Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/01499.jsonl.gz/24

كرّست الأزمة بين العراق والولايات المتحدة موقع فرنسا في واجهة رفض الهيمنة الأمريكية المطلقة، وهو ما زاد شعبية الرئيس الفرنسي بشكل ملفت في العالم العربي
وتسعى الدبلوماسية الفرنسية إلى استثمار هذا النجاح لتحقيق أهداف سياسية مع شركائها التقليديين في العالم العربي، لاسيما في المغرب العربي.
كما هو الموقف الفرنسي تجاه أزمة الخليج، فإن الموقف تجاه العلاقات فيما بين الدول المغاربية، والذي أعلن عنه شيراك خلال زيارته للجزائر، ينبع من رؤية فرنسية لعالم جديد يجب أن يتبلور قبل أن يترسخ نظام القطب الواحد العالمي، ويؤخر إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يكون فيه لأوروبا، بقيادة فرنسا، مكانة القطب الشريك المسيج بمحيط إقليمي مستقر نشط، أساسه شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
ورهن الرئيس جاك شيراك، في أول زيارة دولة يقوم بها رئيس فرنسي للجزائر منذ استقلالها في بداية الستينات، نجاح مسلسل الشراكة الأوروبية المتوسطية في إطار معاهدة برشلونة، وازدهار دول البحر المتوسط بتطور الاندماج المغاربي، المرتبط بتعزيز الحوار بين الجزائر والمغرب كونه الحوار الأساسي لتحقيق التكامل المغاربي.
هذا الحماس الفرنسي لعلاقات جزائرية مغربية مختلفة عن العلاقات القائمة حاليا، والحماس للمشروع الاتحادي المغاربي، لم يأت لحظة مخاطبة الرئيس شيراك للبرلمان الجزائري.
فما قاله شيراك كان تتويجا لجهود تبذلها الدبلوماسية الفرنسية ويبذلها شيراك شخصيا لإنهاء شبه القطيعة في العلاقات الجزائرية المغربية ووضعها على سكة التعاون والوئام، وبالتالي، إعادة الروح لاتحاد المغرب العربي المجمد منذ منتصف التسعينات.
فرنسا المغاربية والإرث الديغولي!
فمنذ الخريف الماضي، التقى الرئيس جاك شيراك في مناسبات مختلفة، بالعاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والعلاقات الجزائرية المغربية كانت المحور الأساسي في مباحثاته مع كل منهما.
بالنسبة لفرنسا، فإن منطقة المغرب العربي تشكل فضاء ضروريا لأمن فرنسا ودورها الإقليمي والعالمي. فالمنطقة ليست فقط مستعمرات فرنسية سابقة، واللغة والثقافة الفرنسية لازالت تحظى بمكانة متميزة في الحياة اليومية لمواطني دولها، بل أيضا منطقة نفوذ سياسي قد تكون الخط الأخير للدولة التي تؤمن أنها تحمل رسالة حضارية في وجه قوى دولية أخرى. وإذا كان هذا النفوذ قد تضعضع في بعض الأحيان وضعف، فإنه بقي يحتمل دائما إمكانية الإنعاش والتطور.
كانت فرنسا تُـدرك دائما أن استمرار نفوذها في المغرب العربي رهين بقيام إطار يجمع دول المنطقة، وأن قيام هذا الإطار رهين بتفاهم جزائري مغربي. لكن في مرحلة الحرب الباردة، كانت تكتفي بمواقع وتقتنع بما تحصل عليه لأنها مرحلة حملت آثار حروب الاستقلال عن فرنسا وما حملته تلك الحروب من جروح ومآسي، خاصة في الجزائر. وبعد انتهاء الحرب الباردة، كانت فرنسا تحرص على عدم استفزاز العملاق الأمريكي الذي ينظر إلى الشراكة بعين الريبة.
وبالروح الديغولية التي يحملها الرئيس جاك شيراك وما عرفه العالم من تطورات منذ النصف الثاني من التسعينات، وإعادة النظر في المقاربة الفرنسية للأزمة الجزائرية المندلعة عنفا منذ عام 1992، بعد أن تمت محاصرتها وإبقاؤها أزمة محلية دون خوف من امتداداتها الإقليمية شرقا أو غربا أو شمالا، وأمام هجمة أمريكية شرسة على مواقع النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية، قامت باريس بهجوم دبلوماسي مُضاد للحفاظ على مواقعها التي كادت تفقدها أو لاستعادة مواقع فقدتها.
العقدة المغربية الجزائرية¶
نجح الهجوم الدبلوماسي على الجبهة الجزائرية المغربية بنزع فتيل توتر عاشته عام 1994، وبدأت إشارات تصل من هنا أو هناك، تشجع على تعزيز الدور الفرنسي. لكن ما عرفه كل من المغرب والجزائر نهاية القرن الماضي من تغييرات، أجّـل إنضاج ثمار الدبلوماسية الفرنسية الجديدة دون أن يسقط الثمار.
وقد أعادت باريس في الخريف الماضي تحركها الدبلوماسي، وكثف الرئيس شيراك جهوده لوئام جزائري مغربي، وهذه المرة بأسلوب أوضح وبوعود للطرفين بإمكانية الوصول مع الطرف الآخر إلى تفاهمات تحفظ مصالحه وتترك القضايا المختلف عليها في إطار يحول دون سياسة كل شيء، أو لا شيء.
ظهرت ثمار الدبلوماسية الفرنسية من خلال تكثيف اللقاءات بين المسؤولين الجزائريين والمغاربة، ووقف الهجمات الإعلامية المستفزة، والابتعاد عن نقاط الاختلاف، وتوج كل ذلك بزيارة وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم للرباط بداية فبراير الماضي، والتي كشفت عن مقاربات جديدة للنظر في كل الملفات العالقة والإعداد لقمة بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والملك محمد السادس.
وتتحدث الأنباء القادمة من شرق المغرب عن استعدادات في مدينة وجدة الحدودية لانطلاقة أول رحلة قطار باتجاه الجزائر منذ عام 1994، والاستعداد لاحتضان القمة المرتقبة، التي حرص الطرفان على التأكيد عند الإعلان عنها أنها جاءت نتيجة اتفاق مباشر بين الطرفين دون وسيط طرف ثالث، وأنها ستعقد على أرضيهما وليس في أي بلد ثالث.
ولم يكن هذا الحرص المغربي الجزائري يضير الرئيس جاك شيراك ما دام الانفراج قد تحقق والتعاون سينطلق، وأن كل المعنيين بتطور العلاقات الجزائرية المغربية يعرفون الدور الفرنسي في تحقيق هذا الانفراج، خاصة في هذه المرحلة التي تعرف فيها العلاقات الأمريكية الفرنسية احتداما في عدد من النقاط الساخنة في العالم.
محمود معروف – الرباط