Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/80

إلى مدينة الحمامات الساحلية التونسية، التي تنام في حضن المتوسط، انتقل السويسري ابن جنيف سيلفان بوست وزوجته ليُقيما هناك منذ ثلاثة عشر عاما. اشتريا بيتا، ثم ابتنيا شققا غير بعيدة عن البيت، في موقع يُطل على البحر الأزرق ذي الرمال الذهبية.
عمل سيلفان في بداية الثمانينات مُدرّسا في المعاهد الثانوية بمدينة ليون وكان آنذاك الأستاذ الأصغر سنا بين زملائه (24 عاما). إثر ذلك، عمل خبيرا محاسبا في المدينة نفسها إلى أن وصل اليسار إلى الحكم في فرنسا. بعد فوز الرئيس الإشتراكي فرنسوا ميتران بالرئاسة، قرر زبائنُهُ الإنتقال إلى مدينة جنيف وقالوا له "إما أن تتبعنا حيث نحن ذاهبون أو سنختار مُستشارا جبائيا آخر بدلا عنك". لم يندم سيلفان على قرار الانتقال إلى جنيف، التي زارها أول مرة في فبراير 1981، فقد أحبّ المدينة الدولية في نهاية المطاف.
بعد سنوات طويلة حصل على الجنسية السويسرية في 2004. وشرح سيلفان لـswissinfo.ch الخيارات التي كانت مُتاحة أمامه، إذ أن الذي يغادر سويسرا بعد إحالته على المعاش عليه أن يأخذ معه رأس ماله، أما إذا غادر قبل ذلك فمن حقه أن يستمر في الحصول على المعاش. وقد اختار الطريق الثانية، مما أتاح له اليوم تحصيل المعاش السويسري مع الاقامة في تونس.
من المغارات إلى البلفيدير
مع ذلك ظلت جنيف حاضرة في وجدانه ووجدان زوجته محضية، إذ اختارا العيش في حي البلفيدير في العاصمة التونسية لأنه يُشبه حي Les grottes (المغارات) في جنيف، وهو حي عتيق يلف حديقة فسيحة خضراء شبيهة بحديقة البلفيدير. ومن المفارقات أنه هو الذي أعاد زوجته التونسية إلى بلدها بعدما أمضت 25 سنة في الخارج، وهي تحمل الجنسية الفرنسية. وقال سيلفان "كنا نشاهد من شرفة بيتنا نافورة المياه والجبل الأبيض Le Mont blanc وخلفهما جبل الجورا Jura وكنا نبحث عن مكان يُشبه حيِنا في أي مكان من العالم".
أحب الزوجان البلفيدير لوجود مسارح ومعارض رسوم وحدائق ومطاعم وفنادق وسفارات، كما أنهما كانا يتنقلان على الأقدام مثلما كانا يفعلان في جنيف. وأضاف "سكان جنيف الأثرياء يختارون عند الوصول إلى سن المعاش جزر الباليار أو الكاراييبي أو البرتغال، أو حتى ميامي أو سان فرنسيسكو. أما نحن فاستفدنا من أن زوجتي تملك مكتب سفريات فجُلنا على العالم بأسعار معقولة بحثا عن موطن جديد، وقررنا الاستقرار بالحمامات بعد إقامة استمرت سنة ونصف السنة في العاصمة تونس". ومضى شارحا أسباب خياره وخيار زوجته بقوله "في الحمامات يمكنك أن تستمتع بـ300 يوم مُشمس طيلة السنة. ومن حيث الموقع علينا أن ندرك أن الوجه الجنوبي للجبل الأبيض بسويسرا هو من الناحية الجيولوجية الوجه الشمالي للمتوسط، ما جعلنا لا نجد اختلافا كبيرا في المناخ".
المرأة في وضع أفضل من الرجل
ليس اعتدال المناخ هو العنصر الحاسم الذي أقنع الزوجين بالاستقرار في الحمامات، إذ يقول سيلفان بحماس ظاهر "إذا أردت أن تُميز بين بلد وآخر فانظر إلى وضع المرأة فيهما، وقد وجدتُ أن وضع المرأة في تونس أفضل من وضع الرجل. فعندما ندعو صديقا إلى بيتنا يأتي ومعه زوجته، وهذا ما لم نلاحظه في البلدان الأخرى، بل إن بعضهم يأتي ومعه سيدة لا تمتُ له بعلاقة قرابة. أما السبب الثاني الذي جعلني أختار الحمامات، فهو أني مُشبعٌ بالثقافة اللاتينية، وعندما أكون في تونس أشعر كما لو أنني في أوروبا، فالفرنسية هنا هي لغة رسمية في الإدارة إلى جانب العربية، كما أن القوانين فرنسية في الجوهر، بما فيها قانون العمل، وهنا أيضا يُسمح لي بتحرير محاضري بالفرنسية وتقديم وثائق مكتوبة بلغة فولتير. وفي جميع هذه المجالات لا يمكنني ألا أعقد مقارنات، والمقارنة تتم هنا مع اليونان وإيطاليا مثلا".
بهذا المعيار القائم على المقارنة ينظر سيلفان إلى السلبيات في تونس، وخاصة شلل البلديات ووهن القضاء وبيروقراطية النقابات وضعف قبضة السلطة، الذي يجعلها غير قادرة على مكافحة الفساد بصرامة. وهو يُلخص الوضع بهذه الجملة "كان لدينا دكتاتور واحد فأصبحوا اليوم بالآلاف".
والطريف أن سيلفان كلما جاء إلى تونس إلا ونزع ساعته السويسرية من معصمه في البوابة الحدودية كناية على أن الوقت لم تعد له قيمة هنا. غير أنه استطاع أن يُحافظ على كثير من عاداته الثقافية، بالرغم من تلك السلبيات، فهو يرتاد المسارح وقاعات السينما في تونس، تماما مثلما كان يفعل في جنيف. كما أنه لا يحرم نفسه وزوجته من رؤية الأصدقاء الذين كانوا يلتقون معهما في جنيف، فصارا يستضيفانهم في الحمامات.
ومن هذه الزاوية فإن البُعد الجغرافي عزز إيمانهما بالقيم السائدة في جنيف، القائمة على التنوع والتسامح والمشاركة في الحياة الاجتماعية واحترام السلطة، "فجنيف - كما يقولان - هي مدينة الأفكار الكبرى، ولما يعيش فيها المرءُ تتكون لديه ثقافة خاصة يمكن أن نُسميها "ثقافة التسامح" أو "العيش المشترك". وهذه هي الثقافة التي يحافظ عليها أهل جنيف حتى لما يسافرون بعيدا عنها". وهو يُشجع التونسيين على تبني تلك الثقافة، لا سيما أن هناك أوجه شبه كثيرة بين البلدين من حيث الحجم وعدد السكان والثقافة وبرامج التعليم، بحسب ما يرى سيلفان.
وقد لاحظ من خلال العلاقات التي ربطته بالتونسيين الذين التقاهم في أوروبا، أنهم يعتبرون انفسهم فاشلين إذا لم يعودوا للعيش في بلدهم بعد حياة المهجر، فيما يعتبر الجزائري المهاجر أنه أخفق إذا ما اضطر للبقاء في بلده. أما المغربي فهو يعيش مُعلقا بين بلدين، بينما يعود المصري إلى الوطن عادة في سن الأربعين ويبقى فيه.
"التبليغ ليس خيانة"
لكن سيلفان يتمنى لو تعلم التونسيون عادات سويسرية مثل التبليغ عن المخالفين، وهو يغضب إذا ما اعتبرت ذلك خيانة قائلا "تكون الخيانة عندما يُلفُ التبليغ بالكتمان، أما عندما تُعلمُ الشخص المعني بأنه ارتكب مخالفة وأنك بلغت عنه، فليس هناك عمل غير أخلاقي". كما أنه فخور بأنه لم يدفع "بقشيشا" لأحد منذ أن وطأت قدماه تونس.
هل ركن الزوجان إلى الراحة بعد حلولهما بتونس؟ يجيب سيلفان بالنفي مشيرا إلى أنه أقام مكتبا ائتمانيا Fiduciaire فرعيا في تونس بالاستناد على قانون تشجيع الاستثمار الصادر في أبريل 1972 الذي منحه إعفاء من دفع الضرائب لمدة 10 سنوات. ويعمل خمسة أشخاص في هذا المكتب الصغير، الذي يديره ابنُه، لكن الثورة التونسية ضعضعت توازن المكتب، فبعدما كان يتلقى ثلاثة أو أربعة ملفات في السنة قبل ثورة 14 يناير 2011 أصبح العدد اليوم صفرا. ويعيش المكتب حاليا من الاستشارات. وأوضح أن 80 % من زبائنه هم من منطقة رون ألبين والروموند Rhone alpine et romande.
لم يخفت حُب سيلفان وزوجته لمدينة جنيف الكوسموبوليتية على الرغم من بعدهما عنها، فصارا يزورانها كل ثلاثة أشهر. وقالت زوجته ل swissinfo.ch بعد كل ستة أشهر نقضيها في تونس نُبحر إلى مرسيليا ونتوجه بسيارتنا إلى ليون لقضاء أسبوع ثم إلى زيورخ أسبوعا آخر، ومنها إلى جنيف حيث نقضي أسبوعا ثالثا، ومن ثم نقضي الأسبوع الأخير في إيطاليا، ونعود منها إلى تونس بحرا عن طريق ميناء جنوة. كما نسافر جوا كل ثلاثة أشهر لزيارة جنيف أيضا، وتستقبل الأسرة أحفادها الخمسة كذلك في الحمامات لقضاء الإجازة الصيفية.