Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00885.jsonl.gz/1

منبر العراق الحر :
نالَ مِنها التعبُ(زهراء) رغم مُكابرتها، بدَأت تُحَوِّمُ حولها راياتُ الإستسلامِ الرماديةِ بعد ثمانية عشر سنةً مِنَ الإبحارِ المُضني بأشرعةٍ باليةٍ..واهنةٍ.
رَنَّ جرسُ الهاتف طويلاً، تردَّدَت في رفعِ السماعة لمعرفتها مَنْ المتصل، و لأنه لا مفرَّ من ذلك مَدَّت يدها بإذعانٍ و رفعتها و هي تمسَحُ باليدِ الأخرى الدموع. بعد مفاوضاتٍ بينها و بينه مع جُرعَةِ إستعطافٍ، تمكَّنَت من استجرار قبول(أبو عارف)، صاحبُ البيت الذي تسكنه، لمنحها عدَّةَ أيامٍ إضافية كمُهلةٍ لإخلائه. أعادَت السَّماعة.. بدأ سقفُ الغرفة يدورُ مسرعاً.. لم تقوَ على النهوضِ فارتمَت فوق الأريكةِ مُردِّدَةً: ” ثلاثة أيامٍ… يا ربي!
ثلاثة أيام لا تكفي.. لا تكفي! ”
بعد ثورة إحباطٍ إجتاحتها، لملَمَت أشياءَها المُبعثرةَ ثُمَّ إرتَدَت على عَجَلٍ بنطالَ الجينز و سترةً قطنيةً بيضاءَ و انتعلت حذاءَها الرياضي.. لحظات…فأصبحَت في الطريق الذي كثيراً ما رأت نفسَها في المَنامِ تسير عليه ببطءٍ و تعبٍ، ولمَّا تصل نهايتَه ولَو مرَّةً…! كانت إمَّا في طريق الذِّهاب أو العودة، إلى أن انقلَبَ الأمرُ بعد فترةٍ.. فإذا بها في طريقِ العودةِ إلى مرابعها القديمةِ، خطواتٌ مُتعَبَةٌ ثقيلة،ٌ لكنَّها لا تتحرَّك مِن مكانها لتصحو بعدها مُنهكةً مّتقَطِّعـَةَ الأنفاس.
في تلك الأثناءِ… تذكِّرّت فجأةً أنها ما زالت تحتفظُ برقمه، أيضاً، كم كان يؤكدُ حُبَهُ لها و رغبته بها.. لكنَّ القدرَ والنصيبَ شاءا عكس ما تمَنَّى.
لوهلةٍ راوَدَتها فكرةُ الإتصالِ به و طلبِ المساعدة، فكانت الغلَبَةُ لكبريائها و عِزَّةِ نفسها. تابعَت المشيَ و أفكارٌ يائسةٌ تتلاطَمُها كموجِ بحرٍ غاضبٍ، إلى أن تنبَّهَت أنها تسير الآنَ على ذاتِ دَرْبِ الحُلُمِ ذاك، فأختلطَ الحلمُ بالواقعِ وكادَت أن لا تُمَيِّز بينهما لدقائقَ..فكانت لحظة ملبَّدةً للغاية.
إستمرَّت تمشي و الوجع يتزاحَمُها، لم تتوَقـفْ إلا في وسط السَّاحةِ القديمة، ما كان يُسمَّى(الضيعة) سابقاً.. هاهي وجهاً لوجهٍ أمام تلك البوابةِ البيضاءَ.. و شجرةُ الآسِ الخضراء تُعرّْبِشُ على جانبيها.
دفعَت الباب بيَسَارها و بيَمينها حطَّت على جهة القلب، حيث النبضاتُ دَقَّت بين الضلوعِ و أرّْعَدَ صداها مُدوياً يَلفُّ شَواهِدَ القبورِ النائمة، التي بَدَت كأنها تنتظرُ زائِرَها الموعودَ ليُؤنِسَها ويملأَ صمتَها المَكنون.. فمشَت خطواتٍ قليلة ثم توقفَت قبالتها مُستَسلمةً حائرةً، و فكرَّت.. ماذا عساهُ يطلبُ الحَيُّ مِنَ المَدْفون؟ لكنها تعلمُ جيداً أنها ما أتَتْ هنا إلا لتسمعَ تلكَ الدَّعواتِ الصادقةَ التي كم إرتَوَت مِنْ عَذْبها، دعواتٌ تَلِجُ القلبَ المَهيضَ في لحظةِ إنكسار.. فتنبثقُ منها موسيقا كلحنِ الخلود.
ما أن فتَحَت عينيها و الدموعُ مِدرار، حتى طافَ شعاعٌ أبيضَ فوق الشاهِدةِ، إبتسمَت له و هزَّت رأسها بكلِّ الرِّضا.. إستدارَت تَهمُّ بالمغادرةِ.. حينها رَنَّ جوالُها بإلحاحٍ.. و ما أن فتحَتْهُ حتى صاحَت بفرحٍ و اندهاشٍ طفوليِّين:
” يا إلهي.. إنه هوَ!
كيف علِمَ أني…؟! “.
إلتفَتَت إلى الخلف… ما زال ذاكَ الشعاعُ يطوفُ مُتَراقِصاً فوق الشاهدة….
رويدا سليمان/سوريا