Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00910.jsonl.gz/2

للعام السادس على التوالي، يُحي العالم في السادس والعشرين من شهر يونيو يوماً عالمياً ضد التعذيب.هذا المحتوى تم نشره يوم 26 يونيو 2004 - 09:34 يوليو,
ولأن ظاهرة التعذيب، الممارسة في أكثر من 100 دولة، قد تبدو للبعيد عنها أمرأ نظرياً غير محسوس، اختارت سويس إنفو زيارة مركزٍ لعلاج ضحايا التعذيب في برن لإحياء هذا اليوم.
"أصعب موقف؟".. لم يكن ملك صامويل جموه الأخصائي الاجتماعي في العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن، في حاجة إلى تكرار السؤال، فالرد عليه كان جاهزاً على لسانه ينتظر النطق.
"امرأة من تونس، مازلت أتذكرها ولا أستطيع أن أنساها إلى هذا اليوم. الظروف التي مرت بها.."، يتوقف قليلاً حيث تعجزه الكلمات ثم يكمل".. يعني أبشع أنواع التعذيب. كان كل يوم أكثر من شخص ممن يقومون بتعذيبها يعتدوا عليها جنسياً، وهي امرأة متدينة جداً. وأسلوب التعذيب، يعني لا تتصورين، لم يظل مكان بجسمها لم يفعلوا به شيئا".
تلك المرأة تعيش اليوم في سويسرا كلاجئة سياسية، والعيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب التي عولجت فيها تم إنشاؤها في برن خصيصاً لاستقبال أمثالها من المرضى والضحايا.
حاجة ملحة لمركز علاجي لضحايا التعذيب!
الداخل إلى العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن قد يشعر بالتوهان لوهلة. ربما لأنها، وهي المحاطة بالأشجار الخضراء في منطقة منعزلة، تبدو للغريب كأي عيادة خارجية أخرى سويسرية، نظيفة ومرتبة وهادئة، لا يوجد ما يميزها عن غيرها سوى آسمها، الذي توسط لوحة صغيرة عُلقت على جانب باب الدخول.
لكن ذلك الانطباع سرعان ما يزول عند مشاهدة أحد المرضى، الخارج من جلسة علاجية، ترافقه طبيبته إلى الباب. كان كافياً أن تنظر إلى تعابير وجهه الهامدة، إلى قدميه المثقلتين، حتى تدرك أن ذلك الرجل قد تعرض إلى معاناة من نوع آخر.
أنشأ الفرع السويسري للصليب الأحمر هذه العيادة في برن عام 1995، "لتغطية حاجة ملحة وكبيرة في إعادة تأهيل ضحايا التعذيب والحروب"، كما تقول الدكتورة بريجيتا أمبول المديرة العلاجية للعيادة في حديث مع سويس إنفو.
فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن كل واحد من بين أربعة أشخاص تم اعتماد لجوءه في سويسرا، يعيش مع تداعيات ونتائج تعرضه إلى نوع من أنواع العنف المنظم. ولذا، ليس مستغرباً أن تستقبل هذه العيادة وحدها ما بين 150-200 مريض سنوياً، إضافة إلى تقديم نحو 400 استشارة طبية وعلاجية في العام.
"الهدف من التعذيب هو الإذلال"
ولكن ما الذي يعنيه أن يتعرض إنسان إلى التعذيب؟ المسألة لا تقتصر على إلحاق أذى جسدي بالُمعَذب، بل الهدف من التعذيب كما يقول الدكتور كونراد فراي مدير العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن، "هو الإذلال".
ففي حوار أجراه مع صحيفة دير بوند الناطقة باللغة الألمانية إثر الكشف عن فضيحة سجن أبو غريب في بغداد، رد الدكتور فراي على السؤال عما إذا كانت صورة العراقي الواقف على صندوق، ورأسه مغطاة بالكبوت، ويداه متصلتان بأسلاك، تمثل طريقة نموذجية في التعذيب قائلاً: "كل ما يمكن للإنسان أن يتصور فعله بإنسان أخر يتم استخدامه في التعذيب، لكن هناك عناصر نموذجية (في الصورة)".
ويضرب مثلاً على ذلك بالقول: "الضحية تقف بصورة كلية تحت رحمة غيرها. يعمد (المُعِذّب) إلى بلبلتها من خلال القول مثلاً إن الأسلاك كهربائية. ويتم الإثقال عليها جسدياً بصورة شديدة للغاية من خلال إبقاءها في أوضاع محددة، كما يتم إلغاء حواسها من خلال تغطية رأسها بالكبوت. تدخل الضحية (بذلك) في حالة خوف، ويتم إخضاعها".
