Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00887.jsonl.gz/56

ارتاده قادة دول وملوك وفنانون من مختلف أنحاء العالم، وتجولوا بين أعمدته النيو- كلاسيكية.. كان بمثابة وكر للجواسيس والمكان الذي يُقرَّرُ فيه مصير تعيين الوزراء في الحكومة الفدرالية.. إنه فندق "بيلفو" Bellevue في برن، الذي افتتح عام 1913 واحتفل هذا العام بمرور 100 عام على افتتاحه.هذا المحتوى تم نشره يوم 31 ديسمبر 2013 - 06:00 يوليو,
آنذاك، كانت سويسرا منهمكة في تشييد خطوط السكك الحديدية وحفر الأنفاق في جبال الألب وإقامة الجسور وتعبيد الطرق. لقد كانت فعلا بمثابة الفترة الذهبية التي تمّيزت بالهدوء الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وعلى مدى السنوات التي امتدت ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جرى تشييد بعض الفنادق السويسرية الفاخرة في مناطق تتميز بمناظرها الطبيعية المُطلة على جبال الألب، من بينها الفندق الكبير فيكتوريا – يونغفراو في إنترلاكن (بمنطقة أوبرلاند الجبلية بكانتون برن)، وفندق "غليتش" على سفح الجبل الجليدي الذي يحمل نفس الإسم في كانتون فالي، وفندق "بالاس" في سانت موريتس بكانتون غراوبوندن.
أما في مدينة برن، فقد تم افتتاح فندق "بيلفو" الفاخر قبل 100 عام، قُبالة القمم الثلاثة لجبال "آيغر" و"مونش" و"يونغفراو"، والذي لا زال لحد اليوم بمثابة المهد أو المحضن للحياة السياسية التي يعجّ بها مقر الحكومة الفدرالية الذي لا يبتعد عنه كثيرا.
في عام 1865 بدأت القصة..
قام كارل فريدريش أوسفالد، الذي كان صاحب فندق صغير معروف في مدينة برن، ببناء فندق بيلفو في عام 1865.
في أول نوفمبر 1911، تم الشروع في تحطيم الفندق القديم لكي يُشيّد في مكانه فندق عصري.
في 27 نوفمبر 1913، افتُتح فندق بيلفو الجديد في حفل حضره حوالي 2000 شخص.
في عام 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى وأصبح الفندق مقرا رئيسيا للجيش الفدرالي السويسري.
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939، ظل الفندق مفتوحا واستمر كذلك طوال فترة الحرب، حيث تحوّل إلى محل يجتمع فيه أبناء المدينة والدبلوماسيون والسياسيون والموظفون في الحكومة الفدرالية والجواسيس.
في عام 1976، تقدّمت الحكومة الفدرالية بطلب لشراء الفندق من قِبل المصرف الوطني السويسري، لكي لا يقع بين أيدي أجنبية.
في عام 1987، انطلقت عملية إعادة هيكلة واسعة استمرت حتى عام 1991، وكلفت 20 مليون فرنك سويسري.
في 24 يونيو 1994، قدم المصرف الوطني السويسري فندق بيلفو كهدية إلى الكنفدرالية.
في عام 2013، احتفل فندق بيلفو بمرور 100 عام كاملة على تأسيسه.End of insertion
غرفٌ لسويسرا الجديدة
في 27 نوفمبر 1913، عَرض فندق "بيلفو" ذي النجوم الخمس كل ما كان يتوفر عليه من بذخ، لكن برونو شوبيغر، رئيس جمعية تاريخ الفن في سويسرا، يذكّــر قائلا: "بما أنه شُيّد وفقا للنمط النيو كلاسيكي، فهو يتميز بزينة بسيطة للغاية وبأعمدته وزخارفه الجبسية. كان عليه الظهور بحلة أنيقة وراقية في الآن نفسه لاستقبال سادة القوم ورؤساء الدول".
في واقع الأمر، بدأت صفحات تاريخ هذا الفندق الكبير تُكتب قبل ذلك، حيث ارتبطت بتاريخ الدولة الفدرالية الحديثة. فبعد هزيمة المحافظين خلال الحرب الأهلية التي اشتهرت باسم "Sonderbund" واعتماد الدستور الفدرالي الجديد من قبل الشعب، اختيرت مدينة برن لكي تصبح العاصمة الفدرالية للبلاد في عام 1848. وتطلَّب الأمر إيجاد مقر للحكومة الفدرالية ومبان إدارية ومنازل وفنادق لإيواء 111 نائبا انتخبوا لعضوية مجلس النواب و44 عضوا في مجلس الشيوخ آنذاك.
تبعا لذلك، احتضن فندق "بيرنرهوف"، الواقع في القسم الغربي من القصر الفدرالي، النواب في غرفتي البرلمان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وفي عام 1865، دُشّن فندق "بيلفو القديم" على بُعد بضعة أمتار من مقر الحكومة الفدرالية، ثم تمت إعادة بنائه ما بين عامي 1911 و1913 على أنقاض المبنى القديم، ليحمل هذا الفندق، الذي يتيح لضيوفه الإستمتاع بإطلالة استثنائية على جبال الألب العابرة لأراضي كانتون برن، اسم "بيلفو بالاس".
مقر رئيسي
بعد بضعة أشهر من تدشينه، غيّر اندلاع الحرب العالمية الأولى مجرى الأمور تماما. فقد هجر السياح الأجانب الفندق وأُغلقت حدود البلاد واختار الجيش السويسري، بقيادة الجنرال أولريخ فيل، فندق بيلفو كمقر رئيسي له. وبالإضافة إلى العسكريين، استقبل "بيلفو" العديد من الدبلوماسيين والسياسيين الوافدين من بلدان مشاركة في الحرب الكونية الأولى.
في هذا السياق، يروي أورس بوهرر، مدير فندق بيلفو، قائلا: "هناك قصص تروي وجود حدود غير مرئية كانت تفصل بين قسمي مطعم الفندق: جهة تأوي الضيوف القادمين من إمبراطوريات أوروبا الوسطى، ألمانيا وإمبراطورية النمسا والمجر، وجهة تستضيف الزوار من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وفي القسم الأوسط، الذي يعتبر بمثابة الخط المحايد بين الطرفين، كان يجلس الأمريكيون، على الأقل إلى أن دخلوا في الحرب. عندها قام المشرف على القاعة بدعوتهم للإلتحاق بالقسم الذي كان يجلس فيه الحلفاء".
في عشرينات القرن الماضي، اختفت مظاهر الحرب وأصبحت قاعات الفندق تعجّ بضجيج السيدات المرتديات لفساتين السهرات، وتضجّ برنين عملات الروبل والدولار والليرة. فقد خرج الفندق بدون أضرار من الحرب العالمية الأولى ومن المرحلة التي تلتها. في مقابل ذلك، كان مصير فندق "بيرنرهوف" مغايرا. فبعد أن اعتُبر من أفخر فنادق أوروبا، اضطر للتخلّي عن البذخ الذي ميّزه في البداية. وعلى إثر إغلاقه في عام 1924، قامت الكنفدرالية بشرائه قبل تحويله إلى بناية إدارية تحتضن اليوم مقر وزارة المالية.
ضيوف ومشاهير
من أبرز الشخصيات التي احتضنها فندق بيلفو في برن، الوزير الأول البريطاني ونستون تشرشل في عام 1946، والكاتب الألماني توماس مان عام 1947، وعازف البيانو البولندي آرتور روبينشتاين عام 1948، والسينمائي والمنتج الأمريكي وولت ديزني عام 1949، والممثل والمخرج البريطاني تشارلي شابلن عام 1955، والرسام الفرنسي مارك شاغال عام 1958، والممثلة الإيطالية صوفيا لورين عام 1978، وملكة بريطانيا اليزابيت الثانية عام 1980، ورئيس الإتحاد السوفييتي سابقا ميخائيل غورباتشوف عام 1993، ورئيس جنوب إفريقيا وحامل جائزة نوبل للسلام نلسون مانديلا عام 1997، والرئيس الكوبي فيدل كاسترو عام 1998، والرياضي الأمريكي والبطل العالمي كارل لويس عام 2012.End of insertion
"وكر جواسيس"
أثناء الحرب العالمية الثانية، تحوّلت مدينة برن - شأنها في ذلك شأن مدينتي مدريد ولندن - إلى ملتقى طرق دولية، حيث يتم ربط شبكات التجسّس الدولي. وقد استقبل فندق "بيلفو" أثناء تلك الفترة، جواسيس ودبلوماسيين وسياسيين. كما اكتست حانته شُهرة عالمية، كمصدر لجمع المعلومات بشكل لا ينقطع. وقد أصبح من مرتاديه الأوفياء عملاء مخابرات مشهورون، من أمثال البريطانية إليزابيت فيسكرمان والألماني هانس بيرند جيزيفيوس.
وابتداء من عام 1939، شرع الملحق العسكري الأمريكي بارنويل ريهت ليغي في إدارة جهاز المخابرات الأمريكية المهتم بمواجهة ألمانيا النازية انطلاقا من مدينة برن. وانتهى به الأمر أن سقط بدوره ضحية جهاز المخابرات الألماني. فقد تمكن الجواسيس الألمان من فك شفرة المراسلات الأمريكية طوال فترة ثلاثة أشهر، أي ما بين شهري يناير ومارس 1942، وهذا بفضل تعاون جاكوب فورست، الشاب السويسري المتعاطف مع التيار النازي.
لهذه الأسباب، لم يكن مستغربا أن تتخذ بعض روايات التجسّس من غرف فندق بيلفو إطارا لها. وهذا ما ينطبق على آخر منشورات المؤرخ بيتر كامبر تحت عنوان "عميلة المخابرات السرية" Geheime Agentin، أو بعض الأفلام مثل شريط "رجال سميلي" الذي تم تصويره في عام 1982، اقتباسا من قصة نشرها جون لوكاري بنفس العنوان.
لقد تحولت حانة فندق بيلفو إلى أسطورة تختلط فيها بعض الحقائق بكثير من المبالغات الخيالية. وتم الحفاظ بقدر كبير على هذه الأساطير، سواء من قبل الجدران الصامتة أو الموظفين المحافظين بشكل كبير على التكتم والسرية. ومثلما يقول مدير الفندق أورس بوهرر: "إننا متخصّصون في الفندقة. قد نشاهد أشياء كثيرة، ولكننا لا نحكي أي شيء".
بيانات وأرقام
يحتوي فندق بيلفو على 129 غرفة و 24 غرفة فاخرة (جناح سويت) وعلى غرفة فاخرة رئاسية.
ينظم الفندق حوالي 2200 من الأنشطة في السنة الواحدة.
يعد ّ مطبخ الفندق حوالي 1000 وجبة غذائية في اليوم الواحد.
يشتغل في فندق "بيلفو" حوالي 200 موظف.
يُؤوي الفندق حوالي 20 ألف زائر، كما يستقبل حوالي 300 ألف حريف في السنة.End of insertion
مركز السلطة الخلفي
الموقع المميز لفندق بيلفو الذي لا يبتعد إلا بضع خطوات عن القصر الفدرالي (مقر البرلمان والحكومة)، حولة بالضرورة إلى غرفة خلفية لممارسة السلطة. في هذا السياق، يوضح فريتس ميدر، الذي أداره ما بين عامي 1977 و1982 أن "الفندق يستقبل أثناء الدورات البرلمانية ما يصل إلى 65 نائبا برلمانيا. وهذا التواجد المكثف للسياسيين، يجلب الكثير من الشخصيات المنتمية إلى قطاع الإقتصاد أو جماعات الضغط "اللوبيات" القادمة من جميع أنحاء سويسرا، كما أن التوافد المستمر على الفندق في هذه الفترة، يُنشط مداخيله بشكل ملموس".
وإلى يوم الناس هذا، لا زالت حانة فندق بيلفو مقصد العديد من ممثلي الأحزاب السياسية الرئيسية، في الليلة التي تسبق انتخابات أعضاء الحكومة الفدرالية، حيث يخوضون لساعات في نقاشات مُطولة. وفي العادة، تُؤدي تلك المحادثات التي تُعرف باسم "ليلة السكاكين الطويلة"، إلى تحديد اسم الشخص (أو الأشخاص) الذي سيُصبح في اليوم الموالي "مستشارا فدراليا"، أي وزيرا في الحكومة الفدرالية.
من جهة أخرى، أقام بعض الوزراء لفترة (تطول أو تقصر) في هذا المكان الذي حدّد مستقبلهم السياسي. وفي هذا الصدد، يتذكر فريتس ميدر أن "الوزراء عندما يتوافدون على الحانة في وقت متأخر من الليل بعد انتهاء أشغالهم، يشعرون بسعادة كبرى عندما يجدون المكان غير مكتظ بالزبائن، لأن ذلك يسمح لهم بتناول قنينة جعّة أو كأس ويسكي بدون إزعاج".
هذا الفندق الذي لم يعرف في يوم من الأيام شغورا كاملا، شهد على امتداد هذا القرن الأول من عمره، توافد شخصيات سياسية وثقافية، كما استضاف العديد من حفلات الإستقبال التي أقيمت على شرف عدد من الملوك والرؤساء. وقد احتفظ السجل الذهبي لهذا الفندق الكبير لمدينة برن، بتوقيعات جميع الشخصيات التي أقامت فيه، وهي تمثل الأثر الوحيد لزيارات ظلت جدران الفندق الخرساء محتفظة بما دار فيها في سرية تامة.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>