Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/61

للفرار من نظام أسياس أفورقي الإستبدادي في بلادهم، يجتاز آلاف الشبّان الإريتريين حدود أثيوبيا كل شهر، لتبدأ منها رحلتهم إلى أوروبا. وفي مخيمات اللاجئين في ضواحي شمال أديس أبابا، يستعد العديد من الأشخاص لعبور الصحراء أو البحر الأبيض المتوسط، وهناك العديد ممّن ينتظرون منذ سنوات الحصول على تذكرة السفر إلى سويسرا. swissinfo.ch ذهبت إلى هناك لاستطلاع الأوضاع عن كثب.
وافق ميبراتون على لقائي في إحدى الحدائق بضواحي المدينة، وقد انطلقت سيارة الأجْرة تشقّ طريقها من بين أعداد العمّال في مواقع البناء والأشغال والمتسوّلين، الذين تمتد أيديهم طمعا في أن يظفر أحدهم ببِر أثيوبي واحد.
رنّ جرس الهاتف، هذا ميبراتون على الخط: "من الأفضل أن نلتقي في أحد مواقف السيارات، فهنا يوجد أناس كثير، ولا يمكنني أن أشعر بالأمان". ميبراتون من أصل إريتري ويبلغ من العمر 39 عاما، وتبدو على نظراته الحيرة ويتحدث بهدوء: "وصلت إلى إثيوبيا منذ عام ونصف العام، وبعد غد، سأغادر. فلم أعد أطيق أن أبقى لا شغل ولا عمل". وفعلا، لقد انتهى من تحضير حقيبة السفر التي سيضعها على ظهره، وقد وضع فيها بنطلون جينز وتي شيرت ونسخة من الإنجيل وبعض النقود، وسيقوم أحد المهرّبين بإيصاله إلى السودان، وآخر لاحقا إلى ليبيا، ومن هناك، سيبحث عن قارب ينقله عبر البحر إلى سواحل إيطاليا. الرحلة كاملة سوف تستغرق أشهرا.
شعب بأكمله يخضع للعمل القسري
يعبر كل شهر، وِفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئينرابط خارجي، أكثر من 4 آلاف إريتري الحدود إلى إثيوبيا أو السودان بشكل غير قانوني، وذلك هربا من النظام الشمولي لاسياس أفورقي، الذي يحكم إريتريا منذ استقلالها وحتى اليوم، والذي عمل على عسكرة البلد بأسْره وأبقاه في حالة "لا حرب ولا سِلم" مع جارتها الكبرى إثيوبيا، وفرض على جميع المواطنين، رجالا ونساءً، الخِدمة في الجيش أو في المؤسسات الحكومية إلى أجل غير محدد، وهذا هو عيْن العمل القسري، ومن يفرّ أو يهرب فإنه عدو للشعب وعرضة للمساءلة القانونية، ويُحكم عليه بالسجن وأحيانا بالمؤبد.
أسباب الهروب
منذ استقلال إريتريا في عام 1993، يدير سدة الحكم فيها بقبضة من حديد أسياس أفورقي (59 عاما)، القائد الثوري السابق، الذي تلقى تدريبا عسكريا في الصين الماوية، ويعتبر نظامه من بين الأنظمة الأكثر قمعا، وأكثرها إصابة بجنون العظمة؛ فيما تعتبر البلاد بين أفقر عشرة بلدان في العالم.
في يونيو عام 2014، قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فتح تحقيق بشأن الوضع في إريتريا، على غرار القرار الذي تم اعتماده قبل ذلك بشأن سوريا وكوريا الشمالية، دون غيرها من دول العالم.
تشهد أديس أبابا، التي يبلغ تِعداد سكّانها ثلاثة ملايين نسمة، حمّى بناء، وتفسح الأحياء القديمة المجال أمام تشييد الفنادق والمجمّعات السكنية، وأيضا المراكز التجارية الكبرى. وتجتاح قلب العاصمة الإثيوبية، الواقعة على ارتفاع 2330 متر فوق مستوى سطح البحر، رغبة للتعمير والتطوير من أجل إبراز الوجه الحضاري لبلد لا يزال 30٪ من سكانه يعيشون تحت خط الفقر. وتعتبر أديس أبابا، بالنسبة للاجئين الإريتريين، بلدا أجنبيا وربّما مُعاديا، لكنها ليست إلا محطّة للإنطلاق في رحلة جديدة أو للانتظار.
التحق ميبراتون بالخدمة العسكرية منذ كان عمره 16 سنة. "في البداية كنت ضِمن حرس الحدود مع إثيوبيا، وصدرت إلينا أوامر بإطلاق النار على كل مَن يحاول التسلل عبْر الحدود، وكنت أتقاضى 450 ناكفا، حوالي 30 دولارا، وأشتغل ليلا ونهارا". وفي المرة الأولى التي حاول فيها الهرب، كان عمره فوق الثلاثين عاما بقليل، وقد تمكّن الجنود من إلقاء القبض عليه وإيداعه في زنزانة تحت الأرض، كما أذاقوه ألوان العذاب. ولما همّ أمامنا بإشعال سيجارته، بدت آثار الأصفاد كالوشم في معصميه.
أما ثاني محاولة، فقد قادته إلى أسمرة، مسقط رأسه، التي أمضى فيها ثلاث سنوات بشكل غير قانوني: "لم أكن أنام ليلتيْن متتاليتيْن في نفس المكان، وعملت نادِلا بموجب أوراق ثبوتية مُزوَّرة. لكن، لما بدأ الجيش في استجواب أفراد عائلتي وكانت المدينة مُعسكرة بالكامل، لم يعُد بإمكاني البقاء متخفيا، فقصدت أحد المهرّبين لكي يوصلني إلى إثيوبيا". وقد كلفه اجتياز الحدود ألفي دولار، دفعتها أخته المقيمة في الولايات المتحدة، عدا عن أنه مشى على قدميه بين الحواجز والرصاص لمدة ثمانِ عشرة ساعة.
لاجئون خارج حدود إثيوبيا
ومن أديس أبابا، انتقلنا إلى الشمال، إلى منطقة تيغري التاريخية، حيث لا نبعد سوى بضعة كيلومترات عن الحدود التي كانت مسرحا للمعارك بين إثيوبيا وإريتريا في عام 1998، وفي هذه الأرض شِبه القاحلة، المُنهكة بأشعة الشمس وحرارتها، يوجد أول مركز لاستقبال اللاجئين، يقدّم فقط الرعاية المؤقّتة، ثم بمجرّد أن يجتاز اللاّجئون الحدود الإثيوبية، يقوم الجيش باقتيادهم إلى مخيم انداباغونا للتسجيل.
المحطة الأولى: إثيوبيا
ينبع اختيار أثيوبيا أو السودان كوجهة للهروب من واقع القرب الجغرافي أو الروابط الثقافية أو تلك العائلية، ومع ذلك، أصبحت الحدود السودانية في السنوات الأخيرة، يزداد خطرها، حيث ينتظر الإريتريين خطر إعادتهم قسرا أو اختطافهم من مخيمات اللجوء وبيعهم للبدو، الأمر الذي جعل من إثيوبيا وجهة أكثر تفضيلا، خاصة بالنسبة للأشخاص الطامعين في الوصول إلى أوروبا.
وما وجود أكثر من 620 ألف لاجئ مسجل، منهم 100 لاجئ إريتري، إلا مؤشّر واضح على أن إثيوبيا تنتهج سياسة هجرة "مفتوحة الأبواب"، كما يوضح مايكل أوور، رئيس المفوضية العليا للاجئين في تيغري، ويضيف: "لا يتم ترحيل أحد". نعم، هذه سياسة سخية، لكنها تصطدم بالماكينة البيروقراطية والأمنية للحكومة الإثيوبيةرابط خارجي، وبنقص التمويل، فضلا عن القيود المفروضة على المنظمات غير الحكومية، ولذلك خلت منها مخيمات اللاجئين في شمال البلاد.
وصلنا إلى انداباغونا وقت الغداء، وفور دخولنا، احتجزتنا السلطات، باعتبارها تدير مخيمات اللاجئين وتمنع التصوير وإجراء المقابلات مع اللاجئين. فمن الطبيعي أن لا نكون موضع ترحيب منها. هناك ما يشبِه المظلّة، يجلس تحتها مئات الإريتريين انتظارا لتناول طعام الغداء، في حين، لا يحتوي المركز على مرافق رعاية، لأن البقاء فيه لا يكون طويلا. فقد لا يمكث اللاجئ فيه أكثر من ساعتيْن، أي الوقت اللاّزم لإجراء المقابلة الأولى، رغم أنه قد يحصل أحيانا أن يغصّ المكان بالناس لدرجة أن بعضهم قد يضطر للمكث في المخيم لأسابيع.
وعلى مسافة قريبة، هناك ما يشبِه الخربة المهجورة، ويوجد فيها فتى نائما على الأرض، لقد عَبَرَ الحدود لوحده منذ بضعة أيام، وليس هو الوحيد الذي قام بذلك، وبحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، تتزايد بشكل ملحوظ، منذ بداية العام، أعداد القُصّر غير المصحوبين الذين تمّ تسجيلهم لدى مخيّمات اللاجئين في إثيوبيا والسودان.
في المخيمات، تعطّش للماء وتعطّش للحياة
وضمن رحلتنا للتعرف على حياة المهاجرين، انتقلنا إلى مخيم هيتساتس الذي افتتح في العام الماضي، ولا يأوي سوى القادمين الجدد. الطريق المؤدية إليه، ترابية تصعد الجبال ثم تهبط لتجتاز قرى ريفية لا تزال تُبنى بيوتها من جذوع الأشجار. وبما أن مخيم هيتساتس يضم حوالي 20 ألف لاجئ، فيمكن اعتباره بمثابة مدينة صغيرة، لولا أنه، وعلى عكس المخيمات الأخرى، يفتقر للبنى التحية وللخدمات الأساسية، فلا توجد فيه عيادة طبية ولا مدرسة ولا محل تجاري: "في بعض الأحيان، لا تكون هناك مياه شرب ولا طاقة كهربائية تكفي الجميع، والمنطقة فقيرة، يقتسم السكان المحليين مواردها الطبيعية مع اللاجئين، وتعوزها الموارد المالية"، وفق قول مايكل أوور، رئيس المفوضية العليا للاجئين في تيغري.
تكلفة الرحلة
إريتريا - إثيوبيا (السودان): 1500 - 2000 دولار
إثيوبيا - السودان: 1500 دولار
السودان - ليبيا: 1500 دولار
ليبيا - إيطاليا: 2000 - 2500 دولار
ولكي يستطيع الإرتريون دفع ما يطلبه المهربون من أموال، فإنهم يضطرون في الغالب إلى الاعتماد على الموارد المالية لأفراد العائلة والأصدقاء الذين يقيم معظمهم في الخارج، وهناك العديد ممن يضطرون إلى الاقتراض أو إلى تمديد مدة الرحلة والعمل في الإنشاء والتعمير والبناء في ليبيا أو السودان.
وبعيدا عن أعيُن الناس، اصطحبتنا دانيت إلى داخل الخيمة التي تقيم فيها مع نحو عشرة لاجئين آخرين، من بينهم رجال، وبينما كانت تجلس على الفراش، كانت ساقها تهتز باستمرار وتوتر، هي تبلغ من العمر 23 عاما، لكنها تبدو لنحافة جسدها، صبية صغيرة، تقول: "نحن في المخيمات كالنباتات، نستيقظ عند طلوع الشمس. نتناول طعام الإفطار ونجلس نتحدث بشأن مستقبلنا، دوما نفس الحكايات ونفس الأسئلة. ثم بعد الظهر، نخرج للتنزه في القرية حتى يحين وقت العَشاء، وبعد ذلك نخلد إلى النوم، بعين مغمضة وأخرى مفتوحة، وهكذا دواليك".
وبلكنة قريبة من لكنة أهالي منطقة لومبارديا في إيطاليا، أخبرتنا دانيت بأنها درست في المدرسة الإيطالية في أسمرة وحصلت على منحة دراسية من جامعة روما، لكن، يستحيل لشاب يتمتع بصحة جيدة وقادر على أداء الخدمة العسكرية أن يحصل على تصريح للخروج من إريتريا. وكجميع الفتية والفتيات الإريتريين، ارتدت دانيت بدلة الجندية حينما كانت تتابع السنة الدراسية الأخيرة، وكانت في نفس الوقت تواظب على الذهاب إلى مركز التدريب العسكري في مدينة سوا، فتمسك بإحدى يديها قلما وفي الأخرى بندقية. بعد ذلك، انتقلت للعمل كخادمة: "لم تقف رغبة رقيب الجيش عند إعدادي لطعامه... ولذلك هربت". والآن، صار لدانيت بضعة أشهر في مركز اللجوء، أما صديقها تيدي فهو هنا منذ سنوات: "حاولت السفر إلى إسرائيل، ولكنهم قبضوا عليّ في سيناء وأعادوني مرة أخرى إلى هنا".
بوجه عبوس، أطلّ علينا مدير المخيم من أسفل الخيمة وطلب منّا أن نتبعه إلى مكتبه قائلا: "هناك يمكننا أن نتحدّث بهدوء"، ويمكننا السيطرة على الوضع.
الأشخاص الذين التقيناهم، لا يشعرون بالأمان في المخيمات، ولا أحد منهم يثق بالقائمين على السلطة، ويصفونهم بالمرتشين: "يدور حديث حول اغتصاب نساء وخطف لاجئين، ولذلك لا أتجرأ أبدا على الخروج في المساء لوحدي"، قالت دانيت. أما المفوضية العليا للاجئين فهي على علم بمثل هذه الحكايات، وإن كانت تهوّن من شأنها. ثم في وقت لاحق، أنكر المدير الإقليمي لسلطات الهجرة الوطنية تهمة الفساد، في حين اعترف بصعوبة ضمان الأمن في المخيمات: "نظرا لوجود أعداد كبيرة من الشباب الذكور العزب، فإن حالات الاعتداء هنا أكثر ممّا في المخيمات المقتصرة على إيواء أسَر مع أطفالها".
العيش في إثيوبيا ليس خيارا
بالنسبة لغالبية اللاجئين الإريتريين، لا تعتبر إثيوبيا محطة نهائية، بل هي محطة مؤقتة لابد منها للهجرة إلى وِجهة أخرى، وذلك عائد إلى أن الأوضاع في إريتريا مضى عليها عشرات السنين، ولا من آفاق للتغيير. فمن المستبعد وجود نوازع نحو العودة، ومن جهة أخرى، فإن سبل الحياة في إثيوبيا متعسرة ولن تكون لها جاذبية تلك الصورة المثالية التي لديهم عن الحياة في أوروبا.
المحطة الأخيرة: أوروبا
منذ أن قامت إسرائيل ببناء جدار طوله 230 كيلومترا على الحدود مع مصر، جعلت التسلل عبر حدودها أمرا شبه مستحيل، ومنها أصبح عبور البحر الأبيض المتوسط، هو الطريق الأكثر استخداما من قبل المهاجرين الإريتريين، الأمر الذي جعل عمليات تفريغ المهاجرين قبل السواحل الإيطالية يزيد بشكل ملحوظ، لاسيما بعد الفوضى التي عمّت ليبيا وبعد عملية "ماري نوستروم" أي بحرنا، التي أطلقتها الحكومة الإيطالية في أكتوبر عام 2013، والتي تؤكد على ضرورة العمل على إنقاذ المهاجرين في عرض البحر.
"يحلم الشاب، ابن العشرين عاما، بأن يبني أسرة وأن يكون لديه عمل وأن يحصل على دبلوم أو شهادة، فمن الطبيعي أن يسعى إلى مغادرة المخيم، وإلا خسر مستقبله، لاسيما وأن الخدمات التي تقدمها المفوضية العليا للاجئين، لا تلبي سوى الحاجة الإنسانية الطارئة، لا أكثر"، حسب ما أكده براينت رمزي، رئيس قسم الحماية لدى المفوضية العليا للاجئين في تيغري.
وفي إثيوبيا، لا يتمتع اللاجئون بحرية التنقل، غير أن السلطات تسمح لمن لديهم مشاكل صحية خطيرة بالانتقال للعيش في المدينة، وتتيح لعدد قليل ومحدود من الشباب فرصة مواصلة دراستهم، وفق برنامج مخصص للإريتريين فقط، وبدافع الثقافة المشتركة التي يؤمل منها أن تساهم في عملية الاندماج، ويبلغ عدد المستفيدين من هذا البرنامج أكثر من 300 شخص بقليل، أي حوالي 0,3٪ من مجموع اللاجئين المسجلين، البالغ عددهم 100 ألف لاجئ.
ومَن لا تنطبق عليه الشروط السابقة، لا يغادر المخيم إلا إذا أثبت بأن لديه الإمكانيات المادية لإعالة نفسه، وعادة ما يعتمد مثل هؤلاء الأشخاص على الأموال التي يرسلها الأقارب الموجودين في الخارج، كحالة جميلة *و صوفيا*، اللتّان فرّتا من إريتريا لتلتحقا بشقيقيْهما أسمرون المقيم في سويسرا، وعندما التقيناهما بعد عودتنا إلى العاصمة، وجدناهما أشبه ما يكون بفتاتين ضائعتين في مدينة مترامية الأطراف.
حلم الطيران إلى سويسرا
عندما عبرت جميلة الحدود قبل نحو عام، لم يكن مضى على بلوغها سن الرشد إلا قليلا، ومنذ ذلك الحين، لم تترك يد شقيقتها صوفيا، وهي التي تدير الحوار معنا وبحذر شديد، فظلال الريبة مرسومة على وجهها ونطق بها لسانها قائلة: "كيف نعرف بأنكم لستم مرسلين من قبل السفارة؟". ثم ما هي إلا لحظات تناولنا خلالها القهوة، حتى هدأت النفوس، ثم قامت جميلة إلى موقد الفحم لتسخّن بعض الخضار التي طهتها بالأمس وبعض الخبز، ثم قدّمت لنا بيدها قطعة صغيرة من الخبز التقليدي المصنوع من دقيق ملفوف ومُغمّس بالانجيرا – أكلة حبشية - كنوع من التحية، وعاودت الكرة مرة أخرى، هكذا هي عادتهم في الترحيب بالضيف.
في داخل هذه الغرفة، التي لا تزيد عن أربعة أمتار طولا، وثلاثة عرضا، تنحصر كامل الحياة الحاضرة لجميلة وصوفيا، اللاتي يحصلن على 100 دولار في الشهر: "مبلغ قليل، لكن نحاول أن نجعلها تكفينا"، وليس لديهن معارف في العاصمة الإثيوبية ولا يعرفن اللغة الإنجليزية ولا الأمهرية، لغة إثيوبيا الرسمية: "في البداية، كنا نخاف أن نخرج من البيت، أما الآن، فقد بدأنا نعرف كيف نتحرك داخل الحي على الأقل، وأصبحنا نعرف بعض الكلمات".
حجم الشتات الإريتري
يقدر عدد السكان الإريتريين بخمسة ملايين نسمة، خمسهم على الأقل لاجئون في الخارج، خاصة في السودان وإثيوبيا وإسرائيل وأوروبا، وتعتبر سويسرا والسويد والنرويج وألمانيا وهولندا، من بين الوجهات المفضلة بالنسبة للإريتريين في القارة القديمة. ففي الأشهر السبعة الأولى، قدم 4043 شخص طلبات لجوء، وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، حصل نحو 65٪ من المتقدمين على صفة لاجئ، على الرغم من رفع الاستنكاف الضميري والفرار من التجنيد الإلزامي من قائمة مسوغات الحق في اللجوء، بناء على مبادرة 9 يونيو 2013 التي وافق عليها الناخبون السويسريون.
المصدر: المكتب الفدرالي للهجر
في شهر أغسطس 2013، فرّت جميلة وصوفيا من إريتريا، ولهن أشهر ينتظرن الرد من المكتب الفدرالي للهجرةرابط خارجي، حيث قام شقيقهن بتقديم طلب لجمع شمل الأسرة: "نحلم بأن يأتي اليوم الذي نكون فيه قادرتين على الدراسة وعلى مساعدة والديْنا في إريتريا".
لا تعرف الفتاتان أين وصلت الأمور بالنسبة لطلبهن، فهنّ قلقات وينتابهن انزعاج، كما أنهنّ لا يعرفن بأن على شقيقهن أسمرون أن يثبت للسلطات بأن لديه وظيفة، وشقة يمكنهما توفير الإقامة والمعيشة للفتاتين، وهي شروط قد لا تكون سهلة على مَن يعيش في سويسرا، بصفة لاجئ أو بصفة مؤقتة.
وفي خربة أخرى، لا تبعد كثيرا، التقينا بسينيت، ابنة الـ 26 ربيعا، والتي اتصلت بها السفارة السويسريةرابط خارجي منذ بضعة أسابيع لتعلمها بأنه تم رفض طلب اللجوء الذي تقدمت به سابقا، فزوجها، الذي يقيم في سويسرا منذ عدة سنوات، حاول طمأنتها: "قال لي بأنه سيستأنف، ولا يريدني أن أسافر إلى ليبيا لوجود مخاطر كبيرة جدا. لكن ماذا أفعل هنا لوحدي؟ إذا تمكنت من عبور البحر ووصلت إلى سويسرا، فإنهم لن يعيدوني... أليس كذلك؟".
منهم من يعود ومنهم من يغادر
يدرك المهاجرون ماذا ينتظرهم في الطريق إلى ليبيا: الغرق في البحر أو نفاد ما بحوزتهم من ماء للشرب بينما يعبرون صحراء قافرة أو السجن في ليبيا أو التعرض للاختطاف في السودان ثم بيعهم للبدو في سيناء. تحكي ميلينا ما حصل معها ومع أصدقائها الأربعة: "لقد أمضينا أكثر من عام داخل السجن، حتى أني تعرضتُ للضرب والاغتصاب" تقول ذلك، بينما تصوّب نظراتها إلى عيوننا.
أنجز هذا التقرير في إطار "السعي إلى اكتشاف الآخر"رابط خارجي، برنامج للتبادل بين صحافيين سويسريين وآخرين من بلدان سائرة في طريق النمو.
ووفقا لتقديرات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، تمّ منذ عام 2009 اختطاف عشرات الآلاف من المهاجرين، معظمهم إريتريون، وجميعهم تقريبا يرددون نفس الحكاية: "يقومون بتعذيبنا ثم يتصلون بذوينا ليطلبوا منهم فدية"، وتتراوح ما بين 30 و40 ألف دولار، حيث تضطّر الناس لجمعها من الأقارب والأصدقاء والمرابين، ولئن قُدّر لأحدهم البقاء على قيد الحياة، فغالبا ما ينتهي به المطاف إلى الحبس داخل السجون المصرية، انتظارا لأن يتم ترحليه لإثيوبيا من جديد.
ورغم أن سينيت قد سمعت مثل هذه القصص مرات ومرات، إلا أنها بيّتت قرارها. فبعد أن غادرنا بيومين، غادرت هي أيضا، حيث ستكون السودان محطتها الأولى، ثم من هناك تنظّم باقي رحلتها، "الأمر الأكثر صعوبة هو في التعرّف على مهرب يمكن الوثوق به، ولقد سألتُ، ولدَيّ بعض الأسماء"، فسألناها إن كانت خائفة أم لا؟ فأجابت: "بالتأكيد، أنا خائفة، لكن ليس لدي ما أخسره، وحياتي بين يدي الله".
* الأسماء وهمية
swissinfo.ch