Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00897.jsonl.gz/8

تحمل "معركة بغداد" المحتملة رقم 11 ضمن سلسلة من المعارك الفاصلة، التي دارت حول تلك العاصمة التاريخية.
هذه المعركة لم تختلف ملامحها إلى حد كبير عن حصار واقتحام ثم "دماء"، على الرغم من تغـيُّـر أشكال الحرب وأسلحة القتال.
ما يبدو حتى الآن، أن تلك المعركة سوف تكون امتدادا للتاريخ. فما يحدث منذ بداية حرب العراق، يشير إلى أنها ستكون معركة قاسية، إلا إذا وقعت تلك المفاجآت التي لم يعد أحد يتوقع كثيرا حدوثها، أو على الأقل لم يعد أحد يعول عليها كخيار رئيسي لإنهاء الحرب.
لقد كان الطرفان، الأمريكي والعراقي، يدركان منذ البداية أن السيطرة على بغداد ستشكل المعركة الفاصلة، وأدى ذلك إلى تحديد الملامح العامة لخططهما العسكرية.
فقد اعتمدت الخطة الأمريكية على تشكيل "جيش صغير" يتألف في الأساس من فرقة مشاة ميكانيكية(الثالثة الأمريكية)، وفرقة مدرعة (السابعة البريطانية)، وفرقة محمولة(101 الأمريكية)، يتوغل سريعا داخل الأراضي العراقية مع بداية العمليات العسكرية، متجها رأسا على بغداد، مع الالتفاف حول 5 مدن كبرى في طريق يبلغ طوله 450 كيلو متر تقريبا، في الوقت الذي تحاول فيه القوات الجوية استهداف القيادة العراقية، ومراكز النظام في العاصمة، لإنهاء المسألة مبكرا، فيما وُصف بأنها "حرب خاطفة"، أو بتعبير آخر "حركة جريئة".
كانت مشكلة هذه الخطة، كما وُضِّـح فيما بعد، أنها استندت على افتراضات سياسية بأكثر مما يحتمل أي عمل عسكري. فالقوات المسلحة العراقية سوف تنهار وتستسلم تحت وطأة ضربات عملية "الصدمة والرعب" المرتبطة بقصف جوى عنيف دقيق فوق مواقعها، والشعب العراقي (في المدن) سوف يستقبل قوات تحرير العراق بصورة "تعاونية".
كما أن عمليات "هدف الفرصة" التي تستهدف الرئيس العراقي، يمكن أن تحقق هدفها لتنتهي الحرب في أي وقت. لكن الواقع، هو أن التقديرات السياسية لم تكن دقيقة، أو أبسط مما يجب، كما أن الخطة العسكرية التي بدت نموذجية "على الورق"، واجهت مشكلات عملية كبرى على الأرض، لتبدأ حرب حقيقية بعد ذلك.
مفاجأة عراقية
على الجانب الآخر، يبدو أن الرئيس العراقي عندما قبل قرار مجلس الأمن رقم 1441، لم يكن يعتقد أن عمليات التفتيش سوف تجنبه الحرب. فقد استعد لتلك العملية – فيما يبدو – منذ فترة بأسلوب لم يكن متوقعا يعتمد على تجنب خوض حرب برية نظامية يدرك أنه سيخسر قواته فيها، خاصة في ظل التفوق الجوى الكاسح لقوات التحالف الأمريكي- البريطاني.
ووضُـح أنه قام بتقسيم قواته المسلحة على وحدات عسكرية صغيرة تضم عناصر من الجيش النظامي والحرس الجمهوري والقوات شبه العسكرية التي تتألف من "فدائيي صدام" و"ميليشيات البعث"، تعمل بأسلوب حرب العصابات شبه النظامية، معتمدا على كل "ألعاب الحرب" المربكة، التي اعتبر المسؤولين العسكريين الأمريكيين بعضها "غير أخلاقي".
كانت الاستراتيجية العسكرية العراقية في الجنوب تقوم على شكل من الدفاع التعطيلي، الذي يهدف إلى إرهاق القوات المهاجمة عبر سلسلة من العمليات الصغيرة التي تكبدها خسائر كبيرة وتعرقل تقدمها السريع (المتصور) مع استخدام ما يترتب على ذلك سياسيا للتعامل مع الرأي العام.
ورغم أن التصريحات "المنضبطة" التي صدرت عن بعض المسؤولين العراقيين كانت تؤكد أن قيادة العراق لم تكن تخطط لتحقيق أكثر من ذلك في الجنوب، إلا أن تلك القيادة ربما كانت تأمل في حدوث ارتباك أمريكي كبير، يطرح احتمالات ظهور سيناريو حرب السويس - 1956 مجددا وهو ما يبدو أن الرئيس العراقي كان يتصوره كإطار للحرب بصورة مبكرة.
على أي حال، كانت النتيجة الواضحة لهذا الصدام في المرحلة الأولى من الحرب، هي أن كل طرف قد تمكن من تحقيق الهدف الرئيسي الذي حدده لنفسه في البداية، لكن بصعوبة شديدة.
فقد تمكنت القوات العراقية من إرباك قوات التحالف وتكبيدها خسائر غير متوقعة، وتأليب الرأي العام ضدها، لكنها لم تتمكن من وقف تقدمها في اتجاه بغداد. كما أن قوات التحالف – على الجانب الآخر - لا تزال تتقدم وفقا لخطتها المقررة سلفا بالنسبة للمرحلة الأولى، لكن في ظل مقاومة مسلحة وخسائر بشرية ومشاكل مدن، وأجواء مسممة تشكك في إمكانية تحقق المهام التالية في إطار ما كان مخططا. ووصل الطرفان إلى ساحة المعركة الرئيسية حول بغداد.
أسوار بغداد
إن معركة بغداد سوف تتم في إطار مختلف عما شهدته الفترة السابقة لها. فالوضع العسكري لم يعد كما كان عليه بالنسبة للطرفين على نحو يمكن معه الإشارة إلى حقائق جديدة، تشكل إطار تلك المعركة، أهمها:
1- أن الاعتبارات العسكرية بدأت تسيطر على تفكير قيادات قوات التحالف، ولم يعد هناك مجال كبير لرهانات سياسية خاصة بانهيار القوات أو مساندة السكان أو تفكك النظام، رغم استمرار بعض تلك التصورات بصورة معدلة. والأهم أن عمليات القصف الجوي قد بدأت تتصاعد وتتسع في اتجاه أهداف تخدم العملية العسكرية، بصرف النظر عن اعتبارات "عراق ما بعد الحرب" التي كانت قد حددت نطاق الاستهداف في الأهداف التي تتصل فقط بمراكز قوة النظام. فالساحة بدأت تشهد حرب عسكرية بدون "تشويشات جانبية".
2- أن القيادة العسكرية الأمريكية قد بدأت تجري تعديلات جوهرية في خططها، وقد بدأ التفكير في خوض معركة برية حقيقية بقوات كافية لحصار بغداد، واحتواء مشكلات المدن وضربات الإزعاج العراقية في المناطق التي تركتها قوات الهجوم الرئيسي خلفها، خاصة وأن القوات العراقية حاولت مرارا قطع خطوط إمداداتها، لذلك، بدأت عملية واسعة لدفع قوات جديدة إلى الجنوب، واستدعاء قوات أخرى من خارج مسرح العمليات، فيما سيشكل، على ما يبدو، قوة برية تتألف من 6 فرق على الأقل.
3- أنه لا توجد إجابة محددة حول ما أدت إليه عمليات القصف الجوي العنيفة على مواقع الحرس الجمهوري حول بغداد، أو مدى فقدان السيطرة الذي وصل إليه النظام العراقي من جراء استهداف مراكزه وقياداته. فخبرة حرب الكويت عام 1991 تثبت أن الحرس الجمهوري لم يصل وقتها على درجة الانهيار، واستمرت قدرة النظام على السيطرة حتى نهاية الحرب، لكن القصف المركز والأسلحة المستخدمة والتركيز الجراحي هذه المرة، ربما يسفر عن مفاجأة تطرح احتمالات غير متوقعة في أية لحظة، على نحو ما كان دونالد رامسفيلد يقصد عندما أشار إلى ما حدث في أفغانستان في مرحلة ما بعد سقوط مزار الشريف.
"الإنتصار بأي ثمن"..؟
على الجانب الآخر، فإنه في ظل خبرة ما حدث في معارك جنوب العراق، لا يمكن افتراض إلا أن القيادة العراقية قد استعدت بصورة ما لمعركة البقاء في بغداد، وأن المفاجآت العراقية لا تزال محتملة بعيدا عن مسألة سحب القوات المتحالفة على معركة الشوارع التي تدرك القيادة العراقية جيدا أن القوات الأمريكية - البريطانية لن تتورط فيها.
والأرجح أن الوحدات العراقية قد أعدت لألعاب حرب جديدة تهدف إلى الوصول بالوضع كله إلى حالة جمود عسكري حول بغداد، أي حصار طويل مُـكلف عسكريا وسياسيا، يخلق حالة من الضغط التي تطرح احتمالات وقف إطلاق النار.
لكن الوصول إلى وضع يطرح احتمالات التفكير في وقف إطلاق النار يمثل "سيناريو الكابوس" الذي لا ترغب قيادة القوات المتحالفة في الوصول إليه. فلا يوجد خيار حقيقي لديها – في ظل أوضاعها الحالية – سوى تحقيق انتصار واضح، وإلا فإن النتيجة بالنسبة لها ستكون مذبحة سياسية لرموز الحكم في واشنطن ولندن، وقد يكون الحل هو استخدام القوة القاهرة التي تحدث صدمة ورعبا حقيقيين، أي انتصار بأي ثمن، في ظل وجود مشكلة تكنولوجية وقصور معلوماتي.
ولكن المسألة تتعلق أيضا بمدينة مكتظة بالسكان، ونظام يدافع عن بقائه، واحتمالات استخدام أسلحة تدمير شامل. وبالتالي، فكما كان الأمر يحتاج إلى معجزة لم تحدث لتجنب الحرب، فإن ثمة حاجة هذه المرة أيضا إلى معجزة (أو مفاجأة)، لكي لا تتحول المعركة إلى واحدة من معارك بغداد التاريخية الكبرى التي كانت نهايتها دائما.."الدماء"!
د. محمد عبد السلام – القاهرة