Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00871.jsonl.gz/149

كما درجت العادة أن تنعقد «لاندسغيماينده» في كانتون «غلاروس» سنويًّا كل أول أحد من شهر مايو، فإنها انتظمت هذا العام بحضور عددٍ كبير من الضيوف الرسميين والمشاهدين والفضوليين الذين توافدوا من أنحاء مختلفة من الكانتون، الذي لا تزيد مساحته عن 685.4 كلم مربع، ومن كانتونات سويسرية أخرى. swissinfo.ch كانت حاضرة على عين المكان.
منذ بدايات الإجتماع البشري الأولى شغلت آلية صنع القرار حيزاً هامًّا من التفكير الإنساني، سواءٌ كان ذلك على مستوى العائلة أم القبيلة أو الدولة، وشكلت هذه الآلية جوهر نظم الإدارة والحكم التي قامت عليها الحضارات القديمة والمعاصرة، فتراوحت بين الإستبداد الفردي المطلق أو استبداد الجماعة، والمشاركة الجزئية أو العامة كما كان الحال في المدن اليونانية القديمة، حيث اختارت اسبارطة أواسط القرن السابع قبل الميلاد نظام الجمعية العمومية (أﭙيلّا) التي كان يشارك في اجتماعاتها 8 آلاف عضو، وذلك قبل أن تسود قبائل أثينا فيبلغ هذا النظام عصره الذهبي في زمن ﭙيريكلس (500-429 ق.م) بعد تغييرات وإصلاحات على مدى 150 عاماً لم تكن تخلو من صراعات.
في منتصف القرون الوسطى المتأخرة (1050-1500) والمتصلة ببدايات عصر النهضة الأوروﭙية التي كان أحد أركانها العودة إلى البحث في الجذور الثقافية القديمة، لجأت بعض الكانتونات السويسرية إلى العمل بنظام الجمعيات العمومية، أو ما أطلقت عليه «لاندسغيماينده». تذكر المصادر التاريخية أن كانتون «أُوري» اعتمد هذا النظام في العام 1231، أي قبل مولد الإتحاد السويسري في العام 1291، ثم تبعه كانتون «شفيتس» في العام 1294 و«أُنترفالدن» في عام 1309 و«تْسوغ» في عام 1376 و«غلاروس» في عام 1387 و «آﭙنتسل» في عام 1403.
عند نهاية الإتحاد السويسري القديم (1291-1798)، الذي بدأ بثلاثة كانتونات وتوسَّع حتى بلغ ثلاثة عشر كانتونا في عام 1513، كانت هذه الكانتونات الستة ما زالت تعتمد نظام «لاندسغيمايندة» كآلية للمشاركة الشعبية في التشريع وانتخاب السلطات التنفيذية والقضائية. ولكن بعد التطورات السياسية والإجتماعية التي شهدتها أوروﭙـا عمومًا وسويسرا خصوصا، وذلك في العصر الحديث المبكر، عاد معظمها ليلغيه في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين لصالح نظام الإقتراع بالصناديق الذي لا يقتصر على انتخاب ممثلي الشعب، بل يتعدى إلى التصويت على المشاريع والقوانين التي تتطلب تعديلاً دستوريًّا أو تلك التي يجري الإعتراض عليها من خلال جمع عدد محدد من التواقيع وفرض إجراء تصويت شعبي عليها، بالإضافة إلى تلك التي تأتي عن طريق المبادرة غير الحكومية.
بين التقليد والمعاصرة
في الوقت الحاضر، لم يبق مَن يتمسك بنظام «لاندسغيماينده» من الكانتونات الستة سوى كانتون «غلاروس» و«آﭙنتسِل إنّر رودِن»، وهو نصف كانتون «آﭙنتسِل»، رغم أن هذا النوع من آليات المشاركة يتعرض إلى انتقادات جوهرية تشكك في قدرته على مواكبة التطورات الحقوقية، وعلى تأمين أوسع قدر ممكن من الفعل والمشاركة.
تتركز هذه الإنتقادات في ثلاث نقاط أساسية هي؛ أولاً: عدم وجود نظام يضمن احتساب الأصوات بدقة حيث يجري تقدير ذلك بالعين المجردة، وثانيًا: عدم قدرة بعض المقترعين على الحضور إلى المكان المحدد، وفي الوقت المحدد، وذلك بسبب العمل أو السفر أو المرض حيث يُستعاض عن هذا الغياب في حالة نظام الصناديق بـ «الإقتراع بواسطة البريد». وثالثًا: غياب سرية الاقتراع، حيث يُخشى من تأثير الروابط العائلية والمصلحية على دوافع المقترعين.
مع ذلك، فرض واقع الحال على المتمسكين بهذا النظام المزج بين التقليد والمعاصرة؛ ففي حين يجري انتخاب نواب «آﭙنتسِل إنّر رودِن» الخمسين من ست دوائر بلدية؛ خمسة منها تعتمد نظام الجمعيات العمومية وواحدة نظام الإقتراع بالصندوق، ينتخب كانتون «غلاروس» جميع نوابه الستين وأعضاء حكومته الستة من خلال الإقتراع بالصندوق لمدة أربع سنوات وتنتخب «لاندسغيماينده»، التي تعتبر أعلى سلطة في الكانتون، رئيساً ونائبًا للحكومة المحلية من هؤلاء الستة كل سنتين، بالإضافة إلى انتخاب قضاة محكمة الكانتون والمحكمتين الإدارية والعليا.
10 مسائل معروضة على الناخبين
بعد مراسم استقبال الضيوف الرسميين المصحوبة بالموسيقى ورموز الحكم التراثية من القرون الوسطى وباصطفاف الجمهور على جانبي الطريق، توجّه رئيس وأعضاء الحكومة المحلية يصحبهم ضيوفهم، بالطريقة الإحتفالية نفسها، إلى ساحة الإجتماع حيث تجمّع الناخبون في هذه الأثناء، فألقى رئيس الحكومة بعد وصوله كلمةً مطولة أعلن في ختامها افتتاح أعمال «لاندسغيمايندة» التي تضمنت عشرة بنود تراوحت بين انتخاب قضاة جدد وإقرار مستوى الضرائب لعام 2018 وطرح قوانين جديدة وإجراء تعديلات على بعض النافذ منها.
كان الناخبون قد تلقوا قبل فترة كافية مذكرةً من 126 صفحة أعدتها الحكومة وناقشها البرلمان المحلي تتضمن شرحًا مفصلاً لكل البنود التي سيتم التصويت عليها ومجمل الظروف المحيطة بها ورأي مجلس النواب واللجان المختصة والأحزاب والبلديات والحكومة بصددها، كما أرفقت المذكرة بتقرير عن السنة المالية 2016 وموازنة العام 2017 وكشف حساب للمؤسسات المالية العامة التابعة للكانتون.
أبرز ما جاء في البنود العشرة، والذي جلب اهتماما وترقبًا كبيرين من جميع الأوساط الإعلامية والسياسية وجذب حضوراً كبيراً من المتابعين، كانت المبادرة التي تَقدَّم بها أحد سياسيّي حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) لتشريع قانون يُمنع بموجبه ارتداء البرقع والنقاب وكل أشكال تغطية الوجه في التظاهرات أو المناسبات الرياضية في الكانتون.
حُجج المؤيدين والرافضين.. ثم التصويت!
حول هذا البند تحدث خمسة مواطنين دعا ثلاثة منهم لرفض المبادرة، وأربع مواطنات دعت إثنتان منهن للرفض، كما تحدث كل من نائب رئيس الحكومة المحلية الذي يشغل أيضًا منصب وزير الأمن والعدل، ورئيس لجنة القضاء والأمن والقانون في البرلمان المحلي ودعَوَا للرفض أيضًا. بعد ذلك دعا رئيس الحكومة الرافضين إلى رفع بطاقة التصويت فامتلأ فضاء الساحة باللون الأحمر الذي كان لون البطاقة المعتمد هذا العام، ثمَّ دعا الموافقين إلى رفع بطاقاتهم فظهرت متناثرة. وعلى ضوء ذلك، اُعتبرت المبادرة مرفوضة بنسبة اثنين إلى واحد.
أُريد بلاداً تتحمل الحريات لا بلاداً تقمعها وذلك حتى في الظواهر التي لا تُعجب أحداً
متحدثة شابةنهاية الإقتباس
ركز المؤيدون، وبينهم صاحب المبادرة، على دوافعها الأمنية إلى جانب كون «النقاب والبرقع أداة لقمع المرأة» واستبعدوا استهدافها للحريات الدينية لأن «القرآن لا يفرض البرقع أو النقاب» مستشهدين بشمول المبادرة لمعظم أنواع التنكرّ ونصّها على استثناء دور العبادة. في المقابل، شدد الرافضون، وبينهم ممثلا الحكومة والبرلمان في "غلاروس"، على قيم التسامح والحرية التي تؤمن بها سويسرا مؤكدين عدم وجود مشكلة أمنية لأن البرقع والنقاب لا يشكلان ظاهرةً ملحوظة في الكانتون، واتهمت إحدى المتحدثات اليمين باستخدام الـ «لاندسغيماينده» لفرض سياسات رمزية تهدف إلى إثارة ردود فعل، وقالت متحدّثةٌ شابة إنها تريد "بلاداً تتحمل الحريات لا بلاداً تقمعها، وذلك حتى في الظواهر التي لا تُعجب أحداً».
في المقابل، نبّه ممثلا الحكومة والبرلمان المحليين إلى أن مبادرةً مماثلةً مطروحةٌ على المستوى الفدرالي وسيجري التصويت عليها في السنوات القادمة، فلا داعي لسن قانون على مستوى الكانتون بهذا الصدد. يُذكر أن المبادرة المماثلة على المستوى الوطني تقدم بها حزب الشعب السويسري أيضًا ويجري جمع التواقيع الضرورية لفائدتها لدفعها إلى الإقتراع العام بعد أن رفضها مجلس الشيوخ (الغرفة العليا للبرلمان الفدرالي) بـ 26 صوتًا مقابل 9 وامتناع 4، رغم موافقة مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان الفدرالي) المُسبقة عليها بـ 88 صوتًا مقابل 87 وامتناع 10 نواب.
بعد إتمام «المرافعات والإدعاءات» بشأن كل البنود الواردة في المذكرة والتصويت عليها، انفضت «لاندسغيماينده» عند الواحدة ظهراً وعاد المسؤولون والضيوف بنفس الطريقة الإحتفالية التي وصلوا بها. إحدى المقترعات اعتبرت في تصريحات لـ swissinfo.ch أن «الممارسة الديمقراطية قد تمت بأرقى صورها»، وأشار مقترعٌ آخر إلى أنها "ديموقراطية غير اعتيادية". في المقابل، قدرت مصادر في الشرطة المحلية عدد المشاركين بـ 4000 شخص، من بين أكثر من 26000 ناخب في الكانتون الذي يبلغ عدد سكانه 40 ألف نسمة؛ مما يعطي للإنتقادات وجاهتها ويعزز الإنطباع بأن الحدث مجرد «تقليد ديمقراطي» إلا أنه أصيل يشكل في ماضيه وفي جوهره الحاضر حالةً متقدمةً على كل آليات صنع القرار وتشكيل سلطات الدولة.