Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00858.jsonl.gz/11

لازال التساؤل قائما في سويسرا حول احتمال انتقال عدوى الاضطرابات التي تشهدها أحياء المهاجرين في فرنسا إلى أراضي الكنفدرالية.
طوماس كيسلير، المسؤول عن قضايا الاندماج في مدينة بازل، يقدم إجابته عن هذا التساؤل، ويُـصرّ على أن الاندماج يجب أن يمرّ عبر المساواة في الحظوظ وتجنّـب المواجهة.
يشغل طوماس كيسلير منذ عام 1998 منصب المفوض لشؤون الهجرة والاندماج في الحكومة المحلية لبازل. كما يُـدير المكتب المحلي للاندماج في نفس المدينة.
وقد اشتهر الرجل بابتكار ما يسمى برؤية بازل للاندماج، التي تركّـز على ضمان المساواة في الحظوظ بين جميع المتساكنين في الكانتون، وتضع جملة من الحقوق والواجبات على الجميع.
في أعقاب اندلاع المواجهات الخطيرة بين الأجيال الجديدة من المهاجرين في فرنسا المجاورة، وخاصة في الأحياء التي توصف بالحساسة، أجرت سويس انفو حديثا مع كيسلير، الذي يحذر بشدة من اللجوء إلى المواجهة لحل القضايا المستعصية.
سويس انفو: تنظر سويسرا بشيء من التخوف إلى ما حدث في فرنسا. هل يمكن أن تندلع حوادث من هذا القبيل في بلادنا؟
طوماس كيسلير: الجواب واضح جدا: لا. لدينا في سويسرا جالية أجنبية مختلفة جدا عمّـا هو موجود في فرنسا أو في بلدان أخرى ذات ماضٍ استعماري. السكان المهاجرون هنا، يتشكّـلون من جنسيات مختلفة جدا. كما أننا لا نعرف أوضاع "غيتو" مشابهة لما هو موجود في الضواحي الفرنسية.
سويس انفو: قبل اندلاع الاضطرابات، هل أحسستم بأن شيئا ما يعتمل؟
طوماس كيسلير: لقد كنت متواجدا في باريس بالتحديد، ولدى زيارتي لهذه الأحياء، شعرت بأن الوضع يتجه إلى الاضطراب. السلطات الفرنسية كانت أيضا واعية بذلك. فقبل ثلاثة أسابيع من الأحداث، تم تعزيز الحضور البوليسي بشكل ملموس.
سويس انفو: الأحداث انطلقت من باريس، لكن الوضع في مدينة مولوز القريبة من بازل، تتسم بتوتر شديد أيضا؟
طوماس كيسلير: لاشك أن مولوز مدينة صغيرة، لكن القطيعة الاجتماعية القائمة بين الأحياء المرفهة ووسط المدينة من جهة، وبين الأحياء التي يتجمع فيها المهاجرون الأفارقة في الضواحي، أمر واقع في هذه المدينة.
إن القطيعة الاجتماعية هي العامل المحفّـز لاندلاع أعمال العنف، وهي ظاهرة تهمّ المناطق الداخلية من فرنسا أيضا. فالمدن فيها أصغر حجما، لكن القطيعة تولّـدت فيها بنفس الأسلوب الذي تمت به في العاصمة.
الوضع في سويسرا مختلف، حيث أن الكنفدرالية بلد متعدد الثقافات، منذ تأسيسها. كما أن المشاكل في سويسرا محدّدة بشكل واضح. ففي الثمانينات، شهدت سويسرا هجرة قادمة من منطقة البلقان ومن تركيا. إن اندماج هذه الجاليات يعاني أيضا من نقائص نعمل على تلافيها.
سويس انفو: بالنسبة لكم، يوفّـر الافتقار إلى سياسة اندماجية، وغياب الترويج للمساواة في الحظوظ، بذور الانفجار الاجتماعي؟
طوماس كيسلير: نعم. لقد ارتكبت سويسرا أيضا أخطاءً في سياستها تجاه الأجانب، خاصة في الثمانينات وفي بداية التسعينات. لم تكن المساواة في الحظوظ العنصر الذي حظي بالاهتمام، لانشدادنا إلى مبدأ الهجرات المؤقتة على غرار تشغيل العمال الوقتيين.
