Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00888.jsonl.gz/19

في الحادي والعشرين من شهر يناير الماضي، صوّت المواطنون في بيلينزونا على رواتب أعضاء مجلسهم البلدي، بعد أن نجح تيارا اليمين وأقصى اليسار اللذان يعتبران هذه الرواتب مُفرطة في عرضها على الإستفتاء الشعبي، ومع أن هذا التصويت المحلي يعكس اتجاها وطنيا، حيث أصبح العمل السياسي في البلديات أكثر مهنية، واتجهت العلاوات الممنوحة للمُنتخبين إلى الإرتفاع، إلا أنه كان للمواطنين رأي آخر حيث رفضت أغلبية منهم (58.3%) المقترحات المعروضة عليهم.
120 ألف فرنك في السنة لرئيس البلدية، و95 ألف فرنك سنويا لنائبه، و80 فرنك للأعضاء الخمسة الآخرين في المجلس التنفيذي للمدينة، بالإضافة إلى مبلغ ثابت في شكل بدل نفقات. هذه هي الرواتب التي حددتها السلطة التنفيذية في بيلينزونا لنفسها، والتي وافق عليها المجلس البلدي (أو برلمان المدينة). هل هذه الأجور مبالغ فيها؟ أم أنها مبررة بالنظر إلى أن حكم وتسيير شؤون المدينة، حتى وإن كانت متوسطة الحجم، يزداد تعقيدا يوما بعد يوم؟
الإجابة صدرت عن الناخبين في بيلينزونا يوم الأحد 21 يناير 2018 إلا أن الغريب تمثل في أن تيارين متعارضين، وهما "رابطة سكان التيتشينو " وحزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) يقابلهما تيار اليسار المتطرف، هما اللذان اقترحا الإستفتاء وأوصلاه إلى صناديق الإقتراع بعد أن جمعا له أكثر من 4 آلاف توقيع، أي أكثر بكثير من الثلاثة آلاف توقيع اللازمة لكي يُعرض على التصويت الشعبي.
تقول أنجيليكا ليبوري، النائبة في المجلس البلدي عن الحركة الإشتراكية (أقصى اليسار): "راتب 12 ألف فرنك سويسري في الشهر هو ضعف متوسط الرواتب في تيتشينو. أمر لا يصدّق"، ويقول توتو روسي، عن حزب الشعب السويسري: "هذا المرتب عبارة عن شيك على بياض، لأن مهام أعضاء مجلس المدينة غير منصوص عليها في لوائح البلدية".
خلال الحملة، كافح رئيس البلدية ماريو براندا (اشتراكي) شخصيا من أجل حشد الدعم للرواتب الجديدة، حيث يُقدَّر حجم عمله بـ 70٪، وعمل نائبه 60٪، وبقية أعضاء المجلس 50٪. ويقول براندا بأن مهام وواجبات رئيس البلدية متعددة ومعقدة فضلا عن القيام بمهمة التمثيل والتي غالبا ما تكون في المساء، ثم إن مدينة بيلينزونا تجاوز عدد سكانها 43 ألف نسمة بعد عملية الاندماج التي جمعت 13 بلدية في بلدية واحدة، ولو قارنا بلدية بيلينزونا بغيرها من المدن لوجدنا أن مداخيل المسؤولين فيها أقل من المتوسط بكثير.
ماذا بعد التصويت في بيلينزونا؟
شكل التصويت على لائحة قانون بلدية بيلينزونا، يوم 21 يناير 2018، أول اختبار شعبي له أهميته بالنسبة لحكومة وبرلمان مدينة بلينتزونا الجديدة، التي وُلدت في أبريل 2017 نتيجة لاندماج 13 بلدية.
في وقت لاحق، حظيت اللائحة بموافق مجلس المدينة (البرلمان) عليها بأغلبية ساحقة: 51 صوتا مقابل 6 أصوات.
لا يريد المعارضون سوى تعديل المادة 91، أي تلك المتعلقة بـ "الرواتب والبدلات وسداد مصاريف رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي". وبما أنه لا يجوز إجراء استفتاء على مادة واحدة فقط، فقد تم طرح اللائحة بكاملها للتصويت.
بعد أن فاز معسكر المعارضين في استفتاء 21 يناير 2018، ورفض الناخبون بـ 58.3% من الأصوات الموافقة على اللائحة، يتوجّب الآن على الحكومة والبرلمان في المدينة صياغة لائحة دستور جديدة، قد لا تسلم من الطرح على الإستفتاء الشعبي مرة أخرى.نهاية الإطار التوضيحي
موضوع مثير للجدل
علاوة على ذلك، أوضح مؤيدو الأجور الجديدة أن من يتولى المسؤولية في السلطة التنفيذية للبلدية لا يستطيع أن يواصل العمل في مهنته الأصلية، وإلا قد يواصل بدوام جزئي. وقال فابيو كيبيلي، رئيس كتلة الليبراليين الراديكاليين في برلمان البلدية، الذي يؤيد دون تحفظ اللائحة الجديدة للمرتبات في بيلينزونا: "الناظر من الخارج، لا يُمكنه تصور حجم الجهود التي تتطلبها هذه المسؤوليات".
غير أن شيئا من الإستياء قد سرى بين المواطنين، ذلك أن رواتب المسؤولين في البلديات هي محل خلاف، ليس في مدينة بيلينزونا وحدها، بل على سبيل المثال في مدينة لوتسرن، حيث قرر الناخبون في مارس 2015 تخفيض رواتب أعضاء المجلس التنفيذي في المدينة بنسبة 20٪ بناء على طلب مبادرة شعبية بعنوان "مائتي ألف فرنك تكفي!" التي أطلقها حزب الشعب السويسري ووافق عليها الناخبون بنسبة 62,5٪.
منذ ذلك الحين، تقيّدت رواتب المسؤولين في مجلس بلدية لوتسرن بالحد الأقصى الذي فرضه الشعب، أما في السابق، فقد كان العضو في المكتب الإداري للبلدية هناك يتقاضى حوالي 247 ألف فرنك في السنة بينما يتقاضى رئيس المكتب أو عُمدة المدينة مبلغا يصل إلى 264 ألف فرنك سنويا، وحتى مع القرار الذي اتخذه الناخبون، فإن لوتسرن لا تزال من بين أفضل البلديات أجورا في سويسرا. أما في زيورخ، فقد قرر الناخبون في عام 2000 وضع سقف لرواتب أعضاء المجلس البلدي قدره 220 ألف فرنك.
فوارق كبيرة
على أية حال، تبقى الفروق في الأجور على مستوى المجالس البلدية، سواء في المدن أو في البلديات المتوسطة والصغيرة بشكل عام، هائلة. ففي المدن الكبيرة مثل زيورخ ولوزان تصل رواتب رؤساء البلديات قريبا من 300 ألف فرنك، حيث أن العمل، خلافا لما هو عليه الحال في بيلينزونا على سبيل المثال – يكون بدوام كامل.
في المقابل، هناك مدن صغيرة هي الأخرى سخيّة جدا تجاه رؤساء بلدياتها. فعلى سبيل المثال، يحصل رئيس بلدية مدينة سيون Sion، عاصمة كانتون فالي، التي يبلغ تعداد سكانها 34 ألف نسمة، على ما يقرب من 275 ألف فرنك سنويا، في حين أن على رئيس بلدية فيرنيير Vernier، إحدى بلديات كانتون جنيف، بنفس حجم مدينة سيون، أن يكتفي بمبلغ في حدود 100 ألف فرنك. هذه المفارقات ضخمة، أبرزتها دراسة استقصائيةرابط خارجي قامت بها مؤخرا هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية.
لوحة فسيفساء
يقول أوسكار مازوليني، الخبير في العلوم السياسية ومدير مرصد السياسة الإقليميرابط خارجي في جامعة لوزان: "إن الوضع في سويسرا يشبه لوحة فسيفساء"، إشارة إلى كثرة التنوع. مع ذلك ثمة اتجاهات عامة بادية، مثل التزايد في تحويل المهام السياسية إلى وظائف رسمية، وارتفاع الأجور.
بعبارة أخرى، أنه خلافا لما كان، ولما يقال، من أن المناصب السياسية في سويسرا مجانية أو بدوام جزئي، فإن المجالس البلدية أو المدنية تمارس بشكل متزايد سياسة التفرغ والكفاءة لشغل المناصب الإدارية المحلية، بمعنى أنها تتجه لأن تصبح مهنا ووظائف بدوام كامل وأجرة شهرية، لدرجة أن بعض البلديات في شرق سويسرا تعرض هذه المناصب بشكل مفتوح وتعلن عنها كوظائف شاغرة يتنافس عليها أصحاب الكفاءة.
في الوقت نفسه، يُشار إلى أن الشعب أظهر في عدة مرات جرى فيها التصويت بأنه لا يُوافق على سياسة المبالغة في الأجور، وقد جرت العادة أن يكون حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) هو فارس المضمار في تعقب استشراء الأجور في المجالس البلدية، أما في حالة بيلينزونا فقد وجد له حليفا من أقصى اليسار اشترك معه في خوض تلك المعركة الشعبية التي أدت في نهاية المطاف إلى إسقاط المقترح الداعي إلى الترفيع في أجور رئيس البلدية ونائبه وأعضاء مجلسها التنفيذي.
نحو برلمان من الساسة المُحترفين
بشكل عام، لا يرتاح السويسريون للسياسيين الذين يتخذون من العمل السياسي مهنة يرتزقون منها، حتى وإن كان على الصعيد الوطني، وأوضح مثال على ذلك، أن الشعب رفض في الإستفتاء الذي جرى يوم 27 سبتمبر 1992 بشكل قاطع اقتراحا تقدم به البرلمان نفسه يُطالب بزيادة مخصصات النوّاب وتمكين كل نائب من مبلغ 24 ألف فرنك لتوظيف مساعد شخصي يُعينه في القيام بمهمته وإنجاز أعماله.
فيما بعد، ووفقا لـ دراسةرابط خارجي أجرتها جامعة جنيف حول الولاية البرلمانية ونشرتها في شهر مايو 2017، نجح النوّاب في البرلمان الفدرالي تدريجيا في تحسين ظروف عملهم، حيث اتضح أن أعضاء مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان) يكرسون في المتوسط 87٪ من وقت عملهم للقيام بالمهام والأنشطة البرلمانية، فيما يُخصص أعضاء مجلس الشيوخ (الغرفة العليا للبرلمان) 71٪ من وقت عملهم لنفس المهام.
في الواقع، يُثير هذا النزوع المتزايد إلى التفرغ للعمل السياسي انتقادات متزايدة. مع ذلك، يُؤيّد كلود لونشان، الخبير في العلوم السياسية فكرة انتقال أعضاء البرلمان الفدرالي إلى ممارسة السياسة بشكل محترف. وفي معرض تقييمه للتفرغ لممارسة العمل السياسي، يقول: "إن برلمان الميليشيات (أي الذي يتشكل من متطوعين - التحرير) على مستوى البلديات هو نعمة، وعلى مستوى الكانتونات هو ميزة، أما على المستوى الفدرالي فإنه محض خيال".