Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00924.jsonl.gz/91

قد يشهد السويسريون المقيمون في الخارج أحداثاً تاريخية، كما هو حال بضعة آلاف منهم ممن يعيشون في دول تأثرت بثورات الربيع العربي في عام 2011. بعد عشر سنوات، طلبت SWI swissinfo.ch منهم تقديم تقييم لحصيلة تلك الثورات.هذا المحتوى تم نشره يوم 16 يوليو 2021 - 11:00 يوليو,
في ديسمبر 2010، أي قبل عشر سنوات تقريبا، أضرم الشاب محمد البوعزيزي، وهو بائع متجول، النار في نفسه في تونس احتجاجاً على مصادرة الشرطة لبضاعته. أثار هذا العمل اليائس غضب الشارع وساهم في انطلاق حركة احتجاجية سرعان ما انتشرت في دول أخرى في المغرب العربي وفي الشرق الأوسط.
قادت الشعوب تحركات قوية احتجاجا على الفقر والعطالة وكذلك ضد الفساد والاستبداد المُمارَس من قبل الحكومات الموجودة في السلطة منذ عدة عقود.
كانت الدول الثمانية التي شهدت تظاهرات احتجاجية هي: تونس ومصر وسوريا والجزائر وليبيا والمغرب واليمن والبحرين. ووفقاً للمكتب الفدرالي للإحصاء، يُقيم 4856 سويسرياً في تلك البلدان في عام 2020، غالبيتهم في تونس (1482 سويسري) والمغرب (1417) ومصر (1338).
وفي عام 2011، صار السويسريون الذين يعيشون هناك مراقبين لما يحدث من حولهم. وقد تأثروا بالانتفاضات الشعبية التي يفهمها معظمهم ويؤيدونها، ولكنهم يصرون على أنها ليست انتفاضاتهم.
دعم معنوي
عدنان بن شعبان (63 عاماً) هو، كما يقول عن نفسه، «مزدوج الثقافة» ـ من أم سويسرية وأب تونسي. عندما بدأت المواجهات الأولى في العاصمة تونس في يناير 2011، كان «في الصفوف الأولى»، حيث كان يسكن على عيْن المكان. كان يدعم المتظاهرين، ولكنه لم ينزل معهم إلى الشارع، لأنه يرى في ذلك «خطراً كبيراً» ولأنه يعتبر نفسه «ليس ناشطا سياسيا». وهو اليوم يلوم نفسه قليلاً. ففي ذلك الحين، لم يكن «يدرك أن الحراك كان اجتماعياً أكثر منه سياسياً».
أمّا ماكس رويف (71 عاماً)، الذي يعيش في تونس منذ عام 2009، وبالتحديد في جرجيس (جنوب شرق). كان كالكثير من الناس، قد سمع بالأحداث التي هزت البلاد عن طريق وسائل الإعلام. وظهر الرئيس بن علي على شاشة التلفزيون العمومي وهدَّدَ مثيري الشغب بالقمع. ومن ثم وصلت الثورة إليه أيضاً. في جرجيس، قامت السلطات بقمع الاحتجاجات بشكل وحشي. ويستعيد ماكس ذكرياته قائلاً: «لقد شاهدنا إطلاق نار في الشوارع. حيث كانوا يطلقون النار الحية على المتظاهرين أمام مقر الشرطة المركزي».
في الأيام التي تلت ذلك، هرب الرئيس بن علي من البلاد وقامت الميليشيات بنشر الرعب في المدن. وعلى غرار عدنان بن شعبان، عبّر ماكس رويف وزوجته عن تفهمهما للمطالبة التي رفعها المحتجون، إلا أنهما امتنعا عن تقديم أي دعم للمتظاهرين «لقد تحصَّنا في المنزل تحت حماية الشبان التونسيين الذين كانوا يقومون بحراسة الشوارع لردع اللصوص المحتملين».
في نهاية يناير 2011، تمرَّد الشعب المصري، متأثراً بالأحداث في تونس، ضد الرئيس حسني مبارك، الذي كان يحكم البلاد منذ فترة طويلة. من جهتها، تقول السيدة فيرينا فوليتي محمد (74 عاماً)، التي وصلت إلى مصر في عام 2005، والمقيمة في الأقصر (الجنوب): «كنت على نهر النيل مع أولادي، وعندما رجعت إلى البيت، وجدت المدينة فارغة تماماً». تمَّ إيقافها من قبل الشرطة التي أبلغتها بحصول «ثورة في البلاد». فعادت إلى منزلها واكتشفت على شاشة التلفزيون وقوع اشتباكات في وسط المدينة.
هناك أيضاً، كان القمع عنيفاً. فيرينا فوليتي لم تشارك في الحراك. «كنت خائفة من العواقب. فهنا الاتهامات سريعة جداً، يكفي أن تقول شيئاً "بالخطأ" لتجد نفسك في السجن». كان يسود انعدام الأمن وأصبح احتمال التعرض للاعتداء والسرقة في الليل كبيراً. هي الأخرى تتفهم الثورة، ولكن، تقول المنحدرة من كانتون تيتشينو مُتأسفة: «يؤلمني أن يتقاتل [الناس] ويموتون من أجل حراك لن يُحقق شيئاً في بلد ينتشر فيه الفساد مع سيطرة العسكر على كل شيء».
في المغرب، حصلت أوضاع مشابهو لكنها بأقل حدة، ولم تؤدّ إلى تغيير جذري للأوضاع. روزا فري (58 عاماً)، التي تعيش في ورزازات (الوسط) منذ عام 2007، علمت بما يحصل بفضل وسائل الإعلام. في فبراير 2011، شهدت المدن الكبرى موجة احتجاج لآلاف المغاربة. ولكن في ورزازات، تتذكر السويسرية: «لم تكن هناك أية مظاهرة».
مقارنة مع البلدان الأخرى، يعتبر المغرب استثناء. حيث أعلن الملك محمد السادس بسرعة عن إصلاح دستوري. وتقول روزا فري: «لو كنت أعيش في تونس أو في مصر، لربما كنت شاركت في المظاهرات، أما المغرب فهو ليس ديكتاتورية عسكرية. هو أكثر تسامحاً ويسير على الطريق الصحيح».
ذر الرماد في العيون
هي ليست مخدوعة لهذا الحد، وتدرك تماماً أنَّ وراء الإصلاحات التي أعلن عنها الملك تختبأ رغبة بالبقاء في السلطة. ومع ذلك، ترى السيدة القادمة من زيورخ أن تلك الاحتجاجات قد أتت أُكلها: بعد مرور عشر سنوات، تنوه إلى أنَّ: «التغييرات كانت هائلة. وقفزت البنى التحتية قفزة واسعة نحو الأمام، فقد بنوا الطرقات والمستشفيات. كما يبدو لي أن الفساد قد تراجع بعض الشيء».
وفي مصر أيضاً قادت الثورة إلى بعض التغييرات الهيكلية العميقة، ولا سيما تعديل الدستور الذي تمَّ التصويت عليه في 19 مارس 2011. إلا أنَّ فيرينا فوليتي محمد لا تخدعها الأوهام: «الناس ليسوا على علم بشيء. ثم لا أحد يعرف ما إذا كان الأمر للدعاية أكثر من أي شيء آخر». وهي تُقرُّ بأنَّه تمَّ استثمار الكثير من الأموال في تجديد المواقع السياحية الرئيسية. وفي ذات الوقت، أعربت عن أسفها لإهمال كل ما لا يخدم السياحة ـ التي تعتبر إحدى قطاعات الاقتصاد الرئيسية في البلاد حيث تُشكّل 11,9% من إجمالي الناتج المحلي (PIB).
وتجد السويسرية، وبكل قناعة، أنَّ الناس أصبحوا أكثر ريبةً وأنَّ القمع صار أسوأ مما كان عليه قبل الربيع العربي. «صحيح أنَّ المسؤولين قد تغيّروا إلا أنَّ الأموال لا زالت تذهب إلى نفس المحفظة».