أما اليوم، فقد اعتمدت سويسرا مبدأ المساواة في الحظوظ. فهي لا يمكن أن تسمح بحصول قطيعة بين فائزين وخاسرين، لأن في ذلك هلاكنا.
سويس انفو: ينظر كثيرون إلى الأسلوب الذي تنتهجونه في بازل كمثال. ما هي أهم مميّـزاته؟
طوماس كيسلير: إنه مثال يذهب بعيدا جدا، ويشمل حتى مجال التهيئة العمرانية. نحن نريد أن يكون لنا تأثير على سكان الأحياء وعلى الاختلاط الاجتماعي. إن الأمر يتعلّـق إذن بتجنّـب ظهور أحياء ثرية وأحياء فقيرة، هذا هو السبب الذي يدفعنا لإعادة تهيئة أحياء عمالية قديمة من خلال اقتناء عمارات بأسعار جيدة لتجديدها، ولطرحها مجددا في السوق. هذه السياسة تؤتي أكلها ولا تتكلّـف شيئا، حيث تستعيد الأحياء الموصوفة بالشعبية جاذبيتها بالنسبة للطبقة الوسطى.
سويس انفو: ما هي إجراءات الاندماج الأخرى التي أقدمت عليها مدينة بازل؟
طوماس كيسلير: نحن ننتهج سياسة تطوير شخصي، ونقوم بإعلام الأفراد حول خصائص بلادنا وبما ننتظره من جانب المهاجرين أيضا. كما نقترح على المهاجرين دروسا في اللغة الألمانية ونشجع على اندماجهم الاجتماعي وعلى تكوينهم، وعلى إقامة شبكات، على عكس ما كان معمول به في السابق، حيث كان هناك اتجاه يكتفي بدفع الأموال لمكافحة الإجرام والمرض والبطالة، وهي مجرد أعراض لفشل سياسة الاندماج.
سويس انفو: هذه السياسة، هل بدأت تؤتي ثمارها.
طوماس كيسلير: الإستراتيجية واضحة، والسياسة المتبعة أيضا. أما عملية وضعها حيّـز التنفيذ، فهي تستند إلى مبادئ ومقاييس مقتبسة من عالم المؤسسات. أما الاختلاط في الأحياء، فلا زال أقل انتشارا مما نرغب فيه، كما أن المساواة في الحظوظ لا تشمل بعد جميع الجنسيات.
سويس انفو: مثلما هو الحال في فرنسا، تعيش سويسرا مع جاليات تتعرض للتهميش أحيانا، مثلما هو الحال بالنسبة للأتراك والألبان...
طوماس كيسلير: على المستوى السياسي، لا تعترف سويسرا إلا بتاريخ ومؤسسات مشتركة. فمنذ اليوم الأول كنّـا بلدا متعدد الثقافات لا يتشكل إلا من أقليات. ليست لدينا لغة ولا ديانات مشتركة. إذن، فهذه هي القواعد التي وضعناها لأنفسنا، والتي تؤسس هويتنا وديمقراطيتنا. وداخل هذا الإطار، تتمتع جميع الأقليات في سويسرا بحرية واسعة.
سويس انفو: لكن بلدنا يواجه الأئمة الذين يدعون إلى الحقد بما يمكن تسميته "التسامح صفر".
طوماس كيسلير: هنا لا يمكن القبول بأي تسامح، لأن رجال الدين الذي يدعون إلى الحقد يلحقون الضرر مباشرة بقيمنا الأساسية وبدستورنا. لقد وضعت سويسرا، البلد الذي يحمي أقلياته لنفسه، قواعد صارمة جدا ترتكز على الاحترام المتبادل وعلى حماية الأقليات وعلى توازن الحظوظ. لذلك، فإن تأجيج الأحقاد وترويج مشاعر التفوق (العرقية أو الدينية وغيرها) وامتداح عدم المساواة في نظامنا ذي الحساسية، تعتبر هجومات مباشرة على هويتنا وعلى دستورنا. إنه لا يمكن لنا أن نتسامح معها في أي حالة من الحالات، وهؤلاء الأشخاص يجب أن يُـعرضوا فورا أمام القاضي.
أجرى الحديث: إيتيان شتريبل - سويس انفو