Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00869.jsonl.gz/19

تزعم الأسطورة أن "أوليس" (باللاتينية) أو "أوديسيوس" (بالإغريقية) جاب البحر الأبيض المتوسط لمدة عشر سنوات بحثا عن موطنه وعشيرته. وقبل قرن من الآن، ألهمت هذه الملحمة فريديريك أو فْرَاد بُوسّونّا أصيل مدينة جنيف وأحد رواد التصوير الفوتوغرافي في سويسرا. هذا هو محور معرض يقيمه متحف "رات" في جنيف ويستعيد من خلاله تفاصيل مسيرته.هذا المحتوى تم نشره يوم 31 يناير 2021 - 11:00 يوليو,
وفقا لأصل التسمية، يقع البحر الأبيض المتوسط في الوسط بين عوالم متشابهة ومتباينة في آن معا. ومنذ العصور القديمة وأوديسة الشاعر هوميروس، ظل "ماري نوستروم" كما يُسميه الرومان يصِل ويفصِل بين الشعوب المقيمة على ضفافه. ومع أن ملحمة أوليس (أو أوديسيوس) ألّفت قبل 2700 عام، لكنها لا تزال حتى اليوم رائعة سامقة من روائع الأدب العالمي لا تغيب بصمتها عن تاريخ ثقافي غربي وثيق الارتباط بالبحر الأبيض المتوسط، وتمتدّ إلى أبعد من حدود المناطق الساحلية.
اليوم، يشهد على ذلك معرض يُقام في "متحف رات" بمدينة جنيف تحت عنوان "فْرَاد بواسّونّا والبحر الأبيض المتوسط. ملحمة فوتوغرافية"، تُستعرض فيه أعمال المصور الكبير أصيل جنيف، الذي أجاد منذ قرن من الزمان التقاط الأجواء الأبدية لهذا البحر ولضفافه بمناسبة الرحلات العديدة التي قام بها في الفترة الأخيرة من حياته. وهي صور تُعرض للجمهور في نُسخها الأصلية.
كان فْرَاد بوسّونّا (1858-1946) قد أقام الدليل على كفاءته في سويسرا وحقق نجاحًا على المستوى الدولي. وبوصفه منحدرا من عائلة عريقة في مجال التصوير الفوتوغرافي، استلم إدارة الاستوديو الخاص بوالده في جنيف وقام بتطويره في تلك الأزمنة الريادية من خلال إنشاء استوديوهات في باريس وسان بطرسبرغ ومرسيليا حيث كان "علية القوم" يقومون باستخراج "بورتريهات" لهم.
لقد كان بالفعل فنانًا ومخترعًا ورجل أعمال مشهور عندما قرّر الإبحار متوجها إلى اليونان وإلى بلدان متوسطية أخرى.
في سياق الاستعداد لرحلاته، وثّق بواسّونّا بعناية فائقة الواقع المتعدد الأوجه السائد في الوجهات التي يقصدها، بفضل مراسلات منتظمة مع أكاديميين وفنانين ورجال سياسة. ويمكن القول أن هذا الزاد المعرفي وتلك الاتصالات وفرت له مدخلا فريدًا إلى البلاد وسكانها.
في اليونان، حظيت أعماله بتقدير كبير من قبل السياسيين الذي كانوا يسعون إلى تحسين صورة البلاد في الخارج، في وقت كانت تحاول فيه أثينا التمدد ترابيا على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وهو نزاع خسرته اليونان وتمت تسويته في عام 1923 بفضل معاهدة لوزان. لقد كان من المفترض أن يقوم بوسّونّا بتصوير الأراضي الجديدة "المُحرّرة" وفقا للرؤية اليونانية. وتبعا لذلك، تحصل المصور القادم من جنيف على العديد من المهامّ المدفوعة الأجر، إلا أنه كان – على الرغم من شهرته الفنية – يُعاني من صعوبات مالية جمة.
بوسّونّا متسلق الجبال
كان بوسّونّا أيضًا من عشاق الجبال: فقد أنتج في سويسرا أعمالًا مهمة في جبال الألب في كانتون فاليه، وكان معروفًا أيضًا بصوره الرائعة للـ "مون بلان" (أي الجبل الأبيض) (Mont Blanc)، كما اكتسب شهرة إضافية في اليونان فيما بعد عندما قام بأول تسلق لجبل أوليمبوس في أغسطس 1913 رفقة الرسام دانييل بو بوفي أصيل جنيف ومرشد الجبال اليوناني كريستوس كاكالوس.End of insertion
في غضون ذلك، قبل بواسّونّا تكليفا من الملك المصري فؤاد الأول الذي كان يُريد الاحتفال بالاستقلال الذي منحته المملكة المتحدة في عام 1922. وقد أتاح له هذا التفويض إمكانية التنقل في أرجاء شبه جزيرة سيناء وتصوير الأماكن التي اقترنت في التوراة بنزوح أو تيه العبرانيين.
هنا أيضًا، يُفترض أن تكون صور الآثار والأطلال القديمة في خدمة انبعاثها مجددا في مسار الحداثة. بل إن الأداة الجديدة نسبيا ممثلة في التصوير الفوتوغرافي تُستخدم (أو تُسخّر) لفائدة بناء الدولة.
لكن بواسّونّا كان يُولي عناية فائقة للأشخاص العاديين حيث كانت نظرته الإثنولوجية التي اعتمدها لالتقاط مشاهد لحياة اليومية للسكان، الذين يعيشون في ظل أنقاض أسلافهم القدامى، خالية من أي أفكار مُسبقة بل بدا أنها تمنحهم كرامة خاصة. أما اليوم، فهي وثائق ذات قيمة تاريخية لا تقدر بثمن.
بفضل جماليتها العابرة للأزمنة، تشكل المناظر البحرية لبّ المعرض، وهي مجموعة صور تم التقاطها بين مضيق جبل طارق والجزر اليونانية، وبين إيطاليا وسواحل الشمال الافريقي. عموما، يظل الدور الذي لعبه البحر الأبيض المتوسط الأسطوري في مجمل أعمال بواسّونّا أساسيا لاستيعاب أهمية ابن جنيف في تطوير فن التصوير الفوتوغرافي.