Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/181

أصدرت وزارة الخارجية السويسرية والأرشيف الفدرالي السويسري مجلداً يسجل بين دفتيه تاريخ علاقات سويسرا بمنطقة الشرق الأوسط.
المجلد المرجعي يقدم معلومات موسوعية عن طبيعة تلك العلاقات ومعالمها التاريخية في الفترة بين عامي 1946 و2002، ويُذكر بأنات الواقع العربي.
ليس عادياً ذلك المجلد الذي أصدره القسم التاريخي بوزارة الخارجية السويسرية بالتعاون مع الأرشيف الفدرالي السويسري تحت عنوان "سويسرا – الشرق الأوسط: من فترة ما بعد الحرب إلى التسعينات".
لا يعود السبب في ذلك إلى عدد صفحاته؛ هي لا تزيد عن 378 صفحة. كما أنه لا يتعلق بالمدخل الذي تم استخدامه في تصنيف موضوعه.
تم تقسيم المجلد على أبواب ثلاثة: سجل أرشيفي يؤرخ لأهم البيانات المتعلقة بالعلاقات السويسرية مع الشرق الأوسط، وقائمة تضم أهم الوثائق والمداخلات البرلمانية الخاصة بهذا الشأن، وأخيراً بيان بمعطيات التمثيل الدبلوماسي لسويسرا في الشرق الأوسط. وهو تقسيم يظل عادياً، متعارف عليه في تبويب المجلدات الأرشيفية.
لا. ليس هذا هو السبب. هو ليس عادياً لأن القارئ وهو يقلب صفحاته سيجد نفسه يقلب معه صفحات تاريخ الشرق الأوسط، بعلاماته الفارقة، بطعناته، وبآلامه وأحزانه. يراه أمامه من منظور سويسري محدد، ويمر كشريط أمام عينيه، يجري متسارعاً لاهثاً ثم متعباً، وعندما يضعه جانباً، لن يجد مفراً إلا أن يتنهد.
رؤية عربية ... تبدلت
واقع الشرق الأوسط بماضيه وحاضره يطالع القارئ في الصفحات الأولى من المجلد بشكل سوداوي، تبدى جلياً في مقال الخبير السويسري المعروف، والمتابع لأوضاع العالم العربي على مدى عقود طويلة أرنولد هوتينيجر، والذي أختار له عنوان "صورة سويسرا في العالم العربي والشرق الأوسط".
كان اختيارا ذكياً. لأن صورة سويسرا في عيون العرب في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتبدلها على مر العقود، تقدم لنا صورة معاكسة للتغييرات التي مر بها الإقليم، وانعكاسها على نفسية أبناؤها.
من قبل، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية، كان العرب الخارجون من تجربة استعمارية مريرة، الطامحون إلى بناء بلدانهم وتطويرها، ينظرون إلى سويسرا فيجدون فيها نموذجاً ديمقراطياً إيجابياً يمكن الاحتذاء به، و دولة بلا ماض استعماري يمكن الوثوق بها.
أما اليوم، و بعد خمس عقود من الإحباطات المتواصلة، من انكسار الأمل، وغياب الأفق، تحولت دولة الساعات الدقيقة إلى دولة البنوك، تلك التي "يرسل إليها حكامنا الفاسدون أموالهم المهربة التي سرقوها وابتزوها مننا".
علامات سياسية فارقه
لم يقتصر التغيير فقط على نفسية شعوب المنطقة. كان التبدل وعدم الاستقرار السياسي هما الغالبان على أوضاع الشرق الأوسط على المدى السنوات الخمسين الماضية.
نلمس ذلك واضحاً في مواقف المجلس الفدرالي السويسري والمداخلات البرلمانية الخاصة بالمنطقة في الفترة بين 1946 و 2002. فسويسرا كانت مضطرة دائماً إلى اتخاذ مواقف تجاه المستجدات الحادثة في الإقليم، والتعبير عنها إما من خلال موقف رسمي أو إجراء إنساني.
نجدها مثلاً في رسالة رسمية للمجلس الفدرالي بتاريخ 12 مايو 1950 تقدم تفسيرا لرفع تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل من قنصلية إلى مفوضية (لم تتحول إلى سفارة إلا في عام 1958).
تقول الرسالة "بعد انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين في 14 مايو 1948 أعلن البرلمان اليهودي في نفس اليوم استقلال دولة إسرائيل. واقتداء بحكومات أجنبية عديدة، اعترف المجلس الفدرالي بإسرائيل في 28 يناير 1949 كأمر واقع، ثم بصورة قانونية في 18 مارس من نفس العام".
ثم تضيف الرسالة بعد ذلك قائلة إن التمثيل الدبلوماسي السويسري القائم في إسرائيل لم يعد كافياً. أما السبب في ذلك فيعود إلى أن "إسرائيل أصبحت أهلاً لأن تلعب دورا بارزا على مستوى الساحة السياسية الدولية، ومستوى سياسات الشرق الأوسط بصورة خاصة".
سويسرا إذن تعاملت مع معطيات الواقع وأقرت به. دولة إسرائيل قائمة، وهي تلعب، أو لعل الأحرى كان القول إنها "ستلعب" دوراً إقليمياً ودولياً هاماً، لذا وجب رفع مستوى التمثيل. ورغم أنها لم تعبر عن الموقف الغربي العام الذي ساد آنذاك، وهو أن إسرائيل تلعب دور "الإشعاع الديمقراطي" في المنطقة، إلا أن موقفها كان متوازياً إلى حد كبير مع تلك القناعة.
حروب... حروب!
بعد مرحلة الاعتراف والتمثيل الدبلوماسي بدأ مد الحروب، حرب تلي أخرى، وبينها متغيرات تعبر عن حال العصر، كأنها سيل لا ينقطع.
نرى أثر ذلك في مداخلة برلمانية بتاريخ 8 مارس 1957 يسأل فيها برلماني الحكومة السويسرية أن توضح له حجم مبيعات الأسلحة المقدمة إلى "دولة إسرائيل ودول الجامعة العربية منذ الثامن من نوفمبر 55".
وترد عليه الحكومة قائلة "في عام 1954 فقط حصلت مصر رسمياً على معدات حربية بقيمة تتراوح ما بين 11 و12 مليون فرنك سويسري، فيما لم تحصل دولة إسرائيل إلا على أقل من مليون في عام 1955". لكن نتيجة ً ل"تطور الأوضاع في الشرق الأوسط" تراجعت تلك الصادرات في السنوات الموالية بشكل ملموس.
ونستغرب عندما ندرك أن سويسرا لم تكن بعيدة عن أثار قرارات التأميم التي أعلنتها الجمهورية العربية المتحدة. نكتشف مثلاً من مداخلة برلمانية في 5 ديسمبر 1961 أن جالية سويسرية كبيرة ونشيطة كانت تعيش في مصر، وأن العديد من أفرادها فقدوا الكثير من أموالهم واستثماراتهم بسبب إجراءات التأميم التي طالت رؤوس أموالهم وتجارتهم.
ثم نعود إلى الواقع مع مداخلة برلمانية أخرى بتاريخ 15 يونيو 1967 يسأل فيها برلماني الحكومة الفدرالية عن الإجراءات التي اتخذتها لمساعدة 100 ألف لاجئ فلسطيني الذي نزحوا إلى الأردن بعد حرب 1967.
يبقى الحال على ما هو عليه!
لن نقف أمام حرب أكتوبر، والحرب الأهلية اللبنانية، والغزو الإسرائيلي للبنان، ومذبحة صبرا وشاتيلا، وغزو العراق للكويت، ثم حرب الخليج الثانية، وأخيرا معاهدة أوسلو للسلام. كلها علامات في تاريخ المنطقة وتاريخ علاقات سويسرا معها، استجابت لها سويسرا إما بالترحيب بوقف إطلاق النار، أو بالأمل في إيجاد حل سلمي للأزمة، أو بالتنديد الشديد، أو بالالتزام بقرارات مجلس الأمن، أو بالترحيب الحار بخطوة تاريخية.
بل نقفز مباشرة إلى عام 2000، وبالتحديد إلى بيان صحفي لوزارة الخارجية السويسرية بتاريخ 2 أكتوبر 2000، أصدرته بعد اندلاع أعمال العنف في المناطق الفلسطينية وإسرائيل نتيجة لزيارة أريل شارون إلى المسجد الأقصى في 28 سبتمبر 2000.
أهمية البيان تكمن في محاوره التي توضح إلى حد بعيد الموقف السويسري من نزاع الشرق الأوسط. فالوزارة تأسف لأعمال العنف التي نتجت عن تلك الزيارة، لكنها تعبر عن قلقها بصورة خاصة "للطريقة التي تم اختيارها في التعبير عن الخلاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
وتدعو لذلك "الطرفين إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة فيما يتعلق بالمدنيين". ثم تنبه إلى أن أي حل عادل للنزاع لن يتم إلا من خلال "الحوار"، و"الاعتماد على القوانين الدولية".
ذاك هو جوهر الموقف السويسري من النزاع، بقي كما هو، تماماً كما أن النزاع بقي دون حل. ومعه نقلب الصفحات الأخيرة للمجلد المرجعي لتاريخ العلاقات السويسرية مع إقليم الشرق الأوسط، نطويها ثم نضعها على جنب ثم نستنشق نفسا .. طويلا.
إلهام مانع - سويس إنفو
معطيات أساسية
مجلد "سويسرا – الشرق الأوسط: من فترة ما بعد الحرب إلى التسعينات":
يضم سجلاً أرشيفياً يشمل 15 ألف معطياً
قائمة ب 222 مداخلة برلمانية حول الشرق الأوسط في الفترة بين 1946 و2000.
60 وثيقة رئيسية تحدد مواقف المجلس الفدرالي.
بيانات التمثيل الدبلوماسي الخاصة بسويسرا والشرق الأوسط.
باختصار
اعترفت سويسرا بتأسيس الدول التالية:
مصر (1924)
البحرين (1971)
إسرائيل (1949)
اليمن (1948)
الأردن (1949)
الكويت (1961)
لبنان (1945)
السعودية (1927)
سوريا (1945)
الإمارات العربية المتحدة (1971)