Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/201

من المرجّح أن تكون سويسرا إحدى آخر الدول الأوروبية التي ستأذن بإجراء تقنية التشخيص الوراثي قبل الإنغراس للأجنة المُخصّبة مختبرياً. وبالمقارنة مع المعايير الدولية السائدة، يُعتبر مشروع القانون الجديد الذي تقترحه الحكومة السويسرية هذه الأيام "مُقَيِّدا جداً".
في القضايا التي تلعب فيها العواطف البشرية دوراً شديد التأثير، مثل التلقيح الاصطناعي والإجهاض والتلاعب بالأجِنّة، تتوفر سويسرا على تشريعات أكثر صرامة من جيرانها الأوروبيين الذين تبنّوا القوانين المتّصلة المناسبة بالفعل قبل 10 أو 15 أو حتى قبل 20 عاماً. وإلى اليوم، لا تزال تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس، محظورة في الكنفدرالية، في حين يمنع القانون إجراءها أوروبياً في النمسا وإيطاليا فقط.
لكن هذا الوضع قد يتغيّر قريباً في سويسرا. فبعد محاولات مختلِفة منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وافق البرلمان الفدرالي على اقتراح يُطالب الحكومة السويسرية بصياغة مشروع قانون يسمح بالعمل بتقنية التشخيص الوراثي قبل الغرس. ولم يكن أحدٌ من مجلس النواب في البرلمان السويسري قد نسِي النداء المؤثِّـر لعضو البرلمان لوك روكوردون، الذي ولِد مع مُتلازمة هولت - أورام (التي تتميز بعيوب عظيمة في الأطراف العليا مصاحبة لأمراض قلب خلقية في 90% من الحالات).
وفي تلك المناسبة، أوضح عضو حزب الخُضر لزملائه البرلمانيين بجلاء، كيف أن أطفالاً في مثل حالته يفضِّلون لو أنهم لم يولَدوا أبداً. وبعد مرور ثمانِ سنوات على ندائه هذا، تم التوصّل إلى صياغة مشروع القانون الجديد.
وبصفته عضوا في مجلس الشيوخ أيضاً، يسعى لوك روكوردون جاهداً لتطبيق هذه التقنية في سويسرا. وعلى الرغم من وصفه لمسوَدّة المشروع بـ "التقييدية"، إلّا أنه يُدرك بأن إقتراحاً وسطاً فقط سيفلح في ضمان الحصول على أغلبية الأصوات في إستفتاء شعبي حول القانون.
أغلبية الثلثين؟
ووفقاً للنائب روكوردون "هناك العديد من الآراء المعارضة أو المُتشكّكة على الأقل في سويسرا تجاه تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس. ولا تقتصر هذه على الأوساط الكاثوليكية الأصولية فحسب، ولكنها تمتد إلى البروتستانتية أيضاً. كما يوجد من بين الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر مَن يخشى حدوث زلّات تحسين النّسل. وتجادل المنظمات المعنية بالإعاقة، أنه في حين قد يَلِد عدد أقل من الأطفال المعوّقين، إلّا أن مَن يولدون بإعاقة مع ذلك، سيشعرون بعُزْلة أكبر.
من جهته، يتّفق فرانسوا - غزافيي بوتسالاتس، أستاذ الفلسفة في قسم اللاهوت في جامعة فريبورغ وعضو اللجنة الوطنية للأخلاقيات، بأن حلاً وسطاً في نظام الديمقراطية المباشرة السياسي، أمرٌ ضروري. وكما يقول: "ربما نكون البلد الوحيد الذي يسأل الناس عن رأيهم بهذا الموضوع. لهذا السبب، ينبغي العثور على التوافق مع القاسم المشترك الأدنى. في دولٍ أخرى، يقرر البرلمان وحده وبشكل أسهل أيْن يمكن الحصول على الأغلبية".
وحيث يتطلّب هذا المقترح تعديلاً دستورياً، يكون إجراء إستفتاء شعبي أمراً إلزامياً. "أراهنكم بأن نسبة الأصوات المؤيِّدة ستكون 66%"، كما يتنبأ فرانسوا - غزافيي بوتالّاتس، مضيفاً بأنه سوف ينتمي إلى الأقلية.
نطاق تحسين النّسل
أثارت تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس نقاشات حادّة منذ إستخدامها لأول مرة في بريطانيا في عام 1989. وفي بعض الأحيان، تأخذ هذه المناقشات شكلاً عاطفياً مُنفعلاً، مشابهاً للنّقاشات التي دارت حول مسألة الإجهاض.
بالنسبة للأطراف المُناصرة، تكمُن أهمية هذه التقنية بالدرجة الأولى، في تجنّب معاناة لا داعي لها للزّوجين اللذيْن لا يمكنهم تحمّل أعباء طفل معوق بشكل كبير، نتيجة إصابته بمرض وراثي، كما أنها تحدّ من الأعباء المادية والمعنوية والنفسية التي تقع على كاهل المرضى وأسَرهم والمجتمع، جراء الحصول على أطفال مصابين بمرض وراثي.
أما المعارضون، فلا يرون في تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس إلا إستباحة أو تطاولاً، ليس لتحديد مَن سيكون لهم الحق في الحياة ومَن سيُسلب منهم هذا الحق فحسب، ولكن أيضاً لتخليق أجنّة يُعرَف مُسبقاً بأنها سوف تُنبَذ عمداً.
يخشى بعض الناس أيضا من تعميم ممارسات تحسين النّسل التي لا تستند على مشروعية طبية. ومع التطوّر الحاصل في التقنيات، فقد لا تتجه الأفكار إلى إمكانية تحديد جنس الجنين في المستقبل فحسب، ولكن إلى إختيار لون العينين أو الشعر أيضاً، والكثير غيره.نهاية الإطار التوضيحي
"منحدر زلق"
لكن ما الذي يجعل تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس أمراً غير مقبول لأستاذ الفلسفة؟ "إنه المنحدر الزلق الذي - متى ما باشر المرء أولى خطواته عليه - سيكون من المستحيل تجنب التحطم في الوادي بعده". وعندما يراقب بوتالّاتس تطور التشريعات في دول أخرى مثل إسبانيا أو فرنسا، يتضح له كيف تتساقط الحواجز والحدود الواحدة تلو الأخرى. وبرأيه، سيحدث الأمر ذاته لا محالة في سويسرا. وكما يقول "يحتَّم الواجب الإنساني علينا مقاومة هذا التوجّه".
ويفسر بوتالّاتس التوجه المتمثل بتساقط الحواجز بطرح المثال التالي: "تعتزم سويسرا حَظر مُمارسة تقنية ما يسمى بـ "الأطفال المُصمَّمين جينياً"، أو ما يطلق عليه أيضاً بـ "الأشقاء المُنقذين"، وهم الأطفال الذين يتم تخليقهم إصطناعياً في المختبر من والديهم لإستخدامهم في مساعدة أشقّائهم المصابين بأمراض وراثية، من خلال كونهم الجهة المانحة لخلايا تتطابق جيناتها الوراثية مع جينات الشقيق المُصاب الأكبر سناً. وحيث لا يمكن للأزواج العثور على هذه المُمارسات في سويسرا، سيلجأ العديد منهم إلى فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا. كما سيكون بمقدور الأثرياء فقط تحمّل الأعباء المالية لهذه الممارسة، وهذا أمرٌ غير مقبول. الوضع سيكون مشابهاً لما حدث مع الإجهاض. وسوف تدفع هذه السياحة الطبية سويسرا إلى الرضوخ في النهاية".
من جهته، يرى لوك ريكوردون أيضاً إستحالة كبح هذا التطور، ولكنه يرحِّب بالإستراتيجية المختارة. "لو أردنا الحصول على فرصة في الإستفتاء الشعبي، لابد لنا من التقدُّم بحذر. ولأجل إقناع المتشكِّكين، ينبغي أن نُثبِت على مدى أعوام عدّة، إمكانية ممارسة هذه الإجراءات، دون حدوث تجاوزات. وإذا لم يعارض هذه الممارسة سوى الأصوليون في نهاية المطاف، يُمكن وضع مخطط لخطوة إضافية".
المناقشة بدأت للتو
هذه الخطوة الإضافية ينتظرها الأطباء منذ زمن طويل. وكما تقول دوروثيا فوندر، رئيسة الأطباء في مركز الطب الإنجابي في مستشفى جامعة لوزان بأسف: "لقد أعربنا عن طموحنا خلال عمليتيْ التشاور في عامي 2009 و2011، ويبدو الأمر كما لو لم يسمعنا أحد".
وبالنسبة لرئيسة الأطباء، يُمثل مشروع القانون إنفراجاً بالفعل، وهي ترحِّب بإمكانية تجميد الأجِنّة، التي توفِّر عناء البدء من نقطة الصفر، في حالة فشل عملية الغَرس. لكنها تجد أن من العبَث أن ينصّ القانون على تحديد عدد الأجِنة التي يتم تخليقها في كل تجربة (ثلاثة فقط بدون تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس، وثمانية مع تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس). وحسب رأيها، ينبغي أن تلبّي قرارات كهذه أسباباً طبية وليس تنظيمية. ذلك أن هذه التقنية تزيد من فرصة الأزواج الذين لم تتحقّق رغبتهم في إنجاب الأطفال، إلّا من خلال مسارات شاقة أو أنها لم تتحقق على الإطلاق.
وكما تقول فوندَر "إن أكثر ما يحز في نفسي، هي حالات الحمل المتعدّد. فبشكل عام، وكإجراء وقائي، يتم غرس جنينيْن في رحم الأم، على الرغم من المخاطر المعروفة التي قد تُرافق الحمل بالتوائم. لكن مع إمكانية تجميد الأجِنة، قد يكون الإكتفاء بغرس جنين واحد مُمكناً، دون التقليل من فرص النجاح. ولكن مع وجود ثمانية أجِنة قد يسمح بها المشروع في تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس، لن تكون إمكانية العثور على ذلك الجنين الذي يملك أفضل الفُرص للوصول إلى الهدف، أمراً أكيداً".
لهذه الأسباب، تلتزم دوروثيا فوندَر وزملاؤها بإدخال تعديلات على مشروع القانون. وهي تحذر قائلة: "لو تمّ تمرير مشروع القانون بصيغته الحالية، سوف أستمِر بتوصية مَرْضاي بالقيام بالتشخيص الوراثي السابق للإنغراس، خارج سويسرا". كما تضيف "عدا عن ذلك، يبقى عدد المواليد التوأم مُرتفعا بشكل غيْر مقبول، مع زيادة مخاطر الوفاة لحديثِي الولادة وأمّهاتهم. ولا يجب أن ننسى التكاليف الباهِظة المفروضة على القطاع الصحي العام".
بما يتعلّق الموضوع؟
يمثل التشخيص الوراثي السابق للانغراس، تقنية إنجابية طبية يتم فيها إختبار الأجِنة وراثياً في إطار عملية تلقيح إصطناعي (الإخصاب في المختبر أو ما يطلق عليه بطفل الأنابيب من نظف وبويضات الزوجين)، حيث تتم عملية فَرز الأجِنة السليمة عن الأجِنة المُصابة، باستخدام أحدث تقنيات الهندسة الوراثية الجزيئية، التي تكشف وتحدّد الشذوذات الوراثية قبل نقل الجنين (أو الأجنة) إلى رحِم الأم لتحقيق الحمل. وتهدِف العملية بالدرجة الأولى إلى زيادة فرص الإنجاب السليم، خاصة عند الأزواج المصابين بمرض وراثي يُحتَمَل انتقاله إلى أطفالهم، لضمان عدم مُعاناة الطفل المولود من مرض وراثي معيّن في المستقبل.
تُعتبر هذه التقنية محظورة في سويسرا حتى اليوم. ويبلغ عدد الأشخاص المُتأثرين بهذه الحالة، أقل من مائة زوج وزوجة سنوياً. ولا يرى هؤلاء الأزواج اليوم بديلاً عن الإستغناء عن هذا الإجراء، سوى بالسفر إلى خارج سويسرا. وقد يكون تغيير هذا الوضع ممكناً من خلال تعديل قانون الطبّ الإنجابي. وبهذا الهدف، قدّمت الحكومة السويسرية في بداية شهر يوليو 2013، مشروعاً إلى البرلمان، يرمي إلى إزالة هذا الحَظر. وحيث ترتبط الموافقة على المشروع بإجراء تعديل دستوري، سيكون إجراء استفتاء شعبي، أمراً مُلزِماً.
يُعتبر المشروع بالمقارنة مع القوانين المماثلة في دول أخرى، تقييديا جداً. وهو ينصّ على استخدام تقنية التشخيص الوراثي السابق للإنغراس في "الأسَر التي تعاني من أمراض وراثية خطيرة". ووفقاً للمشروع، سيُسمح بتوليد ثمانية بُويْضات على أكثر تقدير في كل دورة، حتى المرحلة الجنينية. ولا يُسمح اليوم سوى بثلاثة بويضات.
وينص المشروع أيضاً على السماح بتجميد الأجنة الفائضة لحالات الحمل اللاحقة. وفي الوقت الحاضر، يحظر القانون تجميد الأجِنة مما يستدعي تِكرار العملية برُمَّتها في حالة فشل الحمل.نهاية الإطار التوضيحي
الطريق الطويل
في عام 1978، ولدت لويز براون، أول طفلة أنابيب في العالم، في بريطانيا. ومنذ ذلك الحين، رأى خمسة ملايين شخص النور بفضل هذه التقنية التي تتم مختبرياً.
في عام 1985 ولِد طفل الأنابيب السويسري الأول في لوكارنو (كانتون تيتشينو). وفي نفس العام، رفض الناخبون السويسريون مبادرة شعبية مناهضة للإجهاض، تهدِف إلى حماية الأجِنّة البشرية في وقت مبكّر من فترة الحمل.
في نفس العام، أطلقت مجلة "بيوباختَر" (المراقب) للمستهلك (الصادرة بالألمانية في زيورخ،) مبادرة شعبية تهدف إلى تنظيم عمليات التلقيح الإصطناعي والتلاعُب الجيني، بسبب المخاوِف التي أثارتها هذه التقنيات لدى السكان، وخشية الكثيرين من إستشراء تجاوزات تحسين النسل.
في عام 1991، تقدّمت الحكومة السويسرية بمقترح مضادّ يهدِف إلى منع التجاوزات، بدلاً عن حَظر ممارسات واعدة، ما دفع بمجلة "بيوباختر" على سحب مبادرتها لأنها كانت راضية عن هذا المقترح.
في عام 1992، وافق الناخبون على المقترح المضاد للحكومة السويسرية. ومنذ ذلك الوقت، تحدد المادة 119 من الدستور، الإطار القانوني لطب الإنجاب والهندسة الوراثية في الحقل البشري. وبعد اعتماد هذه المادة، أطلق المعارضون في نفس العام مبادرة تدعو إلى حظرٍ عامّ لعمليات التلقيح الصناعي. وكَرَدّ على ذلك، قامت الحكومة بتقديم مشروع قانون يحدّد المادة الدستورية الجديدة.
في عام 1998، وافق البرلمان الفدرالي على القانون الجديد للتلقيح الاصطناعي، دون الحاجة للجوء لإستفتاء شعبي.
في عام 2000، تمّ رفض المبادرة المناهِضة للتلقيح الاصطناعي بنسبة 70% من الأصوات.
في عام 2002، وافق الناخبون السويسريون بنسبة تزيد عن 70% على مبادرة شعبية دعت إلــى تحديد أجَلٍ لعملية الإجهاض. ومنذ ذلك الوقت، يُسمح بعمليات الإجهاض خلال الأسابيع الإثني عشر الأولى التي تعقب آخر دورة شهرية للمرأة، شرط أن يكون لدى السيدة الراغبة بالإجهاض مُبررات تثبت اجتيازها مرحلة تستدعي هذا الإجراء. وحتى ذلك الوقت، لم يكن الإجهاض مسموحاً به إلا لأسباب طبية تتعلق بتهديد صحة الأم الحامل.نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch