Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00916.jsonl.gz/3

في الفاتح من سبتمبر الجاري، استلمت المفوضة السامية الجديدة لحقوق الإنسان، الجنوب افريقية نافانيتيم بيلاي مهامها رسميا على رأس مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي يُوجد مقرها في جنيف.
وبتولي القاضية الجنوب افريقية نافانيتيم بيلاي منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان ابتداء من غرة سبتمبر 2008، تكون القارة الإفريقية قد استلمت هذا المنصب لأول مرة بعد أن تداول عليه كل من آيالا لاصو والراحل سيرجيو فيرا دي ميللو من أمريكا الجنوبية، وماري روبنسن من أوروبا، ولويز آربور من كندا.
ولكن هذه السيدة التي عانت شخصيا من التمييز العنصري في حياتها تحت نظام الأبارتايد الذي كان قائما في جنوب إفريقيا، استلمت هذه المسؤولية في وقت تخوض فيه المفوضية السامية لحقوق الإنسان جدلا قويا مع الدول الأعضاء الممثلة في مجلس حقوق الإنسان، التي تحاول بشتى الوسائل الحد من الاستقلالية التي ظل يتمتع بها مكتب المفوضة السامية لحد الآن.
إيمان بأهمية حقوق الإنسان منذ الصغر
نافانيتيم بيلاي، البالغة من العمر اليوم 68 عاما، والمنحدرة من والد كان يعمل سائق حافلة من أصول هندية، نشأت وترعرعت تحت نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وذاقت مرارة تجاوزاته.
فقد كتبت، ولم يتجاوز عمرها السادسة عشرة، ضمن عرض مدرسي تحت عنوان "دور الأمهات الجنوب افريقيات" مقالا تنادي فيه بضرورة تلقين الأمهات لأبنائهن مبادئ حقوق الإنسان. وهو ما جعلها تكتسب شهرة في حيّها.
وباعتبارها ملونة في بلد التمييز العنصري، فقد حُرمت من الحصول على الدعم اللازم للالتحاق بالجامعة لدراسة القانون. ولكن تضامن أبناء حيها مكنها من الحصول على نفقات التسجيل. ومع ذلك، فإن تخرج قانونية ملونة في جنوب إفريقيا العنصرية لم يكن كافيا للعثور على وظيفة تمارس فيها تخصصها. وهو ما اضطرها في عام 1967 لفتح أول مكتب خاص للمحاماة تمتلكه سيدة ملونة في إقليم ناتال.
بداية النضال من أجل الحقوق
كمحامية مستقلة من أصول غير أوربية، شرعت نافانيتيم بيلاي في الدفاع عن النساء اللواتي تهضم حقوقهن، وعن المعارضين لنظام الميز العنصري.
وفي عام 1973 حصلت كمحامية على حق مخاطبة الزعيم الجنوب افريقي نيلسن الذي كان معتقلا في جزيرة روبن مع عدد من السجناء السياسيين ، وهو الحق الذي ظلت سلطات الميز العنصري تحرمهم منه لسنوات طويلة.
ولما اعتقل زوجها لمدة خمسة أشهر في حبس انفرادي، كشفت أمام المحكمة وسائل الاستنطاق المستخدمة وغير المشروعة. ولكن النظام العنصري انتقم منها إثر ذلك بسحب جواز سفرها لمدة عام، ووضعها على قائمة الأشخاص الخطرين.
وقد شجعها كل ذلك على المضي في تعزيز مكانتها حيث واصلت دراستها في مجال القانون الدولي بجامعة هارفارد.
تقلدت أعلى المناصب
مع تولي الزعيم نيلسن مانديلا، كأول افريقي رئاسة جنوب إفريقيا، تولت نافانيتيم بيلاي كأول سيدة منصب قاضية بالمحكمة العليا لجنوب إفريقيا.
وفي عام 1995 عينت كأول سيدة ضمكن هيئة القضاء بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا التي تولت النظر في جرائم الحرب الأهلية بين قبائل التوتسي والهوتو.وبعد اربعة أعوام من ذلك أصبحت رئيسة لها. ومن نتائج هذه التجربة، إدخالها في القانون الدولي مفهوم اعتبار الاغتصاب أداة من أدوات الحرب.
وفي عام 2003 تم انتخابها كعضو في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قبل أن يختارها الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة من بين عشرات المرشحين لتولي منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان لمدة أربعة أعوام خلفا للكندية لويز آربور.
