Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/90

منذ 1962، استثمرت سويسرا أكثر من 500 مليون فرنك في رواندا في مجال التعاون الإنمائي وفي المجال الإنساني. عشرون عاما بعد الإبادة الجماعية، تسلّط دراسة وفيلم وثائقي الضوء على العلاقة الغامضة بين البلديْن.
استثمرت سويسرا بين عاميْ 1963 و1993 ما يناهز عن 340 مليون فرنك كمساعدات انمائية لرواندا. الدراسة الموثّقة جدا، والتي أنجزها لوكاس زوركر "سويسرا في رواندا (1900 – 1975)" بالإضافة إلى الفيلم الوثائقي "كنا قد جئنا من أجل المساعدة"، لطوماس إيسلر. يقدّم كل واحد بطريقته مشروعيْن رائديْن من مشاريع الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية. تعاونية المستهلكين ومنتجي القهوة، عمل، وموثوقية، وتقدّم، التي اختفت في فترة الإبادة الجماعية. ومشروع المصارف الشعبية المستوحات من رافايزن، حيث لا يزال جزء من هذه الشبكة ينشط حتى يومنا هذا، في غياب أي مشاركة سويسرية.
في رأي لوكاس، المؤرّخ السويسري من زيورخ "بدأت الحكومة السويسرية توثّق علاقاتها مع رواندا لأنها تطمح إلى تصحيح صورة حيادها السلبي والذي يتعرّض للنقد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتطمح الكنفدرالية إلى أن تكون عضوا في نادي الإعانات الدولية الذي ظهر في ارتباط بمفهوم التنمية".
وكطريقة لتعزيز الحضور السويسري على المستوى الدولي، ينظر إلى رواندا "كمنصة ونافذة للتعريف بالخبرات السويسرية". ويضيف هذا المؤرّخ: "منذ 1961، نشطت سويسرا على مستوى التعاون الثنائي. وابتداءً من 1963، جعلت رواندا البلد ذات الأولوية بالنسبة لها . وخلال الصراع العرقي، أيّد السويسريون بطريقة متكرّرة وحتى سنة 1994 نظام الهوتو".
مساعدة ذات غايات
في الفيلم الوثائقي، يؤكّد السفير السويسري أوغست ليندت سنة 1962 أن "سويسرا اختارت رواندا لأنها بلد صغير. وما نقوم به هناك له أهمية بالغة بالنسبة لهذا البلد". وليندت جاء بعد هانس كيلّر، العضو الثاني في بعثة التعاون الفني التابعة لوزارة الشؤون السياسية على المستوى الفدرالي، وهي المؤسسة التي يطلق عليها حاليا الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية. لقد جعلت رواندا في أعلى سلّم الإهتمام بالنسبة للمساعدة السويسرية التي أنشأت للحين آنذاك.
هل كان التعاون الثنائي مهملا على المستوى الفدرالي؟ يردّ المؤرّخ من زيورخ "هذا غير صحيح بالمرة"، ثم يضيف: "تنزّل هذا التعاون في إطار التاريخ الإستعماري بإفريقيا وفي إطار العلاقات الدبلوماسية والجيوسياسية الاوسع. وبالتالي بحسب منطق الأقطاب الذي ساد خلال فترة الحرب الباردة، فإن هذا التعاون يتنزّل ضمن مناهضة الشيوعية في القارة الإفريقية. لكن كذلك في إطار البحث عن اعتراف ببلد صغير على المستوى الدولي".
في الفيلم، يشيد تقرير أنجز في فترة سابقة بإنجازات تعاونية المستهلكين ومنتجي القهوة (Trafipro) ويشير إلى أن سويسرا تصدّر إلى رواندا مدرسة في الديمقراطية، ومناقشات على شاكلة فعاليات التصويت برفع الأيدي (يُعرف بتسمية Landsgemeinde ) وتفصّل شانتال إليزابيت الكاتبة المشاركة لسيناريو الفيلم الوثائقي ذلك فتقول: "تصدّر سويسرا نموذجا وتعيد انتاج رؤية للوطن الأصلي في حقبة ما بعد الإستعمار حيث تمارس التبشير بمبادئها. والمفارقة هنا تتمثّل في أن فكرة الحياد التي تفتخر بها سويسرا والتي تقوم على التمسّك بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية لبلد آخر في حين أن الواقع يظهر عكس ذلك". وبالنسبة لإليزابيت، العاملون في الميدان والمتعاونون "لا يعيرون اهتماما لذلك، وصادقون في التزامهم، ومقتنعون بالمهمة التي وضعوها لأنفسهم".
"كان بإمكان سويسرا فعل المزيد"
مثل العديد من البلدان الأخرى، أوقفت سويسرا في أبريل 1994 مشاريع المعونة التي كانت تقدمها إلى رواندا، وسحبت موظفيها. وفي السنوات اللاحقة، ضخت سويسرا ملايين الفرنكات كمساعدات انسانية، وفقا لجيورجيو بيانكي، مسؤول برامج الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية الموجهة لمنطقة البحيرات الكبرى.
ويتذكّر جيورجيو بيانكي كيف أن "الاحداث المروعة في رواندا قد صدمت العديد من السويسريين. والكنفدرالية كانت تشعر في تلك الفترة أنها قريبة جدا من رواندا، وقد فقدت الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية العديد من المتعاونين المحليين" خلال أعمال الإبادة. وعندما زادت التوترات بين التوتسي والهوتو بشكل خطير في بداية التسعينات حدّت سويسرا من مشاريع المساعدة وأخضعت تعاونها مع رواندا لمراجعة سنوية على عام 1994 حيث وضعت حدا نهائيا لتلك المشروعات.
ويعترف جيورجيو بيانكي بأنه "كان بإمكان سويسرا بالتأكيد بذل مجهود أكبر. كان بإمكانها مثلا القيام بتحليل أفضل للوضع السياسي وتنسيق مواقفها وتحركاتها مع بقية البلدان المانحة". مع الوعي بمحدودية التأثير السياسي لسويسرا على مجريات الأحداث: المساعدات الإنسانية السويسرية لا تتجاوز 5% من مجموع المساعدات الدولية لرواندا.
اليوم رواندا ليست ضمن قائمة البلدان التي تحظى بالاولوية لدى الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية. لكن المساعدة التي تقدمها الكنفدرالية لمنطقة البحيرات الكبرى لا تزال نشطة. والأولوية أصبحت تمنح حاليا لدعم وتعزيز العملية الديمقراطية في هذه البلدان. وتتابع سويسرا عن كثف التطورات السياسية في رواندا وهي بصدد إجراء حوار "مفتوح" مع كيغالي.
المصدر: وكالة الانباء السويسريةنهاية الإطار التوضيحي
خطاب مزدوج
الفيلم الوثائقي يمنح فرصة الحديث للمتعاون الوحيد الذي لا يزال يعمل في صفوف الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية، والذي يقرّ بأنه "لو أن سويسرا انسحبت من رواندا في عامي 1992 و1993، ربما تكون بريئة من أي شائبة، ولكن في تلك الحالة لن تكون هناك أي امكانية لتقديم الدعم إلى الأشخاص المعتدلين التي بذلوا وسعهم حتى النهاية". وفقا لشانتال إليزابيت، لم يكن أي من موظفي الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية العاملين على عيْن المكان يتكلّم اللغة المحلية، أي الكينا رواندا.
لكن جون فرانسوا غينود، منسق سابق لمشاريع رواندا بين عامي 1990 و1994 انطلاقا من برن يشير إلى اعتماد الروانديين "خطابا مزدوجا: خطاب باللغة الفرنسية موجه إلى المجتمع الدولي، وخطاب آخر لا أفهمه، ولكن زملائنا الروانديون الذين يتقنون لغة الكينا رواندا المحلية يقولون لنا إنه خطاب آخر موجّه للأسف إلى السكان الروانديين".
منذ وصولهم إلى هناك، تبنى السويسريون مواقف أوّل رئيس رواندي من الهوتو، غريغوار كايباندا، (1962 – 1973) الذي طالب سويسرا سنة 1962 المشاركة في تقديم المساعدة الإنمائية لبلاده. ومن خصوصية التعاون الإنمائي السويسري في هذا البلد، ارسال سويسرا ستة مستشارين إلى الرئاسة ما بين 1963 و1975، وما بين 1982 و1993. ومثلما يذكر لوكاس زوركر، كان تأثير المستشارين السويسريين الخمس الأوائل على الحكومة الرواندية تأثيرا محدودا. أما المستشار السويسري الأخير، شارلز جنيرات، لدى الرئيس الرواندي من الهوتو، جوفينال هابياريمانا (1973 – 1994)، فقد بلغ مرتّبه 200.000 فرنك سويسري في السنة طوال 11 عاما. أما الدور بالضبط الذي أداه فيحتاج إلى تقييم.
ويناقش الفيلم الوثائقي حالة جون كامباندا، رئيس شبكة البنوك الشعبية حتى عام 1994. كامباندا، كان رئيس وزراء الحكومة المؤقتة خلال عمليات الإبادة الجماعية، وقد حكمت عليه محكمة الجنايات الدولية بالسجن مدى الحياة في عام 1998 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
التقليل من خطورة أعمال العنف
إذا كانت الكنفدرالية لم تقلل من أهمية التوترات العرقية، فإن أعمال العنف التي تسببت في مذابح شنيعة، وفقا للوكاس زوركر، لم يقع التنديد بها. ويقول هذا المؤرخ: "في الفترة الممتدة بين 1959 و1964، كان هناك العديد من أعمال العنف الجماعية، والتي أجبرت تلك الأعمال قرابة 200.000 ساكن من التوتسي على اللجوء إلى أوغندا والكونغو الديمقراطية والبورندي. ومن الملفت للنظر ملاحظة كيف تعايش المتعاونون السويسريون الذين جاؤوا إلى رواندا في ذلك الوقت مع هذا الوضع الذي تفشى فيه العنف على نطاق واسع، ولم يصدر عنهم تقريبا أي ردّ فعل. هل هي الأفكار المسبقة المعششة في رؤوس السويسريين بأن الروانديين لم يبلغوا درجة كافية من التحضّر هي التي جعلتهم يغضون الطرف، وألقت بهم في حالة من الإنتظارية المتسلحة بالصبر وقبول ما كان يحدث".
يحاول المؤرّخ السويسري التعمّق في فهم هذا الموقف، ويكمن الخطأ بالنسبة إليه في أنه: "تم استخلاص نوع من التشابه بين الوضع في رواندا وفي سويسرا زمن العصور الوسطى من خلال النظر إلى التوتسي كما لو انهم هابسبورغ (عائلات من أصول ألمانية غزت سويسرا في العصور الوسطى) وتشبيه الهوتو بسكان سويسرا الأصليين، وأصبحت أعمال العنف من هذا المنظور عملا مبررا للدفاع عن النفس".
أما التقرير المثير للجدل الذي كلّفت وزارة الخارجية السويسرية جوزيف فوايام، الرئيس السابق للمكتب الفدرالي للعدل ( 1996) بإنجازه فيوجه انتقادا للوكالة السويسرية للتعاون والتنمية التي افتقرت في بداية التسعينات إلى القدرة على التنبؤ بحصول كارثة في المستقبل، وخاصة الحجم الكبير لما حدث، مع الإشارة إلى انعدام رد الفعل منها في بداية التسعينات على العنف بين الأعراق.
(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch