة سياسية غير حزبية، تأسست في بداية الحرب العالمية الأولى بهدف تجاوز الخلافات الوطنية، والدفاع عن الاستقلال الوطني.
من الكتاب إلى الحياة اليومية
يمثل كتاب "غلوبي والديمقراطية" (Globi und die Demokratie) جزءاً من سلسلة من الكتب التي تحمل عنوان "غلوبي والمعرفة" (Globi Wissen). وتهدف هذه المجموعة القصصية إلى تقريب الأطفال من مواضيع قد تكون معقدة وصعبة الفهم بالنسبة لهم، مثل الكيمياء، والفضاء، والوقت أو الطاقة.
ورغم تَعَلُّق هذه الكتب بمواضيع "جادة"، إلّا أنَّ غلوبي يظل مُحتفظاً بروحه الفكهة المُحببة. وهكذا مثلاً، يطلب في أحد مقاطع كتاب الديمقراطية، إدراج الحقوق التالية في الدستور الفدرالي: امتلاك حيوان أليف من اختيار الشخص الخاص، الالتقاء مع الأصدقاء مرّة في الأسبوع لتناول الكعك، وحمّامات سباحة مجانية في الهواء الطلق.
لهذا السبب أيضاً، يريد ‘غلوبي’ تغيير الدستور الفدرالي. "هل هذا النص مهم"؟ يسأل الطائر الأزرق، "بالطبع هو مهم"، تجيب هيلفيتيا. "الدستور هو الذي ينظم العيش المشترك في سويسرا. وهو يوفر الأمن، ويكفل الحرية ويضمن العدالة".
"لا يكفي أن نتعلم الديمقراطية من خلال الكتب"، تقول تسورّير. "الديمقراطية يجب أن تُعاش بشكل يومي. وبغية المشاركة في العملية الديمقراطية، يجب على المرء أن يعرف معناها ويفهم قواعدها"، كما تضيف.
"إن كتاب الديمقراطية ليس مُخصصاً للأطفال حصراً، ولكن لأولياء الأمور أيضاً"، كما توضح تسورّير. وبالفعل، يُمكن للكبار عند قراءة مغامرات ‘غلوبي’، رَبط الديمقراطية بمشاعر لطيفة، مثل التواجد معاً ضمن أحد المجتمعات.
"الرحلة الحقيقية تبدأ الآن"، يقول مؤلف الكتاب مارك تسولّينغَر. "سوف يكون الأطفال واليافعين هُم مَن يُخبرنا عما إذا كانت حكايتنا قد أوضحت لهم كيفية عمل الديمقراطية السويسرية".
‘غلوبي’
‘غلوبي’ عبارة عن مَرِح، فقس من بيضة في الصحراء الكبرى في عام 1932. وقد ابتكر هذه الشخصية التي تحظى بشعبية كبيرة في سويسرا المتحدثة بالألمانية، وإن لم تكن معروفة تقريباً في أجزاء البلاد الأخرى، كل من إغناتيوس كارل شيلي، المدير الإعلامي في سلسلة متاجر ‘غلوبوس‘ السويسرية، والرسام روبرت ليبس.
وقد نجح الرجلان معاً بمنح هذه الإنسان - الببغاء بجسده الأزرق، وبيريته السوداء، وسرواله ذي المربعات الحمراء والسوداء، والذي أصبح بطلاً في عدد لا يحصى من المغامرات، وجوده المميز.
في الإصدارات الأولى لـ ‘غلوبي’، يُمكن مُشاهدته وهو يُدَخِن سيجارة، أو يشرب كأساً من النبيذ، الأمر الذي لم يَحظَ بإعجاب العاملين في حقل التربية والتعليم في أعوام الأربعينيات بالتأكيد. وفي سبعينيات القرن الماضي، اتُهَمَ غلوبي بالعنصرية والأبوية. لكن الطائر الأزرق تعلَّم درسه بمرور الأعوام، دون أن يفقد شخصيته المشاغبة تماماً.
بَعض كتب ‘غلوبي’ تُرجٍمَت إلى الإنجليزية والفرنسية أيضاً. ورغم أن كتاب "غلوبي والديمقراطيةرابط خارجي" لم يصدر إلّا باللغة الألمانية فقط، إلّا أنَّ القائمين على إعداده يعتزمون ترجمته إلى اللغات الوطنية الثلاث الأخرى في سويسرا.
(ترجمته من الألمانية وعالجته: ياسمين كنونة)