Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/195

يعتبر ألان بيطار، صاحب مكتبة الزيتونة في جنيف، نموذجا عمليا للاندماج المعترف به رسميا، رغم رفض الجهات المعنية منحه الجنسية السويسرية ثلاث مرات.
ويعترف بيطار بأن هذا الرفض شجعه على البحث عن جذوره وهويته، دون قبول التصنيف ضمن قائمة الانتماء لطائفة دون غيرها، كما شجعه على خوض تجربة تأسيس أول مكتبة عربية في مدينته لتقيم جسرا بين العالم العربي وجنيف.
وصل آلان بيطار إلى جنيف في عام 1960 ولم يتجاوز عمره السادسة، منحدرا من عائلة لها أجداد سوريين ولبنانيين هاجرت إلى مصر في عام 1890 فرارا من الاضطرابات الدينية في بلاد الشام.
ويتذكر آلان بيطار، مؤسس وصاحب المكتبة العربية "الزيتونة" في جنيف، أن عملية الاندماج بدأت من اللحظة الأولى التي حل فيها بحي فلوريمون بجنيف، الذي يقول عنه "إنه كان حيا يتميز بحياة اجتماعية وسياسية ودينية غنية"، وما زاد في التسريع بعملية الاندماج، انضمامه الى تنظيم الكشافة، وهو ما سمح له على حد قوله بـ "الاندماج في عالمين متوازيين: عالم الحي وعالم الكشافة والمعهد الكاثوليكي، الذي كان نقطة الالتقاء بأبناء الطبقة الغنية في جنيف ومن مناطق أخرى من العالم".
وعن أسباب هذه السرعة في الاندماج، يقول آلان بيطار "إنني كنت محظوظا لأنني لم أكن أتميز بهوية واضحة. فقد كنت أتحدث الفرنسية بطلاقة، وكنت في نفس الوقت لبنانيا وسوريا ومسيحيا وسودانيا، وهذا كان يجعل من الصعب على الناس تصنيفي في خانة معينة، وبالتالي، قبول اندماجي، نظرا لصعوبة التصنيف"، ويضيف "الغريب أن بعض الأطفال السويسريين المنحدرين من أصول فريبورغ أو فالي والذين لهم ديانة كاثوليكية في جنيف البروتيستانتية، كانوا يعانون من مشكلة الاندماج أكثر مني".
من تأثيرات هذا الشعور بالاندماج لدى آلان بيطار، انخراطه في نشاطات سياسية ولم يتجاوز عمره السادسة عشرة، سواء من خلال الشبيبة الطلابية الكاثوليكية أو من خلال الحركة المسيحية من أجل السلام. وقد أدى هذا الاندفاع في الدفاع عن العدالة والسلم في سن المراهقة، إلى فصله من الدراسة، وهو ما سيعمل على تغيير مجرى حياته والحيلولة لاحقا دون حصوله على الجنسية السويسرية للمرة الأولى، ويعتبر أن ذلك كان ضربة كبرى نظرا لكونه "الطالب الذي ليست له هوية، يُحرم من الهوية الوحيدة التي كانت في متناول اليد، خصوصا وأن هذه الهوية كانت لتسمح له بالالتحاق بالعمل في اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي كانت لا تُشغِّـل سوى السويسريين".
"اخترت مَـن لا هوية لهم"
يتذكر ألان بيطار بمرارة هذا الرفض الذي أتى في وقت كان فيه في أشد الحاجة للحصول على هوية، خصوصا وأنه أصبح يتنقل بوثائق سفر تُمنح للأشخاص الذين لا بلد لهم أو ما يُعرف بالأباتريد. ويقول "إن ذلك دفعني إلى إعادة النظر في هويتي، هل أنا سوري أم لبناني أم مصري أم سوداني"؟ يضاف إلى ذلك أن ألان لم يكن يتحدث اللغة العربية ولا علاقة له بالعالم العربي، سوى تلك العادات الغذائية التي يتذكرها عن عائلته التي فارقها عن سن لا تزيد عن السادسة.
بعد تفكير، اختار هوية "من لا هوية لهم"، أي الفلسطينيين إذ يقول "لقد اخترت مَـن هم أقرب إلى وضعيتي، أي الفلسطينيين لأنهم لا حدود لهم وليست لديهم دولة وأن غالبيتهم لا تعرف أراضيها، ولو أنها تعرف أنها من الناصرة أو حيفا أو بيت لحم". وما جعل ألان بيطار يختار هذا الانتماء "وجود فلسطينيين مسلمين ومسيحيين وعلمانيين أو لادينيين ... وكونهم يعيشون في الشتات في مختلف أنحاء العالم"، وهذا ما دفعه في عام 1975 إلى الالتحاق بمخيمات الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في صبرا وشاتيلا بضواحي بيروت وفي جنوب لبنان.
لكن ارتباطه بجنيف جعله يعود لمزاولة الدراسة في معهد جنيف للدراسات الدولية، ليتخصص في مجال الصحافة. وكانت تلك الفترة فرصة لتعميق معرفته بتاريخ المنطقة العربية، بحيث اختار أن يقدم بحثا عن تأثيرات أزمة عام 1929 على المناطق الواقعة تحت الانتداب البريطاني، ولكن تخرجه من هذا المعهد، كما يقول "لم يكن ليفتح لي الأبواب بدون جنسية سويسرية".
"المكتبة العربية ساعدتني على تحديد هويتي"
عودة ألان بيطار من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين جعلته يفتح في عام 1979، إلى جانب كشك لبيع الجرائد، حيزا لبيع منتجات الصناعة التقليدية الفلسطينية وبعض الأشرطة الموسيقية العربية التي لم يكن يعرفها من قبل. وتطور هذا النشاط ليُـصبح أساس قيام مكتبة الزيتونة، التي تعتبر حاليا أهم مكتبة عربية في مدينة جنيف.
وشاءت الأقدار أن تزور المكتبة في يوم من الأيام شخصيةٌ لعبت دورا هاما في عملية الاندماج في جنيف، وهو أول إمام لمسجد جنيف الشيح محمود بوزوزو. عن هذا اللقاء يقول آلان بيطار "بدأ الشيخ بوزوزو يتصفح بعض الكتب التي كانت لدي، ثم طلب مني إحضار قائمة من الكتب ضامنا شراءها مني"، ويعترف ألان أنه "بفضل طلبات الشيخ بوزوزو، الذي كان يتحلى بانفتاح وتسامح كبيرين، تحسن مستوى المكتبة".
كما أن افتتاح المعهد السويسري للقانون المقارن في جامعة لوزان ساهم في دعم طلبات المكتبة في فروع محددة، إضافة إلى أن القسم العربي بإذاعة سويسرا العالمية (سويس إنفو حاليا)، الذي كان في حاجة إلى تجديد مكتبته الموسيقية، ساهم بدوره في إثراء الاختيارات الموسيقية للمكتبة العربية في جنيف.
دعم ألان بيطار المكتبة العربية بقاعة عرض فني سمحت بالتعريف بالفن التشكيلي العربي على مستوى جنيف، كما ساهمت في التعريف بفنانين صاعدين، وتحولت المكتبة إلى قاعدة إشعاع ثقافي في قلب جنيف وفرت فرصا نادرة للجمهور السويسري للتعرف على شخصيات أدبية وشعرية وفنية هامة، من أمثال الشيخ إمام ونزار قباني وأدونيس.
وعند الحديث عن المكتبة العربية، التي تعتبر أول حيز عربي يتم فتحه في هذه المدينة، يقول ألان بيطار في وصف جميل للغاية "المكتبة كانت بمثابة الحل لمشكلة الهوية لدي، فعندما أكون داخل المكتبة، فأنا متواجد في العالم العربي، وعندما أضيق ذرعا بالعالم العربي، أخرج للرصيف فأجد نفسي في سويسرا، والعكس صحيح أيضا، وهو ما يجعلني أقضي يومي في مدّ جسور بين العالمين بكل ما يشتمل ذلك من لقاءات وعلاقات".
"شكرا للرقابة المفروضة في العالم العربي"
أصبحت المكتبة العربية الزيتونة في جنيف بمثابة المزار الذي لابد منه لأي ضيف على المدينة الواقعة في أقصى غرب سويسرا من العالم العربي من هواة الإطلاع على آخر الإصدارات والمنشورات. وقد ازدادت شهرتها بعد أن أصبحت المكان الذي يمكن العثور فيه على كل ما حاولت أجهزة الرقابة العتيدة في 22 بلدا على الأقل حجبه عن أسواق النشر العربية.
ويعترف ألان بيطار بأنه "لو لم تكن هناك رقابة في العالم العربي، لما كُتب لهذه المكتبة الصمود لحوالي 30 سنة"، ونتج عن ذلك أن النخبة في العالم العربي التي تزور جنيف، كانت تجد في هذا الحيز الذي يصفه آلان بالحيز "الأكثر ديمقراطية"، كل ما هو محظور في جميع الدول العربية.
ويتذكر ألان بيطار كيف أن "شخصيات عربية: رؤساء ووزراء وأمراء كانوا يترددون على المكتبة بدون حرس، ويقضون وقتا في الإطلاع على آخر المنشورات بدون إحراج أو إزعاج، في وقت ليس بإمكانهم القيام بذلك في بلدانهم بدون إثارة فضول الجمهور، مما يتطلب حراسة وإجراءات أمنية مشددة". ومن الأسماء التي ذكرها: الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والشيخ أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي السابق وآخرين.
وإذا كانت الرقابة قد ساهمت في دعم المكتبة، فإنها هي التي أتت على تجربة أخرى قام بها ألان بيطار للإيفاء بحاجة عرب جنيف، بل حتى العالم العربي لوسيلة إعلامية محترمة، تتمثل في إصدار نسخة عربية من جريدة لوموند الدبلوماسي الشهيرة، وهي المبادرة التي قام بها الى جانب التونسي رياض بن فضل والتي استمرت لمدة عشر سنوات.
ولكن هذه التجربة التي كانت تلبي حاجة ماسة في العالم العربي لوسيلة إعلامية محترمة، اصطدمت بمقص الرقابة منذ العدد الأول، خصوصا وأن الجريدة كانت تطبع في تونس. ويتذكر ألان أن العدد الخاص بحرب الخليج الأولى تعرض للحظر في كامل الدول العربية، سواء تلك التي كانت مع التحالف الدولي أو التي كانت ضده.
ولا يزال ألان بيطار مقتنعا حتى الساعة بضرورة العمل على إصدار جريدة مستقلة موجهة للعالم العربي انطلاقا من جنيف، تسمح بنقل تصورات الغرب لمن لا يُـتقنون لغات أخرى غير العربية.
التزام سياسي عبر "المانيفيست"
ويرى ألان بيطار أن احتكاكه بالقضية الفلسطينية دفعه إلى التفكير في انتهاج طرق أخرى، غير المواجهة، لتأكيد حقوق الفلسطينيين وفقط عبر الحوار أو عبر ما يفضل تسميته بـ "اللاعنف النشط"، وهذا الاقتناع ناتج عن اختلاطه بشخصية يهودية بارزة عرفت على مستوى جنيف، وهي مراسلة صحيفة لوموند الفرنسية إيزابيل فيشنياك، التي يقول عنها: "كانت لها صلات وثيقة بشخصيات هامة من أمثال تشي غيفارا والمهدي بن بركة وجون زيغلر"، وهو ما سمح له بالتعرف على "نظرة أقل تعصبا وأكثر إنسانية".
وكان ذلك قاعدة لتأسيس حركة المانيفيست، التي ضمت العديد من أبناء جنيف من مختلف الطوائف حول فكرة إقامة مجال لحوار حتى بين من يحملون أفكارا متضاربة ومتناقضة. وقد امتد ذلك لتنظيم حوار بين البرلمانيين الإسرائيليين والبرلمانيين الفلسطينيين. ويرى ألان بيطار أن جنيف تشكل أرضية ملائمة لخلق مثل هذا الحوار، لكنه يشدد على أن "الحل يظل بين أيدي المعنيين بالأمر مباشرة، أي الفلسطينيين والإسرائيليين".
" ميدالية استحقاق رغم رفض الجنسية"
تشاء سخرية القدر أن يتم اختيار ألان بيطار، الذي رُفض طلب تجنسه بالجنسية السويسرية ثلاث مرات، ليكرم في عام 2006 من قِـبل سلطات مدينة جنيف "بميدالية جنيف التي تعترف بالجميل"، لما قدمه للمدينة وللجسور التي أقامها بين جنيف والعالم العربي وبين أبناء الجالية العربية وباقي مكونات المجتمع السويسري.
عن هذا التكريم يقول ألان بيطار "إن هذه الميدالية أثلجت صدري لأنني اعتبرت نفسي دوما من أبناء جنيف، هذه المدينة التي أحببتها، وتكريمي بهذا الشكل، ولو أنني اعتقد بأن هناك ممن هم أولى مني بهذه الميدالية، يعمل على تضميد جراح رفض الجنسية، الذي كان في الواقع دافعا ومحفزا للبحث عن هويتي وجذوري". ويستطرد قائلا: "لو مُنحت الجنسية في المحاولة الأولى أو الثانية او الثالثة، لما كُتب لي أن أحصل على الميدالية، لأنني لربما أكون قد انخرطت في مهنة أخرى ولم اضطر للبحث عن جذوري".
ولمن يردد بأن بداية الاندماج يجب أن تكون عبر طلب الجنسية السويسرية، يجيب ألان بيطار بأن ما عاشه يثبت العكس، لأنه ظل دوما يشعر بأنه مندمج في هذا المجتمع.
وعن قدرة الجالية العربية على الاندماج، ينوه ألان بيطار إلى أن "الجالية العربية، على عكس جاليات أخرى، بوسنية أو يوغسلافية، لم تعرف هجرة جماعية يصعب معها الاندماج"، ويعتبر أن أفراد الجالية العربية "مندمجون في المجتمع كأفراد، ولو أنهم لا يعرفون تلاحما كطائفة".
ويقول: "ما دام شرط الاندماج في المجتمع السويسري يرتكز على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، فإن من لم يستطع الاندماج، فاللوم يعود له هو وليس للمجتمع".
ومن المشاريع التي تشغل بال ألان بيطار، ما تردد عن إقامة مركز ثقافي عربي على مستوى مدينة جنيف، وهي الفكرة التي يعارضها بقوله "أنا ضد وضع العالم العربي في حيز بعيد عن المجتمع، بل يجب إدماج نشاطات الجالية العربية ضمن نشاطات المجتمع".
ومن خلال العمل الذي قام به لإعداد دليل النشاطات العربية في جنيف أو ما يعرف بالدليل الثقافي العربي في جنيف، اكتشف ألان غزارة النشاطات الفنية والأدبية العربية التي تتم على مستوى جنيف. وهو يأمل بأن تسمح هذه النشاطات في "خلق تواصل بين مختلف الجمعيات والمؤسسات الساهرة على تقديم هذه النشاطات لخدمة أبناء الجالية من الجيلين، الأول والثاني، ولكن بدون فصلهم عن المجتمع والسماح لهم بالاستفادة من إيجابيات الثقافتين، العربية والسويسرية".
وفي ختام حديثنا، لخص ألان بيطار كل ما قيل في عبارة بليغة: "هويتي ليست عربية ولا سويسرية، بل جسر بين الاثنين".
محطات في حياة ألان بيطار
من مواليد عام 1953، وصل إلى جنيف في عام 1960 ولم يتجاوز عمره السادسة، ينحدر من عائلة لها أجداد سوريين ولبنانيين هاجرت إلى مصر في عام 1890 فرارا من الاضطرابات الدينية في بلاد الشام.
من مصر هاجر الأجداد إلى السودان برفقة الجيش الانجليزي المصري، حيث استقروا هناك.
إقامة ألان بيطار بسويسرا كانت بسبب رغبة والده في منحه تعليما أحسن، بعيدا عن التقلبات التي تعرفها المنطقة العربية، بحيث أدخله مدرسة داخلية بـ "شاطو دي" بالقرب من مدينة مونترو ولم يتجاوز عمره السادسة.
ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، التحقت العائلة به في جنيف، حيث تابع دراسته الثانوية في معهد فلوريمون الكاثوليكي.
انخراطه في النشاط السياسي في سن المراهقة، أدى به إلى المشاركة في مظاهرة ضد تعيين الأرشفيك مامي كزعيم للكنيسة الكاثوليكية في جنيف، وهو ما دفع إدارة المعهد الديني إلى فصله عن الدراسة.
هذا الفصل من الدراسة كان السبب في منعه من الحصول على الجنسية السويسرية للمرة الأولى، وبالتالي، منعه من الالتحاق باللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي كان ينوي العمل بها.
التحق في عام 1975 بمخيمات الفلسطينيين في صبرا وشتيلا، وتردد عدة مرات على المنطقة قبل أن يعود الى جنيف لمزاولة الدراسة من جديد في معهد جنيف للدراسات الدولية.
نشاطه في بيع بعض المنتجات الفنية التقليدية الفلسطينية، كان تمهيدا لتأسيس مكتبة الزيتونة في عام 1979 كأهم مكتبة عربية في جنيف، والتي أصبحت بمثابة مركز إشعاع للثقافة العربية في جنيف ومركزا فاق صيته حدود جنيف لكي يصبح مزارا لابد منه لكل ضيف على جنيف يبحث عن كل الكتب المحظورة في العالم العربي، وهذا لمدة 30 سنة.
تعززت المكتبة بتجربة تعريب جريدة لوموند الدبلوماسي التي استمرت لحوالي عشرة أعوام قبل التوقف بسبب الرقابة والحظر.
ولا شك في أن أهم التزام سياسي لألان بيطار تمثل في الإسهام في تأسيس حركة المانيفيست، أي تلك الحركة التي جمعت سويسريين وعرب ويهود لتصور كيفية الدخول في حوار بناء حول مشكلة الشرق الأوسط.
رغم رفض منحه الجنسية السويسرية ثلاث مرات، كرمته مدينة جنيف في عام 2006 "بميدالية جنيف التي تعترف بالجميل"، عرفانا للخدمات التي قدمها كهمزة وصل بين العالم العربي وجنيف.
swissinfo.ch