Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/151

من سيكون "التالي على اللائحة الأمريكية" بعد ليبيا؟ هذا هو السؤال الأبرز الذي يقض مضاجع الأنظمة العربية، وهي تستعد لاستقبال العام الجديد.هذا المحتوى تم نشره يوم 02 يناير 2004 - 11:28 يوليو,
فمن المتوقع أن لا يظل الشرق الأوسط خارج "لعبة التغيير" التي اعتمدتها واشنطن وذلك بغض النظر عن "شكل" هذا التغيير.
"انتظرناهم من العراق في الشرق، فجاءوا من ليبيا في الغرب". كان هذا التعليق الطريف لدبلوماسي عربي بارز في بيروت على تطورات العام المنصرم 2003 في المنطقة العربية، وهو تعليق مفعم بالمعاني والمضامين.
فهو يعني أن النصر الأمريكي الكبير الذي تحقّـق في أواخر عام 2003، عبر استسلام الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد يكون أقل أهمية من النصر الأمريكي الآخر الذي تجسّـد في أواخر العام نفسه عبر تسليم العقيد معمر القذافي لنفسه ولأسلحة الدمار الشامل التي يملك.
أما لماذا كان التطور الليبي أهم من التطور العراقي، فلأن الاستسلام الليبي تم بلا طلقة نار أمريكية واحدة. كل ما هناك أن العقيد القذافي فهم مبكّرا أنه سيكون التالي على اللائحة الأمريكية (على حد تعبير ريتشارد بيرل)، فسارع إلى رفع الرايات البيضاء.
وهذا بالتحديد ما كان يريده المحافظون الجدد الأمريكيون الذين كانوا يُـراهنون على أن إسقاط صدام حسين عسكريا، سيؤدّي إلى تهاوي أحجار دومينو "محاور الشر" أو "الدول المتشردة" سلميا.
كتب بيرل قبل سنتين: "إذا ما نجحت جهودنا الحربية في العراق وأفغانستان، فإن دبلوماسيتنا حينذاك ستختصر ببساطة بكلمتين: أنت الثاني على اللائحة". وجاء الاستسلام الليبي ليثبت وجهة نظر بيرل، الذي يعتبر العقل المخطط لإستراتيجيات المحافظين الجدد الأمريكيين.
مَـن بعد ليبيا؟
من سيكون "التالي على اللائحة الأمريكية" بعد ليبيا؟ هذا هو السؤال الأبرز الذي يقض مضاجع الأنظمة العربية، وهي تستعد لاستقبال عام 2004 الجديد.
قبل الحدث الليبي، كان ثمة اطمئنان لدى هذه الأنظمة بأن أمريكا الغارقة في الرمال العراقية المتحركة، لن تجد الوقت الكافي لتطل برأسها على بلدان أخرى. لكن هذه القناعة تبددت وبدأ الكل في الشرق الأوسط يتحسس رأسه.
البعض يتوقّـع أن تكون إيران هي التالية، خاصة وأنها بدأت منذ أشهر عدة بتسليم بعض أسرارها النووية، لتجنّب فرض حصار كامل عليها، والبعض الآخر يرى في سوريا فريسة سهلة قد يسيل لها لعاب المحافظين الجدد.
لكن، وبغض النظر عمّـن سيكون الهدف الثاني، ليس ثمة شك لدى المراقبين الشرق أوسطيين بأن الإدارة الأمريكية ستواصل في عام 2004 تصعيد مبدأ الحروب الاستباقية في المنطقة على الصعيدين، السياسي والأمني، مستفيدة من تسليم صدام حسين لنفسه، ومن استسلام العقيد القذافي بنفسه.
وهذا التصعيد الأمني – السياسي ستكون له الأولوية على كل المشاريع الديموقراطية التي تعد بتطبيقها الولايات المتحدة.
في انتظار الهوية الجديدة
صحيح أنها ستمضي قُـدما في خُـططها لتحويل العراق إلى نموذج ديموقراطي لكل المنطقة العربية. لكن الصحيح أيضا أن هذه الخطط ستزنها خطوط النار الآتية:
- الهدف الأمريكي الأبرز في العام الجديد سيكون أمنيا، وهذا يعني محاولة إطفاء جذوة المقاومة العراقية، وبالتالي، خفض الخسائر البشرية الأمريكية قبل اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نوفمبر المقبل. وبالطبع، حين يكون هاجس الأمن هو المسيطر، تتراجع إلى الوراء كل القيم والمبادئ الأخرى.
- لن يكون من السهل على الإدارة الأمريكية بلورة هوية عراقية جديدة تحل مكان الهوية القومية العربية التي كان النظام البعثي السابق يعلي من شأنها. فالأكراد الذين استساغوا استقلالهم القومي طيلة السنوات العشر الماضية، لن يقبلوا عن طيب خاطر، التضحية به على مذبح هوية وطنية عراقية جديدة. والشيعة العراقيون منغمسون منذ عقدين في حمأة إحياء إسلامي جعلهم يضعون الانتماء الديني أو المذهبي قبل الانتماء الوطني العراقي.
- ثم هناك بالطبع السّنة العراقيون الذين يجدون أنفسهم غُـرباء في بيئة جديدة تُـهيمين عليها الأصولية الدينية، الشيعية والأصولية القومية الكردية. وكل ذلك سيجعل من عملية إعادة البناء السياسي - الأيديولوجي في العراق مسألة صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة ما لم تبرز من بين الصفوف حركة وطنية عراقية تنجح في انتشال البلاد والعباد من أتون الحروب الباردة المذهبية والعرقية.
لكن، ومع افتراض النجاح في إطلاق الهوية العراقية الجديدة، فإن التحّول الديمقراطي بعد ثلاثة عقود من الاستبداد والديكتاتورية، سيحتاج إلى سنوات عدة. ومن المشكوك به كثيرا أن تتمتّـع الولايات المتحدة بهذا القدر من النفس الطويل لبناء الديمقراطية العراقية.
الأرجح، أنها ستنحاز حينذاك إلى السيناريوهات التي تدعو، إما إلى "إدارة صراع" الحرب الأهلية بين السنة والشيعة، أو إلى تقسيم البلاد إلى ثلاث شطائر، سنّية وشيعية وكردية.
تيقظ خليجي
هذه المخاطر العراقية تعزّز المقتنعين بأن جدول الأعمال الأمني سيُـهيمن على جدول الأعمال السياسي لدى المحافظين الجدد الأمريكيين في الشرق الأوسط.
بيد أن هذا الهوس الأمني لا يعني أن الأمور ستبقى على ما هي عليه في الشرق الأوسط في العام الجديد، وهذا لسبب منطقي: باتت الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر تعتبر ما يعلّم ويُـدرّس ويُـمارس، سياسيا واقتصاديا في المنطقة العربية جزءا من أمنها القومي. لذا، فهي تُـطالب الأنظمة العربية الآن بإدخال الإصلاحات التي تُـساعد على وأد ظواهر مثل تلك التي جسّدها أسامة بن لادن.
كانت الأنظمة الخليجية الأكثر إدراكا لهذا التوّجه. لذا، كانت حريصة في قمة مجلس التعاون الأخيرة التي عُـقدت في الكويت الشهر الماضي، على التشديد بأنها تنوي "تطوير المناهج التعليمية والتربوية بهدف مكافحة الإرهاب"، لا بل ذهب بعضها إلى أبعد من ذلك. فقد أوحت البحرين أنها في صدد إدخال المزيد من التطورات والإصلاحات السياسية في عام 2004.
وقطر، التي أقرّت في العام الماضي دستورها، أشارت إلى أنها ستواصل إدارة ظهرها للأوتوقراطية السابقة. وقالت الأسرة الحاكمة في الكويت إنها ستُـواصل الضغط للسماح للمرأة الكويتية بالمشاركة الكاملة في الحياة السياسية.
وتبقى المملكة العربية السعودية، التي لم تستطع بعدُ العثور على صيغة الإصلاحات السحرية التي يُـمكن أن تُـزيل عن كاهلها وطأة الضغوط الأمريكية من دون أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الأسس الأيديولوجية – القبلية للنظام.
ولعل أبرز دليل على ذلك، هو ما ذكرته مجلة "الايكونوميست" البريطانية في تقريرها السنوي الأخير من أن المملكة "تبذل جهودا مضنية للإثبات للأمريكيين بأنها مصمّـمة على مواجهة العناصر المتطرفة في البلاد". والأرجح أن تشمل هذه الجهود الآن قيام السلطات بـ "كشف سلسلة من المؤامرات المناوئة للغرب". بالطبع، السخرية الإنجليزية هنا واضحة، بيد أنها مع ذلك تُـشير إلى طبيعة الأزمة المعقّـدة التي تمر بها المملكة حاليا.
تطورات متوقعة في المشرق
هذا عن منطقة الخليج، أما في باقي المشرق العربي، فالصورة في عام 2004 قد تكون على النحو الآتي:
- في مصر، يتوقّـع أن يشهد العام الجديد تصاعد حرارة السباق لخلافة الرئيس حسني مبارك، بين نجله جمال، وبين باقي المتنافسين الذين ينتمون في مُـعظمهم إلى المؤسسة العسكرية. لكن، وبغضّ النظر عمّـن سيكون الرئيس المقبل، ستكون السنة الجديدة صعبة على مصر والمصريين على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
فمنذ عام 1997 وقع الاقتصاد المصري في حالة من الجمود، خاصة بعد الأعمال الإرهابية في الأقصر وغيرها، فتباطأ الإصلاح، وتراكمت الاختناقات الناجمة عن الانفجار الديموغرافي الكبير، وتفاقمت مشاكل القطاع العام المتضخم. والطبع، آخر ما تحتاجه مصر في عام 2004 هو اهتزاز سياسي يُـضاف إلى الهزات الاقتصادية.
- وفي سوريا، وبرغم وجود جمود اقتصادي أيضا، إلا أن الخطر عليها في العام الجديد لن يأتي من بوابة الاقتصاد، بل من نافذة السياسة الخارجية، إذ أن معظم التوقعات تشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنويان تصعيد الضغوط عليها، لحملها على تغيير توجهاتها الخارجية.
- وفي لبنان، الذي ستجري فيه هذا العام انتخابات رئاسية، سيبقى الوضع هشّـا على كل الأصعدة. فالديون التي بلغت رقما فلكيا وصل إلى 33 مليار دولار عام 2003، والبنك الدولي يحّذر من "كارثة" في أواخر عام 2004 ما لم يتم إصلاح العطب الاقتصادي. وفوق هذا وذاك، تلقي الخلافات السورية - الأمريكية بظلالها على الوضع اللبناني، وتهدد بفراغ دستوري، ما لم تتفق دمشق وواشنطن على هوية الرئيس الجديد.
- وفي إيران، قد تكون السنة الجديدة حاسمة، ولكن بالمعنى السلبي. فرفض غالبية الناخبين الإيرانيين المشاركة في الانتخابات العامة التي ستجري خلال العام القادم، سيسفر عن تسليم البرلمان إلى المتطرفين المحافظين، وهذا سيؤدي إلى أن إطلاق رصاصة الرحمة على المشروع الإصلاحي الليبرالي، ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام صراع مكشوف بين "الملالي" المحافظين، وبين غالبية الإيرانيين على أسس صراع ديني- علماني
شعاع واحد
هل تعني كل هذه التطورات المحتملة أن آفاق عام 2004 تبدو غير جذّابة في المنطقة العربية؟ ففي الصورة، مع أسف، تبدو كذلك.
فتركيز الأمريكيين على الأمن لن يترك مجالا كبيرا أمام تفتّـح الكثير من الورود الديمقراطية في الشرق الأوسط. والوضع الاقتصادي العام في المنطقة غير مبشّر. فالبطالة فيها هي الأعلى في العالم (ما بين 12 و27% في الجزائر، ومصر مثلا)، ومعدلات النمو الاقتصادي ليست كافية، خاصة وأن معدلات النمو السكاني هي الأعلى أيضا في العالم. والعالم العربي في حاجة إلى مليون فرصة عمل سنويا، إذا ما أراد الحفاظ على المستوى الحالي للبطالة وإلى ما بين 7 و15 مليون وظيفة جديدة، إذا ما أراد خفضه.
ثم هناك المأساة الفلسطينية الدائمة التي لن تجد لها حلا على الأرجح مع بقاء أرييل شارون في السلطة خلال العام الجديد، بما يعنيه ذلك من تسعير مشاعر الغضب والتمرد في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي.
ومثل هذه المشاعر لن تفعل شيئا سوى زيادة شعبية أسامة بن لادن وباقي المنظمات الأصولية التي يُـمكن أن تستأنف نشاطها بقوة في العام الجديد، بما في ذلك ربما داخل حدود الوطن الأمريكي نفسه.
لكن، وبرغم هذه اللوحة الداكنة (والتي لا تختلف في الواقع عن لوحات السنوات الماضية، إلا أن شعاع ضوء وحيد قد يُـضيء عتمة الليل الشرق الأوسطي: أمريكا القوة العظمى المهيمنة على المنطقة والعالم تغيـّرت بشكل جذري منذ 11 سبتمبر وغيّـرت معها العالم. وسيكون من المستحيل أن يبقى الشرق الأوسط خارج لعبة التغيير هذه، بغض النظر عن شكل هذا التغيير.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>