مزيج من الدبلوماسية والصرامة
إذا كان مسار السيدة نافانيتيم بيلاي المهني حافلا بالمحطات المشرفة، فإن المهمة التي تتولاها تتطلب منها الكثير من الدبلوماسية لتفادي الاصطدام مع مجموعات الضغط، والكثير من الصرامة للمضي قدما بملفات حقوق الإنسان.
ويأتي استلامها لهذا المنصب كأول شخصية افريقية، في وقت تعرف فيه مفوضية حقوق الإنسان عموما ومكتب المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالخصوص ضغوطا من قبل الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التي ترغب في فرض رقابتها الكلية على عمل المفوضية بعد أن تمكنت فيه من الحفاظ على نوع من الاستقلالية. بل إن تعيين السيدة نافانيتيم بيلاي جاء في وقت تعرضت فيه مفوضية حقوق الإنسان لجملة من التدخلات والضغوط من قبل بعض الدول، أدت بالكندية لويز آربور إلى التخلي عن ترشيح نفسها لفترة ثانية.
وتبدو المفوضة الجديدة في حاجة إلى الصرامة عند دفاعها عن حقوق الإنسان، خصوصا بعد أن أصبح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (على الأقل من خلال الأداء الذي قدمه حتى الآن في إطار آلية الاستعراض الدوري الشامل) مجرد محفل دولي لتضخيم الانجازات والسكوت عن النقائص.
وفيما ينتظر كثيرون من المفوضة السامية لحقوق الإنسان الجديدة أن تكون بحق "صوت الضحايا" لأنها تعرف جيدا، من تجربتها الشخصية ما معنى أن يكون المرء ضحية لانتهاكات حقوق الإنسان، بادرت بالإعلان في أول يوم استلمت فيه منصبها بأنه "على المفوض السامي لحقوق الإنسان أن يدافع بدون تردد عن مصالح المعذبين في كل مكان من العالم، وهو ما يعني التشهير بمرتكبي الانتهاكات"، مضيفة بكل وضوح "إنني أقف الى جانب الضحايا... وقد كنت ضحية لنظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا".
سويس إنفو – محمد شريف – جنيف
ذاقت مرارة الانتهاكات.. وحلاوة الدفاع عن الحقوق
اهتمت نافانيتيم بيلاي بحقوق الإنسان ولم يتجاوز عمرها السادسة عشرة، لما كتبت عرضا دراسيا تطالب فيه بضرورة تلقين الأمهات الجنوب افريقيات لأبنائهن مبادئ حقوق الإنسان.
للحصول على نفقات التسجيل الجامعي اضطرت لحشد تضامن أبناء حيها، لأن النظام العنصري الحاكم آنذاك في جنوب افريقيا لا يساعد الملونين على مزاولة الدراسة الجامعية.
أثناء تسجيلها في جامعة مقاطعة ناتال لدراسة القانون قال لها المشرف على التسجيل: "سوف لن تتاح لك فرصة ممارسة مهنتك، لأنه كيف يمكن لك كملونة إعطاء الأوامر لكاتبتك البيضاء؟".
لم تعثر بعد تخرجها الجامعي على وظيفة تحت نظام الميز العنصري في بلادها بسبب أصولها الهندية، مما اضطرها لفتح أول مكتب محاماة لسيدة ملونة في مقاطعة ناتال.
تمكنت كمحامية من الحصول على حق الحديث مع الزعيم الإفريقي نلسن مانديلا المعتقل في جزيرة روبين رود مع عدد من السجناء السياسيين بعد ان ظل نظام الميز العنصري يرفض السماح لهم بمقابلة محامين.
بعد أن عادت للعمل كقاضية في المحكمة العليا لجنوب افريقيا بعد زوال نظام الميز العنصري، رددت نافانيتيم بيلاي دوما أنه حتى في هذا المكان السامي للعدالة، كان يزعجها أن لا ترى على أبواب المراحيض عبارة "للرجال" أو "للنساء" بل "للقضاة" و "للكاتبات"، وهو ما كانت تراه تمييزا في حد ذاته.
أتاح لها تعيينها للعمل كقاضية في المحكمة الجنائية الخاصة برواندا فرصة إثراء القانون الدولي من خلال اعتماد مفهوم قانوني جديد يعتبر الإغتصاب أداة من أدوات الحرب والإبادة.