Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00912.jsonl.gz/87

أدى الإخفاق مؤخرا في فرض تنظيم استفتاء شعبي حول اتفاقيات ضريبية مع دول أوروبية مهمة بسبب خلل إداري إلى إثارة زوبعة سياسية في سويسرا.
ويُـلقي القائمون على تنظيم هذا الإستفتاء باللائمة على الجهات الرسمية في بعض الكانتونات، مُتهمين إياها بالإهمال وعدم الكفاءة. ويُظهر هذا المثال الثمن الباهظ التي يتوجب دفعه من أجل حماية الحقوق الديمقراطية والمحافظة عليها.
لم تنفرد وسائل الإعلام على اختلاف أصنافها وتوجهاتها بالإعلان عن مشاعر الغضب، حيث انضَمَّ ساسة من مُختلف الأحزاب إلى الجوقة الساخطة. وكما يقول أوسفالد سيغ بانفعال لصحيفة "بليك" الشعبية الصادرة بالألمانية: "لقد خُدِع الناخبون... بسبب الإهمال واللامُبالاة". ويتهم المُتحدث السابق بإسم الحكومة الفدرالية، مكاتب البلديات المَعنية بـ "عدم أخذ عملهم على مَحمَل الجد". ويرى أنَّ الديمقراطية المُباشرة، التي يصفها بـ "المعلم الثقافي السياسي الفريد عالمياً"، قد "تُرِكت لتُهدَر"، بسبب هذا الإهمال.
من جانبه، يُبدي البروفيسور فولف ليندَر بعض التفَهُّم لهذا الغضب أيضاً. ولكن المدير المتقاعد لمعهد العلوم السياسية في جامعة برن، لا يتوقع أن يُبَدِّل الإستئناف المُقَدَّم أمام المحكمة الفدرالية في قضية الإتفاقيات الضريبة التحريرية، شيئا بالنتيجة. وكما يقول: "أنا أعتقد بأن الإستفتاء قد فشل تماماً". وبِصَرف النظر عن الصعوبات الفنية، فإن السلامة القانونية تقوجد الآن على المحَك أيضاً، وبرأيه "يتوجب إثبات السلوك السيء للبلديات المَعنية، كي يمكن الإدعاء بتَسَبّبِها في فشل الإستفتاء".
ليندَر وصف عَدَم إعادة إرسال التوقيعات المُجمّعة على وجه السرعة إلى اللجنة التي أطلقت المبادرة بـ "الأمر غير اللطيف" حيث عادة ما "تثق المجموعات التي تُطلق الإستفتاء بِمُمارسة السلطات لِمهامّها الموكلة إليها بشكلٍ قانوني"، على حد قوله.
من الناحية الإجرائية، يُطالب القانون الفدرالي للحقوق السياسية المكاتب الحكومية "بإعادة إرسال قوائم التوقيعات إلى الجهة المُرسِلة بدون إبطاء"، إلا أن الأطراف المعنية، مُنقسمة حول ما يقصده المُشَرّع بهذا المُصطلح. وبالنسبة لبعض النواب فإنه غير مُلزِم بشكل كافٍ، لذلك يدعون إلى إعادة النظر فيه، كي يتم تحديد مواعيد نهائية ودقيقة للإرسال.
على العكس من ذلك، يرى البروفيسور ليندر أن المصطلح واضح بما فيه الكفاية، ويقول: "على البلديات أن تفعل كل ما بوسعها، من أجل ضمان توثيق التوقيعات في الوقت المناسب، ومن ثَمَّ إرسالها إلى الجهة المعنية مرّة أخرى". وهو يشكّ في قدرة أي تنظيمات جديدة على تغيير شيء ما حيث أن "الأخطاء تحدُث. والأطراف الوحيدة التي يمكنها أن تفعل شيئاً حيال ذلك، هي المجموعات المُنَظِمة للإستفتاء، من خلال قيامها بتجميع عدد كافٍ من التوقيعات"، على حد قوله.
سيل من التوقيعات
بسبب حجمها السكاني الكبير، تتعامل مدينة زيورخ مع أكبر عدد من التوقيعات. وفي حالة المبادرة الشعبية الداعية إلى تنظيم استفتاء يدعو إلى مناهضة الإتفاقيات الضريبية التي أبرمتها الحكومة السويسرية مع كل من ألمانيا وبريطانيا والنمسا، قامت سلطات المدينة بتقديم جميع التوقيعات المُوَثقة في الوقت المُحدد.
في تصريح إلى swissinfo.ch، يقول أندرياس بيخسيل، رئيس الموظفين في مكتب سُكّان مدينة زيورخ: "نحن نأخذ هذا العمل على مَحمَل الجد"، ويضيف: "إنَّنا نُدرِك الأهمية السياسية لمثل هذا التكليف في ديمقراطية مباشرة". وعلاوة على ذلك، تجري هناك عملية تفتيش دقيقة من قِبَل لِجان مختصة ومن طرف وسائل الإعلام.
في هذا العام وحده (حتى بداية شهر أكتوبر 2012)، قامت مدينة زيورخ بتوثيق ما مجموعه مائة وأربعون ألف (140000) توقيع، شملت ثلاثة وثلاثين (33) إستفتاءاً ومبادرةً شعبية على المستوى الفدرالي والكانتونات (مقارنة بحوالي 110.000 توقيعاً في عام 2011). وليس من النادر أن يتم جمع توقيعات لعدّة إستفتاءات في نفس الوقت، وهو ما يتطلب تخطيطاً وتنظيماً شاملاً.
في الوقت نفسه، يتولّى فريق مكوّن من ثمانية أشخاص، مسؤولية إجراءات التصويت، ولا تشكل عملية تدقيق التوقيعات، سوى جزءاً من واجباتهم. وخلال ساعة واحدة من العمل، يتم فحص ما بين مائة ومائة وخمسين (100-150) توقيعاً. ولا تتوقف القدرة على الأداء على كفاءات الموظفين فقط ، بل تعتمد بالدرجة الأولى أيضاً على نوعية الإستمارات المُتضمنة للتوقيعات.
ونظرا لأن المئات من قوائم التوقيعات تقدم في كثير من الأحيان قبل حلول المواعيد النهائية بقليل، فقد تم تدريب أشخاص من أقسام أخرى حتى يتسنى استدعاؤهم والإستعانة بهم، حسبما تقتضيه الحاجة.
"الأولوية القصوى"
على الرغم من إيلاء توثيق التوقيعات الأولوية القصوى، فإن لكل شيء حدوده. ففي البلديات الصغيرة، تظل الإمكانيات محدودة جدا، وكما يقول بيخسيل: "لا يمكن لبلدية ما تحمل النفقات المالية لتوظيف أشخاص إضافيين، لا يوكل إليهم سوى هذا العمل، لاستخدامهم بضغطة زِرّ، عند اقتضاء الضرورة فقط".
ولكن "الكبار" غير مُعصومين عن الأخطاء بدورهم. ففي وقت سابق من هذا العام، واجهت مدينة زيورخ مشاكل مع مبادرة أطلقها حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي)، عندما بقي نحو ستة آلاف (6000) توقيع مُهمَـلا دون ملاحظة من أحد، غير أن هذا الخطأ لم يؤثر على النتيجة النهائية لأنَّ الحزب قدَّم عدداً كافيا من التوقيعات لمبادرته قبل انتهاء الموعد القانوني المحدد.
للتذكير، تنتمي المبادرات الشعبية والإستفتاءات (الإختيارية) العامة، إلى باقة الحقوق السياسية للشعب السويسري التي تَضمن مشاركته المباشرة في صياغة بنود الدستور وسَن القوانين. وفي العشريات الماضية، استخدمت أحزاب اليسار بِشَكلٍ خاص هذه الأدوات، المَرّة تِـلو الأخرى، لِفَرض مَطالبها، بسبب عَدَم حيازتها على أصوات الأغلبية في الحكومة والبرلمان.
في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة استخداماً مُتزايداً لدوائر اليمين المحافظ لهذا الحق أيضاً. وفي بعض الإستفتاءات التي جرت أخيراً، ولأسباب مختلفة تماماً، عَمَل المحافظون القومِيون (مثل الحركة من أجل سويسرا مستقلة ومحايدة، ذات التوجهات اليمينية المتشدّدة)، يداً بيد مع تجمعات يسارية (مثل الشبيبة الإشتراكية) ولكن بدون جدوى.
اتهام وغضب
في هذا السياق، فشَلَ الإستفتاء الذي تقدّمت به هذه الأطراف والداعي إلى معارضة الإتفاقيات الثنائية لمنع الازدواج الضريبي، مع كلٍ من ألمانيا والمملكة المتحدة والنمسا (الذي اعتبرته الحركة من أجل سويسرا مستقلة ومحايدة، "مُهيناً وغير مقبول"، في حين دعا الإشتراكيون الشباب، إلى إلغاء السرية المصرفية والعمل بالتبادل الآلي للمعلومات)، بسبب عَدَم استلام المستشارية الفدرالية للعدد الكافي من التوقيعات الموَثَّقة في الموعد القانوني المُحدّد.
وفي حالة الإتفاقيات الخاصة بألمانيا والمملكة المتحدة، تم تسليم نحو ألفين وثمان مائة (2800) توقيع، بعد انقضاء الموعد النهائي، والتي كان من شأنها (لو تم احتسابها) أن تُحقق العدد المطلوب من التوقيعات والمحدد بخمسين ألف (50000)، ولكن الأوان كان قد فات. ويُحَمِّل منظمو الإستفتاء، السلطات المُختصة مسؤولية هذا التأخير، حيث يتهمون بعض البلديات بالتقاعس خلال عملية التثبت والتصديق على التوقيعات.
وفي حالة ظهرت إلى العَلَن في إحدى بلديات كانتون جنيف، كان قد تم تقديم ألف وخمس مائة (1500) توقيع قبل أربعة أيّام فقط من انتهاء الموعد المُحدَد لإجراء الإستفتاء. ومن أجل توثيق هذه التوقيعات والتصديق عليها في الوقت المُناسب، بذل موظفو هذه البلدية جهوداً خاصة وعملوا لساعاتٍ إضافية. مع ذلك، لم يَصِل الطرد البريدي الحامل لهذه التوقيعات إلى المستشارية الفدرالية إلّا بعد انتهاء الموعد النهائي، بسبب إرساله بطريق الخطأ بواسطة البريد الإقتصادي العادي (B)، بدلاً من البريد المُستعجل ذي الأولوية (A).
منذ ذلك الوقت، يدور شِجارٌ علني أيضاً حول ما إذا كانت مسؤولية هذا الإخفاق تقع على عاتق البلدية المعنية، أم على مُنُظمي الإستفتاء أنفسهم، بسبب تأخرهم في تقديم هذه التوقيعات للمصادقة. ويتوجب الآن على المحكمة الفدرالية اتخاذ قرارٍ للبت بهذا الأمر، بعد أن قَدَّم منظمو الاستفتاء استئنافاً ضد إعلان المستشارية الفدرالية، القاضي بفشل عملية الإستفتاء.
الحقوق الشعبية
تتيح المبادرة الشعبية للمواطنين إمكانية اقتراح إدخال تغييرات على الدستور الفدرالي. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يتوجب تقديم مائة الف (100000) توقيع موَثَّق إلى المستشارية الفدرالية في غضون 18 شهراً من يوم إطلاق المبادرة.
يسمح الاستفتاء (الإختياري) العام لمواطني الكنفدرالية بإجراء تصويت على قانون تمّت الموافقة عليه من قِبَل البرلمان. وإذا ما استطاعت لجنة الاستفتاء تقديم خمسين الف (50000) توقيعاً صحيحاً الى المستشارية الفدرالية في غضون 100 يوم، يُصار الى إجراء تصويت على هذا القانون.
تُستخدم وسائل حقوق الشعب على وجه الخصوص من قِبَل الأحزاب والتجمعات، التي لا تنتمي إلى الأغلبية في الحكومة أو البرلمان، أو أنها غَير مُمَثلة هناك على الإطلاق .
ازداد عدد المبادرات والاستفتاءات الشعبية في السنوات الأخيرة بشكل مُطَّرد تقريباً. ويتهم المنتقدون بعض أصحاب المبادرات والقائمين على الإستفتاء، بإساءة إستخدام وسائل الديمقراطية المباشرة لأغراض التسويق.
يشير روني رينو، الخبير في القانون الدستوري في تصريح إلى swissinfo.ch إلى احتواء هذه المبادرات غالباً على صيَـغ غير مسؤولة، قد تحظى بشعبية، ولكن تطبيقها يمكن أن يتسبب بمشاكل كبيرة، لأن الأمر لا يتعلق بصياغة قانون دستوري، بل بِهدفٍ سياسي يقف في المُقدِّمة.
قامت أغلب الأحزاب السياسية الكبيرة تقريباً، بتعيين أشخاص مدفوعي الثمن لجمع التوقيعات. ويعلق البروفيسور رينو على هذا الامر بالقول: "لا يمكن للجميع تَحَمُّل نفقات مثل هذا الأسلوب". ويختتم قائلاً: "يحمل هذا التطور إشكالات كثيرة، فالعِصي لمْ تَعُد بنفس الطول".نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch