Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/144

يعتبر على نطاق واسع، أن أوّل عمل أدبي روائي خيالي قد ظهر على شواطئ بحيرة جنيف في عام 1816، السنة التي أطلقت عليها ماري شيلّي، "السنة من دون صيف".
وإذا كانت هذه الأخيرة قد كتبت "فرانكنشتاين" في تلك المرحلة، فيمكن أن يكون للأمر علاقة بجنيف، التي يعتبرها الكثيرون مهد العولمة.
من فيلاّ ديوداتي، التي تُـطل على الحدائق الغناءة ممتدة الأطراف، وخلال ربيع دافئ منقشعة سماؤه، كتبت شيلّي روايتها، وسجّلت في مذكراتها التي دوّنتها خلال جولتها الصيفية في أوروبا، والتي امتدت لستة أسابيع سنة 1816 ما يلي: لم يكن صيفا رائعا، لقد كان رطبا، لم تنقطع أمطاره، وهو ما أجبرنا في غالب الأيام على التزام بيوتنا".
واليوم، كلما سلكت طريق روث، بعيدا عن مدخل المدينة، ومندلفا في الطريق الضيقة التي تحدّها الجدران السخرية من الجانبين، تنفتح بك على منظر جميل للبحيرة، وهناك، في أحد المنحنيات يقع بيتها الخاص.
وفي غياب أي عارض، تتجلّـى البحيرة للرؤية من كل جانب. فإلى اليسار، مدينة جنيف ومصب المياه، وفي الواجهة، بنايات الأمم المتحدة، وفي منحنى الرؤية وعلى بعد مسافة من هناك، يقع مقرّ المحفل الاقتصادي العالمي.
ولا شك أن شيلّي لم تكن تتوقّّـع أن تصدر من هذا المكان، الممتد على شاطئ بحيرة جنيف، العديد من القرارات التي ستترك أثرها العميق على السياسات الدولية لاحقا.
فقد كانت كل أفكارها وأفكار الشعراء الرومانسيين من حولها كلورد بيرون، وخطيبها بيرسي شيلّي منصرفة كليا إلى التغيرات المناخية المفاجئة الحاصلة، نتيجة الانفجار البركاني الهائل الذي شهدته جزيرة سمباوي في جنوب آسيا على بُـعد آلاف الأميال من جنيف.
برد شديد
قالت شيلّي، عقب يوما قضته متجوّلة في البحيرة: "لقد أدّى هذا الانفجار البركاني إلى تغيرات مناخية سريعة، لا أتذكر أني رأيت مثلها من قبل".
وتضيف: "في الصباح، يكون البرد والرطوبة، ثم تهب رياح شرقية، تليها رعود عنيفة، ثم هدير أمطار، وتهب الرياح من كل ناحية، فتيار هوائي حار من الجنوب، وسُـحب صيفية تغطّـي القمم تتوسطها نقاط زرقاء صافية".
ويجهل الأوروبيون المليون ونصف المليون طن من الغبار التي قذفها بركان تامبورا في الفضاء، فحجبت الشمس وسببت انخفاض درجة الحرارة في جميع مناطق العالم.
وحاول الشعراء، الذين أجبِـروا على البقاء خلف الأبواب المغلقة، إيجاد طرق للترويح عن النفس وملء وقت الفراغ، فكتبت شيلّي: "لقد وقَـعت بين أيدينا أجزاء من قِـصص الأشباح المنقولة من الألمانية إلى الفرنسية"، ويبدو أن المجموعة كانت تتحاور حول محاولات إيراسموس داروين (جد شارل داروين) حول الإثارة بالصدمات وانقباض العضلات بطريقة اصطناعية.
ومن المعلوم أن روايات الأشباح مأخوذة من كتاب "فونتازما غوريانا"، وكان الكتّاب والشعراء في ذلك الأثر، يتحدّون بعضهم بعضا بتخيل أكثر حكايات الرعب إثارة، وأما بقية الكتاب، فهو في تاريخ الأدب.
مفعم بالحيوية
تقول شيلّي: "كنت أشغل نفسي بالتفكير في قصة، أرفع بها تحدّي أولئك الذين استثاروا هممنا لهذه المهمة، وتكون هذه القصة مثيرة للمخاوف الغامضة ومستفزّة لمشاعر الرعب وتجعل القارئ مروّعا ينظر من حوله متوجّسا، ويتجمّد الدم في عروقه وتتسارع دقات قلبه".
لقد نجح أغلب المقربين منها في رفع التحدي، بما في ذلك الطبيب الشخصي لبيرنز، جون بوليدوري، الذي ألف رواية "مصّاص الدماء"، وقد استوحى منها برام ستوكر "دراكولا".
وكان على شيلّي أن تُـقر ّبفشلها، وهي ابنة التاسعة عشر من العمر، وكانت تسائل نفسها كل صباح "هل فكّـرت في قصة"؟ وكان الجواب بالنفي دائما!
ولكن الحظ حالفها، إذ قادها الصيف الكابوس إلى حلم مخيف "عندما وضعت رأسي على الوسادة، لم أستطع النوم، كما لا يمكن أن أدّعي أنني كنت مستيقظة، وكنت أنظر مغمضة العينين، في صفاء ذهني حاد، رأيت صانع الوحش، الذي تتحدّث عنه فنون الرعب، وقد جثا على ركبتيه بجانب ما صنعته يداه".
ثم "رأيت وحشا بشِـعا، ممدّدا في الخارج، ظهرت عليه ملامح الحياة فجأة بفعل محرّك قويّ جدا، وقام بحركة مضطربة وبدت علية ملامح الرعب، كأي كائن يجد نفسه في مواجهة عظمة صانعه".
لم تمر سنة حتى اشتهرت على نطاق واسع، رواية استندت إلى عناصر من الفترتين الرومانسية والألمانية، ونظر إليها على أنها ردّ فعل على الثورة الصناعية، وما يمكن أن يكون لازمها من أخطاء، كما تم ربطها أيضا برواية ميلتون "ضياع الفردوس"، خاصة وأن ميلتون قد زار فيلاّ ديوداتي خلال جولته في أوروبا مائة سنة ونصف قبل ذلك.
سويس انفو - دال بيشتال وآدم بومون - جنيف
باختصار
عرفت حياة عائلة شيلّي أحداث مأساوية متتالية منذ عودتها إلى المملكة المتحدة، فقبل انتهاء جولتها الأوروبية، انتحرت كل من أخت شيلي وزوجة بيرسي شيلي الأولى.
وخلال السنوات اللاحقة، توفي اثنان من أبناء ماري شيلّي، وارتحل الزوجان إلى إيطاليا، حيث غرق بيرسي الزوج بينما كان يعبر شواطئ إيطاليا.
وفي غياب الإمكانيات المادية للاستقرار في بلد أوروبي، عادت شيلّي إلى بلدها الأصلي، حيث واصلت الكتابة والتأليف ومراجعة آخر أعمال زوجها.
توفيت ماري في لندن سنة 1851، بعد صراع طويل مع مرض السرطان.