Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00918.jsonl.gz/31

3 عوامل متشابكة بدأت تهدد بجعل عراق 2005 ما كانه لبنان عام 1975: مختبر إنفجارات الشرق العربي. وتسند هذه العوامل إلى اقترابات زمنية:هذا المحتوى تم نشره يوم 29 يوليو 2005 - 17:14 يوليو,
إقتراب تخلي قوات الاحتلال الأمريكية البريطانية عن مسؤولياتها، اقتراب مخاطر الانفجار السنّي الشيعي، واقتراب إمكانية إعادة رسم خريطة الهلال الخصيب العربي على أسس طائفية ومذهبية وعشائرية.
جاءت أول إشارة قوية عن قرب سحب أو إعادة تجميع القوات الأمريكية والبريطانية في العراق في تقرير سرّي بريطاني نشرته الصحف الغربية، وقالت فيه إن واشنطن ولندن ستسحبان معظم قواتهما قبل منتصف العام المقبل.
وفور نشر هذا التقرير، الذي لم ينفه أحد في العاصمتين، برز سريعاً سؤال يتعلق بالعراق وبالقوة العظمى الأمريكية معاً: هل تعني هذه الخطوة بداية النهاية لمبدأ بوش حول "الحروب الاستباقية"، أو حتى بدء إنحسار القوة العسكرية الأمريكية في العالم؟
الجواب السريع على هذا السؤال السريع هو: لا. فقبل تسريب التقرير وبعده، كانت واشنطن تتحرك للتأكيد بأن جوهر التوجهات الامبراطورية الأمريكية في العالم باق على حاله، وأن التغيير سيقتصر على الشكل لا المضمون.
وهكذا رد المخططون العسكريون الأمريكيون على هذه الأسئلة بطرح أسئلة إمبراطورية هجومية لا دفاعية: ما نوع الحروب المستقبلية التي يجب الاستعداد لخوضها؟ وكيف يمكن لتركيبة القوات الأمريكية وطبيعة إنتشارها أن يواكبا هذه الحروب؟
المسألة هنا لم تكن الافادة من دروس العراق في اتجاه تقنين التدخلات العسكرية الأمريكية في العالم، بل في كيفية توسيعها وجعلها أكثر فعالية وأقل تكلفة. وهذا ما يجعل المخططين الأمريكيين الآن يبذلون جهودا على مدار الساعة للتوفيق بين "مبدأ باول" (الداعي إلى تحديد الأهداف الواضحة، واستخدام القوة الكاسحة، وبلورة استراتجية الخروج، قبل شن الحرب)، وبين "مبدأ رامسفيلد" (الذي يركّز على إستخدام قوات أمريكية صغيرة تتمتّـع بحرية مناورة واسعة، وعلى عمليات القوة الجوية المتطورة).
ويبدو أن مأزق العراق سيسرّع عملية الوصول إلى هذه الاستراتيجية التوفيقية. فقد أوضح المحلل العسكري دانييل سميث: "أن التوجهات بعد العراق ستجعل المارينز والجيش البري يشبهان بعضهما البعض إلى حد كبير، حيث سيتكوّنان من وحدات خفيفة سريعة الحركة، يتم نقلها خلال ساعات إلى كل أنحاء العالم".
وتلحظ هذه التوجهات تباين طبيعة الحروب، حيث تطلبت حرب أفغانستان وحدات عسكرية صغيرة متحركة على عكس حرب العراق. ولذا، فهي تضع في الاعتبار الاستعانة بقوات الاحتياطي الأمريكي، خاصة الحرس الوطني، وهذا ما سيوفّـر زواجا سعيدا لمبدأي باول ورامسفيلد.
ويتكهّن الكاتب الأمريكي براد نيكربوكر، أنه من بين كل أفرع القوات المسلحة سيكون الجيش البري الأمريكي الأكثر تأثرا بدروس الحرب العراقية، إذ هو سيبدأ استعدادته من الآن للانغماس في النزاعات السياسية المعقدة، ومواجهة التمردات، وعمليات حفظ السلام، بدل التركيز على الحروب النظامية.
ويضيف إلى ذلك المحلل العسكري ماركوس كوربين: "إن فشل الجيش في تسريع التحوّل نحو هذا النوع من العمليات، سببه أن الإدارة كانت تشدد في السابق على رفضها لفكرة "بناء الأمة" في الدول الفاشلة، أما الآن وقد ألقت هذه الأخيرة على الجيش أضخم مسؤولية بناء أمة في العقود الأخيرة (العراق)، فلم يعد بإمكان الجيش الاختباء وراء هذا العذر".
كلام واضح؟ وسيكون أكثر وضوحاً العام المقبل، حين سيتبيّـن أن الامبراطورية الأمريكية ستتراجع في العراق لمجرد التقدم لإحكام القبضة عليه بشتى الوسائل، بما في ذلك الحروب الأهلية التقسيمية، وهذا ما يقودنا إلى العامل الثاني: الصِّـدام السنّي - الشيعي المحتمل.
السنّة والشيعة: تحريك لقوى تاريخية مدمرة
هنا سنجد انفسنا أمام لوحة في غاية التعقيد والخطورة، ليس فقط في العراق، بل أيضا في كل المنطقة العربية – الإسلامية. فإذا ما تأكّـد أن أبو مصعب الزرقاوي شكّل بالفعل "فيلق عمر" السنّي لمقاتلة "فيلق بدر" الشيعي، يكون العراق والمنطقة قد دخلتا نفقاً خطراً قد لا تخرجان منه سالمتين، إذ ما هو في الميزان هنا ليس صراعاً محلياً على سلطة محلية في العراق، بل تحريكاً لقوى تاريخية مدمرّة كانت هي أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الحضارة الإسلامية إلى الرّكود، ومن ثم إلى التخثر والانهيار.
عما نتحدث هنا؟ عن الحرب الأهلية السنّية – الشيعية التي أدّت في القرن الأول الهجري إلى أول شرخ ضخم في جسم الأمة الإسلامية، وعن إغلاق باب الاجتهاد في القرن الثالث عشر الميلادي بسبب إنتشار الصدامات الدموية بين الفرق المذهبية، وعن الحروب العثمانية – الصفوية، والتي يعترف كبار المفكرين الإسلاميين الإيرانيين، وفي مقدمتهم علي شريعتي، بأنها كانت الخطأ القاتل الأكبر في تاريخ بلادهم.
كل هذه الأحداث المأساوية أدت، كما هو معروف، إلى شل طاقات المنطقة وجعلها لقمة سائغة للاجتياحات الخارجية، بدءاً من الصليبيين والمغول، مروراً بحروب الأندلس والبلقان، وإنتهاء في العصور الحديثة بالاجتياحات الاستعمارية الأوروبية.
لولا الحروب الأهلية السنّية - الشيعية، لما أصيبت الحضارة الإسلامية بالجمود والمراوحة في المكان والزمان (عند السّنة)، والتقوقع والتقّية (عند الشيعة). ولولا هذه الحروب، لما سيطر المتطرفون من كلا الطرفين على جداول الأعمال السياسية والأيديولوجية طيلة أكثر من ألف عام.
والآن، ثمة خطر حقيقي بأن يُـعيد هذا التاريخ المأساوي إنتاج نفسه، بنتائج مأساوية أكثر خطورة بسبب الفتك العسكري والتكنولوجي الهائل الذي باتت تتميز به الحروب الأهلية الحديثة.
لقد قال كلاوس فيتز مرة، إن الحرب مسألة خطرة لا يجب أن تُـترك للجنرالات. المنطق نفسه ينطبق على العلاقات السنية – الشيعية، هذه أيضاً مسألة خطرة للغاية يجب ألا تُـترك في يد المتطرفين الذين يمكن أن يدفعوا المنطقة بأسرها إلى أتون حريق داخلي هائل، فيما هي تتعرض لاجتياحات خارجية أكثر هولاً.
إحتمالات إعادة رسم خريطة الهلال الخصيب
الآن، إذا ما جمعنا العاملين، الأمريكي والمذهبي في العراق، وطبقنا مضامينهما على المنطقة العربية الأوسع، فعلى ما سنحصل؟ على العامل الثالث: إحتمالات إعادة رسم خريطة الهلال الخصيب على أسُـس طائفية إنطلاقاً من العراق.
هذه الاحتمالات تطرّق إليها تحقيق موسّـع أجرته مؤخراً "نيويورك تايمز ماغازين" عن سوريا، تركّـز على نقطتين إثنتين: ضعف أو موت القومية العربية، وقوة أو إنتعاش الطائفية في منطقة الهلال الخصيب، وهذا ما أثار السؤال الكبير: لماذا هذا الربط بين سقوط هذه وصعود تلك؟
محللون عرب قالوا إنه لو كان الأمر بريئاً ومقتصراً على التحليل العلمي والموضوعي للعوامل الداخلية لَـهَـان الأمر، إذ سيبدو إنتعاش الطائفية والمذهبية نتيجة طبيعية لعوامل عدة متشابكة: تعثر الدولة وإستبدادها، وتحوّلها في العديد من البلدان العربية إلى "دولة فاشلة" على الصُّـعد كافة، السياسية والأقتصادية والأيديولوجية. وهذا يقود حتماً إلى تفسخ المجتمع الأهلي لعناصره ما قبل الحديثة، فيصبح أعضاؤه رعايا لطائفة لا مواطنين لدولة.
لكن المسألة، برأيهم، ليست على هذا النحو. هناك العوامل الخارجية التي تنشط بدأب الآن لتدمير الرابط العربي الموحّـد وإحلال الرابط الطائفي المقسّـم مكانه: الولايات المتحدة فعلت هذا في العراق حين أطلقت القوى المذهبية من عقالها وسلمتها السلطة على حساب القوى الحديثة والوطنية في العراق. وإسرائيل كانت تنوي منذ أكثر من 60 سنة أن تفعل ذلك، وهي ترى الآن فرصة تاريخية ضخمة لإعادة رسم الخريطة العربية على أسس طائفية ومذهبية وعشائرية.
كتبت مؤسسة الدرسات الإستراتيجية والدولية المتقدمة: "يجب على الغرب أن يُـدرك بأن العراق وسوريا ولبنان وباقي الدول العربية مخلوقات إصطناعية، وأن القومية العربية هي الخطر الحقيقي عليه. الحل يكمُـن في إقامة دويلات جديدة طائفية وعشائرية، ثم العمل بعد ذلك على إقامة كنفدرالية فيما بينها بقيادة الأردن".
وحذّر الرئيس السوري بشار الأسد من أن "التوتر الطائفي في الشرق الأوسط لا يعرف حدوداً. هناك تأثير الدومينو، ليس فقط في سوريا، ولكن أيضا في المنطقة بشكل عام، وتأثيره سيبدأ في المتوسط، من سوريا ولبنان، ويتّـجه جنوباً إلى منطقة الخليج والبحر الأحمر، ومن ثم شرقاً إلى وسط آسيا. كل هذه المجتمعات مرتبطة ببعضها البعض".
خطر التقسيمات الطائفية باتت إذن موضوعاً على نار حامية. إنها كنار تغذّى الآن بكل أنواع الزيوت السامة، أو كطنجرة ضغط سدّت عليها كل فتحات التنفس. والمعادلة هنا في غاية البساطة: دَمِِّّـر الرابط العربي تَحصُل على التفكّـك العربي (عبر حروب أهلية باردة وساخنة ومتصلة)، وتسيطر بسهولة على كل المنطقة.
هذا ما تريده الآن تل أبيب وواشنطن. لكن هل هذا أيضاً ما يريده السوريون واللبنانيون والعراقيون وباقي العرب. أليس ثمة طوق إنقاذ ما من هذا المصير؟
لا يبدو من أسف، أن هناك مثل هذا الطوق، لا بل أكثر: يبدو أن العرب يعرفون أن أحداً ما يدفعهم إلى الهاوية، ومع ذلك، يمضون قُـدماً في إستنفار عصبياتهم الطائفية والمذهبية والعشائرية، إنهم عميان يقودهم عميان.
هذه الآن هي الحقيقة. والبداية إنطلقت من العراق، لكن الحريق سُـرعان ما سيتمد إلى باقي مناطق الهلال الخصيب.
فهل يكون موعد سحب معظم القوات الأمريكية – البريطانية من العراق منتصف العام المقبل، هو أيضاً موعد تدشين حروب التقسيمات الطائفية؟ يبدو من أسف، أن الأمر ربما يكون كذلك.
سعد محيو - بيروت
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة