Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/26

سلب ونهب الإرث الأثري الإفريقي هي التُهمة التي تـُوجهها مجموعة تضم أساتذة ومُتخصصين في عـلم الآثار وحمايتها لمعرض يُقام بمتحف الإثنوغرافيا بجنيف من 18 مارس إلى 15 سبتمبر 2009. لـكِن المُتـَّهـَمـين يؤكدون أن المُهاجـِمين يُخطئون الــهدف..
هذه القضية جلبت إلى السطح واقعا لا يزال يُساء تقييم نتائجه والاعتراف بها، ويتمثل في النهب المستمر للقارة الإفريقية: لـِقواتها الحيـّة خلال قرون العبودية، ولموادها الخام منذ عهد الاستعمار، واليوم، لذاكرتها التاريخية.
وفي مقال رأي بعنوان "نـَهـبُ التاريخ الإفريقي" - نُشر الأسبوع الماضي في صحيفة "لوتون" السويسرية التي تصدر بالفرنسية في جنيف - وجـّه إيريك هويسكوم، أستاذ علم الآثار في جنيف وباماكو (عاصمة مالي)، أصـبع الاتهام لمعرض "قطع طينية إفريقية: إرث منذ آلاف السنين" الذي يُقام حاليا في متحف جون بول باربيي-مولير، أحد أشهر هُواة جمع القطع الأثرية في جنيف.
وقد حظي نص المقال بدعم عشرة شخصيات من بينها حمادي بوكون، مدير التراث الوطني للسنغال، ونظيره في النيجر أومارو إيدي، وماري-كلود مورون، رئيسة الفرع السويسري للمجلس الدولي للمتاحف.
اتهامات وردود
وحسب إيريك هويسكوم، ما كان يـُمكن إخراج القطع الأثرية لهذه المجموعة من الآثار الطينية الإفريقية، من بلدان مثل مالي حيث اكتُـشفت، إلا بصورة غيـر مشروعة.
وأكد هذا البروفيسور الذي يُدَرس علم الآثار لأكثر من 50 طالبا في العاصمة المالية، أن تلك القطع "جُلبت من مواقع اكتُشـفت بعد عام 1977 لتظهر في السوق عام 1979. بينما تعود أول وثيقة رسمية في مالي في هذا المجال لعام 1973".
ويستكمل قائلا: "وبالتالي فإن هذه القطع خرجت بالضرورة بصورة غير قانونية من مالي على إثر عمليات نهب، بمــا أن العثور (على مثل هذه الآثار) بالصـُّدفة أمر نادر جدا".
لكن صاحب المعرض جون بول باربيي-مولير، الذي يرى أنه يتعرض للهجوم بدون وجه حق، يرُد على هذه الاتهامات بالقول: "إنهــم يربطون إسمي (بهذا النوع) من التجارة كما لو كُنت مجرما خسيسا، بينما أُقـّدم منذ 32 عاما، وبدون أية مساعدة، مـَعارض في العالم بأسره، وساهـَمتُ في الإشعاع الثقافي (لمدينة) جنيف".
قطع معروفة منذ فترة طويلة
وحسب صاحب المعرض، لا تتعلق اتهامات إيريك هويسكوم سوى ببضعة قطع أثرية من أصل أكثر من 200 قطعة معروضة، مُشددا على أن "كافة القطع المتبقية صـُنعت مؤخرا وبالإمكان شراؤها من أي خزاف"، ومنوها إلى أنه اشترى القطع الخزفية التي يشير إليها هويسكوم ما بين 1970 و1988.
وذكـّر باربيي-مولير أن "نفس القطع كانت موضوعا (لمقال) نُشر عام 1983 خلال معرض "فـن مالي العتيق" في متحـفِنا دون أن يثير ذلك أيّة انتقادات أو أية شكاوى"، ومؤكدا أنه كـفَّ عن شراء القطع الأثرية فور أن علم بأن هذه المسألة تطرح مشاكل قانونية.
ثغرات القانون السويسري
من جانبه، لا يتهم إيريك هويسكوم صاحب المعرض بانتهاك القانون إذ يقول: "إن جون بول باربيي-مولير يحترم القانون حرفيا، لكن القانون السويسري يشكو من ثغرات في هذا المجال".
ويُذْكر هنا أن القانون الفدرالي حول نقل الممتلكات الثقافية، الذي دخل حيز التطبيق في غرة مايو من عام 2005، لا يُطبـَّق بـأثر رجعي، وبالتالي فإن القطع التي تم شراؤها قبل ذلك التاريخ تُفلت من النـُّظم الجديدة.
أما جامع القطع الأثرية فيقول: "إن سويسرا اعتمدت نوعا مـُعقدا نوعا من القانون على إثر تصديقها على معاهدة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) لعام 1970".
وحسب باربيي-مولير، يقوم القانون السويسري في واقع الأمر على إبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول، مضيفا: "لقد تم الاتصال بكافة بلدان العالم، ولم يصدر رد فعل عن أيٍّ من بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء، بدءا بدولة مــالي نفسها".
"أمر غير مقبول"
لكن نصيب الاتهامات الذي يتلقاه صاحب المعرض في المقال الذي نشرته صحيفة لوتون يقل عن تلك المـُوجهة بشكل خاص لبوريس واستياو، المدير البلجيكي لمتحف الإثنوغرافيا في جنيف لـِمـا قدمه من مساهمة في تحرير ونشر فهرس المعرض.
ويستطرد إيريك هويسكوم قائلا: "إن المدير الجديد يقدم كفالته العلمية لهذه المجموعة، وهذا أمر غير مقبول من الناحية الأخلاقية. إنه تبييض (للأموال)".
ووفقا لهذا المتخصص في علم الآثار، يسمح مثل هذا المعرض المُرفق بفهرس تم إثراءُه بالنصوص العلمية ببيع هذا النوع من القطع الأثرية لاحقا دون مواجهة أية أخطار. لكن جون بول باربيي-مولير يؤكد بأنه هذا الخيار ليس ضمن مُخططاته.
من جهته، حرص مدير المتحف، بوريس واستياو، منذ البداية على القول: "أنا أشتغل منذ عشر سنوات على موضوع المتاجرة غير الشرعية بالممتلكات الثقافية في إفريقيا وخاصة نهب المتاحف الوطنية الإفريقية"، مضيفا أن هذا الالتزام يشاركه فيه المساهمون العلميون الـثلاثة والعشرين الذين ساهموا في تحرير فهرس المعرض.
أصحاب ممتلكات مؤقتون
وحسب بوريس واستياو، يدُل هذا الفهرس - بما يشتمل عليه من نُسخ ومعلومات - على الالتزام بالشفافية في واقع الأمر، ويقول في هذا السياق: "سواء أنجـز في متحف باربيي-مولير أو متحف آخر، اعتبر نشر (صور المجموعات) المعروضة أمرا إيجابيا، لا سيـّما أن معظم المجموعات الخاصة ليست مرئية ولا تصدر عنها أي منشورات. أما إظهار (القطع) ونشر (الصور والمعلومات حولها) خطوة تتيح النقاش الذي يشغلنا الآن والاعتراضات المـُحتملة".
وبالنسبة لبوريس واستياو، فإن الرسالة وصلت إذ يقول: "في السنوات القادمة، ستُطرح أكثر فأكثر مسألة ملكية المُمتلكات الثقافية. فعلى سبيل المثال، سيأتي عاجلا أم آجلا ممثلون عن شعوب الهنود الحمر ليطلبوا منا إعادة بعض القطع من مجموعات متحف الإثنوغرافيا في جنيف، وسنتعاون معهم بصورة منفتحة. ومن هذا المنظور، أعتبر المتاحف كأصحاب مؤقتين للمجموعات (الأثرية)".
سويس انفو - فريديريك بورنون - جنيف
سويسرا ومساعي التصدي للمتاجرة بالقطع الفنية
لاهاي: في عام 1962، صادقت سويسرا على معاهدة لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المُسلح التي أبرمت عام 1954.
يونسكو: في عام 2003، صادقت سويسرا على معاهدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" لعام 1970 المناهـِضة للاتجار غير الشرعي بالممتلكات الثقافية.
قانون فدرالي: يوم 1 مايو 2005، دخل حيز التطبيق القانون الفدرالي السويسري الجديد حول نقل الممتلكات الثقافية، بعد أن وافق البرلمان على نـص القانون في يونيو 2003.
توحيد القانون: لم تصادق سويسرا بعد على المعاهدة الدولية للمؤسسة الدولية لتوحيد القانون الخاص (Unidroit) لعام 1995 الخاصة بالممتلكات الثقافية المسروقة أو المستوردة بصفة غير مشروعة، والتي كانت قد وقعت عليها عام 1996. وتـُعتبر هذه الاتفاقية أشد صرامة من معاهدة اليونسكو لعام 1970.