Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/69

تبذل ألمانيا مساعي حثيثة لإنهاء توليد الكهرباء من الطاقة النووية. وترتبط بهذا التغيير إعادة هيكلة شاملة لإمدادات الطاقة. ولئن كانت سويسرا تشعر بتأثيرات هذا التحول الجاري في البلد المجاور، فإنها ليست مستعدة بعدُ لمثل هذا التخلي السريع عن استخدام الطاقة النووية.
إنه مشروع طموح، ذلك الذي بدأته حكومة برلين الإتحادية في عام 2011 كرد فعل على كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان. وبنهاية عام 2022، سيتوقف ضخ الطاقة النووية في شبكة الكهرباء الألمانية تماماً. وهذا يعني أنه لازال الأمر يحتاج إلى ستة أعوام، كي يخرج آخر مفاعل نووي من الخدمة. وفي المقابل: في حالة نجاح مبادرة إنهاء الطاقة النووية في سويسرا المعروضة على تصويت الناخبين في موفى شهر نوفمبر المقبل، فإن آخر مفاعل نووي سيخرج من شبكة الكهرباء بحلول عام 2029.
أما إذا باءت هذه المبادرة بالفشل، فإن الطاقة النووية ستظل تُمثل في سويسرا، حتى ولو بنسبة منخفضة، جزءاً من المزيج الذي يُكوِّن مصادر الطاقة الفدرالية لعدة عقود قادمة. وهذه مدة لا تزال تحتاجها البلاد كي تتمكن من إعادة بناء شبكة الطاقة بها، على حد قول وزيرة الطاقة دوريس لويتهارد.
في الأثناء، لم يعد دور النووي في إمداد ألمانيا بالطاقة بنفس الأهمية التي يحظى بها هذا النوع من الطاقة عند الجارة الجنوبية. ففي ألمانيا، كان يتم توليد فقط 14،1% من الكهرباء المنتجة في البلاد من المولدات النووية، طبقاً لإحصاءات عام 2015، بينما بلغت الكهرباء المولدة من المحطات النووية في سويسرا في نفس العام حوالي 39%. وبالتالي فإنه من الصعوبة بمكان أن تتمكن الكنفدرالية السويسرية من تعويض هذا المصدر الهام للطاقة بسرعة.
كهرباء الفحم غير النظيفة
وفي إطار عملية تَحَوّل مصادر الطاقة، تُراهن برلين حالياً على التوسع في مصادر الطاقة المتجددة من الرياح والكتلة الحيوية والمياه والشمس، حيث يتم بشدة التشجيع على استخدام توربينات توليد الطاقة من الرياح ووحدات الطاقة الشمسية، وهذا في المقام الأول من خلال تحديد تعريفة ثابتة كأجر عن الكهرباء المُوَلّدة بطرق صديقة للبيئة. وأدى هذا التحفيز إلى ارتفاع نسبة الطاقة المُتجددة في عملية توليد الكهرباء ما بين عام 2010 إلى عام 2015 من 17 إلى 30%. ويؤمل أن ترتفع نسبة الكهرباء المُوَلَّدة من الرياح والشمس والكتل الحيوية والمياه إلى 80% بحلول عام 2050.
الخروج من الطاقة النووية في ألمانيا
قبل تسع سنوات من كارثة مفاعل فوكوشيما الياباني، وتحديداً في عام 2002، قررت الحكومة الإتحادية ببرلين والمكونة آنذاك من الحزب الإشتراكي وحزب الخضر إنهاء توليد الكهرباء من الطاقة النووية.
لكن الحكومة التي تلتها والتي كانت تتكون من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الليبرالي المؤيد للطاقة النووية قد تراجعت شيئاً ما في هذا القرار، واتفقت في عام 2010 على تمديد المهلة المحددة لإغلاق المفاعلات النووية. بل أن هذه الحكومة صرحت بأن الطاقة النووية تعد بمثابة "جسر تكنولوجي" على طريق نشأة خليط جديد من الطاقة، يُراهن أكثر على مصادر الطاقة المتجددة.
وأصبح من حق المفاعلات النووية ـ بموجب هذا التعديل ـ أن تظل تعمل طيلة 12 عاماً أخرى في المتوسط. إلا أن كارثة مفاعل فوكوشيما في 11/3/2011 قد جعلت من هذا القرار الأخير حبراً على ورق. ففي يوليو من نفس العام، قرر البرلمان الألماني بموجب التعديل الثالث عشر لقانون الطاقة النووية إنهاءاً سريعاً لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية. وبالفعل تم إيقاف ثمان مفاعلات نووية في عام 2011 نفسه. وبحلول عام 2022 سيخرج آخر مفاعل نووي ألماني من شبكة الكهرباء.
"إن زيادة الطاقة المتجددة سيعوض فقدان الطاقة النووية بدون أية مشكلات"، على حد قول كريستوف بوديفيلس من المركز الفكري "أغورا لتحوّل الطاقةرابط خارجي" ببرلين، والذي يتلقى تمويله في الأساس من مؤسسة مركاتور (Mercator). ولقد وضع الخبراء سيناريوهات لكيفية نقل ألمانيا بأسرع وقت ممكن إلى طريق الطاقة الخضراء.
وفي هذا الطريق يوجد فارق أساسي بين ألمانيا وسويسرا، التي تغطي 60% من احتياجاتها للكهرباء من الطاقة الكهرومائية المحلية، وتولد الطاقة الكهربائية بصور أكثر حفاظاً على المناخ من الجارة الألمانية: فحالياً يتم توليد 42% من الكهرباء في ألمانيا من مفاعلات احتراق الفحم الضارة بالمناخ، والتي تدار بنسبة 18% بالفحم الحجري، وبنسبة 24% بالفحم البني (فحم الليغنيت).
وعلى عكس الطاقة النووية التي لا نتنج غاز ثانِ أكسيد الكربون، فإن الفحم يؤثر بشدة على توازن المناخ. "لقد تغلبنا على التحديات التي واجهتنا مع إنهاء استخدام الطاقة النووية"، كما يصرح كريستوف بوديفيلس. لكن المهمة الكبيرة القادمة لألمانيا هي إنهاء توليد الكهرباء من الطاقة غير النظيفة الناتجة عن احتراق الفحم. فبهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق أهداف الحفاظ على المناخ التي التزمت بها ألمانيا.
متناقضات تَحوّل الطاقة
حتى الآن لا توجد خطة ألمانية لإنهاء استخدام المحروقات الحفرية في القريب العاجل: فقبل عدة أسابيع فقط باعت شركة الطاقة السويدية العملاقة Vattenfall حقول الفحم البني التي كانت تمتلكها في ألمانيا لمستثمر تشيكي. هذا الأخير بدأ الآن بالفعل في التنقيب عن الفحم بآلات عملاقة بمنطقة لوساتيا Lausitz إلى الشرق من برلين، بل إنه يُصِّر على تهجير قرى بأكملها في المستقبل لنفس الغرض.
وهنا تظهر جلياً التناقضات الكبيرة في ألمانيا، بلد تَحَوُّل الطاقة، والتي تفتخر بتوسعها في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتوقف إنتاج الكهرباء النووية، بينما لا تزال متعلقة بشدة بطاقة الفحم التقليدية غير النظيفة، بل وتحافظ على الوظائف المرتبطة بها في المناطق ذات البنية التحتية الضعيفة مثل براندنبورغ.
في هذه الأثناء، يسير إنهاء توليد الكهرباء من الطاقة النووية حسب الخطة الموضوعة، مصحوباً بالمقاومة المتوقعة من قِبَل شركات الطاقة النووية. فلقد اتفقت أخيراً لجنة مكونة من 19 عُضوا يمثلون الإقتصاد، والنقابات، والكنائس، وإتحادات حماية البيئة على اقتراح حول تمويل دفن قضبان الوقود النووي بصورة نهائية. والنتيجة: ستقوم الشركات الكبرى بإيداع 23،3 مليار يورو في صندوق لتمويل دفن النفايات أثناء عملية إنهاء توليد الكهرباء من الطاقة النووية وفي نهايتها. أما الدولة فسيقع عليها في المقابل تحمل مسئولية هذا الميراث المُشِّع. فضلاً عن ذلك، فإن الشركات اُلمشَغِّلَة ستموِل من خلال مخصصاتها إعادة تفكيك المفاعلات النووية والتي ستتكلف المليارات. وفي مطلع عام 2017، سيتم التصويت في المجلس النيابي الإتحادي على اقتراح هذه اللجنة.
شركات الطاقة النووية تَضِجُّ بالشكوى
من ناحية أخرى، يُطرَح السؤال عمّا إذا كان يحق لهذه الشركات الكبرى المطالبة بتعويض لأنها سَتُجْبَر على سحب مفاعلاتها النووية المربحة قبل أوانها من شبكة الكهرباء. وبالفعل تقدمت الشركات العملاقة Eon وRWE وVattenfall بشكوى أمام المحكمة الدستورية الإتحادية في كارلسروه تطالب فيها بالتعويض بسبب نزع ملكيتها. ولقد وُعِدَت هذه الشركات بفرص كبيرة في إجابة مطالبها. ومثل هذه الشكاوى من قِبَلِ الشركات المولِّدَة للكهرباء من الطاقة النووية هو ما تخشاه الوزيرة السويسرية دوريس لويتهارد في حالة إغلاق المفاعلات النووية السويسرية قبل أوانها.
كذلك فإن لويتهارد تنتقد ما تقوم به الجارة الألمانية حالياً من انتاج فائض في الكهرباء وتصديره رخيصاً للخارج. فخاصة في الأيام المشمسة والتي تكثر فيها الرياح، تخترق الكهرباء صديقة البيئة أولاً شبكة الكهرباء. وما لا تحتاجه ألمانيا نفسها من طاقة يسري في البلدان المجاورة بأسعار لا تستطيع الطاقة الكهرومائية السويسرية منافستها.
وجراء ذلك لا تستطيع سويسرا اختيار مصدر الكهرباء التي تشتريها من ألمانيا. بل أنها في الأغلب تنشأ من احتراق الفحم الألماني غير النظيف، كما يؤكد فيليكس ماتِس، خبير سياسة الطاقة والمناخ في معهد البيئة بفرايبورغرابط خارجي.
"فكميات الكهرباء الناقصة في سويسرا يتم توفيرها عن طريق زيادة إنتاج القدرات الألمانية الموجودة بالفعل ـ أي مولدات الفحم الحجري أو الغاز الطبيعي". إذن: فالمولدات الألمانية تجري على قدم وساق، إذا ما أعلنت شبكة الكهرباء السويسرية عن حاجتها. إلا أن هناك بديلاً عن هذا، على حد قول فيليكس ماتِس، وهو الكهرباء صديقة البيئة من مصادر سويسرية، وهذا "إذا ما قامت سويسرا في إطار عملية إنهاء توليد الكهرباء من الطاقة النووية بزيادة قدراتها من الطاقة المتجددة، وآنذاك لن يحدث أن تحتاج إلى الطاقة الكهربائية الألمانية غير النظيفة".