Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00888.jsonl.gz/14

تشير تطورات الساعات الأخيرة إلى أن كل أطراف النزاع قفزت في الفراغ، وأصبحت تواجه مشكلة. فمن بدأ الأعمال القتالية لا يعرف كيف يُـنهيها، ومن اندفع في رد فعله المفرط، لا يدري ما هي خطوته التالية.هذا المحتوى تم نشره يوم 15 يوليو 2006 - 13:40 يوليو,
ويبدو أن النتيجة النهائية لن تكون سوى حلقة أخرى من "حلقات النار" في الشرق الأوسط التي تُـسفر في النهاية عن حساب ختامي غير محدد المعالم.
كل الأطراف قفزت في الفراغ، وأصبحت تواجه مشكلة. فمن بدأ الأعمال القتالية لا يعرف كيف يُـنهيها، ومن اندفع في رد فعله المفرط، لا يدري ما هي خطوته التالية، وكل طرف يعتقد أنه قد أضطر لما قام به، وليس لديه الآن خيار سوى الاستمرار فيما يفعله، والنتيجة النهائية لن تكون سوى حلقة أخرى من "حلقات النار" التي تُـسفر في النهاية عن حساب ختامي غير محدد المعالم.
إن الانفجار الحالي للأعمال المسلحة واسعة النطاق في قطاع غزة وجنوب لبنان، يمثل نموذجا مألوفا شهدته ساحة الصراع العربي الإسرائيلي عدة مرات من قبل عبر سنوات مرحلة ما بعد نهاية الحروب النظامية (عام 1982)، على غرار عملية عناقيد الغضب في جنوب لبنان عام 1996، واقتحام مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني عام 2002، واللتين سبقتهما نفس الملابسات الحالية تقريبا، وجرت العمليات خلالهما بنفس الصورة أيضا، وانتهت كل منهما بكارثة.
آخر الحروب؟
كانت مشكلة تلك "الحروب المحدودة" شبه النظامية، هي أن وقائعها لم تكن تقتصر في العادة على عمليات خاصة تتلوها أعمال عنف انتقامية مضادة، وإنما تتّـسع في اتجاه تحركات عسكرية تتجاوز كل الحدود، وتُـسفر عن خسائر فادحة، وتستغرق عملية التعامل معها وقتا طويلا، ولا تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه أبدا، والأهم أن ما هو عسكري يختلط في نهايتها بما هو سياسي، على نحو يتصور معه كل طرف بعدها أنه حقق بعض أهدافه، مما يؤدّي إلى عدم ارتداعه عن خوضها مرة أخرى.
لكن هناك ما يشير إلى أن "الجولة الحالية" تتّـسم بملامح إضافية، قد تقود في النهاية إلى إيقاع أذى شديد بكل أطرافها، على نحو قد يؤدّي إلى التفكير عدّة مرات في المرحلة التالية، قبل القيام بعمل يؤدّي إلى تكرارها، وأن الأطراف التي تخوض القتال حاليا تُـدرك ذلك بدرجة ما، لذا، فإنها تندفع إلى الأمام وكأنها "معركتها الأخيرة"، في ظل سيطرة شبه كاملة لتوجهات الساسة المتطرفين والأجنحة المسلحة والمؤسسات العسكرية على إدارة الصراع، ولو مؤقتا، فلم يعد أي طرف يثق سوى في قدرته على إرسال رسالة مؤلمة إلى الطرف الآخر.
إن ما يدفع في اتجاه تفاقم الموقف أكثر من المرّات السابقة، هو أن عوامل السياسة الداخلية تتدخّـل بشدة في تقرير مسار الأحداث. فكل طرف يُـدرك أنه هذه المرة – أو هكذا يقيّـم الآخرون الموقف – أنه لا يدافع فقط عن "قضية"، سواء كانت تهديد أمن أو مشكلة أسرى، وإنما تدفعه عوامل سياسية أخرى إلى القيام بما يقوم به، وأنه سيواجه استحقاقا صعبا في الداخل بعد نهاية الأزمة، أيا كانت النتيجة، وأن عواقب الفشل ستكون رهيبة، في الوقت الذي لا يوجد فيه معيار محدد للنجاح.
أزمة داخلية
إن أحدا لم يعد يسأل منذ فترة طويلة عمّـن يُـطلق الرصاصة الأولى. فهناك احتلال يفرز مشاكل مُـزمنة، وتختلط الأفعال وردود الأفعال بصورة يصعب فصلها، لكن هناك تيار يشير إلى أن حركة حماس ثم حزب الله هما اللذان قاما بتفجير المشكلة الحالية باختطاف الجنود الإسرائيليين، ولا ترتبط أهمية ذلك بجوانب أخلاقية أو قانونية، وإنما باعتبارات عملية تحكمت في ردود أفعال الأطراف الخارجية، وتصوراتها لكيفية حل الأزمة المسلحة.
إن المعضلة هنا ترتبط بردود أفعال أطراف، داخلية وإقليمية، دفعت حركة حماس وحزب الله إلى زاوية ليست معتادة بالنسبة لها، فهناك اعتقاد بأن التخطيط لعملية "كرم شالوم" بدأ من جانب ما يُـسمى منذ يناير الماضي "حماس الخارج"، لاعتبارات سياسية تمثل نظرية معقدة في حد ذاتها، وثمة أطراف لبنانية داخلية لا تجد أي مبرر "لبناني" لما قام به حزب الله أيضا، وتتشكّـل نظرية أخرى تقليدية تربط ما حدث بحلفاء الخارج في سوريا وإيران.
جاءت المفاجأة الحقيقية من العالم العربي، عندما صدرت التصريحات السعودية التي اعتبرت ما حدث مغامرة غير محسوبة، مشيرة إلى أن الوقت قد حان لأن يتحمل (حزب الله) وحده المسؤولية الكاملة عن التصرّفات غير المسؤولة، وإنهاء الأزمة التي أوجدها.
وكانت قد صدرت تصريحات مصرية قريبة من هذا المضمون، تشير إلى توجّـهات تتعلّـق بحماس، وهنا كان على الطرفين أن يبذلا جهدا لأول مرة في تبرير أعمالهما، ويعتقد البعض أن تصريحات خالد مشعل وحسن نصر الله قد حملت لهجة تتضمن ما يشبه ابتزازا أو تهديدا للآخرين.
لكن المشكلة الحقيقية لا تتعلق واقعيا بفقدان ذلك "الدعم السياسي" الذي يعتقد المقاتلون العرب أنه لا يقدم شيئا في كل الأحوال، وإنما بما يجري على الأرض فعليا. فقد أدّت تلك الوقائع إلى مهاجمة القوات الإسرائيلية قطاع غزة، وتدمير ما بقي من بنيته المحدودة، كما لحقت ببنية واقتصاد لبنان كارثة حقيقية، ربما تتأخر الدول العربية في "تداركها ماليا". وبالطبع، تتحمل سياسات الجيش الإسرائيلي مسؤولية التدمير، لكن كل ذلك لن يمر هكذا في الداخل الفلسطيني واللبناني، إذ ستحدث مشكلة بعد أن تسكُـت المدافع.
مشكلة خارجية
وتواجه "حكومة المدنيين" الإسرائيلية مأزقا أكثر حدّة. فقد تعرّض الجيش الإسرائيلي لعمليتين نوعيتين سببتا لها ولقياداته إحراجا غير مسبوق منذ فترة طويلة، إذ وضح أن كل الإجراءات المتعلقة بـ "الدفاع" عن وحدات الجيش ذاتها، تعاني من ثغرات واسعة، وأدى تكرار خطف الجنود خلال فترة قصيرة إلى إشاعة حالة من الانفعال أو عدم التوازن داخل المؤسسات. كما وضح أنه لا توجد تقديرات حقيقية لدى استخبارات الجيش حول قدرات وتحالفات وخطط عناصر حماس أو حجم ومدى تطور أسلحة حزب الله، وتعرض الداخل في شمال إسرائيل لضربات لم يتعرّض لها من قبل، حتى خلال الحروب النظامية.
لكن الأهم أن أحدا لم "يبتلع" أبدا ما قام به الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة أو ضد الأراضي اللبنانية. فقد اهتز بشدة مبدأ تمكّـنت إسرائيل من إقناع الخارج به طويلا، هو الدفاع عن النفس، الذي كان يعتبر مسلمة "دولية"، إذا ما كان الأمر يتعلّـق بالسلوك العسكري، إذ اعتبرت بعض العواصم الغربية، مثل مدريد، أن هذا "الحق" لا يبرر شن هجوم شامل ضد الأراضي الفلسطينية واللبنانية، وهي خسارة إستراتيجية وسياسية كبيرة ستؤدي فى المستقبل إلى إخضاع كل ما تقوم به إسرائيل للنقاش، حتى لو لم يُـدان في مجلس الأمن الدولي.
كما تعرضت السياسة العسكرية الإسرائيلية لانتقادات حادّة في ظل الممارسات مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، التي قامت بها القوات الإسرائيلية. فلم يكن هناك مبرر عسكري من أي نوع لضرب محطات الكهرباء وجسور الطرق وتدمير المرافق الفلسطينية، واعتبر ساسة كبار، مثل جاك شيراك، أن إسرائيل تقوم بتدمير دولة لبنان عمدا، خاصة عندما وصلت الأمور إلى استهداف المطار الدولي والضاحية الجنوبية في بيروت. فقد كان واضحا أن ثمة جيشا نظاميا يقوم بعملية عقاب جماعية، ويتعمّـد استهداف المدنيين، بصرف النظر عن النتائج طويلة المدى، المتعلقة بإمكانية التعايش في المستقبل.
حلقات مفرغة
إن التاريخ لا يزال يدور في حلقات مفرغة في المنطقة. فنفس الأخطاء، أو أخطاء من نفس النوعية، لا تزال تُـرتكب، إلا أن المسألة تزداد خطورة عندما يتعلق الأمر بالقوة العسكرية. فعلى الرغم من مرور أكثر من 15 عاما على بداية ما كان يُـفترض أنها عملية تسوية سلمية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي عام 1991، لا تزال هناك ميول قوية لاستخدام العنف المسلح، رغم وجود يقين بأن القوة العسكرية لا تحقق نتائج حاسمة، والأهم أنها لا تحقق نتائج مستقرّة، وهي واحدة من الحقائق السيّـئة التي لم تتخلخل عبر الزمن.
المشكلة أن ذلك يتمّ في كثير من الأحيان – كما يحدث في الوقت الراهن – دون ضوابط، وقد وصلت حالة الانفلات في هذه الجولة إلى حد قد ترتد فيه بعض الرّصاصات إلى صدور من أطلقوها. هذا هو التطور المختلف نسبيا هذه المرة.
د. محمد عبد السلام – القاهرة.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>