في تونس، عدنان بن شعبان وماكس رويف متفقان على نقطة: من أهم المكاسب الواضحة التي حققتها الثورة التونسية هي حرية التعبير. وتعليقاً على ذلك يقول السويسري التونسي: «في عام 2011، لم أكن أستطيع التحدث إليك بهذا الشكل». أما بالنسبة لما تبقى، فهما لا يران مكاسب حقيقية. ويبدو أنَّ الإصلاحات التي تمَّ إجراؤها والدستور الجديد الذي تمَّ تبنيه في عام 2014 لم تحقق النتائج المُنتظرة. وصرَّح ماكس رويف قائلاً: «في البداية، لاحظنا أنَّ الشعب التونسي، الذي بدا لنا وكأنه يخلط بين الديمقراطية والفوضى، قد أساء فهم الحرية». وأشار السبعيني بشكل خاص إلى ازدهار الأبنية العشوائية ونزوح الشباب.
من جهته، يرى عدنان بن شعبان: «أنَّ الطبقة السياسية التي استولت على السلطة خيّبت الآمال اقتصادياً وسياسياً». ففي غضون عشر سنوات، ارتفعت تكاليف المعيشة ثلاث أضعاف وتجاوز معدل البطالة بين الشباب، الذين أطلقوا شرارة الاحتجاجات، الـ 40% في الربع الأول من عام 2021. كما أنَّ المحسوبية لا تزال موجودة حتى الآن، حيث أضاف غاضباً: «لقد كانت موجودة قبل الثورة، ولكن تحت غطاء السلطة ولم يكن أحد يجرؤ على قول شيء. أما اليوم فهي كما كانت عليه ولكن تحت ستار الديمقراطية. كنت أُفضّل أن يحكمنا نظام أقسى بدلاً من هذا النفاق».
كان الوضع أفضل قبل الثورة
ويتفق ماكس رويف وعدنان بن شعبان أيضاً على القول بأنه في النهاية، كان الوضع أفضل قبل الثورة، حيث يقول الأخير بمرارة: «حرية التعبير لم تكن تستحق كل هذا العناء». بدوره، يرى ماكس رويف أنَّ: «الوضع قد تدهور: بطالة، وتراجع القوة الشرائية، وانعدام الأمن... لذا نعم، كان الوضع أفضل قبل الثورة، وهذا ما يقوله الكثير من التونسيين أنفسهم».
في مصر، لا ترى فيرينا فوليتي محمد الوضع أفضل ولا أسوأ: «هنا، الناس المهتمون بالسياسة ليسوا ناشطين. وطالما أنهم لا يتدخلون، لن يكون هناك أي تغيير حقيقي».
التغيير يواجه المصاعب
الجميع يخرجون بنفس النتيجة: لقد تحوّلت الألعاب النارية التي انطلقت في البداية إلى نار في الهشيم، خالطةً بين الصبر والأمل والإحباط. في السياق، تقول روزا فري من المغرب: «سيحتاج التغيير إلى جيل أو جيلين». وتضيف، مثلها مثل عدنان بن شعبان من تونس، أنَّ أحد أسوأ أمراض البلد هي المحسوبية، التي تضع «الشخص السيئ في المكان غير المناسب». وهي تُلقي اللوم على ضعف الإدارة والفساد وسوء النظام التعليمي.
من ناحيتها، تعتبر فيرينا فوليتي محمد أنَّ الحكم في مصر لا يزال يهيمن عليه الجيش: «هي ليست ثورة في المدن التي يجب أن تكون فيها، إنها حرب» وبالتالي هي أقنعت نفسها بأنَّه: «للعيش هنا، عليك ألا تهتم. فإما أن تعتاد وإما أن تعود إلى سويسرا».
ومن تونس، يقول ماكس رويف: «ما زلنا نستمتع بالعيش في تونس، ولكن قلوبنا حزينة لرؤية الفقر والمصاعب التي تُحيط بنا».
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة