Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00867.jsonl.gz/61

هو ملف مطوي من تاريخ سويسرا، لكنه حاضر غائب. كتاب هنا، وحملة هناك، أو مقال مع صورة يذكر بأطفال يفضل الكثيرون في الكنفدرالية نسيانهم. ولم لا ينسوهم.. فما حدث لهم مع موفى القرن الماضي كان مرآة لجانب مظلم من تاريخ المجتمع السويسري.
تسميهم كتب التاريخ بـ "الأطفال المشيئين". وهي تسمية تترجم حرفيا واقعهم. فقد كانوا أشياء بالفعل وعوملوا كأشياء.. بلا أهل ولا حقوق ولا محبة. هم أطفال وجدوا أنفسهم في رعاية الكانتون (الدويلة) الذي ولدوا فيه لأسباب متعددة: إما لأنهم يتامى أو لأنهم ولدوا خارج إطار العلاقة الزوجية، أو بسبب انتمائهم إلى عائلات فقيرة، أو ربما لأن ذويهم من الغجر أو من الفئات "الدنيا". ولأنهم كذلك تخلى عنهم أهلهم أو "انتزعوا" في حالات كثيرة منهم.
ما حدث لهم بعد ذلك هو القصة التي لم تحك بعد كاملة. فحتى كتب التاريخ السويسرية تتعامل مع هذا الملف كهامش عابر في صفحاتها. لن تجد سوى دراسة تاريخية واحدة فقط للباحث ماركو لوينبرجر التي سعت فعلا إلى الغوص في دهاليزه. أما البقية الباقية فهي إما دراسات قانونية أو "تربوية" وإما سير ذاتية كتبها بعض الباقين على قيد الحياة من "الأطفال المشيئين"، أو بحوث متفرقة مولتها حملات لناشطين في مجال حقوق الطفل سعيا إلى فتح ذلك الملف من جديد.
للبيع وليس للاستئجار..
لعل افضل تجسيد للواقع الذي وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم فيه يتمثل في رسم كاريكاتيري نشر عام 1897 في جريدة نيبيلشبالتر: رجل يقف على منصة أمام مجموعة من الفلاحين يمسك بيساره طفلا ويصيح "من يريد هذا الطفل؟ هو قوي البنية ومطيع! قادر على العمل كثلاثة أشخاص، ويكاد لا يأكل! مائة فرنك؟ تسعون فرنك؟ سبعون؟ ستون فرنك؟ ثلاثون؟
ليس في ذلك الكاريكاتور مبالغة. فهو يرسم بأمانة الطريقة التي تم التعامل بها مع الأطفال: كانوا يباعون في مزاد علني. وكان الإقبال على شرائهم كبيرا لا سيما في المناطق السويسرية الناطقة باللغة الألمانية. شكلوا عمالة رخيصة ضرورية لمزارع الفلاحين. ووصل عددهم في كانتون برن في إحدى السنوات إلى عشرة آلاف طفل (يشمل هذا العدد المسجلين فقط في السجلات الرسمية، فغير المسجلين منهم كثيرون).
كانت عملية تجارية بحتة، تلخصت بنودها في رغبة البلديات المحلية في التخلص من عبء التكفل بمصاريف هؤلاء الأطفال. ولأنها ملزمة بتقديم مبلغ مالي إلى العائلة التي ستكفل الطفل تم ابتكار أسلوب تسويقه عبر المزاد العلني. فالفلاح الذي سينجح في شراءه، ليس ذلك الذي سيدفع أعلى سعر فيه، بل الذي سيقبل بأقل مبلغ تقدمه البلدية نظير رعايته. كانت عملية تجارية رابحة للجانبين... للبلدية التي ألقت عن كاهلها هذا الحمل، وللفلاح الذي حصل على يد عاملة مجانية وفوق ذلك قدر من المال.
طفولة ضائعة.. وتاريخ منسي
ما لم تتضمنه بنود الصفقة بالطبع هو مصلحة الطفل. فمتى ما تمت عملية البيع والشراء تنفض البلدية يدها عادة عن الطفل. كأنه لم يكن. ويبقى بعدها "الشيء الصغير" تحت رحمة سيده الجديد يفعل به ما يحلو له. وقد فعلوا بهم بالفعل ما شاءوا: ضرب وتعذيب وتجويع وإهانة واستغلال جنسي. وصل الأمر أحيانا إلى حد موت الطفل على يد "الوصي عليه".
قد يقول قائل ما الداعي إلى فتح جروح ممارسة تاريخية قديمة شهدتها مجتمعات أخرى؟ الإجابة على ذلك تتلخص ببساطة في أن تلك الممارسة، أي تجارة "الأطفال المشيئين"، استمرت من القرن التاسع عشر حتى عام 1978. اتخذت تسميات مختلفة بعد ذلك لكن بنفس المضمون ... من "أطفال مشيئين" إلى "أطفال تحت الوصاية". لم تتوقف فعلا إلا قبل نحو ثلاثين عاما فقط عندما صدر قانون حدد حقوق هؤلاء الأطفال ونظام وصاية يحترم أدميتهم .. وطفولتهم.
ربما لذلك يجد الكثيرون في سويسرا صعوبة في تصديق هذا الفصل المظلم من تاريخهم. فتجارة "الأطفال المشيئين" لا تنسجم بالتأكيد مع الصورة المثالية التي يحملونها عن سويسرا "العادلة". ومن هنا، كان من المريح عدم التعاطي معه أساسا. تركوه ينزوي في ركن بعيد من الذاكرة... شئ مزعج.. شئ يجب نسيانه.
إلهام مانع
swissinfo.ch