Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00867.jsonl.gz/42

للمعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة علاقة بمصر تعود الى ما قبل عام 1931 عندما تحول من مؤسسة ألمانية الى مؤسسة سويسرية متخصصة في دراسة التطور العمراني للمدن القديمة او "أركيولويجا" المدن.
بعد أن شارك المعهد في عدة حملات أثرية في مناطق من مصر، يركز عمله حاليا، كما سنرى في هذا التحقيق الميداني، على منطقة أسوان وبالضبط في المدينة القديمة وفي جزيرة "فيلة" او "إيليفانتين".
يسهر المعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة على مشروعي أبحاث أثرية ومعمارية في منطقة أسوان، الأول منذ عام1969، بالاشتراك مع المعهد الألماني في جزيرة فيلة "ELEPHANTINE" المقابلة لمدينة أسوان، والثاني منذ عام 2000 في مدينة "سيني" او أسوان القديمة، بالاشتراك مع إدارة قسم الآثار بأسوان.
نشاطات المعهد السويسري في مدينة أسوان تأتي تتويجا لتقليد متبع منذ الثلاثينات، تميّـز فيه المعهد السويسري بمراعاة تطور الجانب المعماري الى جانب التنقيب عن الآثار وبتطوير ما يُـعرف بالتطور المعماري للمدن القديمة أو "أركيولوجيا المدن" الممارسة بشكل نموذجي في أسوان القديمة.
تقليد يعود للثلاثينات
من يرغب في معرفة ولع البحاثة والجمهور السويسري بالأبحاث الأثرية لمصر القديمة، يجب أن يعود إلى عام 1931، عندما تم تأسيس المعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة من قِـبل عالم أبحاث أثرية ألماني متخصص في مجال الفن المعماري، وهو لودفيغ بورشارت.
فقد أرسل القيصر الألماني في العشرينات من القرن الماضي لودفيغ بروشارت الى مصر كممثل رسمي عنه في مجال الأبحاث الأثرية. وبعد إحالته على التقاعد عام 1920، من منصب مدير المعهد الألماني للأبحاث الأثرية في القاهرة، أقدم على تأسيس معهد متخصص في الأبحاث المعمارية أثناء التنقيب عن الآثار في مصر، وهو المعهد الذي حمل في البداية اسم مؤسسة لودفيغ بورشارت.
ويقول المدير الحالي للمعهد السويسري، كورنيليوس فون بيلغرم، وهو من أصل ألماني أيضا، "إن تخصص لودفيغ بورشارت في الفن المعماري، جعله يتفطن إلى أن البحاثة في مجال الآثار في مصر اهتموا فقط بالنقوش التي كانت تحتوي عليها القصور والمعابد، وأهملوا نوعا ما دراسة تطور الهندسة المعمارية في تلك المدن، وهذا ما دفعه لتخصيص معهده للقيام بالأبحاث المعمارية مع الاهتمام بعلم الآثار والأركيولوجيا في نفس الوقت".
ونظرا لأن بورشارت لم يكن له ورثة، أوكل إدارة معهده هذا لإلى مؤسسة مسجلة في سويسرا، هي التي أقدمت عند وفاته على تحويل المعهد الى معهد سويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة، وهو المعهد الذي لا زال قائما حتى اليوم بمقر دائم في العاصمة المصرية القاهرة.
الصغر لا يمنع من التخصص
على الرغم من أن المعهد لا يشتمل إلا على ثلاثة خبراء دائمين، فإنه يدعم سنويا بعشرات الطلبة والمختصين، من سويسرا وألمانيا والنمسا، الذين يقضون فترات متفاوتة في العمل الميداني إلى جانب مواصلة عملهم لصالح المعهد عند عودتهم الى بلدانهم. كما يعتمد المعهد في أعمال الحفر المتخصصة على عمال مهرة من منطقة "قفط" المصرية، بعضهم تربطه بالمعهد علاقات منذ جيلين أو ثلاثة.
ونتيجة لأن المعهد السويسري، صغير مقارنة مع معاهد أخرى، مثل الألماني او الفرنسي، يقول مديره كورنيليوس فون بيلغرم، اخترنا تركيز جهودنا على ثلاثة مشاريع:
الأول، بالاشتراك مع قسم الآثار المصري، ويتعلّـق بأركيولوجيا المدن في مدينة أسوان منذ ست سنوات، وهو المشروع الذي سنعود إليه بالتفصيل في مقال قادم لإظهار أهمية هذا العمل النموذجي في تصحيح القراءة التاريخية وفي إنقاذ معلومات ثمينة من الاندثار بسبب الزحف العمراني للمدن وتدوين ذلك للأجيال القادمة.
والمشروع الثاني، يدخل في إطار الأبحاث الجارية في جزيرة "فيلة Elephantine" منذ 36 سنة بالاشتراك مع المعهد الألماني، ويتعلق الأمر بإبراز معالم مدنية متكاملة بمعابدها وقلعها ومساكنها، لا زالت قائمة لحد اليوم في الجزيرة. يضاف الى ذلك، أن هذه المدينة كانت محط اهتمام الحضارات المتتالية منذ 3000 قبل الميلاد حتى اليوم، وهو ما سنعود إليه أيضا في وقت لاحق.
والمشروع، الثالث يتعلق بأبحاث تجرى منذ سنتين على حـصن روماني يقع على بعد 30 كيلومترا شمال أسوان في منطقة نجع الحجر.
وكان المعهد السويسري قد ساهم في عهد المدير السابق الدكتور ياريتس في أعمال كبرى بالأقصر، مثل معبد ميرنبطاح بغرب تيبن، الذي تم اكتشافه من قِـبل ويليام فليندرس بيتري في حفريات تمت في عام 1896، لكن المعهد السويسري أوضح في حفرياته اللاحقة أن الزخارف المستعملة من قِـبل ميرنبطاح في معبده الجنائزي، والتي كانت توحي بأنها تعود الى فترة أمينوفيس III، هي في الواقع مستوحاة من معبد يعود الى حقبة أقدم، وبهذه الدقة في طريقة البحث والتنقيب، يتم تصحيح مُـعطيات كان علماء الآثار يعتقدون بأنها الصحيحة.
وعند توجيه السؤال للمدير الحالي للمعهد السويسري عن أكبر إنجاز تم تحقيقه من قبل المعهد، وعن أثمن كنز تم العثور عليه في حفريات تم القيام بها لأكثر من سبعين سنة، يجيب السيد كورنيليوس فون بيلغرم بتواضع العلماء والبحاثة، وعلى خلاف الباحثين عن الكنوز المادية، "إن اكبر إنجاز هو أن مختلف العمليات التي قام بها المعهد كانت ناجحة وأن أكبر كنز هو تلك المعلومات التي نتوصل إليها ونوثقها بدقة عن حضارات سبقتنا".
وإذا كانت البعثات الأثرية في الماضي غير منظمة ويكثر عليها طابع البحاثة عن الكنوز، فإن مدير عام أثار أسوان والنوبة الدكتور محمد البيلي يثمن "أن البعثات اليوم أصبحت علمية لا تنظر لقيمة الأثر فيما إذا كان من ذهب، بل يمكن أن يكون من الطين ولكنه يحمل معلومة تاريخية ولها دلائل على جذور الإنسان".
ومن بين ما يعتبره الدكتور محمد البيلي من أكبر الانجازات التي قام بها الفريق المشترك السويسري - المصري، المشرف على الحفريات الاضطرارية في مدينة أسوان القديمة "العثور على دلائل في مدينة أسوان تشير الى وجود حِـقب فرعونية حتى خارج جزيرة فيلة، التي كانت تعتبر عاصمة الإقليم"، وفي ذلك تصحيح لمعلومات تاريخية كانت خاطئة.
فرصة لحوار ثقافي فعلي
يستقبل المعهد السويسري ضمن نشاطاته السنوية عددا من خريجي معاهد علوم الآثار من الجامعات السويسرية والألمانية والنمساوية. وخلال تواجدنا في أسوان صادفنا طالبة من جامعة بازل أجرت تدريبا لمدة شهرين ضمن تحضير عمل أطروحتها الجامعية، تناولت فيها توثيق مختلف التحف التي تم العثور عليها في جزيرة فيلة.
كما أن بعثات المعهد السويسري تعتبر فرصة لخريجين جامعيين يُـمارسون مهنتهم او على الأقل الخطوات الأولى في مهنتهم هذه، من خلال القيام بأعمال لصالح المعهد. وقد صادفنا في المعهد أخصائية من بازل في تقنية تحديد وتوثيق القطع الفخارية او "السيراميك"، التي تعتبر أحسن وسيلة لتحديد الفترة الزمنية للموقع الذي عثر فيه على تلك القطع.
كما صادفنا خبيرا مخبريا من جنيف يُـشرف على عملية تحليل القطع الأثرية الدقيقة التي يعثر عليها في الحفريات وتوثيقها.
لكن السيد كورنيليوس يفتخر بالعلاقة الوثيقة التي تربط المعهد بالعديد من الجامعات السويسرية، وبالأخص جامعات برن وبازل وجنيف.
ويقوم المعهد أيضا بتكوين خبراء مصريين من خلال العمل المشترك، وذلك بجعلهم يستفيدون من وسائل القياس الدقيقة التي وضعتها المدرسة الفدرالية متعددة التقنيات في زيورخ تحت تصرف المعهد.
كما أن للمعهد ورشة مشتركة مع المعهد الألماني لتصنيف قطع السيراميك وتحديد حقبها، وورشة أخرى لتصنيع قِـطع الطوب اللبن المستعمل في ترميم المباني القديمة، والتي تنتج بنفس الطريقة التي كانت تنتج بها قبل آلاف السنين، وهذه الطريقة في العمل المتكامل التي يقوم بها المعهد السويسري واستعداده للتعاون، سواء مع الجانب الألماني او الجانب المصري، هي التي يقدرها مدير عام آثار أسوان والنوبة الدكتور محمد البيلي بقوله "إن ميزة المعهد السويسري أنه متفتح على التعاون مع الآخرين أكثر من باقي المعاهد الأخرى".
ويرى الدكتور البيلي ان في هذا التعاون صقل خبرات متبادل، حيث "أنا اتعلم منه أشياء هو متقدم فيها، كما أنه يتعلم مني أشياء أنا متميز فيها، لأن ميزة التنقيب عن الآثار هي أن العالم كله يلتقي عند هذا الفكر، وهذه الحضارة وفي حوار مشترك وفي حوار ثقافات، لأنه لو حاول فهم ذلك انطلاقا من حضارته الغربية، لما استطاع ان يفهم الشرق"، وهذا ما يفضل أن يطلق عليه الدكتور البيلي عبارة "الحل عند الفراعنه"، أي ان الفراعنة بما تركوه لنا من إرث، هم الذين سيرغمون الغرب والشرق على الدخول في حوار الحضارات بدل ما يروج اليوم من تهديد بصراع الحضارات او الثقافات.
تخصص في استكشاف المدن والتجمعات السكنية القديمة
تركز اهتمام علماء الآثار في حفرياتهم لزمن طويل على استكشاف المعابد والمقابر المصرية القديمة، ذات الأهمية الكبرى أو التي توحي بمناظرها الغنية ونصوصها الوفيرة بأنها تعكس بوضوح تاريخ مصر الفرعونية، مما أدى إلى إهمال اجراء حفائر لاكتشاف المدن والأحياء السكنية المعاصرة لتلك المعابر والمقابر.
لكن الاهتمام بدأ منذ مدة يتوجه لدى العديد من الاخصائيين، وفي مقدمتهم مؤسسو ومسؤولو المعهد السويسري، بأن الأسلوب المتبع لا يكشف سوى أجزاء من حقيقة مصر القديمة، وأن حتى بعضا من تلك الحقيقة كانت تصور بشكل مثالي مبالغ فيه.
ومن هنا، ظهر الاهتمام بعمليات استكشاف المدن وأماكن التجمعات السكانية القديمة، وهذا ما يطبق بشكل نموذجي في مدينة فيلة او Elephantine في أسوان من قبل المعهد السويسري للابحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة، بالاشتراك مع المعهد الالماني للآثار منذ 36 عاما، وفي مدينة أسوان القديمة منذ ست سنوات، بالاشتراك مع قسم الآثار لأسوان والنوبة.
swissinfo.ch