Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/197

إنتخابات الولايات المتحدة الأمريكية، خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، تفاقم الشعبوية، وتنامي المشاعر القومية.. البعض يستشرف من خلال هذه الأحداث نهاية الديمقراطيات، بينما يرى آخرون أن المواطنين والمواطنات قد اتخذوا قرارات شعبية "حقيقية" ضد إرادة "النخبة السياسية". في المقابل، يتضح الآتي: إن عام 2016 يعد بصورة جلية أكثر الأعوام اضطراباً من حيث الممارسة الديمقراطية منذ سقوط جدار برلين. في التقرير التالي، يُحصي كلود لونشون، الخبير السياسي السويسري لـ swissinfo.ch أكبر عشر أحداث أليمة وإخفاقات للديمقراطية وقعت في هذا العام.
هذه المساهمة هي جزء من منصة DearDemocracy # التي تتيحها swissinfo.ch للحديث عن تطورات الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية بشكل عام.نهاية الإطار التوضيحي
منذ تسعينات القرن الماضي تمددت الديمقراطيات بسرعة هائلة. لكن تحول السلطة الحاكمة للديمقراطية ظل مفقوداً في كثير من الأحيان. وبهذا تظهر نقاط القوة والضعف في الحكم الديمقراطي اليوم للعيان بأوضح مما كانت عليه من ذي قبل.
وبالنظر إلى دول بعينها على حدة نجد أن علم السياسة يتحدث عن أنظمة مختلطة، تجمع بين الديمقراطية والحكم المستبد. بل أن البعض يتحدث حتى عن ديمقراطيات معطوبة أو فاشلة. وتتعلق قائمتي بحالات القصور والإفلاس الديمقراطي في عام 2016:
1ـ النظام البالي لانتخاب أعضاء المُجمّع الإنتخابي في الولايات المتحدة
في الولايات المتحدة الأمريكية لا يقوم المواطنون والمواطنات بانتخاب الرئيس (مباشرة) وإنما يقومون بانتخاب المجمع الإنتخابي. ويتكون هذا ممن يسمون بالناخبين الكبار، وهم 538 ناخباً يمثلون الولايات المختلفة. ولخامس مرة في تاريخ الولايات المتحدة، لم يتفق أغلبية المواطنين مع أغلبية أعضاء المجمع الإنتخابي. ويعود السبب الرئيسي في هذا إلى أن الصراع الإنتخابي يُراهن على أعضاء المجمع الإنتخابي وحدهم، بل ويمكن أن يصبح أحد المرشحين فائزاً بالإنتخابات دون الحصول على أغلبية أصوات المواطنين.
وهذا أمرٌ بالٍ وغير ديمقراطي. وطبقاً لرأي خبراء السياسة بجامعة برنستون فإن الديمقراطية في الولايات المتحدة تصبح بهذا نوعاً من حكم جماعة صغيرة من فاحشي الثراء، الذين لا يُريدون ممارسة سلطاتهم فقط في مجال الإقتصاد، بل يتعدوه إلى مجال السياسة أيضاً.
2ـ إنتخابات ذات جودة عالية في ديمقراطيات عتيدة
حصلت إنتخابات الولايات المتحدة الأمريكية على 62 نقطة فقط من مجموع 100 نقطة على مؤشر سلامة الإنتخابات لجامعة سيدني الأسترالية. ويصنف هذا المؤشر الإنتخابات على مستوى العالم بناءاً على العملية التي يتم بها الوصول للنتائج. وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة السابعة والأربعين عالمياً، خلف دول مثل تونس واليونان ومنغوليا وغرينادا وبولندا أو جنوب أفريقيا.
في هذا السياق، تنتقد الخبيرة السياسية بيبا نوريس بصفة خاصة تقسيم الدوائر الإنتخابية ووضع قوانين الإنتخاب وتمويل الحملات الإنتخابية باعتبارها أهم نقاط ضعف في الإنتخابات الأمريكية. فهذه النقاط تحث على الإستقطاب السياسي ولا تكاد تعرقل في المقابل التدخل الإحتيالي (في نتائج الإنتخابات).
3ـ تمويل الحملات الإنتخابية غير المنظم
يُعدّ تمويل الحملات الإنتخابية على مستوى العالم أحد أضعف أركانها. وبناء على تقديرات الخبراء في عام 2016 فإن القوانين المحلية لا تكفي في ثلثي الحالات لضمان تحقق نتائج إنتخابية بمنأى عن المال. بهذا يتعرض الإنتخاب الحر كمُكِّون أساسي للديمقراطية للخطر. ويُعتبر الإرتخاء في القيود المفروضة على تمويل الحملات الإنتخابية بالولايات المتحدة ذا دلالة سيئة. وينطبق هذا القصور أيضاً على سويسرا، التي تعد انتخاباتها البرلمانية ـ بغض النظر عن مشكلة عدم شفافية التمويل الحزبي التي كانت محل انتقاد البرلمان الأوروبي ـ قدوة تحتذى عالمياً.
4ـ إنتخابات فاشلة تماماً
تعتبر الإنتخابات التي أجريت في كل من سوريا وغينيا الإستوائية فاشلة تماماً، وهذا في نظر المراقبين الدوليين. ويرجع هذا في سوريا إلى الحرب الأهلية المُرَوِعة الدائرة بها، كما هو بادٍ للعيان. أما في الدولة الوسط ـ أفريقية فإن رئيسها الحالي يتولى منصب الرئاسة فيها منذ عام 1979 بلا توقف، ولا زال يمارس هذه المهمة، حتى إشعار آخر. كذلك فشلت أغلب الإنتخابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي جيبوتي، وفي تشاد وفيتنام وأيضاً في أوغندا. ويُعدّ القصور في تسجيل الناخبين والأحزاب والمرشحين أحد الأسباب العامة للفشل في الديمقراطيات المتخلفة، فضلاً عن عدم توفر التغطية الإعلامية بالصورة الكافية، وأيضاً عدم ضمان استقلالية السلطات التي تُدير العملية الإنتخابية.
5ـ أنظمة رئاسية ذات سمات استبدادية
في صيف 2016 قام بعض العسكريين في تركيا بمحاولة إنقلابية وتمكن النظام من القضاء عليها. إلا أن رئيس الجمهورية استغل هذا النصر لمزيد التغول على المعارضة السياسية، وعلى المناوئين له في الجهاز الإداري للدولة وفي وسائل الإعلام الناقدة. وكان الهدف هو ترسيخ الديمقراطية الرئاسية. صحيح أنه قد حافظ على النهج الديمقراطي في أثناء إتخاذ كل هذه الإجراءات، إلا أن الجودة الديمقراطية قد تضررت بصورة واضحة لصالح بناء نظام حكم استبدادي. وتنطبق القاعدة التالية على هذا الوضع: إن الديمقراطيات الرئاسية تُعد في علم السياسة أقل كفاءة من الديمقراطيات البرلمانية.
6ـ تراجع في الحريات السياسية والفردية
تشتمل قائمة مؤسسة "بيت الحرية" أو "فريدوم هاوس"رابط خارجي الليبرالية على 72 دولة تقلصت بها الحريات السياسية والفردية. بينما تقف فقط 43 دولة في الإتجاه المعاكس، أي في الإتجاه نحو مزيد من الحريات. وبهذا تتفوق القائمة السلبية للمرة العاشرة على التوالي على القائمة الإيجابية. وتتصدر دول مثل الصين وروسيا ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأمريكا اللاتينية القائمة باعتبارها أسوأ دول في هذا الإتجاه. صحيح أن العلاقة بين الرفاهية الإقتصادية وبين النظام السياسي الحر لا زالت قائمة حتى اليوم، إلا أن التقدم في مجال الحريات لم يعد ينتج بصورة آلية عن النمو الإقتصادي، وإنما لا بد من بذل جهود سياسية لتحقيقه.
7ـ الشعبوية أصبحت قادرة على تحقيق الأغلبية
في عام 2016 انتشرت الأخبار بأن العولمة قد وصلت مبدئياً إلى قمتها. فمن الناحية الإقتصادية مكنت العولمة العديد من الدول التي كانت على الهامش أو على شفير الهاوية من الإرتقاء ومن صعود الطبقات الوسطى بها. في ذات الوقت تعالت الشكاوى، خاصة في الدول الغربية، بأن أجزاء من هذه الطبقات الوسطى أصبحت تُعدّ من الخاسرين.
وفي عام 2016 أصبحت الحركات الشعبوية اليمينية تتحكم أكثر من أي وقت مضىَ في المعارضة القومية، التي استغلت مخاوف المواطنين من الهبوط الإقتصادي وأشعلت التشكك في جدوى الإتحاد الأوروبي وطالبت بوقف الهجرة بصفة عامة.
وشكل الإستفتاء حول خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي في يونيو 2016 (فيما عُرف بـ "بريكزيت") قمة هذا التطور.
8ـ سيادة المواطنين وليس فقط الدولة
لقد شهد عام 2016 قصوراً ديمقراطياً في الإتحاد الأوروبي أيضاً. وينطبق هذا بصفة خاصة على شعور المواطنين والمواطنات المتدني بأن ليس لهم أي تأثير على الأحداث فوق ـ القومية (الخاصة بالإتحاد الأوروبي). أما الإتحاد الأوروبي فقد أجاب على الأزمات بالمطالبة بمزيد من الإندماج. كذلك فإن فهمه للسياسة يسوده التعاون التكنوقراطي. وهذا يعني أن هذا الكيان أعور، لإنه يتعامى جذرياً عن حقيقة أن السيادة بمفهومها الحديث لا تعني فقط سيادة الدولة، بل أنها أيضاً سياسة المواطنين والمواطنات. ولازال التوازن بين هذين المبدأين غائباً عن الجدل حول التحول الديمقراطي داخل الإتحاد الأوروبي كما كان الأمر من قبل.
نظرة على عام 2016 من حيث الممارسة الديمقراطية
هذه المساهمة لكلود لونشون واحدة من ثلاث أجزاء تتناول حصيلة عام 2016 الذي تميز بالإضطراب من حيث الممارسة الديمقراطية والتي تُنشر على منصة DearDemocracy#.
أما الأجزاء الأخرى فهي: "2016.. سنة ثرية ومكثفة بالنسبة للديمقراطية والمشاركة الشعبية" بقلم برونو كوفمان (نشر المقال بالعربية في 8 ديسمبر 2016) و"كيف السبيل للخروج من حيرة الديمقراطية المباشرة؟" (عنوان مؤقت) بقلم رينات كوِنتسي، والذي سيتم نشره قريبا.نهاية الإطار التوضيحي
9ـ قصور في نشأة الهوية على المستوى فوق ـ القومي
إن منتقدي الديمقراطيات الليبرالية الذين لا يشاركون الشعبويين مخاوفهم ـ شأنهم في ذلك شأن الخبير في الشأن السياسي والأستاذ بجامعة ستانفورد فرانسيس فوكوياما ـ يرون تراجعاً في قدرة الديمقراطيات الليبرالية على تحقيق الإندماج. ذلك أن قدرة الديمقراطيات الليبرالية تتمثل في تحقيق المصالحة بين المفهوم الإشتراكي الديمقراطي المحافظ وبين الليبرالية وهذا من وجهة نظر عملية وعلى مستوى الدولة القومية. أما اليوم فيزداد الإحتياج إلى تكوين هوية فوق ـ قومية، فضلاً عن التعاون الإقتصادي. وبدون هذا يصبح من السهل على الحركات الجديدة أن تقوم بحشد المشاعر القومية الدفينة، حال حدوث أزمات.
10ـ قدوات غير ديمقراطية للشباب
مما يثير الخوف تلك التطورات التي تحدث في صفوف الأجيال الجديدة في العديد من الدول، حيث لم يعد الشباب يهتمون بالسياسة وبالتالي بالديمقراطية. ويجب علينا أن ندقق النظر في تلك الألعاب الإلكترونية التي تولت اليوم مهمة التنشئة الإجتماعية، حينما يتعلق الأمر بأنظمة إجتماعية وسيادية. إذ نجد أن في هذه الألعاب تتم محاكاة إنهيار في الشرطة أو في المطافيء أو في المستشفيات لإظهار فشل عام في الأنظمة السياسية، بينما لا يندر أن نجد على الطرف الآخر (أي في الواقع اليومي) رجالا ونساء أقوياء يعدُّون بحق أبطالا جددا.
بالطبع تبدو هذه الحصيلة الأولية لنقائص الديمقراطية في عام 2016 سلبية ومن جانب واحد. لكن ليس القصد هنا هو الحديث عن ظهور واختفاء ديمقراطيات. لكن القصد بالأحرى هو أن الديمقراطية تتمدد وتتطور بالتدريج وأننا في الوقت الحالي نتواجد في مرحلة ركود واضح. أما كيف نتخطى هذا الركود عن طريق النقد، فهذا هو التحدي الذي يواجه المؤيدين والمؤيدات للديمقراطية.
وأنت صديقي القارئ، ما هو أكبر نقص للديمقراطية في عام 2016 من وجهة نظرك؟