Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00887.jsonl.gz/58

هل ستحصل أمريكا اللاتينية على "بطولة العالم" خلال 2006؟ كلا. نحن لا نتحدث هنا عن مباريات كأس العالم في كرة القدم التي ستجري في ألمانيا الصيف المقبل، بل عن بطولة من نوع آخر.هذا المحتوى تم نشره يوم 08 يناير 2006 - 17:01 يوليو,
إنه بديل قد تهديه تلك القارة للعالم عوض ما يسمى في الأدبيات اليسارية والديموقراطية بـ"الرأسمالية المتوحشة".
يستند البديل إلى العدالة الأجتماعية، والمساواة العرقية والطبقية، وطبعات جديدة من الأشتراكية الممهورة بختم الديموقراطية وحقوق الأنسان. وهي هدية مفاجئة وفق كل المقاييس.
فقد ظن الكثيرون أن أمريكا اللاتينية، التي كانت تعج طيلة قرنين بكل أنواع الحركات اليسارية والاشتراكية والماركسية المسلحة وغير المسلحة، طوت بهدوء هذه الصفحة اليسارية وفتحت صدرها طيلة حقبة ثمانينات القرن العشرين لأحزاب اليمين المحافظ التي طبقت كل تعليمات "إجماع واشنطن" الخاصة بالخصخصة الكاملة، وإطلاق حرية السوق، وإلغاء الضمانات الاجتماعية والسلع المدعومة للفقراء.
وهكذا، إنحسرت خلال هذه الفترة الأحزاب اليسارية عن الساح، وفازت الاحزاب اليمينية في كل دول أمريكا اللاتينية بلا إستثناء. ثم جاء إنهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وتحّولت الصين نحو إقتصاد السوق، ليقلبا هذا الإنحسار إلى شبه إندثار لليسار.
آنذاك، بدا بالفعل أن فرانسيس فوكوياما على حق، وأن التاريخ استمكل دورته وانتهى لصالح الرأسمالية الليبرالية.
بيد ان النقلة من اليسار إلى اليمين لم يتجاوز عمرها عمر الورود، وسرعان ما حلت مكانها موجة يسارية جديدة أشبه بتسونامي عملاق إجتاح جنوب القارة الامريكية من أدناها إلى أقصاها: من كولومبيا نزولاً إلى الأرجنتين.
لكن هذه المرة، جاء اليسار بطبعة جديدة مختلفة كلياُ عن طبعته السابقة، وبنكهة شعبية لا تشبه بشيء نكهته التاريخية السابقة.
كيف؟ سنقارب هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك، وقفة أولاً أمام التغيرات الكاسحة التي طرأت، ولا تزال، على دول أمريكا اللاتينية.
تحّولات .. تحّولات
خلال 2006، ستجري تسع إنتخابات ديمقراطية في جنوب أمريكا، بينها دول عملاقة كالبرازيل والمكسيك، ومتوسطة الحجم كتشيلي وكولومبيا والبيرو وفنزويلا، إضافة إلى ثلاث دول صغيرة.
في كل هذه الانتخابات، سيكون اليسار الديمقراطي هو الحاكم بأمره، وسيهيمن على جداول الأعمال السياسية والأقتصادية-الاجتماعية، والقومية أيضاً.
هذا التقاطع بين ما هو إقتصادي- إجتماعي وماهو قومي، هو ما يدفع العديد من المراقبين إلى تشبيه التغيرات السلمية، لكن الراديكالية، التي تحدث في تلك المنطقة الان بنضالات الاستقلال التي بدأت مع سيمون دي بوفوار في القرن التاسع عشر.
معروف أن بوليفار هو قائد أمريكي لاتيني، استحضر قيم الثورة الفرنسية ومبادئها، ووجهها ضد الأستبداد الأستعماري الإسباني، ثم ضد أمريكا حين أعلن في عام 1819: "يبدو ان القدر رسم للولايات المتحدة مصيراً يدفعها إلى إنزال البلاء بأمريكا (أي القارة الامريكية) باسم الحرية".
روح بوليفار تحوم الآن في كل مكان من جنوب أمريكا.
- ففي بوليفيا، وخلال السنوات الخمس الأخيرة، نجحت الحركات الإجتماعية هناك بالتخلص من الحكومات اليمينية ومعها الشركات الأجنبية العملاقة (كشركة بكتل الأميركية) التي سعت إلى فرض ما يسميه البوليفيون "locura capitalista"، أي الجنون الرأسمالي، على البلاد.
في عام 2000، ثارت الأغلبية الهندية الحمراء البوليفية للمرة الاولى ضد الأوليغارشيات الأقتصادية والسفارة الامريكية في آن. وفي 2003، نجحت الحركة الشعبية في طرد الرئيس سانشيز دي لوزادا من الحكم وصوتت لصالح ديمقراطية حقيقية. وفي اواخر 2005، كان زعيم "الحركة نحو الأشتراكية" الهندي الاحمر إيفو موارليس المتأثر بإشتراكية الرئيس الفنزويلي تشافيز، يفوز بالرئاسة. والمثير هنا ان السفير الامريكي لدى بوليفيا وصف الرئيس الجديد الذي بدأ حياته كمزارع كاكاو، بأنه "أسامة بن لادن آخر".
- وفي الأكوادور، أجبر المواطنون الرئيس لويسيو غوتيريز على الهرب من قصره بطائرة هليوكوبتر، بعد ان إتهموه بالفساد وبخيانة اللقب الذي أطلقوه عليه في البداية: "تشافيز الأكوادوري".
n وفي البرازيل، وبعد ان أوصل الناخبون الزعيم النقابي اليساري لولا إلى الحكم، باتوا يهددونه الان بالعزل بسبب الأولوية التي يعطيها لأجندة صندوق النقد الدولي بدلاً من الاجندة اليسارية.
n وفي الأرجنتين، نجحت الحركات الإجتماعية في عزل خمسة رؤساء موالين لواشنطن وصندوق النقد خلال الفترة بين 2001 و2002. وقام رئيسها نيستور كريشنر الذي فاز بالحكم عام 2003 بقطع العلاقات مع صندوق النقد "بسبب مسؤوليته عن العديد من مشاكل الأرجنتين الأقتصادية".
- وفي البيرو، برزت حركة شعبية جديدة وقوية برئاسة الضابط السابق أولانتا هامالا، القريب إيديولوجياً من تشافيز.
- وحتى "دولة الخوف" كولومبيا، التي تعتبر الأكثر رضوخاً لواشنطن، تشهد حالياً ثورة عارمة ضد ما تسميه الحركات الأجتماعية "الشر الذي توازي شروره سلاح المافيات: النيو-ليبرالية".
- وبالطبع هناك شافيز فنزويلا الذي يصفه العديد من الامريكيين اللاتينيين الان بـ"بوليفار الحديث"، والذي يعتبر الأشتراكية "موجة القرن الحادي والعشرين". ويطلق شافيز، الذي تعّرض إلى محاولات إنقلاب وإغتيال عدة خلال السنوات الأخيرة، على امريكا إسم "مصدر الأرهاب". كما يسمي الرئيس بوش "سينيور بليغرو" (السيد خطر).
جديد اليسار
نعود الان إلى سؤالنا الاول: ما جديد هذا اليسار الجديد؟ ثمة الكثير من عناصر الجدة:
1- اليسار الجديد مسالم، ديمقراطي، تدرجي، على عكس اليسار القديم العنيف، والتوتاليتاري، والثوري. وبرغم طرحه شعارات الأشتراكية، إلى انه في الواقع لا يدير ظهره تماماً لا للإقتصاد العالمي ولا لبعض ميكانيزمات السوق. وهو بهذا المعنى أقرب إلى يسار الوسط، او اليسار الديمقراطي الإشتراكي في أوروبا، منه إلى اليسار الغيفاري.
2- كل القوى اليسارية التي تحكم الأن أكثر من عشر دول أمريكية لاتينية (والحبل على الجرار)، أو الساعية للحكم، وصلت أو تريد الوصول إلى السلطة عبر إنتخابات ديمقراطية، بما في ذلك حتى حركة الساندينيستا الثورية في نيكاراغوا.
3- الشعوب الهندية الحمراء الأصلية باتت مكوناً رئيساً من مكونات اليسار، سواء في الدول التي يشكلّ فيها هؤلاء الأغلبية كبوليفيا وغواتيمالا ونسبياً البيرو، أو الأقلية كالأرجنتين وتشيلي والأرغواي وغيرها.
4- اليسار الجديد لا يعتمد على الاحزاب التقليدية القديمة، بل يستند إلى الحركات والتيارات الاجتماعية التي ولدت من رحم المجتمعات المدنية الأمريكية اللاتينية في حقبة الثمانينات، ثم ما لبثت ان تحولّت سريعاً نحو العمل السياسي.
الحركات الإجتماعية
من بين كل هذه العوامل، يبدو العامل الأخير هو الاهم. فالحركات الإجتماعية تشّكل الأن قاعدة صلبة وثابتة، يمكن لليسار الجديد ان يستند إليها لتحقيق برامجه في السلطة. وهي تتميز بالسمات الآتية: التخلي عن الأديولوجيات العامة، والتركيز بدلاً من ذلك على القضايا المطلبية الخاصة؛ الأشتراك مع الآخرين في التضامن حول مجمل القضايا العادلة مثل الديون والفقر والحروب والمقاومة وعولمة التجارة الحرة وتدمير البيئة، برغم التمايز بينها في الهوية والثقافة والعرق والآراء والقناعات.
ويوضح الدكتور قاسم عز الدين، الخبير بشؤون العولمة وأمريكا اللاتينية، ان مسألة الحقوق لدى هذه الحركات هي كل لا يتجزأ إلى خيارات بين الحقوق الوطنية والثقافية وبين الحقوق الاجتماعية والديمقراطية، أو بين حقوق المواطنة والحكم الرشيد وبين حقوق الحريات الفردية والسياسية.
وقد تبنت الحركات هذا المفهوم بعد أن أثبتت التجربة العملية في أمريكا اللاتينية أن الانتخابات الحرّة وديمقراطية فصل السلطات وكذلك الحريات السياسية والفردية، غير كافية وحدها للحكم الرشيد. إذ لم تستطع السلطة المنتخبة في كولومبيا تطهير السلطة من الفساد ونهب الدولة، من غير تدخل المجتمع المدني.
ولم تستطع السلطة المنتخبة في فنزويلا مقاومة الضغوط الخارجية والداخلية لخصخصة الريع النفطي، من غير مشاركة المجتمع المدني. فالحكم الرشيد لا يقوم برجال حكم أخيار مكان رجال أشرار، إنما بتوازن المصالح وتوازن القوى التي تدافع عن مصالحها، فلا تتوازن سلطة الحكم بغير سلطة مقابلة منظمة في المجتمع المدني قادرة على تحمل مسؤولية الشأن العام وقادرة على المحاسبة في صناديق الاقتراع حينما تجنح قوى سلطة الحكم لغير المصلحة العليا.
ويشير قاسم عز الدين إلى أن هذه الحركات تهتم بالبحث عن استراتيجيات فعلية لتغيير مشكلات المجتمع. فالمثقفون والسياسيون في أمريكا اللاتينية يعرفون طبيعة المشكلات الكبرى (الديون، الإنتاج، التجارة الحرّة، الاحتكارات الأجنبية، البطالة وتوزيع الثروة...) ويبحثون عن بدائل وحلول لهذه المشكلات.
لا يستهويهم البحث عن إنجازات العولمة، فقد ذاقوها وعلموها منذ الستينات ولم يعد في أمريكا اللاتينية ما يمكن خصخصته غير النفط، إنما يشغل بالهم مسار تغيير ما أنجزته لهم الليبرالية الاقتصادية والتجارة الحرّة، ويؤرقهم ما آلت إليه في بلادهم الحرية والديمقراطية الأميركية.
يدركون أن لا معنى للرفض اللفظي والتحريض الخطابي، ومن العبث تضييع الجهود في نقاشات ومماحكات مع مروجي عولمة التجارة الحرّة (المترافقة بالضرورة مع الاحتلال العسكري). لذا هم يتكاتفون لتحمل مسؤولية التغيير.
تغيير فلسفات عديدة
في هذا المسار من البناء المتداخل، تبحث الحركات الاجتماعية الامريكية اللاتينية عن استراتيجيات فعلية متداخلة بين سلطة المحليات وسلطات الحكم، في إطار تجمع إقليمي يجمع قارة أمريكا اللاتينية بأسرها.
فكل هذه المساحات الجغرافية المتداخلة بين المحلي والوطني والإقليمي، هي فضاءات عمل المثقفين والسياسيين وناشطي جمعيات المجتمع المدني للتغيير: تغيير فلسفة التجارة الحرة بفلسفة التجارة المتكافئة، وتغيير فلسفة الفوضى الخلاقة بفلسفة الدولة والحكم الرشيد، وتغيير فلسفة "المستهلك - السلعة" بفلسفة "المواطن والتضامن الاجتماعي"، وكذلك تغيير فلسفة سيادة الدولة بفلسفة إعادة بنائها بعلاقات متكافئة.
كما هو واضح، تمتلك الحركات الإجتماعية اليسارية الامريكية اللاتينية مناحي قوة عدة مكنتّها بالأمس، وستمكنها اليوم وغداً، من مواصلة تحقيق الانجازات. لكن، هل يمكن لهذه الإنجازات أن تتّوج في النهاية بتقديم صيغة بديلة عن "إجماع واشنطن"، يمكن أن يطلق عليها "إجماع امريكا اللاتينية"؟.
فلننتظر قليلاً لنر. لكن من الواضح حتى الان أن ظاهرة اليسار الديمقراطي الامريكي اللاتيني وجدت لتبقى. وستبقى على الأرجح.
وهذا ما سيكون جلياً خلال الانتخابات التسع التي ستجري في 2006.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>