Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/99

هل ستكون معركة الفلوجة هي الشرارة التي سينطلق منها لهيب الحرب الأهلية السنيةّ – الشيعية في العراق (وربما في المنطقة أيضا)؟هذا المحتوى تم نشره يوم 18 نوفمبر 2004 - 11:32 يوليو,
العديد من المحللين الشرق أوسطيين يخشون حدوث ذلك، وهذا لسببين رئيسيين، ولأسباب فرعية عدة أخرى.
السبب الرئيسي الأول هو أن معركة الحسم العسكري الأمريكي في الفلوجة لن تحسم على الأرجح حرب العصابات التي تشنها قوى بعثية ووطنية وإسلامية عراقية وعربية.
فوفق الإحصائيات الأمريكية، سقط في هذه المدينة التي تطلق عليها واشنطن "عاصمة التمرد"، ويسميها أهلها "عاصمة الألف مئذنة"، ما بين 1200 إلى 1500 مقاتل. وحتى وإن كان هذا صحيحاً، فسيبقي (وفق الإحصائيات الأمريكية أيضا) ما بين 17 إلى 19 ألف مقاتل منتشرون في العديد من المدن العراقية.
وبما أن الجسم الأساسي لهذه المقاومة يتكوّن من السنّـة المدعومين بقوة من المجتمع الأهلي في "المثلث السني"، وأن هذا الجسم امتعض إمتعاضاً شديداً من وقوف قادة الشيعة العراقيين، خاصة آية الله علي السيستاني، على الحياد في الفلوجة، فإن هذه المجابهة العسكرية قد تعمّـق إلى حدّ بعيد الانشطارات السُـنية – الشيعية في البلاد التي شهدت أصلا الولادة التاريخية لهذه الانشطارات، حين أجهز الأمويون في كربلاء على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي يُـعتبر المرجع الأعلى لدى الشيعة.
السبب الرئيسي الثاني هو أن معركة الفلوجة العسكرية الخطيرة سارت جنباَ إلى جنب مع معركة سياسية لا تقل خطورة، تمثلت في الانقسام السُـنّـي – الشيعي حول مسألة الانتخابات العامة، التي يفترض أن تُـجرى مطلع العام المقبل.
فحتى قبل ملحمة الفلوجة، كان الطرفان يسبغان على هذه الانتخابات لغة دينية (مذهبية) خالصة: ففي حين أعلن أنصار الزعيم الشيعي الأبرز آية الله علي السيستاني أن عدم المشاركة في الانتخابات "سيدخل المخالف إلى جهنم"، صرح بعض أنصار "هيئة علماء المسلمين" السنّـة إن مَـن يُـشارك في الانتخابات "سيُـعتبر عاصيا"، وبالتالي، قد يحجز لنفسه مقعداً في جهنم.
وفي الوقت ذاته، كان القادة السياسيون الشيعة يوضحون بجلاء الطبيعة المذهبية الخالصة لهذه "الحرب الانتخابية". فحيدر العبيدي، المسؤول في "حزب الدعوة" أعلن صراحة "إننا في المرحلة الأولى من المحادثات لتشكيل لائحة شيعية بالكامل، وتجري حاليا إتصالات بهذا الصدد بين حزب الدعوة وبين كل من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وتيار مقتدى الصدر".
أما حامد البياتي، المسؤول في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فقال: "من الصعب الحصول على إجماع على لائحة وطنية واحدة، وبالتالي، من الأفضل تأليف لائحة طائفية واحدة".
كما نُـسب إلى مسؤولين عراقيين ودبلوماسيين غربيين في بغداد قولهم أن أمريكا "لا تريد أن ترى لوائح وطنية في الانتخابات". لماذا؟ لأن ذلك، برأيها، قد "يُـقوّض فُـرص تحويل العراق إلى ديمقراطية".
الوحدة الوطنية بين السنة والشيعة والأكراد في لوائح متنافسة، تنسف الديموقراطية؟؟..
أليس الامر شبيها تماما بالقول أن لوائح وطنية للاميركيين من أصل إسباني ومكسيكي وزنجي وإنكليزي في إطار الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، تنسف الديموقراطية الاميركية؟.
المسألة إذن لا علاقة لها بالحماسة الديمقراطية، بل بالنزعة التفتيتية، لا بوجود رغبة في التوحيد في إطار المضمون الديمقراطي، بل العمل على التقسيم في إطار الشكل الديمقراطي.
فتطبيق النمط الأفغاني على العراق سيؤدي، (كما في النموذج اللبناني) إلى تأبيد سلطة أمراء الحرب والطوائف والقبائل، وإلى منح شراهتهم في ضرب مُـقوّمات الدولة شرعية قانونية، وتغطية شهيتهم المُـطلقة للنهب والفساد بغطاء دولي.
تحذيرات وولاءات
لقد حذّرت الأمم المتحدة والعديد من الباحثين والمعلّـقين العراقيين من أن إجراء الانتخابات في يناير المقبل قبل إعادة بناء الدولة، سيُـسفر عن:
- تكريس "انفصال" أو على الأقل ابتعاد جسم "المثلث السني" في وسط العراق عن المركز العاصمة بغداد.
- تعزيز النزعة الانفصالية الكردية في الشمال.
- تعزيز نزعة انفصالية أخرى بين المحافظات الشيعية الثلاث المنتجة لـ 90% من النفط العراقي في الجنوب.
- "شرعنة" سلطة الميليشيات في المناطق التي تُـسيطر أو تُـهيمن عليها، كما في مدينة الصدر ببغداد التابعة لميليشيات مقتدى الصدر وبعض مدن ومناطق الجنوب التابعة لميليشيات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة.
- هذا بالطبع، إضافة إلى نسف كل مُـقوّمات الوطنية العراقية من خلال تسييس الهويات الطائفية والقبلية والعرقية.
بيد أن كل هذه التحذيرات سقطت على آذان صمّـاء، والآن، ومع المضاعفات الجانبية العديدة المُـرتقبة من حرب الفلوجة، يخشى المراقبون أن يكون العراق قد دخل بالفعل مرحلة جديدة تعُـج بدهاليز معقّـدة قد تقذف به إلى فتنة طائفية، وتفكّـك مجتمعي خطير.
هذا عن السببين الرئيسين لاحتمال اندلاع الحرب الأهلية السُـنية – الشيعية، أما الأسباب الفرعية العديدة، فلها علاقة أساساً بالتنافس الحاد الراهن بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط (إيران، وسوريا، والسعودية، والأردن، وإسرائيل..) على تناقش ولاءات العراقيين، أيضا وفق أسس مذهبية – طائفية.
أين أمريكا؟
أين الولايات المتحدة من كل ما يحدث؟ لنقل، أولا، أن "بوش-2" يعتبر أن ضمان موقعه في التاريخ بعد أن ضمن جغرافيته في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى، سيعتمد على نجاحه أو فشله في الانتصار في حرب العراق.
لذلك، فهو لن يتورع عن استخدام كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك القوة العسكرية العارية والقوة السياسية التقسيمية، وتدمير الفلوجة كان عيّـنة أولى، مجرد عيّـنة أولى.
وثانيا، إن تفجير الحروب الأهلية في العراق وباقي أنحاء الشرق الإسلامي قد يكون الطريقة الأمثل لتوجيه سهام "الإرهاب" بعيداً عن صدور الغربيين، وقريباً نحو صدور الشرقيين. وبما أن الإسلام منشطر إلى سُنّـة وشيعة منذ نيف وألف سنة، سيكون من المُـغري كثيرا طلي تباين الاجتهادات بينهم باللّـون الأحمر القاني.
وبالطبع أرض العراق، كما ذكرنا، يُـمكن أن تكون رأس جسر ممتاز لهذا الهدف. فهي كانت مسرح المأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين، كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيسية بين العثمانيين والصفويّـين طيلة قرنين من الزمن، (كاد العراق آنذاك أن يصبح صفويا فارسيا في الشتاء، وتركيا سُـنّيا في الصيف).
القسمة الدموية السُـنية – الشيعية ستحقق جُـملة أهداف استراتيجية أمريكية دفعة واحدة. فهي ستشطر الشرق الأوسط الكبير إلى شطرين كبيرين متناحرين، وستجعل إيران في معركة ليس مع أمريكا، بل (مجددا) مع تركيا وباقي أطراف الغالبية السُـنّية.
وبالطبع، حين تُـحاصَـر بلاد الفرس على هذا النحو، لن يطول الوقت (مجددا أيضا) قبل أن تبدأ بالبحث عن حلفاء لها في الغرب، وهذا بالتحديد ما حدث طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وأخيرا، حروب السُـنّة والشيعة (إن حصلت) قد تقلِـب صورة الصراع مع إسرائيل رأسا على عقب، ويكفي للتدليل على ذلك، تخيّـل مصير مواجهة "حزب الله" المصيرية مع إسرائيل، إذا ما جرّه الغرب إلى صراعات طائفية مع السُـنّة في لبنان وسوريا.
ثلاثة آمــال
هل ثمة أمل بقُـدرة العراقيين على تجاوز هذا المفترق التاريخي الخطر؟ ثمة ثلاثة آمال هنا لا أمل واحد:
الأول، أن يرتكب الأمريكيون المزيد من الأخطاء، خاصة مع الشيعة هذه المرة، فيُـوحـّدون العراقيين ضد عدو خارجي، بدل تكسّـرهم المجتمعي الداخلي.
والثاني، أن تنجح البنية الاجتماعية العراقية، التي تتضمّـن تمازجاً وتزاوجاً كثيفاً بين السُـنة والشيعة بالتخفيف إلى حد ما من حِـدّة الاستقطابات الحادّة.
والثالث، ازدياد نفوذ القوى الوطنية - العروبية العراقية اللاطائفية، وبروز زعامات كاريزمية من بين صفوفها ترسم طريقا ثالثاً وطنياً خارج هاوية الانشطار السُـني - الشيعي.
قد تبدو هذه الآمال الثلاثة ضعيفة الآن، لكنها موجودة، وهي في الواقع بمثابة خشبة الانقاذ الوحيدة التي سيتعلّـق بها كل وطني عراقي حريص على تجنيب وطنه هول الكوارث الزاحفة.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>