Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00884.jsonl.gz/23

كانت سويسرا تميل إلى جانب الامبراطورية الألمانية منذ عام 1870، لكن سرعان ما أعادت توازن علاقاتها الخارجية باتجاه فرنسا والولايات المتحدة في عام 1917. وارتكزت برن على نقاط قوة جنيف للمضي قدماً على ساحة القرن العشرين الدولية التي تّمخَّضت عن صخب الحرب العالمية الأولى ومآسيها.
بمناسبة الذكرى المائوية لعُصبة الأمم، تنشر swissinfo.ch سلسلة من المقالات موضحة بذلك تلك اللحظة المحورية في التاريخ السويسري والتاريخ العالمي. ومع تأسيس عصبة الأمم، وُلدت المدينة التي يُطلق عليها اليوم اسم جنيف الدوليةرابط خارجي. يُسلّط المؤرّخان مارك بيرنو وساشا زالا الضوء على هذه الحقبة في دفتر جديد للوثائق الدبلوماسية السويسرية (DODIS) تحت عنوان «سويسرا وبناء تعددية الأطرافرابط خارجي. وثائق دبلوماسية سويسرية حول تاريخ عصبة الأمم 1919 ـ 1946» التي تمَّ نشرها في سبتمبر 2019.نهاية الإطار التوضيحي
بدأ كل شيء بفضيحة في ربيع 1917. عندما حاول وزير الخارجية آرتور هوفمان، بمساعدة البرلماني الاشتراكي روبيرت غريم، تعزيز سلام منفصل بين ألمانيا وروسيا. مما غيَّر مسار الحرب لصالح الامبراطورية الألمانية. وصلت هذه المفاوضات في نهاية شهر مايو من تلك السنة إلى أسماع فرنسا التي جعلتها علنيةً مُسبّبةً بذلك فضيحة مدويّة. وهي ما عُرف فيما بعد بقضية غريم ـ هوفمانرابط خارجي.
في 18 يونيو 1917، تولّت الحكومة الفدرالية القضية. روى لوسيان كرامررابط خارجي في مذكراته (التي كتبها لعائلته في بداية الخمسينات ولم يتم نشرها)، حينما كان شاباً دبلوماسياً ويعمل في برن: «كان الوضع خطيراً لدرجة أنَّه خلال فترة ثمانية وأربعين ساعة، وبتدخل سريع من المستشار الفدرالي شولتسرابط خارجي، اضطر هوفمان للانسحاب، فكنت أسمع من غرفتي الحفيف الناجم عن نقل العديد من ملفاته. وفي ذلك الوقت، لجأت الحكومة الفدرالية، من خلال الصحافة المتطرفة التي صارت ملكاً لها، إلى استبدال القاضي غير الوفي بالسيد غوستاف آدور، العضو في الحكومة الوطنية، والذي كان يرأس حينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف».
«ذروة التوترات بين السويسريين»
كما يوضح المؤرخ سيدريك كوتير في أطروحته «المساعدة من أجل البقاء على قيد الحياةرابط خارجي»، أنَّ قضية غريم ـ هوفمان «تُمثل ذروة التوترات بين السويسريين. حيث يتم التشكيك بحيادية سويسرا من الخارج في حين يمكن لسكان سويسرا الناطقين بالفرنسية الانفجار في مواجهة هذا الفعل المعادي للألمان من الداخل. (...) غوستاف آدور هو تقريباً المرشح الذي تمَّ اختياره بشكل طبيعي. فقد منحته علاقاته الجيدة التي لا شك فيها مع الوفاق، وتوليه رئاسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر منزلة كبيرة داخل سويسرا وخارجها».
بعيداً عن الحدث الذي شكّلته قضية غريم ـ هوفمان، أظهر هذا التغيير المنهجي قدرة سويسرا على التأقلم مع القوى المحيطة بها، كما يُشير المؤرخ مارك بيرنو: «التأكيد على الأوراق الرابحة وإعادة توجيه السياسة الخارجية بحسب علاقات القوى الدولية هي ثوابت بالنسبة لسويسرا منذ القرن التاسع عشر. وهذا بالضبط ما حدث مع نهاية الحرب العالمية الأولى. كما يمكن تفسير الدور الذي لعبته جنيف في ذلك الحين أيضاً كنتيجة لآثار الحرب العالمية الأولى على سويسرا وعلى العالم».
تمكنت العائلات الارستقراطية في جنيف، بواسطة شبكات الأعمال الخاصة بها، بما في ذلك الأعمال المصرفية التي تمَّ تطويرها على مدار القرن التاسع عشر، من الاستفادة من الاضطرابات الجارية، بدءاً من عائلة آدور التي كانت منخرطة جداً في القطاعات المتقدمة في ذلك العصر.
استثمرت عائلة آدور في صناعة السكك الحديدية، ثم في صناعة الغاز. فكتب عنها المؤرخ أولفييه بيرو في عام 2003 في أطروحته المُخصّصة للنخب البورجوازية في جنيفرابط خارجي أنها من خلال سيطرتها على «شركة صناعة الغاز المؤسسة عام 1861، حصلت عائلة آدور على مكانة مرموقة في عام 1917، عندما صار لها ممثلاً في السلطات السياسية، ويعود الفضل في ذلك إلى غوستاف آدور، الذي أصبح رئيساً للبلاد».
كما قامت سويسرا، التي تجنبت حرباً قوية لم يكن أحد يتخيل أنها ستكون طويلة ومدمّرة لهذا الحد، بتطوير علاقاتها مع الولايات المتحدةرابط خارجي، القوة الصاعدة في القرن الجديد.
يقول مارك بيرنو: «في عام 1917، عيَّنت الحكومة الفدرالية الصناعي في زيورخ هانس سولتزررابط خارجي ليكون سفيراً لسويسرا في واشنطن (التعيين الذي أيده الرئيس ويلسن بحماسرابط خارجي، ملاحظة المحرر). وأعادت سويسرا الناطقة بالألمانية، التي كانت تميل نحو ألمانيا وأوروبا الوسطى، توجهها نحو ما وراء البحار».
من ناحية أخرى، تمَّ تأسيس جمعية أصدقاء الولايات المتحدة السويسريينرابط خارجي في عام 1922 في فندق إيليت في زيورخ. ويتابع مارك بيرنو قائلاً: «ولكن جنيف كانت لها مزايا إضافية وروابط قديمة مع ما وراء البحار».
في هذا الصدد، لا يُستهان بهالة روما البروتستانتية على الإطلاق. لأنَّ الفضل في شهرة جنيف العالمية يعود لجون كالفن. فعززت هذه المرجعية، من بين أمور أخرى، دعم الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لكي تصبح جنيف مقراً لعُصبة الأمم، حيث كان والده قسيساً في كنيسة المشيخية في الولايات المتحدة.
يوضح لوسيان كرامر صِلَة القرابة هذه في مذكّرةرابط خارجي وَجَّهها في ديسمبر 1918 إلى وزير الخارجية فيليكس كالوندر فيقول: «يبدو أن لسويسرا مصلحة كبيرة في الاعتماد بشكل أكبر على الأمة التي تطبّق نفس الديانة ومبادئها هي الأقرب إلى معتقدات سويسرا، وهذه الأمة هي أمريكا الليبرالية العظمى. إنَّ الزعيم المؤثر لهذه السلطة الهائلة، الرئيس ويلسون، ذي الأصول والتربية والطباع التي تجعل منه الابن الروحي الحقيقي لجنيف الكالفينية، هو بلا شك الأقدر على فرض سلطته الكبيرة لضمان الوعود التي صاغها مراراً وتكراراً وبشكل دقيق، في خطاباته وتصريحاته (حقوق الأمم الصغيرة، حق حرية وصول جميع الشعوب إلى البحر، إلخ...). لأنه الوحيد، من بين جميع رؤساء الدول، الذي لديه فهم فطري لعقلية الجمهورية السويسرية».
الولايات المتحدة كانت أصلاً مُمثَّلة بشكل جيّد في المدينة. خاصة مع وصول جيمس بيتسرابط خارجي. ذلك المُقدَّم السابق في الجيش الشمالي خلال الحرب الأهلية الأمريكية، الذي استقرَّ في عام 1875 في جنيف، مسقط رأس زوجته آميلي شونفيير.
في العام التالي، قام بشراء صحيفة The Continental Herald and Swiss Times "ذي كونتيننتال هيرالد آند سويس تايمز" مع مطبعتها، وأطلق عليها اسم "جينيفا تايمز"، قبل أن تصبح "لا تريبون دو جنيف" La Tribune de Genèveرابط خارجي. كما أسّس أيضاً "يونيون بنك" الذي انصهر في عام 1919 مع "اتحاد المصارف السويسرية" الذي يُرمز له اختصاراً بـ "يو بي اس" (UBS).
ابن آخر لجنيف قَدِمَ من الولايات المتحدة ولعب دوراً هاماً في أواخر الحرب العالمية الأولى. ويليام رابّاررابط خارجي، أستاذ الاقتصاد وخريج جامعة هارفارد، كان يعمل جنباً إلى جنب مع غوستاف آدور من أجل تسهيل التواصل مع الرئيس ويلسون لإقناعه بنقل مقر عصبة الأمم إلى جنيف.
وفي عام 1927، وبدعم كبير من مؤسسة روكفلر، قام بتأسيس المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، كما أشار إلى ذلك المؤرخ الفرنسي لودوفيك تورنيس في مقالرابط خارجي له حول مؤسسة روكفلر والنزعة العالمية للمؤسسات الخيرية الأمريكية: «منذ عام 1924، قامت مؤسسة لورا سبلمان روكفلر ميموريال بدعم تأسيس وتطوير معاهد للعلوم الاجتماعية في أماكن استراتيجية (كلية لندن للعلوم الاقتصادية في 1924، المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف في عام 1927).»
وكانت مؤسسة روكفلر أيضاً ناشطة جداً في عصبة الأمم طوال مدة وجودها، على الرغم من رفض مجلس الشيوخ الأمريكي التوقيع على معاهدة فيرساي، مانعاً بذلك الولايات المتحدة من الانضمام إلى عصبة الأمم.
من جهته، قام معهد جنيف بتخريج أجيال من الدبلوماسيين السويسريين. وبذلك، أصبحت جنيف الغرفة الخلفية للسياسة الخارجية السويسرية.