Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00861.jsonl.gz/5

سويسرا كموقع لجريمة رسمت تاريخ العالم: ففي عام 1898 اغتيلت الامبراطورة إليزابيت، امبراطورة النمسا في مدينة جنيف. حيث لقت "سيسي" المحبوبة حتفها، نتيجة طعن أحد الفوضويين الإيطاليين لها بخنجر. وقد أدمت هذه الحادثة قلوب الجماهير. وكان العالم كله حانقاً على سويسرا، إلا أن هذا البلد أبقى حدوده مفتوحة.هذا المحتوى تم نشره يوم 25 مارس 2019 - 11:00 يوليو,
- Deutsch "Die Kaiserin ins Herz getroffen"
- Español "La emperatriz, apuñalada en el corazón"
- Português "A Imperatriz foi atingida no coração"
- 中文 茜茜公主在瑞士遇刺
- Français «L’impératrice frappée au cœur»
- Pусский Убийство террористом Луиджи Луккени австрийской императрицы Елизаветы
- English ‘Empress stabbed in the heart’
- 日本語 「皇后の心臓に命中」ジュネーブで起きたエリーザベト皇后暗殺事件
- Italiano "L'imperatrice colpita al cuore"
أطلقت تلك الباخرة صافرتها آنذاك، لتُعلم مدينة جنيف بوشك إقلاعها. وكانت الامبراطورة إليزابيت ووصيفتها قد وصلتا عند الرصيف بالفعل، حينما انقضّ أحد الغرباء على الامبراطورة وطعنها بآلة حادة في صدرها.
"لا، ليس بي شيء! لقد دفعني في صدري فقط، ربما كان يريد الاستيلاء على ساعتي"
الامبراطورة سيسي. قبل موتها بقليلEnd of insertion
هوت على الأرض بدون أي صوت. ساعدها المارة في الوقوف على قدميها، وسألتها الوصيفة ـ كما تقول الرواية ـ وهي خائفة: "هلا ذهبنا إلى الفندق أفضل، جلالتك؟" إلا أن إليزابيت ردت: "لا، ليس بي شيء! لقد دفعني في صدري فقط، ربما كان يريد الاستيلاء على ساعتي".
الذهاب إلى السجن مبتسماً
لحق اثنان من سائقي العربات بذلك السارق المحتمل، والذي أراد الفرار. وحينما أمسكوا به وسلموه للشرطة، كان يدندن لحناً. "لقد أمسكت بها"، هكذا كان يغني. "لابد أنها قد ماتت". وفي مقر الشرطة أوضح للموظف أنه فوضوي، وإذا أصبح جميع الفوضويين ذوي وعي بواجبهم مثله، فسرعان ما سيختفي المجتمع المدني والظلم.
أثناء التحقيق مع لويجي لوتشيني كان الأطباء يصارعون من أجل إنقاذ حياة الامبراطورة النمساوية. فبعد حادثة الاغتيال بقليل، فقدت الوعي. وقد حُملت إلى غرفتها بفندق بوريفاج، حيث توفيت بعدها بقليل. وكان هذا في اليوم العاشر من سبتمبر عام 1898.
هز هذا الخبر العالم كله. فلم تكن هذه هي حادثة الاغتيال الأولى التي يتعرض لها أحد أفراد العائلات الملكية في أوربا. حيث أصيب كل من ملك أسبانيا وملك إيطاليا وكذلك الإمبراطور الألماني قيصر فيلهلم جراء هجوم أحد الفوضويين عليهم، كما أن قيصر روسيا ألكسندر الثاني قد قتل بالفعل في حادث مشابه. (الإشارة إلى مقال "ديناميت في البرلمان الفدرالي"). وكان غضب الفوضويين قد طال كذلك الساسة والقضاة والمحاميين.
وقبل ثلاثة أعوام طُعن الرئيس الفرنسي، كما أصيب رئيسا وزراء إيطاليا وأسبانيا بذعر جراء تعرضهم لهجوم. ولكن لم يقع قبل ذلك أبداً حادث اغتيال لإحدى الملكات.
ذهول حتى البحر المتوسط
هزت هذه الحادثة أوروبا بأسرها. ففي فيينا، مثلما كتبت صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ (تصدر بالألمانية من زيورخ)، ساد "فزع عام، وذهول شديد وحزن وسخط رهيب بسبب هذا الفعل الشنيع". وقد طالبت إحدى السيدات من أبناء مدينة فيينا بأعلى صوتها بأنه يجب "تقطيع هذا القاتل إرباً". أما في بودابست فكانت السيدات والرجال يبكون في الشوارع. وفي باريس نزل هذا الخبر على الناس كالصاعقة، على حد قول جريدة "بتي جورنال". وقد "أحاطت أعداد غفيرة من الناس بأكشاك الجرائد"، ووزعت دور النشر نسخاً إضافية مجاناً. كما قامت الصحف الشعبية الأمريكية بطباعة صوراً لسيسي وأعلنت بالخط العريض:
"اغتيال الامبراطورة النمساوية إليزابيت على يد أحد الفوضويين. وقد أصاب الامبراطورة في قلبها. قام بهذا الفعل الشنيع أحد الإيطاليين بمدينة جنيف السويسرية".
وفي سويسرا ذاتها، والتي كانت قد ظلت بمعجزة في مأمن من الاغتيالات الفوضوية، ساد الحزن على سيسي. وفي جنيف كان الذهول أكبر ما يكون. فقد نكست الأعلام، وأغلقت المحال التجارية، وألغت المسارح عروضها، وهرع الساسة والدبلوماسيون إلى فندق بوريفاج، لإلقاء نظرة الوداع على الامبراطورة المسجّاة. (أنظر إلى الصورة المأخوذة من صحيفة بتي جورنال).
كتب الأديب مارك توين، والذي كان مقيماً في جنيف، مخاطباً أحد أصدقائه: "حتى مقتل يوليوس قيصر نفسه لم يكن ليهز العالم، مثلما فعله مقتل إليزابيت". في اليوم التالي، وكان يوم أحد، وقفت أعداد من الجماهير في طوابير كي يدوّنوا أسمائهم في سجل التعازي بفندق بوريفاج.
"حتى مقتل يوليوس قيصر نفسه لم يكن ليهز العالم، مثلما فعله مقتل إليزابيت"
مارك توينEnd of insertion
الأزمة السياسية
عقدت الحكومة الفدرالية جلسة غير اعتيادية وأعربت فيها عن أسفها، لأن الامبراطورة قد قررت السفر إلى جنيف متنكرة وأنها قد استغنت عن حماية الشرطة لها. برغم ذلك فإن الدول المجاورة قد ألقت بالذنب على سويسرا في أنها قد "وفرت للمتمردين كل مخبأ ممكن وبسبب سياستها المتحررة فإنها "تقبل كل من يأتي إليها، ومنهم كذلك المجرمين الآتين من شتى بقاع العالم".
وفي سويسرا، تعالت أصوات تطالب بطرد كل فوضوي من البلاد. حيث جاء في صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" (تصدر بالألمانية من زيورخ) عبارات حادة من قبيل: "حينما نترك سيدات نبيلات عرضة لآلة قتل هؤلاء المتعصبين غير الآدميين بدون حماية، فلابد حينها أن تكون جميع الوسائل مشروعة من أجل تخليص البشرية من عفن الفوضويين".
لقد استغلت الصحافة الوطنية هذه اللحظة الفارقة لتقوم بالهجوم على الاشتراكيين واتهامهم برعايتهم الفائقة للقتلة الفوضويين.
مسرح للصراع الطبقي
لكن الاشتراكيين لم يسمحوا بأن يوصفوا بهذا. لذلك فقد نأوا بأنفسهم عن "جريمة الاغتيال الشنعاء" هذه والتي استهدفت سيدة لا حيلة لها، وصرحوا لتصحيح هذه الفكرة بما يلي: "إن ما نهدف إليه هو قتل الرأسمالية. ويمكن تحقيق هذا بدون أن نقطع رأس أحد". وكانوا يرون أن القاتل لوتشيني والذي قد تربى لكونه طفل غير شرعي في ملجأ للأيتام، وتم بيعه في صغره ليصبح من "عبيد الفلاحة"، يعتبر من ضحايا النظام.
"إن المجتمع الرأسمالي هو من ينتج مثل هؤلاء الفوضويين، وليس لديه الحق في أن يشتكي ممن أنتجهم، على حد تصريحات واحد من خطباء الاشتراكيين في أحد المؤتمرات. "بل إن المجتمع هو من شحذ هذه الآلة التي استخدمها ذلك القاتل في جريمته".
الحق الليبرالي في منح اللجوء يظل قائماً!
برغم الاختلافات الأيديولوجية فإن ما اتُفِق عليه في سويسرا إلى حدٍ بعيد كان عدم طرح إمكانية تشديد قانون اللجوء، وخاصة كاستجابة للضغط السياسي الآتي من الخارج. وقد أوضح الاشتراكيون: "لا زيادة أعداد الشرطة ولا تشديد الرقابة على الأجانب ولا منع السلاح يمكنها أن تساعدنا، ولا أن تقضي على الفوضويين".
كذلك اتسمت آراء صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" بالليبرالية. فقد كتبت: "إن فكرة الحرية في أوربا أصبحت في خطر حقيقي"، حينما تضطر سويسرا إلى التخلي عن "وضعها الذي تفخر" به كدولة مستقبلة للاجئين. إن القمع لا يمكن أن يكون هو الضامن لمنع العنف السياسي: "يمكن للمرء أن يطارد هؤلاء اليائسين من بلد لآخر، ولكن الفرصة سوف تواتيهم ذات مرة، وسوف يستغلونها أشد الاستغلال. وقد يكون أمراً مهيناً بالنسبة لنا أن نفكر أننا لا نعيش آمنين في ظل مجتمعنا المرفه، ولكن هذه هي الحقيقة، ومن الأفضل لنا أن نعترف بهذا".
في الأثناء، كانت التحقيقات في تلك الجريمة تجري على قدم وساق. وبالرغم من أن لوتشيني أقر بأنه هو الفاعل الوحيد، فإن قاضي التحقيق كان يتكهن بوجود مؤامرة فوضوية. وقد أجريت تحقيقات في باريس وفيينا وبودابست ونابولي وبارما ولوزان وزيورخ. وألقي القبض على العديد من الفوضويين، إلا أنه قد أطلق سراحهم بسبب انعدام الأدلة.
المداولات القضائية كخبر عالمي
وفي يوم العاشر من نوفمبر 1898، أي بعد مرور شهرين على حادثة الاغتيال، مَثُلَ لوتشيني أمام القضاء. وتم اعتماد ستين صحفياً من جميع أنحاء أوربا، بينهم أربعة نساء. وتلى المحامي تقريراً من الطبيب النفسي الشهير سيزار لومبروزو، والذي يعود إليه الفضل في النظرية المجنونة الخاصة بالإجرام بالوراثة. وبناءً عليها، فإن لومبروزو أرجع السبب في تلك الجريمة إلى أن لوتشيني كان قد ورث الميل نحو الإجرام من والده الذي كان مدمناً للخمر وسريع الغضب.
"بالمناسبة، فإنني لم أذهب في حياتي سوى مرتين أو ثلاثة إلى المدرسة".
لويجي لوتشيني، مرتكب حادثة الاغتيالEnd of insertion
أما لوتشيني نفسه فقد أوضح للقاضي وللمحلفين، أنه كان يريد أن ينتقم لحياته البائسة: "لقد أنكرتني أمي وتركتني بمجرد أن أتيت إلى هذا العالم. (...). ولكم أن تتخيلوا الأسرة التي تربيت لديها. إذ لم يكن لديهم طعاماً يكفي لإبنهم الحقيقي نفسه. وبالمناسبة، فإنني لم أذهب في حياتي سوى مرتين أو ثلاثة إلى المدرسة".
قضية قصيرة
وكانرفيق لوتشيني في الغرفة التي يسكن بها، قد صرح أن لوتشيني قد أسرَّ له: "إنني أريد أن أغتال شخصاً ما، لكنه يجب أن يكون شخصية مشهورة جداً، حتى تكتب الصحافة عن الحادثة!".
وبسبب عدم إبداء لوتشيني لأي نوع من الندم، فقد حكم عليه بعد يوم واحد من التداول أمام القضاء، بالسجن مدى الحياة. وحينما ترك القاعة، كان ينادي بصوت عالٍ: "تحيا الفوضى! يسقط الأرستقراطيون!". ولكن إذا كنا سنأخذ ما كتبه الصحفيون مأخذ الصدق، فقد كان صوته حينها يهتز بالخوف أكثر منه بالنصر.
وبعد ذلك بأسبوعين اجتمع في روما ممثلون عن إحدى وعشرين دولة للاشتراك في المؤتمر الدولي الأول لحماية المجتمع ضد الفوضويين. وقد تعهدوا باتخاذ إجراءات أكثر تشدداً ضد الفوضويين، وتقليص المساحة المخصصة للتقارير الصحفية حول الفعاليات الفوضوية وبرفع عقوبة اغتيال رؤساء الدول لتصل إلى عقوبة الاعدام.
وقد تم الاتفاق على نظام موحد، يشمل تسجيل بيانات المشتبه بهم والتعرف عليهم، كما جرى التخطيط لتبادل المعلومات بين هيئات الشرطة المختلفة.
ما الذي حدث لمذكرات لوتشيني؟
قضى لويجي لوتشيني أول عامين من عقوبته في زنزانة انفرادية، حيث كان يقوم بصناعة الأحذية المنزلية. وحينما تم تخفيف نظام الحبس بسبب حسن سيره وسلوكه، فقد شرع في كتابة ذكريات طفولته، وقد كانت وثيقة مروعة، حول بؤس الفقراء في أوربا أواخر القرن التاسع عشر.
إلا أن هذا المخطوط المؤلف من مائتي صفحة اختفى "بطريقة غامضة" من زنزانته. وقد استشاط لوتشيني غضباً واشتكى لدى مدير السجن. ثم تصاعد الموقف. إذ كان لوتشيني يعاني من نوبات هيستيرية وقام على إثرها بتدمير زنزانته. لكن المدير واجه تلك التصرفات بمزيد من العقوبات التأديبية الأكثر تشدداً. كما أمر بإزالة صورة الامبراطورة إليزابيت من زنزانة لوتشيني.
وفي التاسع عشر من أكتوبر 1910 قام لويجي لوتشيني بشنق نفسه في زنزانته، مستخدماً حزامه في ذلك. إلا أنه لم يحظ بالسلام حتى بعد موته: حيث قام ذلك الأستاذ الجامعي الذي شَرَّح جثمان الامبراطورة سيسي، بفحص مخ لوتشيني، كي يتأكد ما إذا كان هناك استعداد وراثي للإجرام داخل تشريح المخ نفسه. وحينما لم يعثر على أي خلل يذكر، قام بحفظ رأس لوتشيني المقطوعة في إناء زجاجي مملوء بمادة الفورمالين.
وقد ظل هذا الرأس المحنط بحوزة معهد الطب الجنائي بجامعة جنيف حتى عام 1985، ثم جرى نقله إلى فيينا. فقط في عام 2000 تم دفن رأس لوتشيني بمنتهى الهدوء في المقبرة المركزية بفيينا ـ والتي تبعد أقل من عشرة كيلومترات عن مقبرة كابوتسينر غروفت، حيث وري جثمان الامبراطورة إليزابيت الثرى.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>