Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/84

يحتفل المصرف الوطني السويسري هذا العام بذكرى مرور قرن على تأسيسه، قطع خلالها مسيرة طويلة في الحفاظ على العملة السويسرية قوية، أمام الأعاصير المالية التي عصفت باقتصاديات دول القارة، وساهم بدور فعال في استقرار الكنفدرالية.
وسيصدر البنك بهذه المناسبة عملات تذكارية وورقية جديدة يسجل بها مسيرته الحاشدة بالنجاح كان فيها أحد دعائم الاستقرار الاقتصادي لسويسرا.
لعلها من المفارقات أن تكون سويسرا قد عرفت نظامها الفدرالي منذ أكثر من قرن ونصف، لكن تأسيس مصرف على المستوى الفدرالي استغرق 50 عاما كاملة بعد تشكيل الدولة بشكلها الحالي، حتى تم الإعلان عن تأسيس المصرف الوطني السويسري في 20 يونيو 1907.
وتشير وثائق البنك التاريخية إن هذا القرار استغرق بالفعل سنوات عديدة، لأن كل كانتون كانت له عملته المستقلة واقتصادياته المحلية، فاحتاج الأمر إلى جهود استغرقت سنوات، ليس لإقناع الجميع بفكرة البنك، وإنما لجمع تلك النظم المالية للكانتونات تحت سقف واحد، فضلا عن حصة كل كانتون في تمويل البنك ومدى ارتباطها بعملة هذا الكانتون، والعلاقة بين قوة العملة هنا وهناك، فقد كان التفاوت الاقتصادي بين الكانتونات كبيرا، بين كانتونات غنية وأخرى فقيرة، بشكل واضح وجلي.
لكن قناعة الكانتونات كانت كبيرة في أن عملة موحدة تمثل سويسرا في التعاملات الاقتصادية الخارجية، أفضل من عملات متفرقة تتفاوت في القيمة، كما أن الاقتصاديين أدركوا بحكم التفاعلات السياسية في اوروبا آنذاك، أن استقرار العملة واستقلالياتها دليل قوة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق التكامل الاقتصادي بين الكانتونات ويتبلور في صورة بنك فدرالي يجمع بين مصالح السياسة واهتمامات الإقتصاد.
ولا يمكن النظر إلى هذه الفترة من الناحية الاقتصادية فقط، إذ كان للعامل الاجتماعي والبعد الديني دور هام في الحياة السياسية في سويسرا، فكانت بقايا الصراع بين الكانتونات الكاثوليكية والبروتستانتية حاضرة في الأذهان وتتناقلها الروايات والقصص، وكانت بعض الكانتونات تعاني بشكل أو بآخر من حصار اقتصادي بسبب الانتماء الديني.
الاستقلالية في قوة العملة
اعتمدت سويسرا في مرحلة ما بعد الفدرالية (1850) وما قبل المصرف الوطني (1907) نظام العملات المصنوعة من الفضة في التعاملات الخارجية والداخلية، ثم استخدمت العملة الفرنسية المصنوعة من الذهب، بعد أن أصرت باريس على استخدامها في التعاملات التجارية الكبيرة.
ثم بدأت الكنفدرالية تفكر جديا في صك العملات الذهبية بعد إغراق السوق السويسرية بالعملات الذهبية الفرنسية، وخشيت المؤسسات الاقتصادية من تبعية فرنسية غير مباشرة والقضاء على العملة الفضية السويسرية تدريجيا.
وللإفلات من هذا الفخ دخلت سويسرا مع كل من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا في اتحاد للعملة، تتعهد فيه كل دولة بالسماح بتداول العملات فيما بينها وذلك للحفاظ على استقرار الأسواق، لاسيما وأن شركات من كل هذه الدول كانت تتسابق في البحث عن مناجم الذهب في إفريقيا وأمريكا اللاتينية واستراليا، فكان رفع القيود على تداول العملات يتم على أساس الفضة مقابل الفضة والذهب مقابل الذهب.
ومع تقلب أسعار الذهب والفضة باتت الحركة التجارية غير مستقرة بين سويسرا ودول الجوار، وظهرت حالات كثيرة يختلف فيها سعر الصرف في الكنفدرالية، مما أثر سلبا على معدلات النمو الاقتصادي وطرح بشدة فكرة تأسيس بنك وطني، وإصدار عملة ورقية ظهر أولها في عام 1891.
وعلى الرغم من أن السويسريين رفضوا مرتين عبر الاستفتاء الشعبي تأسيس بنك يحمل اسم "مصرف الدولة" إلا أنهم وافقوا عام 1906 على تأسيس بنك يحمل اسم "المصرف الوطني"، ومن المرجح أن يكون رفض الاسم الأول يعود إلى خشية الناخبين آنذاك من المركزية وسيطرة السياسة على القرار الإقتصادي، بينما يدل الإسم الثاني على حضور روح الفدرالية في صميم عمل المصرف.
وقد انتصر الاحتكام إلى القانون الفدرالي والبحث عن المصلحة الوطنية على مثل تلك النزاعات والاختلافات، فسعا الخبراء آنذاك إلى تحقيق نوع من التوازن بين المتطلبات الفدرالية، والخصوصية الكانتونية، لاسيما وأن الحركة الاقتصادية في دول الجوار كانت في تصاعد مستمر، وحذر من يصفهم المؤرخون بـ "المخلصين"، من التراخي في تأسيس بنك وطني فدرالي قوي، قبل أن تتحول الكنفدرالية إلى دويلات متناثرة لا يجمع شملها قاسم مشترك سوى الدستور وبعض القوانين.
مراحل تاريخية ومنعطفات حاسمة
تؤكد وثائق البنك على أن إدراك الساسة في هذه المرحلة لضرورة وجود صورة جيدة مصقولة للساحة الاقتصادية السويسرية في الخارج هي من أهم العوامل التي ساعدت في وضع حجر الأساس لهذا المصرف، فأصدر البرلمان الفدرالي ترخيصا بتأسيسه بعد إضافة الفقرة 99 إلى الدستور السويسري، والتي تحدد أهدافه وتضع له الخطوط العريضة لسياسته.
وفي السنوات الأولى لعمله اعتمد البنك الوطني التعاملات السابقة بالفضة والذهب، مع وجود عملات ورقية كسند يجب على البنك أن يستبدل قيمتها ذهبا أو فضة لمن أراد، حتى شكلت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) منعطفا تاريخيا في مسيرة البنك، فلجأ إلى تعميم العملات الورقية وتعاون الناس مع هذه الفكرة، بعد أن بات نقل الذهب والفضة في ظل الحرب محفوفا بالمخاطر، ومن هذه المرحلة بدأ البنك يضع سعرا لصرف العملة الورقية التي يتم تداولها، تتفاعل مع سعر الذهب والفضة في الأسواق.
ولأن أغلب الأشياء لا تعود إلى طبيعتها بعد كل حرب، فكان من الصعب أن يعود التداول بالفضة والذهب مرة أخرى بعد أن صمتت أصوات المدافع، فبقيت المعادن الثمينة في خزانة البنك الوطني، وواصل إصدار العملات الورقية، التي انتشرت في أرجاء سويسرا، وعزز البنك من مكانتها بمساواة قيمتها مع الذهب، والتخلص من ارتباطها بالفضة تدريجيا.
ويقول المؤرخون إن هذه الحقبة كانت هامة للغاية، إذ وضعت حجر الأساس لعملة سويسرية تعتمد في أساسها على الذهب. ومع تحقيق التوازن بين العملة الورقية المطروحة في السوق وما احتضنته خزانة المصرف من ذهب، وجدت الكنفدرالية نفسها غير مجبرة على مواصلة السماح لعملات دول الجوار بالتداول في سويسرا، فخرجت عام 1926 من تلك الاتفاقية ووضعت سعرا لصرف الفرنك السويسري مقابل العملات الشائعة في دول الجوار آنذاك، وكانت هذه الدول تعاني من تبعات الحرب العالمية الأولى ومشكلاتها في المستعمرات، فكانت عملتها أقل سعرا مقارنة مع الفرنك السويسري، الذي ظهر بشكل قوي.
وتبقى أبرز المحطات الهامة في مسيرة البنك، تلك التي واكبت الحرب العالمية الثانية(1939 - 1944)، والتي حرص فيها على انتهاج سياسة اقتصادية صارمة، فتمكن من تفادي انهيار الاقتصاد السويسري في هذه المرحلة، وحرص على أن يكون رصيد الذهب فيه ثابتا، بل سجل ارتفاعا حسب تقارير بعض الخبراء، مما شكل دعما كبيرا لمرحلة ما بعد الحرب، وساهم في الطفرة التي شهدها القطاع الاقتصادي والصناعي في الكنفدرالية بشكل كبير.
ورغم أن هذه الحقبة قد شغلت المؤرخين السويسريين بشكل كبير، وسط رأي يشتبه في وجود غموض في سياسة البنك في تعامله مع الذهب بالتحديد، والبنوك السويسرية الأخرى وبنوك أوروبا، إلا أن آخرين يعتقدون أن المسألة أخذت حقها من الدراسة والبحث بصدور تقرير برجييه (1996) معتبرين أنه وضع الحقائق التاريخية كاملة، إلا أن فريقا ثالثا لا زال يعتقد بأن "هناك ما يجب الكشف عنه"، ربما بعد سنوات.
ويستند أنصار هذا الرأي إلى حقيقة ان المصرف قد سدد تعويضات لضحايا ما يعرف بالمحرقة اليهودية في عهد ألمانيا النازية، وقرر في يونيو 1997 المساهمة بـ 100 مليون فرنك لصالح دعم صندوق للضحايا، بناءا على قرار من الحكومة الفدرالية، وقال البنك آنذاك "إن هذه المساهمة لا علاقة لها بأية تبعات و لا تحمل اية دلالة قانونية أو نتيجة شعور بالذنب، بل إن هذا المبلغ مساهمة من المصرف في التعاطف مع الضحايا".
ولا يختلف المؤرخون والمحللون الإقتصاديون على أن المصرف الوطني السويسري، قد لعب دورا هامة في إقرار التوازن بين المصالح الإقتصادية والإهتمامات السياسية داخليا وخارجيا، فحافظ على استقرار سعر صرف الفرنك أمام العملات الهامة، بل تحول بمرور الوقت إلى "العملة الآمنة" في وقت الأزمات النزاعات الحروب، فجلب بذلك العديد من الثروات ورؤوس الأموال إلى خزائن البنوك السويسرية الأخرى،
ورغم هذا النجاح إلان أن منتقديه يتهمونه بأنه يتعامل مع القضايا الداخلية الهامة بدون عاطفة، فعلى سبيل المثال رفض استخدام عائدات بيع فائض الذهب لديه (700 طن) في تمويل خزانة تأمينات المعاشات، أو تمويل مشروعات ذات عائد اجتماعي، إذ يعتقد حكماؤه "أن الإقتصاد السليم لا يجب أن يفكر بقلبه بل بالعقل فقط وبحسابات الربح والخسارة".
سويس انفو - تامر أبوالعينين
معطيات أساسية
مراحل تاريخية هامة:
1850 - 1907 الإعتماد على العملات الفضية في التداول والسماح بإستخدام العملة الذهبية الفرنسية، والمشاركة مع بلجيكا وفرنسا وأيطاليا في تدوال العملات الفضية والذهبية، وإصدار أوراق نقد كسند مقابل الذهب أو الفضة,
1907 - 1914 تعميم العمل بعملة البنك الوطني السويسري الورقية الصادرة منذ عام 1891 والسماح بتداول العملات الأجنبية في البلاد
1914 - 1918 التراجع عن تدوال الذهب والفضة، والإعتماد على الصكوك الورقية في التدوال مرتبطة بغطاء من الذهبي في البنك الوطني
1928 خروج سويسرا من اتفاقية حرية تداول العملات الأجنبية، واعتماد الفرنك السويسري كعملة أساسية مرتبطة بسعر الذهب.
1939 - 1944 ارتفاع مخزون الذهب لدى البنك بشكل غير عادي.
1997 قرار بسداد 100 مليون فرنك لدعم صندوق رعاية ضحايا المحرقة النازية ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية.
المصرف الوطني السويسري
تأسس في 20 يونيو 1907، ويتخذ من برن وزيورخ مقرا له، مع وجود فروع في كل من جنيف ولوغانو، ومكاتب تمثيل في بازل ولوزان وسان غالن ولوتسرن.
من مهامه:
وضع سياسة سعر صرف الفرنك السويسري مقابل العملات الأجنبية الهامة مثل الدولار الأمريكي واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني.
تمثيل سياسة الكنفدرالية بما يخدم مصالحها على الساحة المالية الدولية، ومع المؤسسات المعينة بالأمر.
يجب أن يكون محايدا سياسيا.
دعم توجهات الدوائر الإقتصادية في الحفاظ على معدلات النمو الإقتصادي.
إدارة ثروات البلاد من احتياطي الذهب والعملات الأجنبية.
تنسيق التعاملات مع المؤسسات المالية الأجنبية.
هو الجهة المعنية بإصدار وطباعة العملات السويسرية المتداولة مع تأمينها من التزوير.
يعتمد في قراراته على لجنة مستقلة للدراسات والأبحاث يعمل بها 7 من كبار خبراء المال والاقتصاد من جامعات سان غالن وبازل وزيورخ.