Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/120

كان تقدم سويسرا متفاوتاً وبطيئاً بعض الشيء منذ إقراراها لـ "مبادئ واشنطن"- تلك المجموعة من المبادئ التوجيهية الهادفة إلى تشجيع المتاحف في العثور على الأعمال الفنية المنهوبة من طرف النازيين، والتعرف عليها وتحديد مصدرها، وإعادتها إلى الوَرَثة الشرعيين للأشخاص الذين نُهِبَت منهم هذه الأعمال.
كانت سويسرا واحدة من 44 حكومة ومنظمة توافق على مبادئ واشنطن لعام 1998 بشأن الأعمال الفنية المصادرة من قبل النازيينرابط خارجي. وكان الهدف المُعلَن من هذه المبادئ، هو الكَشف عن الاعمال الفنية التي نَهَبَها النازيون، والسعي إلى العثور على "حلول عادلة ومنصفة" مع ورثة الملّاك اليهود الأصليين.
ناضل استاذ التاريخ آلان مونتياغل لأكثر من عقد من الزمن لاستعادة اللوحة الفنية للفنان البريطاني جون كونستابل الموجودة في متحف الفنون الجميلة في لا شو دو فون (La Chaux-de-Fonds)، تلك المدينة الصغيرة الواقعة في جبال الجورا السويسرية بالقرب من الحدود الفرنسية.
وكانت لوحة Dedham-from-Langhamرابط خارجي قد تعرضت للسرقة من منزل عمة جّده اليهودية آنا جافيه في مدينة نيس الفرنسية بعد وفاتها في عام 1942 - إلى جانب جميع ممتلكاتها الأخرى. عقب ذلك، استلم متحف الفنون الجميلة في لا شو دو فون اللوحة كجزء من تركة.
عندما تطرَّق مونتياغل إلى موضوع اللوحة من مسؤولي المدينة لأول مرة، لم يجادل المسؤولون مسألة أن اللوحة قد نهبت‘ فهذا مذكور أسفل اللوحة. لكنهم فضوا التنازل عنها، وقالوا أن المتحف قبل اللوحة بحسن نية، وأن القانون السويسري لا يُلزِم بإعادتها في مثل هذه الظروف. وفي عام 2016، وصف رونالد لاودير، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، هذا الرَد بأنه "يفتقر إلى أي نوع من الخجل".
بهذا الصدد، يقول مونتياغل أنه قام بجمع التوقيعات في سوق المدينة، وهدد برفع دعوى قضائية، واضطر في النهاية إلى دفع مبلغ 80,000 يورو لاسترداد اللوحة في شهر مارس من هذا العام. "إنهم لم يكونوا راغبين بسماع أي شيء من طرفنا"، كما قال استاذ التاريخ الذي يعيش اليوم في فرنسا، والذي نجح في استرداد أعمال فنية تعود لعائلته من أماكن بعيدة مثل تكساس. وكما أضاف: "لقد نصحهم محاميهم بتفادي الاتصال المباشر بنا. لقد كان الاجراء برمته بغيضاً للغاية".
تغير المواقف
كانت "مبادئ واشنطن" غير المُلزِمة، والتي أقرتها سويسرا في عام 1998، مُصَمَّمة لتفادي مثل هذا النوع من السيناريوهات بالذات. وقد وافقت الحكومات المُوَقِّعة على تشجيع المتاحف على أراضيها للبحث عن مصادر مجموعاتها الفنية، والتعرف على الاعمال الفنية التي استولى عليها النازيون، والسعي لإيجاد "حلول عادلة ومنصفة" بشأن الاعمال المسلوبة مع جامعي الأعمال والقطع الفنية اليهود وورثتهم. وبمناسبة مرور عشرين عاماً على "مبادئ واشنطن"، يشارك المسؤولون السويسريون في مؤتمر يعقد في برلين في الفترة من 26 إلى 28 نوفمبر، للاحتفال بهذه الذكرى، ولبحث ما أنجِز على الصعيد الدولي حتى الآن، وما لا يزال يتعين إنجازه.
وفي هذه السياق، أشارَت نينا تسيمَّر، مديرة متحف الفنون الجميلة في بَرن، إلى تغير المواقف في سويسرا، وإلى احتلال موضوع القطع الفنية المنهوبة من قبل النازيين عناوين الصُحُف مِراراً وتكراراً. وقد توضح ذلك في الآونة الأخيرة مع وصية كورنيليوس غورليت [هو ابن تاجر أعمال فنية كان متعاونا مع النظام النازي] المثيرة للجدل (في عام 2014) مع تحويل مجموعة الأعمال الفنية الضخمة التي كانت بحوزته إلى متحف برن للفنون الجميلة - والتي ترددت برن في قبولها.
وبرأي تسيمَّر،ساعد التركيز على موضع التَرِكة في بَرن على زيادة الوعي. حول هذا الموضوع. "لقد تغير المزاج بشكل كلّي، والعديد من زملائنا هنا يشاركون في هذا الموضوع الآن"، كما تقول.
معالجة أولية...
وكما توضح مديرة متحف الفنون الجميلة في بَرن: "كان نقص التمويل والافتقار إلى الخبرة من بين المشاكل التي كنا نعاني منها في الماضي". أما المُعَوق المهم الآخر، فكان يتعلق بسوق الفن نفسه، مع امتناع متداولو الأعمال الفنية عن فتح أرشيفاتهم، كما يقول توماس بومبرغر، وهو مؤرخ ومؤلف كتاب يتناول عمليات نَهب الأعمال الفنية من قبل النازيين وسويسرا.
من جانبها، عالجت المؤسسات السويسرية أولى هاتين المشكلتين إلى حد ما على الأقل، حيث يعمل متحف الفنون في برن اليوم، وبالتعاون مع جامعة المدينة العريقة، على تدريب الشباب في مجال بحث مصادر هذه الأعمال، كما وَفرَت الحكومة السويسرية في عام 2016 ولأول مرّة التمويل اللازم للمتاحف لإجراء هذه البحوث.
وقد خَصَّص المكتب الفدرالي للثقافة مبلغ مليوني فرنك سويسري (2,01 مليون دولار) لمجال بحوث مصادر الاعمال الفنية في المتاحف في الفترة الممتدة بين 2016 و2020. ومن جانبها، يتعين على المتاحف أن تُطالِب بهذه المخصصات على أساس كل مشروع على حدة، وينبغي عليها أن تطابق المجموع مع المبلغ الذي تحصل عليه من مصادر مُستقلة. أما الحد الأقصى للمبلغ الممنوح لكل مشروع فيبلغ 100,000 فرنك سويسري. وكان المكتب الفدرالي للثقافة قد أعلن يوم 19 نوفمبر الجاري عن أحدَث دفعة من التمويل لـ 14 مشروع بحث من هذا القبيل. ومن بين المتاحف التي سوف تتلقى هذه المنح: متحف الفنون الجميلة في برن، متحف الفنون الجميلة في بازل ومتحف مؤسسة بيلير.
ووفقاً للمكتب الفدرالي للثقافة، كانت أولى المشاريع الاثني عشر للأعوام 2016-2018 قد اكتملت إلى حدٍ كبير، كما تم الإعلان عن نتائجها. وبحسب بينّو فيدمَر، رئيس قسم المتاحف والمجموعات الفنية، كان الطلب على التمويل مرتفعاً، مما يدل على تعامل المتاحف مع هذه القضية بقدر كبير من المسؤولية.
كومثال على كيفية تحول المواقف في السنوات العشر الماضية، يشير مارك أندريه رينولد، أستاذ قانون الفنون بجامعة جنيف، والمحامي الذي مَثَّل مونتغيل ضد متحف لا شو دو فون في قضية كونستابل، إلى كانتون آخر في سويسرا الناطقة بالفرنسية، .
فمن جانبها، كلفت حكومة كانتون جورا أحد الخبراء بدراسة مصدر اللوحة وأصالتها. وعندما لم يتم العثور على أي دليل على يشير إلى سرقة اللوحة، قام المسؤولون بتسليمها إلى متحف التاريخ الطبيعي للجورا في ديلمونت، شريطة إعادتها في حال تم اكتشاف سرقتها لاحقاً. وقد نشرت حكومة الكانتون تقريرها بهذا الصدد على الانترنت.
"لقد فعلوا كل شيء بشكل صحيح"، يقول رينولد. لكنه يقر مع ذلك أن سويسرا كان بإمكانها ان تفعل المزيد بشكل عام لتنفيذ مبادئ واشنطن. "نحن لا نتصف بالكثير من الاستباقية"، كما يقول. فعلى سبيل المثال، يدعو آخر هذه المبادئ، الذي يحمل الرقم 11، إلى "تنفيذ إجراءات وطنية لتنفيذ هذه المبادئ، لا سيما فيما يتعلق بآليات بديلة لتسوية المنازعات لحل قضايا الملكية".
فعلى سبيل المثال، أنشأت كل من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وهولندا، والمملكة المتحدة لجاناً لإصدار توصيات بشأن الأعمال الفنية المُتنازع عليها. وعلى نفس المنوال،طلبت المتاحف السويدية هذا العام من حكومتها تأسيس لجنة مُماثلة. لكن سويسرا على الجانب الآخر لم تَفعَل ذلك قط.. ومع أن هذا الموضوع أثير امام البرلمان بِحَسب فيدمر، لكن رَدّ الحكومة تلَخص بعدم وجود حالات كافية في البلاد تجعل وجود لجنه كهذه جدير بالاهتمام.
... يقابلها نقص في الإرادة السياسية
لكن رينولد يقول بأن مثل هذه اللجنة ستكون مفيدة مع ذلك في حالات مشابهة لحالة مونتياغل ولوحة جون كونستابل.
"هناك نقص في الإرادة السياسية، وهم [في إشارة للحكومة] لا يريدون ضَخَّ الأموال في لجنة كهذه"، يقول أستاذ قانون الفنون. "عندما كنا عالقين في قضية كونستابل، طلبنا المساعدة من بَرن. وكما أجابونا حينها" ‘بالتأكيد، يمكننا أن نوفر لكم غرفة مؤتمرات’. في الواقع، سوف تكون لوحدك في حال وجدت نفسك أما قضية كهذه".
وكما حدث مع مونياغل، تُرِكَ بعض المطالبين بهذه الأعمال الفنية ينتظرون لسنوات عدّة. وعلى سبيل المثال، رفض متحف الفنون الجميلة في بازل قبل عشر سنوات طلباً من ورثة كورت غلازَ باسترداد أكثر من 100 عمل فني في مجموعته، بضمنها قطع فنية لـ هنري ماتيس، ومارك شاغال وإدوارد مونش. وفي العام المنقضي، وافقت لجنة الفنون بالمدينة على مراجعة القرار؛ لكن نتائج تلك المراجعة لم تعلن بعد.
"قد يعود بعض السببب في تطبيق سويسرا البطيء للمبادئ، هو عدم اشتراكها في الحرب العالمية الثانية"، كما يرى أولاف أوسّمان، وهو محامي يتولى القضايا المتعلقة بالأعمال الفنية المنهوبة، يقع مقره في سويسرا. وكما يقول أوسّمان:"من وجهة النظر السويسرية، لم تشارك البلاد في الحرب حتى، فلماذا يتعين عليها إذن إيجاد حلول لمشاكل الألمان"؟
وبحسب المحامي، لم يكن بعض التجار وهواة جَمع القطع الفنية سُعداء بموافقة متحف الفنون في برن قبول تركة غورليت المثيرة للجدل. وحيث كان البحث التمهيدي المتعلق بمجموعة غورليت قد أجري لأول مرة في ألمانيا، "كان بعض هؤلاء التجار قلقين من أن المعايير الألمانية للبحوث والاسترداد سوف تطبق على سويسرا الآن".
فروقات لغوية
إحدى الفروقات المميزة في تعامل سويسرا وألمانيا مع مسألة القطع الفنية المنهوبة من قبل النازيين هي لغوية في جزء منها: ففي سويسرا، استُخدِمَ مصطلح "فلوختغوت" (أي الأملاك الضرورية للفرار) منذ فترة بعيدة لوصف القطع الفنية التي باعها اليهود لتمويل هروبهم من ألمانيا النازية، أو بدء حياة جديدة في مكان آخر بعد فقدانهم لما تبقى من ممتلكات وبيوت وسبل معيشة. أما في ألمانيا، فقد غطي مصطلح "الفن الضائع نتيجة الاضطهاد" هذه القطع وغيرها من المقتنيات التي بيعت بالإكراه، أو التي وجد اليهود أنفسهم مرغمون علي بيعها.
من جهتها، كانت المتاحف السويسرية ترفض الدعاوى القضائية بشأن "الأملاك الضرورية للفرار" بشكل تقليدي. لكن المكتب الفدرالي للثقافة أصدر في أبريل الماضي مَسرد مُصطلحات لتذكير المتاحف وجامعي القطع الفنية بأن مصطلح "الأملاك الضرورية للفرار" ليست مفهوماً مُعترفاً به دولياً، و"يُـمكن تأويله وفق تفسيرات مختلفة". وكما أعلن المكتب، فإن من الضروري أن يُحكم في كل قضية على حدة.
لم تكن مبادئ واشنطن مُصَمَّمة لتغطية جامعي القطع الفنية الخواص أبداً، كما تظل الوسائل المُتاحة للمدَّعين لاستعادة القطع الفنية المنهوبة من قبل النازيين مَحدودة في الواقع. ففي أغلب الأحيان، تفشل الدعاوى التي يرفعها هؤلاء في المحاكم بسبب قوانين التقادم. لكن جامعي القطع الفنية في القطاع الخاص، بدأوا يدركون على نحو متزايد دولياً ما بات يواجههم من صعوبات عند بيع أو عَرض أعمال مجهولة المصدر. وبوصفها بلد ثري، يوجد في سويسرا الكثير من جامعي التحف والقطع الفنية هؤلاء.
بدوره، قال أوسّمانّ بأن العديد من الأفراد السويسريين كانوا يتصلون به طلباً للنصيحة. "لقد بدأ المالكون الخواص بمراجعة مجموعاتهم الفنية، لا سيما عقب حصولهم على ميراث": كما يقول. "في العادة يكون هذا لمعلوماتهم الخاصة، ولكنها خطوة أولى جيدة".
وفي حال اختار هؤلاء الاحتفاظ بالسلع المُقتناة بصورة غير مشروعة، يوجد تحت تصرف جامعي التحف منافذ حرّة لإخفائها. ويصف المحامي هذه المنافذ بـ "الثقب الأسود الضخم في عالم يتحرك فيه الجميع نحو المزيد من الشفافية".
قضية ديغا
يسعى كريس مارينيلو، وهو محامي مقيم في لندن، للحصول على لوحة فنية للفنان الفرنسي أدغار ديغا تحمل عنوان "صورة للآنسة غابرييل ديو" (Portrait of Mlle. Gabrielle Diot) "لورثة بول روزنبرغ، كانت قد نهبت من منزل تاجر الاعمال الفنية الشهير في باريس بعد فراره من فرنسا المحتلة مع أسرته. وقد تم شراء اللوحة المرسومة بألوان الباستيل من قبل أسرة سويسرية في عام 1942، ثم تغير مالكها مرّة أخرى في عام 1974. ووفقاً لـ مارينيلّو، كان آخر مكان معروف للوحة هو في مركز للتخزين في بازل، حيث تم رَصدها في عام 2003.
ومؤخراً، لجأ مارينيلو إلى التعامل مع أحد المحامين السويسريين لمحاولة العثور على اللوحة وتجميدها، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من تعقب مالكها الحالي أو الموقع المحدد. ولا تزال عائلة تاجر اللوحات الشهير تبحث عن 60عمل فني بالمجموع.
"أظن أن نصف هذه الأعمال يمكن أن تكون موجودة سويسرا"، يقول المحامي. "لقد كانت واحدة من أولى الأماكن التي ذهب إليها بول روزنبرغ لاسترداد أعماله الفنية بعد الحرب. وحينها واجه أشخاصاً قالوا له: "لدينا أعمالك الفنية. كم ستدف من أجل استعادتها"؟
ترجمته من الانجليزية وعالجته: ياسمين كنونة