Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00871.jsonl.gz/43

منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لم يُلفت أي حدث آخر الأنظار إلى الأعمال الفنية المنهوبة في عهد النازية مثل حادثة اكتشاف 1240 قطعة فنية، عُثر عليها بمحض الصدفة في فبراير 2012، بعد أن كان يُعتقد أنها دُمّرت خلال الحرب العالمية الثانية. واليوم، تتجه الأنظار صوب المتحف السويسري الذي ورث هذه الأعمال دون سابق إنذار.
كان متحف برن للفنون الجميلة يعتزم الإعلان يوم 26 نوفمبر 2014 عن قراره بقبول مجموعة الأعمال هذه أم لا. لكن المتحف يقول الآن إن الإعلان سيتأخّر بيوميْن، وأن المؤتمر الصحفي الذي سيُعلن فيه عن القرار المُرتقب سينتظم خارج سويسرا. هذا التطوّر الجديد يُرجّح وجهة النظر القائلة بأن المتحف سيقبل هذه الأعمال الفنية، لكنه سيتركها في ألمانيا للسماح للباحثين باستكمال التحقيقات بشأن مصدرها الحقيقي، وللبتّ في المطالب التي يدّعي أصحابها بأنهم الأحق بحيازة البعض منها.
هذا الكنز الفني كان قد جمعه هيلدبراند غورليت، وهو تاجر أعمال فنية كان متعاونا مع النظام النازي، وقد أخفى هذه القطع في شقة يملكها نجله كورنيليوس غورليت في حيّ منعزل بمدينة ميونيخ، وقد وافاه الأجل فجأة في حادث مروري دون أن يُحدّد لمن يجب أن تعود حيازة هذه الأعمال بعد وفاته.
وازدراءً منه للبلد الذي استولى على هذه الأعمال بعد اكتشافها صدفة أثناء مداهمة الشرطة لمنزل غورليت للتحقيق حول مخالفات ضريبية محتملة، أوصى كورنيليوس بتحويل الكنز الذي عثر عليه إلى متحف برن للفنون الجميلة وعيّنه وريثا عالميا له. وهنا يجدر التذكير بأن غورليت كان يعمل في شرعية كاملة لأن القانون الألماني يحدّد ثلاثين سنة كمدّة قصوى لمتابعة المطالبين بحق الحيازة، أو هكذا كان يَعتقِد على الأقل.
في الواقع، لا يُعرف بالضبط عدد القطع الفنية التي عُثر عليها في منزل غورليت بألمانيا ثم لاحقا في النمسا، لكن يسود الإعتقاد بأنها تتراوح ما بين 1240 و1650 قطعة. كما لم تتردد أي معلومات عن الأطر الفارغة التي يُظن أنها كانت تحتوي على لوحات بيعت على مدى سنوات بتواطئ وصمت من طرف المتعاملين في أسواق الأعمال الفنية عموما.
المأزق القانوني
إذا ما قرر متحف برن القبول بما ورد في الوصية، فسوف يكون ملزما بتنفيذ مبادئ واشنطنرابط خارجي بشأن الأعمال الفنية التي نهبها النظام النازي، وهي مدوّنة سلوك صادقت عليها 44 دولة من بينها سويسرا، تدعو إلى إعادة الأعمال الفنية المنهوبة إلى أصحابها أو إلى ورثتهم الشرعيين.
ووفقا لتقرير نُشر مؤخّرا من قبل مؤتمر المطالبة بالممتلكات اليهودية ضد ألمانيارابط خارجي والمنظمة العالمية لإستعادة الممتلكات اليهوديةرابط خارجي، اتضح أن ثلثي الدول بذلت القليل من الجهد أو أنها لم تفعل شيئا يُذكر من أجل التعرّف على الأعمال الفنية التي بيعت أو صُودرت من يهود خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي.
والآن، يلوح أمل بأن تؤدي قضية غورليت التي حظيت بتغطية إعلامية ومتابعة دولية إلى تسريع إجراءات استرداد هذا الصنف من الأعمال، كما أن أكثر البلدان ترددا ومقاومة في هذا المستوى مثل إيطاليا وإسبانيا وهنغاريا والأرجنتين سوف تجد نفسها مُجبرة على فعل ذلك.
في هذه الأثناء، يُجري مجلس إدارة متحف العاصمة السويسرية تقييما للتداعيات القانونية لقبول مثل هذه الهدية التي بالإمكان أن تدفع ورثة العائلات اليهودية التي فرّت إلى بلدان تختلف فيها القوانين عن تلك الموجودة في ألمانيا إلى رفع شكاوي وإطلاق ملاحقات قضائية.
وعلى متحف الفنون الجميلة ببرن كذلك أن يزن الآثار الأخلاقية للقبول بهذه المجموعة التي ثبت بالفعل أن ثلثها مُصادر من أصحابه الشرعيين. وقد نشرت قائمة على شبكة الإنترنت ضمن قاعدة بيانات الأعمال الفنية المفقودة "كنوز ميونخ المدفونة"رابط خارجي.
بيد أنه لا يُعرف إلا القليل جدا عمّا تبقى من ثلثيْ المجموعة. فالسلطات الألمانية التي أخفت الأعمال المكتشفة في عام 2012 لمدةّ سنتيْن كاملتيْن، توجّه إليها اتهامات من طرف أصحاب الحق المحتملين بأنها تتعمّد التشويش وعرقلة إعادة هذه الأعمال، خاصة وأن الكثير من هؤلاء هم في سن متقدمة جدا ولم يعد وضعهم الصحي يسمح بمزيد من الإنتظار. ومع أن فريق التحقيق بشأن هذه القطع الفنية بدأ العمل منذ شهر يناير 2014، إلا أنه لم يُصدر أي تقارير مرحلية عن خلاصات أعماله حتى الآن.
التفاوض على اتفاق مع ألمانيا
المحامي الأمريكي نيكولاس أودونيل، المتخصص في مطالبات التعويض في زمن الحروب، والذي أصدر تقرير قانون الفنرابط خارجي كان يتابع القضية عن كثب. وهو يعتقد أن متحف برن سوف يقبل هذه الهدية، ولكن من المرجّح أن يطلب نوعا من التعويض من ألمانيا سواء على تكاليف القبول بهذه الأعمال أو على تكاليف التعويض المحتملة لصالح ورثة محتملين.
وفي تصريحات أدلى بها إلى swissinfo.ch، قال أودونيل: "سوف تنظر ألمانيا في هذا الأمر فقط لأنها تريد التخلّص من هذه المشكلة". لقد حوّل النازيون جانبا مهمّا من الأعمال الفنية الحديثة التي اعتبروها "منحطة" إلى "أعمال مهرّبة" تُروّج في الأسواق السوداء، وهو ما عقّد البحث عن هذه الأعمال المفقودة وتتبّع مساراتها بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ثم لا يفوت أودونيّل التذكير بأنه أصحاب الأعمال المنهوبة التي كانت تصنّف "أعمالا منحطة" ليسوا كلهم من اليهود.
وردّا عن سؤال بشأن قدرة متحف برن، كمؤسسة خاصة، في نهاية المطاف على اتخاذ قرار ببيع تلك الأعمال لتغطية تكاليفها، أجاب أودونيل: "لا أحد سوف يُقدم على شراء أعمال فنيّة ليس هناك قطع بمصدرها الحقيقي".
وأضاف رجل القانون الامريكي: "حتى منتصف التسعينات، لم يكن يُثير وصف قطعة فنية ما بأنها "من مجموعة خاصة، باريس، 1942" أي شبهة، لكن منذ صدور مبادئ واشنطن، أصبحت بمثابة الشارة الحمراء التي يُحسب لها كل حساب".
الحل الأمثل
على غرار العديد من المسؤولين العاملين في متاحف أخرى، كان برنهارد فيبيشار، مدير متحف الفنون الجميلة في لوزان، يعتقد في البداية أنه من غير الأخلاقي القبول بأعمال مصدرها غير واضح، لكنه غيّر موقفه في نهاية المطاف.
وأشار فيبيشار إلى أنه إذا رفض متحف برن الوصيّة، فإن تلك الأعمال سوف تدخل في أتون اجراءات معقّدة لا نهاية لها لتحديد، ويمكن أن تنتهي إلى اعتبار ورثة غورليث هم الورثة الشرعيين، على الأقل لجزء من هذه المجموعة.
بعض الأفراد من عائلة غورليت، وجزء منهم من الأقلية اليهودية، وعدوا بإعادة أي أعمال منهوبة إلى أصحابها الحقيقيين إذا ما رفض متحف برن قبول هذه المجموعة. ولكن ما الذي سيحدث لبقية الأعمال التي لم يتم التعرّف على مصدرها ولم تُطالب بها أي جهة؟.
يرى فيبيشار إذن في هذه الحالة على متحف برن القبول بهذه الوصية، ويترك الأعمال في ألمانيا حتى يتم توضيح مصدرها الحقيقي. و"هذا هو الحل الأمثل" بالنسبة له.
لكن هناك خطر يجعله يشعر بعدم الإرتياح، وهو أن تحلّ هذه الأعمال في إطار التبادل بين المتاحف بمكان ما فتجذب حشودا كبيرة.
ومن المفارقة، أنه يُعتقد أن قيمة مجموعة الأعمال التي عثر عليها لدى غورليت مبالغ فيها إلى حد كبير. وأن "الروائع" القليلة التي من المحتمل أنها تحتوي عليها سوف يتم تحديد مصدرها الحقيقي بسرعة وبنجاح.
فرصة بالنسبة لسويسرا
واحدة من أفضل ما في هذه المجموعة لوحة ماتيس. وقد بادر كريستوف مارينيلّو، محامي ورثة روزنبرغ، ومؤسس المنظمة الدولية لإستعادة الأعمال الفنيةرابط خارجي على الفور ببدء العمل لإستعادة هذه اللوحة بمجرّد التعرّف على مكان وجودها.
ووفقا لمارينيلّو، وصيّة غورليت تمنح فرصة فريدة من نوعها للمؤسسة السويسرية أخذ زمام المبادرة وتعويض التقصير الذي ميّز ألمانيا في هذا المجال.
ويقول مارينيلّو: "أودّ أن أحثّ متحف الفنون الجميلة ببرن على قبول وصية غورليت، وإيجاد حلّ لمشلكة الاعمال الفنية التي نهبها النازيون وفقا لمبادئ واشنطن".
كسر حاجز الصمت والسرية
تتقاسم آنّا فيبّر، المشاركة في تأسيس لجنة الأعمال الفنية المنهوبة بأوروبا، والتي أطلقت موقعا إلكترونيارابط خارجي شاملا متخصص في تتبع أخبار وقضايا هذه الأعمال، وجهة نظر مارينيلّو السابقة. وهذه الأخيرة التي عملت سابقا كمنتجة أفلام، معروفة بدفاعها المستميت من اجل إعادة الأعمال المنهوبة إلى أصحابها الشرعيين.
وتقول فيبّر: "مع حيازة الملكية، تأتي المسؤولية. إذا قبلت برن بمجموعة غورليت، عندئذ لابد أن تتواصل جهود البحث عن الورثة الحقيقيين بقدر اكبر من الشفافية". وهي الأخرى ترى أن الوصية بهذه الأعمال لمتحف برن هي فرصة لكسر حاجز الصمت والسرية الذي لا يزال يلف هذه الأعمال في ألمانيا.
وتضيف أنّا فيبّر: "لم يتم الإفصاح عن هويّات المكوّنين لفريق العمل الألماني. وليس واضحا لماذا هذا الم يحدث. إلتزام الشفافية ضروري إذا أريد أن يكون للناس ثقة في عمل هذا الفريق".
وأشارت إلى أن سويسرا لم ترتق إلى مستوى التزاماتها لإجاراء البحوث الازمة للتعرّف على المالكين الحقيقيين للأعمال الفنية التي حصلت عليها منذ 1933. وهي تعتقد أن وصية غورليت توفّر لسويسرا فرصة لتدارك ذلك التقصير.
ملء الإطارات الفارغة
بالنسبة لفابّير، لابد أن تتوسّع التحقيقات لكي لا تقتصر على الأعمال التي وجدت في حوزة غورليت: "الأعمال الفنية التي كانت تباع بين الحين والآخر في عهد والده يجب أيضا أن تكون موضع بحث وتدقيق".
ومن المعروف أن كورنيليوس غورليت، الذي ليس لديه مصدر دخل معلن، قد باع العديد من الأأعمال الفنية، وكذلك فعلت والدته وشقيقته، بعد وفاة هيلدبراند في حادث مروري سنة 1956. ثم قالت إن وسطاء من النمسا وسويسرا قد باعوا أيضا أعمالا لصالح عائلة غورليت.
أما كيف ظل سوق الأعمال الفنية متستّرا ومتواطئا مع هذه العائلة، فهو امر مازال يحتاج إلى بحث وتحقيق: "نحن نطالب بإجراء تحقيق كامل ودعوة التجار الذين بحوزتهم هذه الاعمال، بما في ذلك المتاحف بالإقدام على تسوية هذا الوضع".
ثم كرّرت القول بأن نقل جميع هذه الأعمال إلى سويسرا "يمكن أن يوفّر فرصة نموذجية للقيام بحوث حول مصدرها ولوضع حلول عادلة وعاجلة".
وقالت: "إن متحف الفنون الجميلة يمكن أن يساعد على توفير الشفافية التي تحتاجها الأسر التي ظلمت لفترة طويلة".
فريق العمل
أنشأ فريق العملرابط خارجي بمبادرة من الحكومة الأتحادية الألمانية، وحكومة بافاريا الحرة في يناير 2014، ولكن المهمة ظلت غامضة، إذ اقتصر التنصيص على أن الفريق يعمل على تحديد مصدر الأعمال المكتشفة لدى عائلة غورليت، وأيضا مساعدة مكتب النائب العام الألماني "من أجل إجراء الأبحاث الضرورية وتوضيح الظروف التي أحاطت بوصول هذه الأعمال إلى منزل السيد غورليت".
حتى الآن، أصدر هذا الفريق توصيتيْن فقط بإعادة قطعتيْن إلى صاحبيهما: "لوحة "الراكبان على الشاطئ" لماكس ليبرمانرابط خارجي، وللمفاجئة، اعترضت على ذلك الدولة الالمانية نفسها، وقطعة "امرأة مع مروحة" لهنري ماتيس، والتي يجري حاليا التفاوض بشأنها مع أحفاد تاجر الفن بول روزنبرغ، بمشاركة الصحفية الفرنسية المعروفة آنّ سينكلير.
وقد حاولت swissinfo.ch الإتصال بفريق العمل الألماني للحصول على توضيحات بشأن تمديد مهمّة هذا الفريق ام لا؟ وهل سيواصل العمل بغض النظر عن القرار الذي سوف تتخذه الجهات المسؤولة في برن؟
فكان الردّ، وبإسم الدكتور بيرغلين – ميركل: "آسف أن أقول – أننا في هذه اللحظة غير مستعدين للإجابة عن أسئلتكم".نهاية الإطار التوضيحي
قاعدة بيانات الأعمال الفنية المنهوبة
يعتمد البحث عن مصادر الأعمال المنهوبة إلى حد كبير على مكوّنات قواعد البيانات وتجميعها.
وتشتمل بوابة البحوث الدوليةرابط خارجي ومقرّها بواشنطن عن السجلات المتعلقة بالممتلكات الثقافية في عهد النظام النازي التي أنشأت في عام 2011، وتهدف إلى تجميع كل المعلومات من جميع البوابات المتاحة بما في ذلك:
مركز تسجيل الأعمال المنهوبةرابط خارجي المفتوح للجميع، وأيضا المنظمة الدولية لإستعادة الأعمال المنهوبةرابط خارجي، والتي تقترح هي الأخرى تكنولوجيا متطوّرة للتعرّف على الأعمال الفنية.
وقاعدة بيانات المانيا للأعمال فنية المفقودةرابط خارجي حيث يتم نشر بيانات بشأن مجموعة غورليت مجزأة. وجميع قواعد البيانات الفنية الوطنية المنهوبة، بما في ذلك العائدة إلى سويسرا.رابط خارجينهاية الإطار التوضيحي
(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch