Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/62

عادت هايدي، ذلك الرمز السويسري البهيج والخارق في التفاؤل، إلى حيث كانت تسجّل حضورها بإستمرار: في دور السينما. ولكن بعد عشرات من الإقتباسات المختلفة من الأفلام الصامتة بالأبيض والأسود وحتى أفلام المانغا، هل يحتاج العالم اليوم اقتباسا آخر حقا؟
وفي حديث إلى swissinfo.ch، قال مخرج الفيلم ألان غسبونر: "حسنا، آخر نسخة سينمائية كبيرة حققت نجاحا عالميا كانت في الخمسينات – أي قبل جيليْن من الآن. ثم إنه يوجد ما يكفي من المواد الغنية والكونية، ما يسمح بالقول أن كل جيل بحاجة إلى هايدي خاصة به".
هايدي
كتبت يوهانّا شبيري قصة "هايدي" ونشرتها سنة 1880، وتعتبر إلى حدّ بعيد العمل الأكثر شهرة وشعبية في الأدب السويسري.
تم توزيعها في جميع أنحاء العالم، وقد بيع منها في جزئيها أكثر من 50 مليون نسخة.
ترجمت قصة هايدي من الألمانية إلى أزيد من 50 لغة، وتم تصويرها في أفلام أكثر من عشر مرات، من بينها نسخة ببطولة شيرلي تمبل في عام 1937.نهاية الإطار التوضيحي
هذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها غسبونر مع هايدي، اليتيمة غير المرغوب فيها والتي رافقت جدّها الذي ترسّب كره السكان له إلى أعلى جبل غراوبوندن، ثم أرسلت إلى فرانكفورت كزميلة في اللعب لكلارا، ابنة أحد الأثرياء لكنها كانت على كرسي متحرّك قبل أن تعود وهي مريضة بسبب الحنين إلى جدّها بيتر، راعي الأغنام. ثم انضمت إليها كلارا ليستأنفا المشي بعد التعافي وتنفّس هواء الجبال السويسرية النقية.
حينما كان طالبا، سبق للمخرج البالغ من العمر 39 عاما أن أنتج فيلما للرسوم المتحرّكة القصيرة حول البطلة يوهانا شبيري. وهو يقول اليوم: "كنت أسخر من صورة سويسرا، التي كانت تسوّق لنفسها باستخدام هايدي وهذا العالم المثالي الدافئ. كان عملا ساخرا. في واقع الأمر، تروي الروايات التاريخية [قصة هايدي نشرت في جزئيْن]، شيئا آخر مختلفا تماما. إنها عبارة عن دراما اجتماعية تثير مسألة المشاكل الإجتماعية الوجودية لسويسرا في ذلك الوقت".
"كان من المهمّ بالنسبة لنا أن نبرز من خلال هذا الفيلم أن السكان في سويسرا عانوا من الجوع ومصاعب أخرى، كنبذ وإبعاد الأجداد. كان الناس يعيشون حياة الكفاف، وقليلي الكلام والتواصل فيما بينهم – لم يكن فقط هذا العالم الساحر الدافئ".
نجمة طبيعية
إذن هذا الجيل أكثر موثوقية، ويقترح قراءة أقل رومانسية نسبيا لرواية شبيري. ويؤدّي الدور الرئيسي كجد في هذا العمل السينمائي المنتج بالإشتراك بين ألمانيا وسويسرا النجم السويسري برونو غانس، صاحب المزاج المتقلّب (على الأقل في البداية)، ثم تقوم أنوك شتيفن (9 سنوات) بدور هايدي، والتي ساعدتها ابتسامتها المحببة في الفوز بهذا الدور أمام 500 منافسة.
في السياق، قال غوسبونر: "كان الشرط أن تنحدر من ستقوم بذلك الدور من المنطقة، وأن تتحدّث باللهجة السويسرية الألمانية. نطاق الإختيار لم يكن كبيرا!". كما اتضح من بعد، أنه ستتم دبلجة جميع الحوارات التي تمت باللهجة الألمانية السويسرية إلى اللغة الألمانية الحقيقية للجمهور الألماني والنمساوي.
ويُضيف المخرج: "لقد وجدت شتيفّن، منذ الإختبار الأوّل لاختيار الممثلين، مثيرة للإعجاب، لأن لديها عيون براقة، وتتصرّف بذكاء كبير. كنت أبحث عن شخص لدية طاقة، ولكن يبدو هشا، ومن خلال عينيه تستطيع أن تفهم ما يجري".
ومن دون شك يمكن القول بأن المشاهد الطبيعية هي النجم الرئيسي في هذا العمل الفني. إنها صور الجبل المحيط بقرية لاتش في كانتون غرابوندن الواقع بأقصى جنوب شرق سويسرا، وهو نفس المكان الذي صوّر فيه أيضا شريط عام 1952.
لقطات المشاهد الاولى كانت للمروج الخضراء والأودية والقمم، وليس غريبا إذن أن يساهم كانتون غرابوندن بحوالي 150.000 فرنك في ميزانية الفيلم التي تبلغ إجمالا 8.5 مليون فرنك (هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، وهي الشركة الأم لـ swissinfo.ch هي أيضا من بين الجهات الداعمة).
"لقد ساعد فيلم هايدي السياحة في سويسرا إلى حد كبير. وأصبحت هايدي وقصتها رمزا للكيفية التي يُمكن من خلالها للناس في جميع أنحاء العالم رؤية سويسرا. تشير هايدي إلى المرتفعات الشاهقة والمشاهد الجبلية الرائعة، وإلى حياة خالية من هموم ومشكلات الحياة الحضرية".
"أما أهمّ أثر لهايدي على المستوى السياحي، فقد كان من خلال فيلم الرسوم المتحرّكة اليابانية في عام 1974، للمخرج هاياو ميزاكي، الأمر الذي أغرى أجيالا من السياح اليابانيين بالقدوم إلى سويسرا لرؤية الأرض الحقيقية لهايدي. ولقد عرضت تلك الرسوم المتحرّكة على شاشات التلفزيون في شتى أنحاء العالم. ووصل حجم التعلّق بها إلى مستويات قياسية في بلدان مثل إيطاليا".
دفع السياحة
يقول هانس - يورغ مونتينر، الذي يرأس مكتب السياحة الذي يمثّل قرية هايدي بماينفيلد، حيث كتبت رواية شبيري، إن أكثر من 100.000 زائر سنويا يزورون هذه القرية ما يدرّ قيمة مضافة للمنطقة تبلغ 5 ملاين من الفرنكات.
نصف هؤلاء السياح، بحسب مونتنير يقدمون من آسيا، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية جاء الكثير منهم من بلدان الخليج: "هؤلاء ينفقون في اليوم ما بين 350 – 500 فرنك، مقابل 50 إلى 80 فرنك" للسياح الآخرين.
وعلى الرغم من هذه المزايا المالية هناك مقاومة للمشاريع الهادفة إلى تطوير البنية التحتية، كبناء "مسكن الاجداد"، على سبيل المثال. وكما يقول مونتينز، فإن "مكتب تخطيط الأراضي يعترض على ذلك".
التحديات
عندما يتعلّق الأمر بصناعة الأفلام، يُمكن أن تكون للريف السويسري الجميل سلبياته أيضا. وفي هذا الصدد، قال غسبونر: " كان حظّنا سيئا مع المناخ. كنا نصوّر في صيف 2014 وتساقطت الثلوج في المنطقة التي كنا نتواجد فيها عدّة مرات! كان الأطفال يتجوّلون حافيي القدميْن، فشعروا بأطرافهم تتجمّد. وفي المراحل المتأخرة من التصوير، كان علينا استخدام مصحح الألوان لإزالة الزرقة عن الشفاه".
إضافة إلى ذلك، كانت هناك صعوبة في علاقة بالحيوانات: "فالماعز، دواب ترغب في تسلّق الجبال في الصباح للوصول إلى مرعاها، ثم تعود إلى الأسفل في المساء. ولكننا كنا بالتأكيد نرغب في قضاء أيام بأكملها إما في أعلى الجبل أو في أسفله. كنا نحاول تصوير مشاهد مع الماعز في طريقها إلى أعالي الجبل، ولكن إذا كنا نصوّر في الثالثة بعد الظهر، فإن الماعز يرفض الصعود في ذلك الوقت. كان علينا إجبارها على فعل ذلك".
روحانية الطبيعة
بالنسبة لكاتبة السيناريو بيترا فولبي، كان التحدّي الأكبر متمثلا في "الحفاظ على الإنسجام مع المادة، وعدم السقوط في إغراء جعلها أكثر بهرجة وحركية، ولا يمكن أن تنافس فيلم بيكسار!".
"عندما قرأت الروايات، اهتززت بسرعة. لم أقرأها لما كنت طفلة صغيرة. لقد كبرت وأنا أشاهد المسلسلات التلفزيونية الألمانية [1978] والمانغا اليابانية، وقد وجدت شيئا في الروايات لم أجده في الأعمال الأخرى التي أنتجت حول هايدي".
وتضيف كاتبة السيناريو: "يوهانّ شبيري تكتب بدقة متناهية حول ظاهرة الفقر في سويسرا، ومشاق الحياة، وكذلك إلى أي حدّ كانت الحياة صعبة بالنسبة للأطفال والأيتام. كانوا منبوذين، ولا أحد يقدّم الرعاية لهم".
التحدّي الآخر أيضا كان من ناحية البقاء أوفياء للمواد الأصلية، وفي نفس الوقت جعل هذا العمل السينمائي مستساغا لدى الجمهور المعاصر.
وأشارت فولبي إلى أن "أحد الأبعاد المهمة في نصّ يوهانّا شبيري هو البعد الروحي الديني: في الرواية الثانية، تتحدّث هايدي بإستمرار عن الإله، وكذلك الآخرون يعودون إليه دائما – الطبيب يجد الإله، ووالد كلارا يجد الإله، والجميع كذلك".
ثم تضيف: "أنا لا أستطيع أن أتماهى مع كل ذلك لأنّي ملحدة، ولكن هناك أيضا بُعد روحي في عمل يوهانّا شبيري يذهب إلى أبعد من الديانة المسيحية. إنها هي كذلك وعلاقتها الوثيقة بالطبيعة – هناك بُعد إلاهي في الطبيعة يتجاوز الكلمات. أردت إذن أن اشتغل على هذا البعد: الطبيعة تتحوّل إلى فضاء روحي بالنسبة لهايدي حيث تُوجد، وحيث تنتمي، وحيث يمكن لها أن تكون مُنسجمة مع نفسها".
(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch