Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/01499.jsonl.gz/198

منبر العراق الحر :
الحافلة التي تحملني من الزرقاء إلى عمان تتقن نثر الأغنيات على عيون المقاعد، واللون الوردي القادم من المقعد الذي أمامي يرتسم على شفتي ، وينعكس على أنفاسي، وأنا في المقعد البلاستيكي العاهر يجرفني الشعر الأشقر نحو الجهة الأخرى من جسدي فأحاول أن أتثاءب أو أن أمسك قلمي، أن أملأ خوذة جندي يركب حافلة زرقاوية بالأزهار… أن أعبث بدمي فأنا في المقعد محبوس أو كتلة نار، وهي هنا في المقعد تحرك عيون المقاعد كلها يمنة ويمنة. كانت تعبث بأناملها وهي تعزف لحنا دمويا على الهاتف المطرز بالأنوثة، وتكتب بخطوط سمراء مكحولة نمطا ينظم أنفاس الحافلة .
وأنا وحدي أرقب يدها تلك وهي تجدل شمسا من لحم وعيون ، تنسج لغة تقطف من نظرات السائق أوسمة لتعلقها في محنتني الحارة فوق المقعد المتأرجح بين القلب ومفاصل حافلة يرقصها الطريق المليء بالمطبات .أمسك عيني قليلا ”
“عض البصر كبله احبسه”
شيخ يسأل زوجته :” أرأها أبوها وهي تسكب هذا اللحم على الطرقات ”
شاب يسكنه الموج :جمل
وأنا في المقعد آكل تعبي وأعض الطرف وأغضه، ثم أعبث بلساني ، وأحاول أن أنطق حرفا مرتجا وأعود بأنفاسي إلى المقعد وحدي .
– “أنا بين بين، لست هناك ولست هنا ”
– ” يا أخي بتقدر تأجلها … كلها خمس دقائق وبنوصل وهناك دخن على كيفك ”
يحمل الراكب القرمزي نظراته عن البنطال الجنزي ويلطمني بها، ثم يعود ليسبر نورا انبعث من عيني الصبية ، لم يقل شيئا عاد يكركر الهواء بسيجارته …
وعدت إلى المقعد وحدي أسمع في جسدي غضبا راقصا وهمسا ثقيلا يحشر أوردتي في أعلى حلقي فأرفع رأسي فوق الهمس لأنجو ، وأرسم خطا أحمر على الصفحة التي تمسكت بي منذ ملأنا الحافلة شغبا وأقداما وعيونا
” السجارة لو سمحت ”
ينظر الرجل القرمزي إلي باستغراب وينظر الكنترول إلي بقرف ، وينظر السائق إلى بتعجب فألتهم النظرات وأعود إلى المقعد حيث كنت …
أنحنت الصبية على نبض قلبي المتواصل ونظرتني ثم مالت ضحكتها نحو عيني
فكشفت عن يوم بارد في لغتي، ثم عادت لتتبع ألوان السطور حيث المقعد والعيون الكثيرة
“يا أخي وطي صوت المسجل والله راسي بدو ينفجر ”
لم أسمع ما قاله، ولكنني رأيت زلزالا يعبر العيون نحوي فاهتز الباص واهتزت المقاعد وارتفع الصدى فوق صوت المذيعة ” هه هه هه ” وامتلأ الباص “هه هه هه
وامتلأت الشوارع هه هه هه هه ها ها ها ها وتشبث الجميع بالمرآة التي انعكس فيها لون أنثوي متفجر .
لجأت إلى مقعدي ورسمت فوق دفتري خطا أو خطين ورميت خارطة الطريق إلى البيت من عيني .
غيرت جلستها فشعشت الشمس من أطراف عيني
شاب: هي بيضاء
شاب: لا لا هي سمراء كقطعة سكر كهمسة فجر
أما أنا فأعرف أنها كانت جسدا مثقلا بالهمسات والصور
” بالله لو سمحت تفتحي هالشباك الدخان ذبحني ”
لم تقل شيئا ، ولم تسمع لغتي، و لم تفهم أحرف الجر التي أثقلت بها كلماتي
صعدت إلى سيجارة الرجل القرمزي وقالت شيئا وصوبته باتجاه الطريق الذي يملأ عيني.
” الشباك لو سمحتِ “
سيجارة….محمد حسين السماعنة
منبر العراق الحر :