Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00915.jsonl.gz/107

كما كان متوقعا ومبرمجا، تم الإعلان عن نتائج الانتخابات البلدية في تونس، واحتل الحزب الحاكم، مثلما جرت العادة منذ أكثر من نصف قرن، المرتبة الأولى.هذا المحتوى تم نشره يوم 09 مايو 2005 - 14:30 يوليو,
لكن هذه الانتخابات شهدت تراجعا شكليا عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت قبل أشهر قليلة، حيث غابت عنها جميع تنظيمات المعارضة الاحتجاجية.
تم صبيحة الإثنين 9 مايو الإعلان في العاصمة التونسية عن نتائج الانتخابات البلدية، واحتل الحزب الحاكم، مثلما جرت العادة منذ عام 1956، المرتبة الأولى، حيث فاز بالأغلبية الساحقة من مقاعد مجالس البلديات، التي يبلغ عددها 264 بلدية.
ولم يترك التجمع الدستوري للأحزاب الأربعة الأخرى، التي تنظر إليها السلطة بارتياح سوى 260 مقعدا (أي حوالي 6%) من مجموع 4366 مقعدا، وهذا يعني أن المشهد السياسي لم يتغير في تونس، وأن الذين توقعوا تعديلا، ولو طفيفا في السيناريوهات الانتخابية، أصيبوا مرة أخرى بخيبة أمل جديدة.
فهذه الانتخابات شهدت تراجعا شكليا عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت قبل أشهر قليلة، حيث غابت عنها جميع تنظيمات المعارضة الاحتجاجية.
هذه التنظيمات، التي شكلت جبهة ثلاثية تحت عنوان "التحالف الديمقراطي للمواطنة"، والتي جمعت لأول مرة "الحزب الديمقراطي التقدمي" و"حركة التجديد" و"التكتل الديمقراطي للعمل والحريات"، قدمت سبعة قوائم ضمّـت مائتي مرشح، لكن السلطات أسقطتها جميعا بحجة "عدم التزامها بالشروط القانونية".
مقرّان مزعجان
لم يتابع المراقبون حيثيات الحملة الانتخابية، التي وُصفت بأنها كانت "باهتة"، وإنما كانت أنظارهم مشدودة لمقرّين اثنين، أحدهما مقر "الحزب الديمقراطي التقدمي"،الذي يقع بقلب العاصمة وعلى بعد خطوات من الشارع الذي لا يزال يحمل اسم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.أما المبنى الآخر، فتستأجره "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" الواقع بمنطقة العمران.
هذان المقران أزعجا السلطة بشكل ملحوظ، بعد أن تحولا إلى محور لتجميع كل الأصوات الغاضبة والمطالبة بالديمقراطية، المشككة في شرعية "المؤسسات الحاكمة". ولهذا السبب بالذات، لا تزال الحكومة معترضة على تمكين الرابطة من تمويل وفّـره لها الاتحاد الأوروبي، ولولا حملة التبرعات التي شارك فيها عدد واسع من النشطاء، لأصبحت أقدم جمعية حقوقية في العالم العربي لاجئة تبحث عن مأوى.
أما قيادة الحزب الديمقراطي، فقد تلقت تهديدا خلال الأسبوع الماضي من صاحب المحل الذي أجّـرته منذ سنوات خلت، يطالبها بعدم استعماله لأي نشاط سياسي خارج إصدار صحيفة "الموقف"، وإلا "من أنذر فقد أعذر".
لقد شهد المقرّان خلال الأيام الأخيرة نشاطات مكثفة، حاول أصحابها أن يسلطوا أضواء قاتمة على المشهد السياسي والحقوقي الذي جرت فيه الانتخابات البلدية. لقد حضر العشرات من النشطاء والديمقراطيين لمتابعة مداخلات، تناول فيها أصحابها أوضاع حرية الصحافة والتعبير في تونس، مع تركيز على وضع الإنترنت، ومساندة مساجين مجموعة جرجيس، وعبد الله الزواري، الصحفي السابق بصحيفة الفجر المتوقفة عن الصدور منذ بداية عام 1991.
كما لم يسبق أن صدر مثل هذا العدد من التقارير التونسية والأجنبية الخاصة بأوضاع الإعلام التونسي، وقد أجمعت هذه التقارير، رغم اختلاف مشارب أصحابها، على اتهام السلطة بمواصلة إحكام رقابتها على الصحف ومختلف وسائل الإعلام، بل ذهبت نقابة الصحفيين إلى حد القول في تقريرها الأول، بـ "وجود خطة رسمية محكمة لتشديد الرقابة أدّت إلى الوضع الراهن".
كما احتضن مقر الرابطة ندوة صحفية خصّـصت لعدد من ممثلي المنظمات الدولية، التي قدم ممثلوها التقارير الخاصة بأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في تونس قبل ستة أشهر من انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات.
ورغم أنها المرة الأولى التي سمحت فيها السلطة لهذه المنظمات من التجمع ومخاطبة الصحفيين من داخل تونس، بعد أن كان بعض مسؤوليها ممنوعين من الدخول إلى البلاد لسنوات طويلة، غير أن ممثلي هذه الجمعيات والشبكات الدولية رفضوا اعتبار ذلك "خطوة إيجابية"، إذا كان المقصود منها "تبييض الواجهة"، وهدّدوا بالاستمرار في الضغط على الحكومة التونسية، حتى تقدم على إصلاحات حقيقية قبل شهر نوفمبر القادم، تاريخ انعقاد القمة العالمية.
معركة مفتوحة ضد الصحفيين المستقلين
خلافا لما يعتقده الكثيرون، فإن السلطة في تونس تحاول أن تبرز، كما فعلت دائما في السابق، في مظهر النظام الذي لا يخضع للضغوط الداخلية أو حتى الخارجية مهما اشتدت.
وقد تجلت هذه الإرادة في تصعيد الحكومة مواجهتها ضد قطاع الصحفيين من جهة، والدخول في معركة كسر العظم مع قطاع المحامين. فبالنسبة للصحفيين، تحاول السلطة وضع حد للانقسام المتزايد بين الإعلاميين الموالين للحكم، وبين زملائهم الذين أخذوا يشقون عصى الطاعة.
وقد تجلى ذلك بوضوح، بعد أن أصبحت جمعية الصحفيين التونسيين تعيش حالة عُـزلة تامة وشلل كامل. وقد جاءت المفاجأة هذه المرة من داخل مكتب الجمعية، عندما أصدر ثلاثة من الأعضاء تقريرا جريئا عن أوضاع الإعلام، فما كان من البقية الموالين للحزب الحاكم إلا أن أعلنوا تبرأهم من ذلك، وهدّدوا بمعاقبة زملائهم، وأعطوا بذلك الفرصة للجهات الأمنية التي قامت بإيقاف واستنطاق أحد الثلاثة (ناجي البغوري الذي تم إطلاق سراحه).
من جهة أخرى، فشلت الحكومة في إلغاء نقابة الصحفيين، التي تأسست قبل عام، وأصرت على توجهها الاستقلالي. لهذا، تعددت محــاولات الضغط على رئيسـها "لطفي حجي"، الذي يتعرض منذ أيام للملاحقة الأمنية.
معركة أخرى أشد ضد المحامين
تبدو المعركة الثانية أشد شراسة، وتقودها السلطة بكل "حزم" و"عنف" ضد من تتهمهم بتسييس قطاع المحاماة. فبعد ملف المحامي "محمد عبو" الذي أشعل فتيل المواجهة، أصدر "المجلس الأعلى للقضاء، المكون من ثلاثين قاضيا، أغلبهم معينين من طرف السلطة التنفيذية، بيانا شديد اللهجة ضد المحامين.
ولم تمض سوى فترة وجيزة، حتى توالت العقوبات المسلطة على عدد من المحامين المعروفين بنشاطهم السياسي المعارض للحكم، بدءً من الحكم بأربعة أشهر على المحامي اليساري فوزي بن مراد، المعروف بمواقفه الديمقراطية، وصولا إلى دعوة عمادة المحامين إلى إحالة أربعة محامين على مجلس التأديب بتهمة "التحريض والتشويش" على المحكمة. كما لم تتردد أجهزة الأمن في اللجوء إلى القوة لتشتيت تجمّـع قام به أصحاب الجلباب الأسود داخل مبنى "قصر العدالة" وسط العاصمة. كل ذلك اعتُـبر بمثابرة المؤشر على أن السلطة قد قررت "تأديب قطاع المحامين"، حسب تعبير أحدهم.
هذا القطاع الذي تصاعدت حركته الاحتجاجية خلال الأشهر الأخيرة، مما جعل "الطبقة الحاكمة" تخشى من أن يُـعَـرض هذا التصعيد الاستقرار السياسي السائد إلى الخطر، وأن يجُـر قطاعات مهنية واجتماعية أخرى إلى رفع صوتها الاحتجاجي، وربما الانحياز إلى "جبهة" المطالبين بالإصلاح السياسي.
وقد بلغت المخاوف درجة خطيرة، عندما اتجهت النية نحو إمكانية إقدام السلطة على حل نقابة المحامين، التي لم يتمكّـن الحزب الحاكم من استرجاعها طيلة السنوات الماضية، وذلك بالعودة إلى التشكيك في سلامة الإنتخابات التي تمت قبل أشهر، لكن أطراف المعارضة والجمعيات المستقلة اعتبرت بأن المعركة التي يخوضها المحامون، لا تخص فقط أصحاب القطاع، وإنما هي "معركتهم جميعا للدفاع عن الحريات والاستقلالية"، على حد تعبير أحد الأمناء العامين لحزب مغضوب عليه.
حركة النهضة بين حبلين
في هذا السياق العام، تقف قيادة حركة النهضة المحظورة مشدودة إلى حبلين. فهي من جهة، تتعرض منذ أشهر لضغط متزايد من قبل جزء هام من كوادرها الذين بدأ يُـداعبهم الأمل في قرب احتمال إطلاق سراح مساجينهم، ولو كان ذلك لاعتبارات إنسانية، خاصة بعد الحوار الذي بادرت بتنظيمه قناة "المستقلة" التي تبث من لندن مع الناطق السابق باسم حركة النهضة المهندس علي العريض.
هذا الحوار الذي ما كان بالإمكان إنجازه، لولا وجود ضوء أخضر من جهة رسمية نافذة، وبالتالي، مطالبة القيادة بالتقيد بسياسة التهدئة وإظهار حسن النية، وبين من يحذر من وقوع الحركة في "فخ السلطة"، التي يقولون عنها بأنها "لا تقبل الحوار مع أي طرف".
أما الحبل الآخر الذي تتمسك به قيادة "النهضة" في الخارج، فهو حِـرصها الظاهر على الاستمرار في الوقوف إلى جانب الحركة الديمقراطية الاحتجاجية، وذلك بدافع الرغبة في أن تكون جزءً من هذه الحركة، أو ربما أن تلعب دور القاطرة لها في مرحلة قادمة، لفرض نهج من التغيير والإصلاح السياسي.
بين تونس ومصر: الفارق لا يزال شاسعا
هكذا يبدو المشهد السياسي في تونس بعد أن انفض "عرس" الانتخابات البلدية. هذه المحطة التي تعتبرها السلطة "خطوة أخرى نحو دعم الديمقراطية"، في حين يرى معارضوها بأنها كانت دليلا إضافيا على إصرار نظام الحكم على التحليق خارج إطار المتغيرات التي اجتاحت البلاد العربية، بما في ذلك الدول الأشد انغلاقا، منذ أن أصبح "إصلاح المنطقة" بندا متقدما في الأجندة الدولية.
وإذا كان النشطاء والمعارضون في تونس يتمنّـون دفع الأوضاع في اتجاه الحالة المصرية، فإن السلطة في تونس مُـدركة لذلك، وهي أو جزء من مكوناتها الرئيسية يعمل بكل قوة، ودون الالتفات إلى دهشة الجهات الداخلية والخارجية، على غلق جميع المنافذ التي يخشى أن تتحول إلى مدخل لجعل تونس شبيهة بمصر.
لكن، هل سيكون هذا التصعيد في صالح الحكم؟ وهل ينجح في شل الأطراف الأكثر مقاومة في المجتمع المدني؟ إن الأصوات التي ارتفعت مع أواخر الأسبوع الماضي داعية إلى التهدئة، تعلم جيدا بأن الحكمة تقتضي تجاوز سياسة التسعينات.
صلاح الدين الجورشي - تونس
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>