Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00936.jsonl.gz/60

منذ عام، تسير القطارات بسرعة 200 كلم في الساعة تحت الجبل وعبر أطول نفق للسكك الحديدية في العالم. وقبل 25 سنة فقط، صوَّت السويسريون بـ "نعم" للسكك الحديدية الجديدة العابرة لجبال الألب (لوتشبرغ وغوتهارد). وقبل مهاجمة الصخر، كان يجب إقناع الرأي العام من خلال مسلسل ديمقراطي طويل مع بعض التخبطات.
ففي قلب أوروبا، تعتبر سويسرا نقطة عبور أساسية بين شمال وجنوب القارة. إلّا أنَّ 60% من أراضيها مُحاصرة من قبل كتلة جبال الألب الضخمة، مع قممها التي يبلغ ارتفاعها 4000 متر ويزيد. ومنذ سالف الأزمان، عبر من خلالها الناس والبضائع أراضيها، سيراً على الأقدام، وعلى الخيول، وفي المركبات ومؤخراً في السيارات والشاحنات. أما بالنسبة للسكك الحديدية، فكان الأمر أكثر تعقيداً: ففوق ارتفاع معين، كانت القوافل تتزحلق، والعجلات المسننة لا تقدم حلّاً إلا للقطارات الصغيرة وغير الثقيلة.
من هنا جاءت ضرورة حفر الأنفاق. ففي سويسرا، كان أول خط للغوتهاردرابط خارجي الورشة الكبرى لنهاية القرن التاسع عشر: على طول 15 كم مروراً تحت 1000 متر من الصخر، مع فتحة للدخول وأخرى للخروج على ارتفاع 1100 متر، مما يوجب على القطارات السير ببطء على المنحدرات البسيطة، وأحياناً حتى على شكل حلزوني، في الأنفاق الحلزونيةرابط خارجي الشهيرة. ومع الزيادة المستمرة في حركة المرور والتقدم التكنولوجي، كان من المنطقي الوصول إلى ما يُسمّى بـ"الأنفاق الأساسية"، المفتوحة مباشرة على السهول.
خمسُ متغيرات
يعود المشروع الأول لهذا النوع من الأنفاق في الغوتهارد إلى عام 1961. وبعد مرور تسع سنوات، وافقت الحكومة الفدرالية على هذا المبدأ. ولكننا نتواجد هنا في سويسرا، بلد الفدرالية والديمقراطية المباشرة. ولا تستطيع الحكومة أن تعلن ببساطة عن مشروع للمرافق العامة وتترك آلات البناء على الأرض، كما كانت تفعل فرنسا في ذلك الوقت لدى تنفيذ أول خط للقطار فائق السرعة (TGV) : ضوء أخضر من الحكومة في عام 1974، وافتتاح بعد سبع سنوات، من أجل 389 كم من السكك و17 جسر كبير و780 جسر (ولكن دون أي نفق) وبتكلفة تُعادل ملياري يورو حالياً.
أما في سويسرا، فتَمَّت دراسة خمسة أنواع مختلفةرابط خارجي من خطوط السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب (تعرف اختصارا بالفرنسية NLFA)، بهدف محاولة التوفيق بين مصالح مختلف المناطق. وبالفعل، إذا كنت تعيش في لوزان، فلن يكون لنفق في كانتون غراوبوندن في أقصى شرق البلاد، نفس أهمية نفق في كانتون فالي المجاور. والعكس صحيح. وقد تم تسليم المشاريع في عام 1988 للحكومة، التي اتخذت قرارها بعد ذلك بعامين حيث تقرر أنه سيكون هناك نفقين: أحدهما في فالي بالتحديد، وهو لوتشبرغرابط خارجي، والآخر في وسط البلاد، في الغوتهاردرابط خارجي.
وبذلك، كانت سويسرا الناطقة بالفرنسية وسويسرا الوسطى هما الرابحتين، في حين بدت سويسرا الشرقية وكأنها الخاسرة في الصفقة، لكنها حصلت - بالمقابل - على تحسين وصل خطوطها الحديدية بخط الغوتهارد.
أصدقاء البيئة وسائقو الشاحنات
من وجهة نظر الحكومة، يجب أن تخدم خطوط السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب المسافرين، بالإضافة إلى البضائع، عن طريق نقل الشاحنات الثقيلة بواسطة القطارات، وأن تتناسب مع نظام النقل الأوروبي الشامل. وفي مارس 1991، اعتمد البرلمان الفدرالي بسهولة هذا المشروع، الذي اضطر مع ذلك، لمواجهة اختبار صناديق الإقتراع.
إثر ذلك، انطلق طلب إجراء الاستفتاء من قبل ثلاث لجان، تحالفت بحكم الأمر الواقع، تحالفاً مُستبعداً بقدر ما هو غير طبيعي. فمن جهة، كان هناك سكان كانتون أوري، حيث سيتم فتح البوابة الشمالية للنفق، الذين يخشون المضايقات ويريدون طريقاً للدخول تحت الأرض. ومن جهة أخرى، يخشى سائقو الشاحنات تجاوز تقديرات التكلفة التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة الضرائب على الوقود.
قبل كل شيء، هناك معارضة الخضر، الذين نجحوا بجمع معظم التوقيعات من ضمن الـ 50000 المطلوبة. هم أيضاً كانوا يخشون حدوث زيادة كبيرة في التكاليف. وبهذا الصدد، يتذكر دانيال بريلا، صديق البيئة والنائب في الغرفة السفلى للبرلمان، والذي كان عمدة لمدينة لوزان لمدة طويلة، قائلاً: "بالنسبة لنا، كان من الواضح أن التمويل لم يكن مضموناً، وكان خطرُ أن يقود ذلك شركة السكك الحديدية الفدرالية والكنفدرالية إلى إغلاق العديد من محطات القطار الصغيرة لإنقاذ النفقين الكبيرين كبيراً". وتمَّ الحصول على الإستفتاء بصعوبة، إذ لم يزد عدد التوقيعات المقبولة عن 50096 فقط. وفي العام التالي، بلغت نسبة الناخبين الذين أيّدوا المشروع 63,6%. وانطلقت العملية ـ ولكن لم تكن الحفريات قد بدأت بعد.
جرى تنفيذ أول عملية تفجير في لوتشبرغ بتاريخ 5 يوليو 1999. وبعد ثماني سنوات، بدأت القطارات تسير. أما الغوتهارد، فقد تم افتتاحه في الأول من يونيو عام 2016، بحضور النخبة من جميع أنحاء أوروبا، التي رحّبت بتدشين أطول نفق للسكك الحديدية في العالم بطول 57 كيلومترا.
آثار متتالية
أما بالنسبة للتكلفة، فقد أثبتت الأيام أن المعارضين كانوا على حق. حيث بلغت تكلفة "خطوط السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب" NLFA إلى اليوم 24 مليار فرنك بعد أن تحدثت التقديرات الأولية عن 15 مليار فحسب. ولكن كان لتصويت سبتمبر 1992 سلسة عواقب متتالية، حتى دانيال بريلا لم يكن يتوقعها. "ونظراً لفوائد الأنفاق المُعلن عنها، ساعد هذا الإستفتاء والحوار الشعبي بالتأكيد على مرور مبادرة جبال الألب [التي تطالب بنقل البضائع من الطريق إلى السكك الحديدية] بعد عامين".
وبحسب النائب صديق البيئة، فإن قبول مبادرة جبال الألبرابط خارجي "جعل أيضاً رابطة أرباب العمل السويسريين [التي تعتبر مظلة الشركات الكبرى] يقرر، وبفارق صوت واحد، دعم الضريبة على السيارات الشاحنة، وربما هذا ما ساعد على تمريرها. ومن ثم، وبطريقة غير مباشرة، حصلنا على تمويل أفضل".
وبالفعل قررت سويسرا، متأثرة بديناميكية دعم نقل الشاحنات بواسطة القطاراترابط خارجي، فرض رسومرابط خارجي على النقل بالشاحنات في أواخر التسعينات. وعلى الرغم من المُعارَضة المُنتَظرة من الأوساط العاملة في الشحن، تمت الموافقة عليها من قبل 57% من المواطنين في عام 1998، وأيضاً بتاريخ 27 سبتمبر. ومنذ ذلك الحين، صارت أنموذجا يُحتذى به في بقية أوروبا.
النتيجة: من 1 مليار و400000 شاحنة عبرت جبال الألب في عام 2000 (وهي سنة قياسية) وصلنا اليوم إلى ما يزيد قليلاً على المليار. واتجاه الأرقام آخذ بالإنخفاض. غير أننا لا زلنا بعيدين عن الهدف الذي حدّدته مبادرة جبال الألب، والمُدوَّن في الدستور والبالغ 650000 شاحنة. وهو ما يجعل دانيال بريلا يقول: "إن نيَّة الكنفدرالية الحسنة لتطبيق الإرادة الشعبية إلى النهاية محدودة هي الأخرى".
مازال هناك قليل من الصخر للحفر
غير أن نظام "خطوط السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب" لم يكتمل بعدُ ليتم تسجيله النهائي في شبكة النقل الأوروبي ونقل الشاحنات بواسطة القطارات. ففي لوتشبرغ، لا زال ثلث أحد الأنبوبين غير محفور ويُستخدم ثلثه فقط. وعند الخروج من نفق الغوتهارد، لا زال يتعيّن على القطارات أن تنتظر الإنتهاء من حفر نفق سينري (15 كم بين بيلنزونا ولوغانو) لتستفيد بشكل كامل من توفير الوقت الذي وعدت به فكرة "خطوط السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب" (NLFA).
وهذا الأمر كفيل برفع فاتورة التكاليف قليلاً وبإثارة المزيد من النقاشات في سويسرا حول الوسيلة الأسرع (والأنظف للبيئة) لعبور جبال الألب.