ويكمل ملفتا إلى أن "هذا أمر معروف منذ محاكم التفتيش في المسيحية. الهدف من التعذيب أساساً هو الإذلال. ولذلك يتم استخدام الألفاظ النابية، والإهانة الجنسية، وهدم الرموز الدينية".
ظاهرة التعذيب لا تعرف حدوداً جغرافية!
وكما أن ظاهرة التعذيب معروفة منذ القرون الوسطى، وربما قبلها، فإنها موجودة اليوم في كافة أنحاء المعمورة، لا تعرف فرقاً بين لون أو جنس أو دين. هي مُمارسة وفقا لتقديرات "مجلس التأهيل الدولي لضحايا التعذيب" الذي يوجد مقره في الدانمارك، في أكثر من مائة دولة. وهي تكثر تحديداً في مناطق الأزمات.
يبدو هذا العنصر جلياً في جنسيات المرضى الذين يعالجون في العيادة الخارجية ببرن. فهي تختلف، كما تشرح الدكتورة بريجيتا أمبول، من فترة زمنية إلى أخرى حسب الأزمات المندلعة في العالم. أما في الوقت الحالي، فإن أغلبية المرضى القادمين إلى المركز ينتمون إلى تركيا، والشعب الكردي، ثم يليهم المنتمون إلى الدول التي كانت تتشكل منها يوغسلافيا سابقاً.
والبلدان العربية؟ هي أيضاً ممثلة في المرضى المعالجين في العيادة الخارجية. ويوضح الأخصائي الاجتماعي ملك صامويل جموه قائلاً "القوميات (العربية) التي تأتي إلى هنا أكثريتها من تونس، الأردن، قليل جداً من سوريا أو مصر أو من الجزائر. (وأيضاً) من ليبيا. أكثر شئ من تونس وليبيا".
وجرح النفس لا يندمل!
"الشفاء من التعذيب ليس ممكنا". تقول الدكتورة بريجيتا أمبول، "فمن عايش التعذيب يتحول، كما قال أحد الكتاب، إلى شخص أخر. لكن ما يستطيعه هذا الإنسان هو أن يعثر على هوية جديدة له، وأن يجد معنى (في الحياة)، كما يمكنه أن يجد مما عايشه قوة وطاقة لحياة، يمكن وصفها، بأنها حياة ثانية".
لكن ذلك التاريخ القديم يظل دائماً محفوراً في ذاكرته، يعايشه دوماً كما لو كان واقعاً يحدث الآن، كجرح لا يندمل.
وتكمل الدكتورة أمبول "لا نستطيع أن نتصور هذا، فعندما نتذكر وضعاً ما، نستطيع أن ندرك الواقع الحالي، ونعرف أننا هنا، لكنهم يتذكرون ما حدث بالآلام الجسدية التي تسببتها، مع مشاعرهم كما عايشوها، بالصور، كأنهم يتعرضون إلى التعذيب الآن".
يمكننا لذلك أن نفهم الواقع الذي تعيشه اليوم تلك السيدة التونسية، التي أثرت حكايتها على نفس الأخصائي الأجتماعي ملك صامويل جفوه، حتى وهي في سويسرا:"حالياً لا تطيق الخروج من البيت. هي قابعة فيه، وتحتقر نفسها. تغطي الستائر على البيت، ودائماً تبكي، والآلام النفسية والجسدية التي تعاني منها تجعلها تتمنى الموت يومياً".
ما تعاني منه هو "التعذيب الذي لا نهاية له"، على حد تعبير الدكتورة أمبول. ذاك الذي يطبع على نفس المرء فيصبح جزءا منها لا ينفصم.
إلهام مانع - سويس إنفو
معطيات أساسية
اقترحت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان في 18 نوفمبر 1997 إعلان السادس والعشرين من يونيو يوماً عالمياً ضد التعذيب.
وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 ديسمبر 1997 على المقترح.
يوم 26 يونيو 1998 كان اليوم العالمي الأول ضد التعذيب.
باختصار
العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن:
أنشأت عام 1995.
هي جزء من مركز الهجرة والصحة، التابع للفرع السويسري للصليب الأحمر.
يعمل فيها 17 طبيباً ومعالجاً نفسيا وأخصائيا اجتماعيا.
يمولها الفرع السويسري للصليب الأحمر.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة