Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00858.jsonl.gz/44

دخل القانون الإنساني الدولي الذي كفلته اتفاقيات جنيف لعام 1949 حيز التنفيذ قبل 70 عامًا خلال الحرب الكورية، وتكشف سجلات ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في كوريا في ذلك الوقت كيف تدخلت الوكالة الإنسانية الدولية في أول نزاع خطير جرّت إليه الحرب الباردة.هذا المحتوى تم نشره يوم 22 يناير 2021 - 11:00 يوليو,
على إثر الحرب العالمية الثانية، اعتُمدت اتفاقيات جنيف لعام 1949 من أجل تعزيز القانون الإنساني الدولي، ولا سيما حماية المدنيين، بينما اندلعت، في يونيو 1950، الحرب الكورية في شبه الجزيرة المقسّمة منذ عام 1945 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد أن كانت محتلة من قبل الإمبراطورية اليابانية منذ عام 1910، مما هيأ للجنة الدولية للصليب الأحمر فرصة اختبار اتفاقيات جنيف، التي حظيت بالتنقيح والإضافات في العام الفائت، على أرض الواقع.
اتفاقيات جنيف لعام 1949
استلزم العنف الفظيع في الحرب العالمية الثانية، الذي عانى منه المدنيون على وجه الخصوص، مراجعة اتفاقيات جنيفرابط خارجي لعام 1929، ونتج عن ذلك الاتفاقيات الأربع لعام 1949 المتعلّقة بالنزاعات المسلحة الدولية، لتشمل الاتفاقية الثالثة الخاصة بحماية الأسرى والاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين، ولضمان الكرامة والمعاملة الإنسانية في جميع الظروف، ومنه اللجوء إلى المادة 3 المشتركة في اتفاقيات 1949 الأربع أيضًا بشأن النزاعات المسلحة غير الدولية مثل الحرب الكورية في بداياتها.End of insertion
كيف يُمكن التدخل في دول غير موقعة
كانت أول صعوبة واجهتها اللجنة الدولية بشأن تطبيق الاتفاقيات في شبه الجزيرة الكورية هي صلاحية ونطاق تطبيق الاتفاقيات نفسها. فالمعاهدة دخلت حيز التنفيذ في 21 أكتوبر 1950، أي بعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب. علاوة على ذلك، لم تكن كوريا الشمالية (المدعومة من الصين والاتحاد السوفياتي) ولا كوريا الجنوبية (المدعومة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة) طرفًا في المعاهدة، ذلك أن مصادقة كوريا الشمالية على اتفاقيات جنيف تمت في عام 1957، فيما لم توقع عليها كوريا الجنوبية إلا في عام 1966.
ومما زاد الطين بلّة، هو أن الأمم المتحدة تدخلت في الحرب الأهلية بين الكوريتين إلى جانب سيول مما أدى إلى تدويل الصراع والمواجهة بين القوتين العظميين أو ما كان يُعرف بـ "العالم الحر" و "الكتلة الشيوعية". وفي ظل هذا التعقيد، لم يكن ثمة ما يضمن إمكانية أن تمارس اللجنة الدولية عملها.
ووفقًا لمحفوظات أرشيف "فريديريك بييري"، ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في كوريا في ذلك الوقت، شكّلت المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف، والتي تخص حالة النزاعات المسلحة غير الدولية، المفتاح، أو السند القانوني، الذي مكّن اللجنة الدولية من ولوج المُعترك الكوري وممارسة نشاطها الانساني.
ما هي المادة 3 ؟
تنص المادة 3 من اتفاقيات جنيف على الأحكام التي يجب على أطراف النزاعات المسلحة غير الدولية مراعاتها وعلى دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ملخص موجز:
1. يُعامل جميع الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية معاملة إنسانية دون أي تمييز، ويُحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، كما يحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة سابقة.
2. يُجمع الجرحى والمرضى ويُعتنى بهم.
يُمكن للجنة الدولية أن تعرض خدماتها على أطراف النزاع.
يجب على أطراف النزاع الامتثال للاتفاقيات.
(المصدر: اللجنة الدولية للصليب الأحمررابط خارجي)End of insertion
التزامات بليغة
حينما شنت كوريا الشمالية هجومها مؤذنة بابتداء الحرب في 25 يونيو 1950، وافقت كوريا الجنوبية على المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف، باعتبار ذلك شرطا فتحت بموجبه أبوابها للجنة الدولية للصليب الأحمر. وقبل أن تطأ قدما فريدريك، الذي تمّ تعيينه ممثلا للجنة الدولية في كوريا، أرض العاصمة سيول، كان رئيس كوريا الجنوبية سينغمان ري قد أعلن عن موافقته على المادة المتعلقة بالحروب الأهلية.
على الفور، أعرب الرئيس ري بدون تحفظ عن موافقته على كل ما هو مذكور في المادة 3. فبالنسبة له "من البديهي أن يتصرّف الأشخاص المتحضّرون وفقًا لمعايير هذا البند"، كما نقل بييري في رسالة مؤرخة في 11 يوليو وجّهها إلى المقر الرئيسي للجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة جنيف، وأرفقها بالمادة 3 ، التي وقع عليها الرئيس يوم 4 يوليو.
هذا التوقيع لم يكن مُلزمًا من الناحية القانونية، ذلك أن الاتفاقيات تتطلب التصديق على مجمل البنود الواردة فيها وليس على واحد منها فقط، لكن هكذا تسنى للجنة الدولية للصليب الأحمر بدء عملياتها في كوريا الجنوبية. وفي 5 يوليو، أخطر وزير الخارجية الأمريكي دين أشيسون اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن الولايات المتحدة ستحترم المبادئ المنصوص عليها في الاتفاقيات، والمادة 3 على وجه الخصوص.
في 26 يوليو، كتب روجيه غالوبين، المدير التنفيذي للجنة الدولية للصليب الأحمر إلى وزارة الخارجية السويسرية ما يلي: "علمنا أن حكومة كوريا الشمالية أكدت لـ "تريغفي لِي" (الأمين العام للأمم المتحدة) بأنها ستلتزم تماما بمبادئ اتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب"، لكن كل الجهود التي بذلتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل في كوريا الشمالية باءت لاحقا بالفشل.
اختبار الحقيقة للجنة الدولية للصليب الأحمر
بالنسبة للجنة الدولية للصليب الأحمر، كان الرهان كبيرا. ذلك أن قبول سيول لتواجد اللجنة الدولة للصليب الأحمر يشكل نجاحًا إعلاميا واستراتيجيا في سياق هذا النزاع الدولي الكبير الأول منذ اعتماد اتفاقيات جنيف لعام 1949. تبعا لذلك، توجّب على الوكالة الإنسانية العثور على طريقة تسمح لها بالوصول إلى الضحايا. في الوقت نفسه، كانت عملياتها المُحتملة (أو المُرتقبة) داخل البلدان التابعة للكتلة الشيوعية على المحك أيضا.
عمليا، كيف حاولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إقناع كوريا الجنوبية بتطبيق المبادئ الإنسانية؟ انصبّ تركيز بييري فقط على المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، لدرجة أنه نصح نائب وزير خارجية كوريا الجنوبية بالإحجام عن السعي للحصول على موافقة برلمان بلاده على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949. ذلك أن جهل الحكومة نفسها بالنص، وعدم توفر ترجمة لنص الاتفاقيات، أدى إلى تعقيد العملية وإطالة أمدها. في هذا السياق، ضاعت النسخة الوحيدة التي سلمها بييري إلى وزارة الخارجية في أحد الأدراج.
انتهاكات خطيرة من الطرفين
التصريحات المُطمئنة وإعلانات النوايا التي صدرت عن السلطات العليا في كلا البلدين باحترام المادة 3 والمبادئ المنصوص عليها في الاتفاقيات لم تكن متبوعة بأي تطبيق فعلي. ففي العديد من المناسبات، قام طرفا النزاع بالإبلاغ عن ارتكاب انتهاكات جسيمة. ويبدو أن المقاتلين على خطوط المواجهة الأمامية أظهروا جهلا تاما بالاتفاقيات، وفقا لما ورد في التقارير السرية للجنة الدولية للصليب الأحمر.
وكتب بييري في 31 أغسطس: "لا يوجد أدنى شك في أن قوات الخطوط الأمامية لم تتلقّ أي تعليمات باحترام الصليب الأحمر".
وفي 19 و20 أكتوبر 1950، أرسلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر برقية موجّهة إلى المقاتلين لخّصت فيها المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقيات. أما الجهات التي أرسلت إليها البرقية فكانت وزارة الخارجية في كوريا الشمالية والمقر الرئيسي للقيادة الموحدة لقوات الأمم المتحدة.
في المقابل، تُرجمت اتفاقيات جنيف لعام 1949 إلى اللغتين الصينية والكورية في عام 1951.
(*) المقال الثاني في سلسلة مقالات حول اللجنة الدولية للصليب الأحمر والحرب الكورية.