Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/29

تحدثت استطلاعات الرأي منذ أشهر عديدة عن ميل ضئيل نحو يمين الطيف السياسي السويسري. وقد تأكدت هذه التوقعات هذا الأحد، بل إن تقدم حزب الشعب (يمين شعبوي) كان أقوى من التكهنات، بحيث حصل على تأييد 29,5% من أصوات الناخبين على المستوى الوطني (أي بزيادة 2,9% مقارنة مع عام 2011)، منتزعا بذلك 65 مقعدا في مجلس النواب، ومحطما بالتالي الرقم القياسي الذي كان قد سجله عام 2007 (62 مقعدا)، حسب آخر النتائج المؤقتة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، المؤسسة الأم لـ swissinfo.ch. أما نسبة الإقبال على التصويت فبلغت 49%.
الحزب الراديكالي الليبرالي (يمين) حقق بدوره تقدما واضحا، إذ تشير التوقعات الأولية إلى كسبه لثلاثة مقاعد إضافية بالمقارنة مع 2011. ولئن كان هذا المكسب ليس بالهائل، فإنه يكتسي أهمية رمزية كبيرة، لأن هذه هي المرة الأولى منذ 30 عاما الذي ينجح فيها هذا الحزب في إحياء ديناميكية إيجابية. وجدير بالذكر أن هذا الحزب الذي كان مُهيمنا في السابق هو الذي أسس سويسرا الحديثة.
تآكل متواصل للوسط
الحزب الديمقراطي المسيحي (وسط يمين) يفقد أصوات الناخبين منذ أكثر من 30 عاما. وحسب آخر التوقعات، سيخسر هذا الحزب مقعدا واحدا بالمقارنة مع 2011. أما تشكيلات وسط اليمين الأخرى فتواجه صعوبات أيضا، بحيث قد يفقد الحزب البورجوازي الديمقراطي مقعدا واحدا، والخضر الليبراليون 6 مقاعد.
وقبل أربعة أعوام، كانت هاتان المجموعتان قد سجلتا نموا جيدا. وكان الحديث يدور حينها عن صعود وسط جديد بعد سنوات من الإستقطاب السياسي بين اليمين المحافظ واليسار. ولكن الإتجاه انعكس تماما بعد أربعة أعوام فقط.
"أحد أسود" للخضر
تماما مثل الخضر الليبراليين، مني حزب الخضر بهزيمة كبيرة في هذه الإنتخابات بحيث قد يفقد 5 مقاعد. وسواء كانت تميل إلى اليمين (الخضر الليبراليون) أو اليسار (الخضر)، فإن الحركة البيئية عاشت "أحدا أسودا" حقيقيا، بما أنها ستخسر مجموع 11 مقعدا.
مارتان بومل، رئيس الخضر الليبراليين، صرح على إثر ظهور أولى النتائج: "لقد عشت بعض الهزائم في حياتي، ولكن بالنسبة للخضر الليبراليين، هذه أكبر هزيمة". وأقر بومل بأن المشاكل البيئية لا توجد في قلب أولويات الناخبين. من جهتها، أعربت ريغولا ريتز، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر، عن قلقها حول مستقبل السياسة البيئية، أكثر من نتيجة حزبها الذي تكبد ثاني خسارة له على التوالي.
أما الحزب الإشتراكي الذي يتحالف تقليديا مع الخضر، فإنه نجح في الحد من الأضرار، بحيث لن يفقد سوى مقعدين، حسب أولى التوقعات الوطنية. في المقابل، سيسجل أقصى اليسار عودته إلى المشهد الفدرالي بكسبه لمقعد في كانتون نوشاتيل.
موجة الهجرة عززت المخاوف
وفي تصريحات للتلفزيون السويسري الناطق بالألمانية SRF، قال توني برونر، رئيس حزب الشعب (يمين شعبوي) الذي يُفترض أن يكون الرابح الأكبر في الإنتخابات الفدرالية لعام 2015: "إن موجة الهجرة تثير قلق الناس. لدينا مشكلة لجوء لم تُحلّ بعد في سويسرا. إن مسألة اللاجئين الحقيقيين واللاجئين الإقتصاديين لم تُحسم بعد".
نفس القناعة عبّر عنها غي بارمولان، النائب في مجلس النواب، عن حزب الشعب قائلا: "إن المواطنين أدركوا أن الوضع أخطر بكثير مما يبدو عليه، لاسيما فيما يتعلق بالهجرة، والأزمة، والحرب...". وأوضح النائب أن النتائج تؤكد قلق الشعب بعد انتخابات 9 فبراير 2014 (التي صوت خلالها الناخبون السويسريون لفائدة إعادة اعتماد نظام حصص الهجرة بالنسبة لمواطني الإتحاد الأوروبي)، مضيفا في تصريحات للإذاعة والتلفزيون الناطقين بالفرنسية (RTS) أن حزب الشعب عمل بجدية وقدم اقتراحات واضحة، وأنه سيواصل العمل على هذا المنوال، وأنه ربما سيشكل مجموعة داخل مجلس الشيوخ.
من جهته، أكد فيليب مولر، رئيس الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين)، الذي يتوقع أيضا أن يحرز تقدما ملفتا بعد 20 عاما من التراجع: "نحن نريد الحفاظ على الإتفاقيات الثنائية مع الإتحاد الأوروبي. لا يمكننا أن نكون في صراع مع 500 مليون شخص يعيشون من حولنا"، فتلك الإتفاقيات تضمن ببساطة نجاح الإقتصاد السويسري حسب مولر. ووفقا للنتائج الأولية، كسب هذا الحزب 3 مقاعد إضافية.
وقد تميزت الحملة الإنتخابية بالفعل بإثارة نقاش واسع حول ملف الهجرة، ولئن كان التدفق الأخير للاجئين السوريين على أوروبا لم يمس سويسرا إلا بصورة هامشية. وشدد كلود لونشون، مدير معهد gfs.bern، على أنه "لم يسبق أبدا لموضوع آخر الهيمنة على الحملة الإنتخابية بهذا القدر".
بينما لم تحظ مواضيع أخرى – رغم أنها من المحتمل جدا أن تشغل كثيرا البرلمان الجديد – بنفس القدر من الضوء، أو على الأقل لم تُغذ نقاشات واسعة، مثل مستقبل علاقات سويسرا بالإتحاد الأوروبي، أو تأثير الفرنك القوي على إقتصاد البلاد.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المواضيع ذات الصدى الوطني نادرة. ففي عام 2011، وقعت كارثة فوكوشيما النووية، واليوم حلت محلها أزمة الهجرة كمصدر للقلق. وكثيرا ما ننسى أن الإنتخابات الفدرالية ليست سوى تراكب للإنتخابات الكانتونية الستة والعشرين، بعبارة أخرى، ليست المواضيع الوطنية التي تؤثر على النتيجة بل الملفات المحلية.
التأثيرات المرتقبة لتقدم اليمين
وقد يتسبّب تقدم حزب الشعب والحزب الراديكالي - والذي تأكد في عدد من مناطق سويسرا - في إبطاء خطط سويسرا للتخلص التدريجي من الطاقة النووية أو لإصلاح نظام معاشات الشيخوخة في محاولة لخفض الإنفاق العام.
ويقول خبراء سياسيون إن معسكر اليمين قد يحاول عرقلة أو تمييع القرارات بشأن إنهاء السرية المصرفية السويسرية أو التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية، بالرغم من الضغوط الممارسة على سويسرا من قبل المجتمع الدولي في هذا المجال.
ومع ذلك، تظل طبيعة التأثيرات التي قد تنجم عن خسائر أحزاب الوسط – وأحزاب اليسار إلى حد ما – غير واضحة فيما يتعلق بالجدل السياسي حول العلاقات السويسرية مع الاتحاد الأوروبي.
ويذكر أن علاقات برن بالدول الأوروبية الثمان والعشرين كانت قد وصلت إلى طريق مسدود في أعقاب موافقة الناخبين السويسريين يوم 9 فبراير عام 2014 على إعادة إعتماد نظام حصص الهجرة بالنسبة لمواطني الاتحاد الأوروبي. وباستثناء حزب الشعب المعروف بأجندته المعادية لأوروبا، لا يبدو أي حزب على استعداد للمخاطرة بوضع حدّ للاتفاقيات الثنائية الحاسمة مع الشريك التجاري الرئيسي لسويسرا.
وقد أبرز النقاد الغياب الفعلي خلال الحملة الإنتخابية لنقاش حول علاقات سويسرا المستقبلية مع الإتحاد الأوروبي. وربما كان هذا أيضا في مصلحة الحكومة التي تجري محادثات استكشافية مع بروكسل ومختلف الدول الأعضاء في الإتحاد لكسر الجمود السياسي.
تركيبة الحكومة
يتم انتخاب أعضاء المجلس الفدرالي (الحكومة) بنظام التمثيل النسبي وليس نظام الأغلبية. وبالتالي، فإن التغييرات التي توقعتها استطلاعات الرأي لن تؤدي إلى تغيير جذري للقوى السياسية القائمة.
غدا، مثلما كان الحال بالأمس ومثلما هو اليوم، ستظل كفة البرلمان تميل إلى حد كبير إلى اليمين ووسط اليمين، بينما ستبقى الأقلية اليسارية تُمثل زهاء ثلث الناخبين فقط. وبالنسبة لتشكيلات الأٌقلية، سواء تعلق الأمر باليمين المحافظ، أو بوسط اليمين، أو باليسار، فلازال يتعين عليها إقامة التحالفات المناسبة لتحقيق النجاح في البرلمان.
وقد يؤثر ضعف وسط اليمين على تشكيلة الحكومة. ففي حال تراجع حاد، قد يتم التنازع على مقعد وزيرة المالية إيفلين فيدمر-شلومبف (من الحزب البورجوازي الديمقراطي)، خلال إعادة انتخاب أعضاء الحكومة الفدرالية السبع من قبل البرلمان الفدرالي، والتي ستتم في بداية شهر ديسمبر القادم أثناء الدورة الشتوية لغرفتي البرلمان.
وجدير بالذكر هنا أن حزب الشعب الحاصل على تأييد ما يناهز 30% من الأصوات يشغل مقعدا واحدا في الحكومة الفدرالية، والحزب البورجوازي له أيضا مقعد واحد رغم أن الأصوات المؤيدة له لا تقل عن 5%. ونجمت هذه الوضعية عن قرار حزب الشعب إقصاء إيفلين فيدمر-شلومبف من صفوفه بعد أن قبلت انتخابها بعد الإطاحة بزعيم حزب الشعب كريستوف بلوخر. وعلى أي حال، فإن أي تراجع يسجله الحزب البورجوازي الديمقراطي وحلفاؤه من وسط اليمين سيجعل موقف الوزيرة شلومبف أكثر صعوبة.
الانتخابات الفدرالية 2015
يتوجّه الناخبون السويسريون كلّ أربعة أعوام إلى صناديق الإقتراع لتجديد أعضاء مجلس النواب (الغرفة السفلى التي تمثل الشعب في البرلمان الفدرالي) والتي تضم 200 مقعدا.
ويُجدّدون في نفس الوقت 45 من أصل 46 مقعدا في مجلس الشيوخ (الغرفة العليا التي تمثل الكانتونات الست والعشرين).
كانتون أبنزل رودس الداخلية هو الوحيد الذي لا يختار نواب مجلسي النواب والشيوخ في نفس الوقت، بحيث انتخب ممثله في مجلس الشيوخ أثناء تصويت شعبي في الربيع الماضي.نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch