Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/43

في مساء شتاء بارد، اجتمعت عائلة كبيرة مكونة من دزينة أو نحو ذلك من الآباء، والأمهات، والأعمام، والعمات، وأبناء العمومة والخال، ومن الأطفال الصغار جداً وحتى العَوان، في شقة وسط مدينة سانت غالَّن.
وقبل بضعة أعوام فقط، كان الموضع الطبيعي لإجتماع هذه العائلة سيكون في دمشق المزدحمة، أما اليوم، فتجمعهم مدينة أجنبية تَبعد عن وطنهم الأم بآلاف الكيلومترات.
واليوم، وجدت هذه العائلة مأوى لها في سويسرا بفضل نجوى سيداح، التي إنتقلت إلى سويسرا من سوريا في تسعينيات القرن الماضي، والتي كرَّسَت جهداً كبيراً خلال الأعوام الماضية لاستقدام عائلتها إلى سويسرا، لاسيما بعد اندلاع الحرب الأهلية في وطنهم الأم. وفي المساء، يعمل ابنها كمترجم لخاله محمد سيداح وابنته قمر، اللذَين لم يمضي على وجودهما في سويسرا سوى عام واحد، وعمته، أميرة آلجارحي، التي وصلت الى الكنفدرالية في نهاية عام 2014.
وفي الوقت الراهن، تتوزع الأسرة المباشرة لمحمد سيداح في أوروبا. وفي حين تقيم زوجته وبناته الثلاث معه في سويسرا، يعيش ولداه في الدنمارك.
"الجميع مستعد للموت في أي لحظة"، كما يصف الرجل الضعيف البنية، المُتَسِم بالجدية الحياة في دمشق خلال الحرب بنبرة هادئة، وهو يجلس على مائدة الطعام في منزل شقيقته.
وكانت رحلة سيداح وأسرته الى سويسرا قد بدأت بمغادرة سوريا عن طريق عبور الحدود مع لبنان. وقد استغرقتهم الرحلة التي لا تزيد عن الساعتين في العادة، ثمانية ساعات هذه المرّة. من ثمَّ، مكثوا مدة شهر في غرفة إستأجرها لهم أحد الأقارب في لبنان، ليتوجهوا لاحقاً الى سويسرا في ديسمبر 2013، بعد حصولهم على تأشيرة دخول.
"كنت أتخيل بلداً جميلاً و أشخاصاَ وَدودين" كما يقول سيداح عن وطنه الجديد. وعلى الرغم من إرتياحه لوجوده في سويسرا، لكن أفكاره مع "الأشخاص الكثيرين في سوريا الذين ما زالوا يواجهون الخطر هناك".
وكانت أخته نجوى قد تكفلت بِجَمع المال من الأصدقاء، لتأمين إقامة مؤقتة للأسرة في دير يقع في بلدية ‘فيل’ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من وجودهم في سويسرا. بعد ذلك، انتقلت الأسرة للإقامة في شقة في سانت غالن (شرق سويسرا).
وفي الأثناء، يجد سيداح نفسه أمام بداية جديدة لحياته وهو في سن الخامسة والخمسين. وهو يُمضي وقته بين حضور دورات تعلم اللغة الألمانية، والتنزه في الغابة، وزيارة أقاربه. كما يأمل في العثور على عمل بمرور الوقت. وفي إشارة منه إلى سقف الشقة، أخبرنا أنه كان يعمل في الرسم وأعمال الجص في سوريا.
بدورها، تَداوم ابنته قمر ذات الثمانية عشر ربيعاً على الحضور في مدرسة لتعلم اللغات. وقد نجحت الشابة الودية الثرثارة، التي ترتدي حجاباً وسترة شتاء أنيقة، في عَقد بعض الصداقات بالفعل. وهي تنوي المباشرة في التدريب المهني بحلول العام المُقبِل، وتحقيق حلمها في أن تصبح مُصممة للديكور الداخلي. وماتزال قمر تحتفظ ببعض الذكريات الجيدة عن سوريا: الشوارع المزدحمة، مدرستها وأصدقاؤها، ومناسبة عيد الفطر، كما تشرح باللغة الألمانية ببطء. وهي تود زيارة وطنها مرة أخرى يوماً ما، عندما يَعُم السلام ربوعه مجددا.
اليوم، تتوفر العائلة على تصريح الإقامة من نوع "ف" (F)، الذي يمنحهم حق البقاء المؤقت في سويسرا، حيث لا يمكن ترحيلهم في الوقت الراهن، بسبب حاجتهم الى الحماية نتيجة ظروف الحرب القائمة في سوريا. وبالرغم مما يشوب مستقبلهم من غموض، إلّا أنَّ سيداح وابنته يركزان على تكوين حياة جديدة في سويسرا.
"عليَّ أن أعيش حياتي، بِغَض النظر عن ما قد يكون عليه الوضع"، كما يوضح.
وفي حين يتطلع محمد سيداح إلى الأمام، ما تزال أفكار أميرة الجارحي، التي تبلغ عامها الخمسين مُرتكزة بشدة على حياتها الماضية. ويملأ الحزن عينيها الغامقتين وهي تفكر بابنيها، وابنتها، وأحفادها الذين مازالوا في سوريا. كما إن لها إبناً آخر يعيش في اليونان.
تَنصَب أفكار الجارحي في كيفية الوصول بهم إلى بر الأمان. وهي تعترف بصعوبة خلودها للنوم وبأنها تبكي كثيراً."أولادي يعيشون في خطر كبير"، كما تقول، "ومع أني أشعر بالأمان هنا، ولكن قلبي معهم".
وكانت الجارحي قد غادرت دمشق في النصف الثاني من عام 2014 في رحلة الى الحدود التركية إستغرقت ثلاثة أيام. وهناك، انتظرت شهرين ونصف في اسطنبول، لتستقل طائرة إلى سويسرا بعد حصولها على تأشيرة الدخول. وهي تعيش الآن مع شقيقها وزوجته نجوى. وبدورها، حصلت مؤخراً على تصريح الإقامة من نوع (F) أيضاً، ولن تتخلى عن أملها في انضمام أطفالها اليها في سويسرا يوماً ما.
"ينبغي أن يَحدونا الأمل في المستقبل دائماً"، كما تقول، وتضيف "الأمل يحقق المعجزات".