Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00863.jsonl.gz/143

من أجل تطبيق المبادرة الشعبية الخاصة بالترحيل الآلي للمجرمين الأجانب بحذافيرها، التجأ حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) إلى إطلاق مُبادرة مُكرَّرة، لإعطاء المزيد من الزَخم إلى مبادرة كان الناخبون قد أقرّوها مُسبقاً، مُضيفاً بذلك أداة جديدة مُثيرة للجَدل إلى ترسانة آليات الديمقراطية المُباشرة في سويسرا.
سواء كانت "وسيلة ضغط" أو "إنتهاكاً لحقوق الإنسان" أو "إلغاءً لمبدإ الفصل بين السلطات"، كما تصفها أطراف عديدة، أو "غير ضرورية" ببساطة كما تصفها الحكومة الفدرالية، فمن الواضح أن الإنتقادات الصادرة ضد مبادرة فَرض التنفيذ رابط خارجيالتي سيأتي بها حزب الشعب السويسري إلى صناديق الإنتخاب، تنهال بشدة من كل حدْبٍ وصوب.
ومع مبادرته التي تحمل عنوان "من أجل فَرْض تنفيذ ترحيل المجرمين الأجانبرابط خارجي"، يرغب الحزب اليميني الوطني المحافِظ بالدفع باتجاه تطبيق "مبادرة ترحيل المجرمين الأجانب" السابقة بحذافيرها، بسبب ما يراه من عَدَم ترجمة البرلمان الفدرالي لهذه المبادرة في شهر مارس المنصرم، وفقا لرغبة مؤسسيها، من خلال إدراجه لِبندٍ لم تتضمنه المبادرة، يَنُص على "إمكانية التنازل عن الترحيل التلقائي للمجرمين الأجانب في حالات خاصة شديدة الصعوبة".
وبسبب تلكُّـؤ السلطات الفدرالية في تطبيق المبادرة التي وافق عليها الناخبون في نوفمبر 2010، وحيث كانت مثل هذه التغييرات متوقعة، فقد "تساءلت قيادة الحزب في مطلع صيف عام 2012 عمّا ينبغي فعله، لو ثبت للحزب أن المادة الدستورية المُعتمدة لم تُنَفَّذ، أو أن تنفيذها لم يكن بالشكل المطلوب"، كما أوضح توني برونَّر، رئيس حزب الشعب السويسري.
المبادرة الشعبية
توفر هذه الآلية إمكانية اقتراح إجراء تعديل في الدستور الفدرالي أو إضافة مواد جديدة إليه. وتحتاج المبادرة الشعبية لكي تحظى بالقبول من الناحية القانونية إلى تقديم التوقيعات الصحيحة لمجموع 100,000 شخص يحق لهم الإنتخاب إلى المستشارية الفدرالية الحكومية في فترة زمنية لا تتجاوز 18 شهراً.
بعد ذلك، تُعرَض المبادرة على البرلمان الفدرالي الذي قد يُوافق عليها مباشرة أو يرفضها أو يقدم بديلاً عنها في صيغة مشروع مضاد أو منقح. وفي جميع الأحوال، تُطرح المبادرة أمام تصويت الناخبين في إستفتاء شعبي.
ولكي تنجح المبادرة، يجب أن تحصل على تأييد غالبية مُزدوجة (أي أغلبية الناخبين وأغلبية الكانتونات الستة والعشرين التي تتكون منها الكنفدرالية).
يتم ترسيخ المبادرات التي يعتمدها الناخبون في الدستور الفدرالي، ويقع على عاتق البرلمان الفدرالي في نهاية المطاف تنفيذها على المستوى التشريعي المعتمد.
ووفق برونَّر، كان إطلاق مبادرة شعبية جديدة لِفَرض تنفيذ مبادرة الترحيل الآلي للمجرمين الأجانب، إحدى الأدوات التي يمكن اللجوء إليها، وقال: "لقد أطلقنا عليها تسمية مبادرة فَرض التنفيذ". وتطالب هذه المُبادرة بالتنفيذ المُباشر لمُبادرة تَرحيل الأجانب من خلال الدستور الفدرالي. ويعني ذلك من بين أمور أخرى، وجوب تثبيت قائمة الجرائم المؤدية إلى الترحيل القسري في نص الوثيقة الأساسية للدولة.
الإستفتاء الشعبي ليس بديلاً
"في شكله هذا، يمثل هذا الإجراء أداة جديدة لمحاولة إبطال قرار صادر عن البرلمان الفدرالي و/أو فَرض قرار آخر"، كما يقول مارك بوهلمانرابط خارجي، المُختص في العلوم السياسية الذي أضاف: "إلى حدِّ الآن، كان اللجوء إلى الإستفتاء الشعبي هو الحَلّ في مثل هذه الحالات. هذه المبادرة هي ‘مبادرة إستفتاء’ إذا صَحَّ التعبير".
إذن، لِمَا لَمْ يلجأ حزب الشعب إلى هذه الأداة التي تُستَخدم لإبطال مشاريع القوانين الصادرة على البرلمان، والتي لا تحتاج سوى نصف عدد التوقيعات التي تتطلبها المبادرة الشعبية؟ "كنّا نخشى أن يتحتم علينا بالنتيجة، اللجوء إلى إجراء إستفتاء ضد قانون قد يكون أفضل من القديم بعض الشيء، ولكنه لا يُلبّي المادة الدستورية التي كان الشعب قد تبنّاها"، بحسب برونَّر. وكما أوضح، فإن مبادرة فَرْض التنفيذ لا تحمل في طياتها سوى هدف واحد يقتصر على "المساعدة في إنفاذ إرادة الشعب".
"من المنظور الإستراتيجي للحزب، كانت مبادرة فَرْض التنفيذ خطوة ذكية نِسبياً. وقد أدَّت تقريباً إلى تنفيذ مبادرة ترحيل المجرمين الأجانب بالشكل الذي كان حزب الشعب يسعى إليه"، وفق تحليل بوهلمان.
على العكس من ذلك، يرى ماركوس شيفير،رابط خارجي أستاذ القانون الدستوري والإداري في جامعة بازل، في هذا الصنف من المبادرات الشعبية، مسألة حساسة وحرجة، ويقول: "إنها تُستَخدَم كوسيلة لصناعة الحملات الإنتخابية من خلال الإثارة المتعمّدة لمسألة إنتهاكات القانون الدولي وغيرها من الإنتهاكات الخطيرة، وهذا المزيج يبدو لي جديداً، وهو أمرٌ مؤسِف للغاية"، على حد قوله.
الإستفتاء الشعبي
يُتيح الإستفتاء الإختياري للشعب فرصة إقرار أو رَفْض أي قانون يُقِـرّه البرلمان الفدرالي أو يعمل على تعديله. ويتم إجراء الإستفتاء الإختياري في حال تجميع 50,000 توقيع لمواطنين يتمتعون بحق التصويت وإيداعها لدى المستشارية الفدرالية للحكومة في فترة زمنية لا تتعدى 100 يوم من تاريخ نَشر القانون المُراد معارضته.
وفي الإستفتاء الإجباري، ينبغي إستشارة الشعب عند إجراء البرلمان لأي تغييرات على الدستور الفدرالي. ولكي يدخُل هذا القانون المعدّل حيِّـز التنفيذ، يجب أن يحصل على الأغلبية المُـزدوجة، أي على أغلبية أصوات الناخبين وعلى تأييد أغلبية الكانتونات.
ومن وجهة نظره، تؤدّي مبادرة فَرض التنفيذ في بعض الحالات إلى "إنتهاك شديد لمبدإ التناسب (بين الجريمة والعقوبة) الذي يسود نظامنا القانوني برمّته والذي يتّسم بأهمية جوهرية".
تقويض الفصل بين السلطات
أما فولف ليندَر، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية في جامعة برن، فيُهاجم هذه المبادرة بضراوة أشد، ويرى فيها تهديداً لمبدإ الفصل بين السلطات. "تكمن المشكلة في تَعَرّض مبدإ الفصل بين السلطات، إلى التقويض عَبر مبادرة شعبية، من خلال إعطاء تعليمات وأوامر مُباشرة إلى البرلمان والحكومة والمحاكم. على مَنْ يضع القوانين أن لا يُنفذها بنفسه، ويجب أن تخضع الجهة التي تتولى تنفيذ هذه القوانين إلى رقابة مستقلة. هذا مبدأ أساسي"، كما يقول. من جهة أخرى، تكشف عمليات المقارنات الدولية أن "الدستور لا يقوم دون فصل للسلطات، وعندما يُفقَد الدستور يبرز خطر الوقوع في نظام استبدادي".
بَيد أن ليندَر يشير أيضاً إلى تعرُّض مبدإ الفصل بين السلطات إلى الإستنزاف [سوء الإستخدام] في مواقع أخرى، كما يحدث مثلاً عندما تتدخل المحكمة الفدرالية في قضايا القواعد الإنتخابية للكانتونات والبلديات.
ويرى كورت فلوري، البرلماني من الحزب الليبرالي الراديكالي وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، أن البرلمان يتعرض من خلال مبادرة فَرْض التنفيذ إلى الضغط وإلى تقويض الفصل بين السلطات على حدٍّ سواء. ويضيف أن "هذه المبادرة تُمَكِّن الشعب تقريباً مِنْ وضع القانون التشريعي عبر الدستور". كما يؤكّد المحامي أنه "عندما يقوم الشعب بدوْر المُشَرِّع المباشر، سوف يفقد الدستور بالتأكيد المعنى الأصلي الذي وُضِعَ من أجله".
الفَصْل بين السلطات
عندما تأسست سويسرا الحديثة في عام 1848، ثبَّت مؤسسو الدولة، ثلاثة مستويات للسلطة في الدستور الفدرالي هي: السلطة التشريعية (الجمعية العمومية الفدرالية، البرلمان) والسلطة التنفيذية (الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية في الكانتونات) والسلطة القضائية (المحكمة الفدرالية؛ وهي عبارة عن محاكم متعددة اليوم).
وهذه السلطات الثلاث منفصلة عن بعضها البعض (وفقاً لمبدإ الفصل بين السلطات، تقاسم السلطة) لكي لا تستأثر هيئة منفردة للدولة بسلطات أكثر من اللازم.
برونَّر من جهته يستهجن المُبالغة الكبيرة في الحديث عن فصل السلطات ويقول: "ليس من حق المشرّع أيضاً انتزاع جميع الحقوق لنفسه"، ويضيف "أما بالنسبة للمحاكم، لقد سجلنا في سويسرا ميْلاً مُفاجئاً ومتزايداً لتجاوُز المحاكم لمثل هذه الإستفتاءات، بدعوى الإستناد إلى القانون الدولي أو المعاهدات الدولية". ومن أجل سيادة القانون السويسري على القانون الأجنبي، أطلق حزب الشعب اليميني مبادرة جديدة في شهر مارس 2015 تحمل عنوان "القوانين السويسرية بدل القُضاة الأجانب".
هامش للمناورة
ويهدف حزب الشعب اليميني من خلال مبادرته الجديدة، إلى ضمان التطبيق الحَرفي لمبادرة الترحيل الآلي للمجرمين الأجانب. ولكن فلوري يعترض قائلاً: "إن تنظيم مثل هذه الأحكام التفصيلية بشكل ذاتي، ليس من روح الدستور".
وباعتباره السلطة التشريعية، يقع على عاتق البرلمان الفدرالي واجب صياغة المبادرة الشعبية المعتمدة من قِبل الناخبين إلى قانون يُرَسَّخ في الدستور. لكن فلوري يرى أن هامش المناورة لدى البرلمان سوف يكون مقيَّداً بشدّة. في حين يعلِّق برونَّر مُعترضاً: "البرلمان لَمْ يؤدِّ مهمّته".
ولم يتوجّب على البرلمان الفدرالي الإضطلاع بمهمة تنفيذ المبادرات بشكل متزايد، إلّا في الأعوام الأخيرة. ومنذ تكريس المبادرة الشعبية كأداة سياسية في الدستور الفدرالي عند تأسيس الدولة السويسرية الحديثة في عام 1848، تم قبول 22 منها رابط خارجي. وفي حين لم يَزدْ عدد المبادرات التي أقرّها الناخبون في الأعوام بين 1893 و1949 عن 7 فقط، تم تبني ما لا يقلّ عن 15 مبادرة منذ عام 1982.
ومنذ عام 2008، كانت المبادرات تُقبَل على أساس سنوي تقريباً. وللمرّة الأولى، أقِرِّت مبادرتان شعبيتان في عام 2014.
في الأثناء، يقول ليندر: "يجب أن يقتصر القانون الدستوري على المعايير التنظيمية الأساسية والمهام الحكومية، حينئذٍ سوف يكون للبرلمان مجال كافٍ للمناورة".
ويؤكّد فلوري أن مبادرة فَرْضْ التنفيذ في هذه الحالة بالذات، ستكون قابلة للتطبيق مباشرة، مما لن يعطي البرلمان الفدرالي أي مجال للمناورة عند التنفيذ. "تنص ديباجة مبادرة فَرْضْ التنفيذ بوضوح أنها قابلة للتطبيق بشكل مباشر، ولا تحتاج إلى أي تشريع إضافي للتنفيذ"، كما يقول.
لكن أستاذ العلوم السياسية بوهلمان يجيب: "لا يوجد هناك أبداً قرار مقدَّس". ويضيف :"كانت لي مخاوف مماثلة في البداية. كنت أظن أن في هذا إلغاء لفكرة الديمقراطية المباشرة". وهو يرى أنَّ مبادرة فرض التنفيذ من منظور واقعي وموضوعي "ليست سوى ركلة من الأسفل، سوف تؤدي مُجدداً - في حالة قبولها - إلى نقاش في البرلمان مع هامش مُعيّن للمناورة".
أما رئيس حزب الشعب السويسري فيعلِّق: "من المُحزن في الواقع أن نجد أنفسنا مضطرّين إلى استخدام هذه الأداة". وهو يأمل أن لا يتحتّم على حزبه اللجوء إلى مبادرة أخرى لِفَرضْ التنفيذ مُجدداً. "ولكني لا أستطيع استبعاد ذلك". ومن المتوقع أن يتوجّه الناخبون للإقتراع على هذه المبادرة في عام 2016.