Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00859.jsonl.gz/128

إن أحد الافتراضات العسكرية الأمريكية في العراق هو أن انهيارا كبيرا سوف يحدث داخل الجيش العراقي في مرحلة ما من العملية العسكرية المحتملة.هذا المحتوى تم نشره يوم 14 مارس 2003 - 16:31 يوليو,
وتشير التقديرات إلى أن الحرب قد تستمر ما بين 6 أيام إلى 6 أسابيع، وتبدو كأنها تستند على تصورات معينة لتوقيتات خاصة بحدوث انهيار وليس بمسار حرب.
إن فكرة الانهيار ليست حتمية عسكرية. فهناك أيضا تحسب أمريكي لاحتمالات عدم حدوث ذلك على نحو سيكون مطلوبا معه خوض عمليات عسكرية حقيقية، وهو ما يكمن خلف عبارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد التي أشار فيها إلى أن الحرب لن تستغرق (في تلك الحالة) 6 أشهر.
ونظرية الانهيار معقدة أكثر مما تبدو عليه. فلا يوجد تصور واحد للكيفية التي يمكن أن يحدث بها ذلك، لكن هناك شكلين مُتصَورين، لكل منهما بعض الأسس.
أولهما، أن الجيش العراقي قد يرفض القتال في ظل حالة من تحول الولاء بعيدا عن النظام، أي أن يتم عصيان الأوامر العسكرية، وبالتالي، تظل الوحدات المسلحة في مواقعها دون تحرك أو تستسلم بأعداد كبيرة للقوات المضادة أو تتحرك ضد القيادة العراقية ذاتها.
وثانيهما، قد ينهار الجيش العراقي تحت الضغط العسكري العنيف، بفعل القصف الجوي والحصار البري في ظل ما يثار حول سيناريوهات "الصدمة" أو "السرعة" التي ستتبعها القوات الأمريكية، إذا ما قررت القوات العراقية أن تقاتل إلى جانب النظام، أو دفاعا عن نفسها على الأقل أو في حال عدم قيام قيادات الوحدات بحسم قرارها لفترة طويلة.
لكن الواقع، أن النظرية لا تعمل بتلك الصورة. فإذا كان مقدرا أن ثمة انهيارا سوف يحدث للجيش العراقي، فإن ما سيحدث عمليا هو انهيار داخل الجيش، إذ أن المرجح هو أن رد فعل وحداته سوف يختلف من تشكيل عسكري إلى آخر، تبعا لأوضاع معقدة تحكم تركيبته، بحيث يتصور أن ثمة وحدات سوف تقاتل حتى النهاية، بينما ستتعرض وحدات أخرى لأشكال مختلفة من الانهيار.
إن الجيش العراقي يتكون، حسب أكثر التقديرات دقة في الوقت الحالي، على الشكل التالي:
القوات المسلحة النظامية:
تقلصت كثيرا عما كانت عليه عام 1991، إذ يتراوح عددها ما بين 300 و350 ألف جندي، وتتألف من حوالي 17 فرقة، منها 3 فرق مدرعة و3 فرق ميكانيكية، والباقي فرق مشاة محمولة. وثمة اتفاق على أنها تعاني من عدم تحديث الأسلحة ونقص قطع الغيار على مدى 12 سنة، ويوجد خلاف حقيقي حول تقييم قدراتها على خوض حرب نظامية تقليدية لن تتاح لها غالبا إمكانية خوضها.
فالعمليات العسكرية ستتم عبر استراتيجيات غير مباشرة داخل العراق، وليس في مسارح عمليات حدودية صحراوية، خاصة وأن القوات الجوية والقوات البحرية العراقية، تعتبر عمليا خارج أية معركة محتملة.
لقد عانت تلك القوات خلال حرب 1991 من مشكلة حقيقية. فقد ظلت في حالة ترقب طويلة تعرضت خلالها لقصف جوي مركز متواصل، وأصيبت بما يشبه "مرض الخنادق" في الكويت، في ظل نقص حاد في كل شئ من الطعام إلى الذخائر. وعندما بدأ الهجوم البري في نهاية فبراير عام 1991، لم يتح لها أن تلتحم مع قوات الهجوم الرئيسي التي التفت حولها في اتجاه البصرة بعد أن كانت على أي حال قد انهارت.
وتُـظهر الوثائق العراقية التي وُجدت في مواقعها بعد انسحابها في تلك الحرب، اتساعا في نطاق محاولات الفرار من الخدمة، خاصة بالنسبة للجنود المنتمين إلى المناطق الكردية، في ظل محاولات مكثفة من الضباط السياسيين التابعين لحزب البعث للسيطرة عليها عبر "فرق إعدام" حقيقية، وذلك قبل أن تستسلم وحدات كبيرة العدد منها للقوات المتحالفة عندما بدأت في دخول الكويت، وقد يتكرر ذلك خاصة في ظل ما يثار حول تراجع الولاء للنظام بين صفوف الجيش عموما.
قوات الحرس الجمهوري:
وهي وحدات مختلفة إلى حد كبير. فتسليحها متطور قياسا على جيوش المنطقة، وعناصرها على مستوى عال من التدريب، وتسمح لها معنوياتها وانتماءاتها بخوض قتال دفاعا عن النظام العراقي، أو عن نفسها. ويبلغ عدد تلك القوات ما بين 80 و100 ألف جندي، يتألفون من 6 و7 فرق ، بينها 3 فرق مدرعة والباقي مشاة ميكانيكية. وقد نشرت حسب معظم التقارير في منطقة الوسط، حول بغداد، وفي بعض المدن الكبرى، وهي التي يتصور أنها ستخوض المعركة الحقيقية دفاعا عن وسط العراق وصولا إلى العاصمة بغداد.
ويشير أداء تلك القوات إلى قدرة كبيرة على احتمال الضغط العسكري. فقد نشرت عام 1991 في منطقة الحدود بين العراق والكويت، وتعرضت لأعنف قصف جوي يمكن تصوره، بحيث كانت حوالي 100 دبابة تدمر يوميا، ورغم أنها بدت في وقت ما، حسب تقديرات نورمان شوارزكوف، على وشك الانهيار، وضح بعد الحرب أنها تكبدت خسائر فادحة، لكنها لم تنهار.
لكن عدم الانهيار شيء، والمقاومة شئ آخر. فلا يوجد تقييم محدد لقدرتها على القتال، ولم تحدث مواجهة حقيقية بينها وبين قوات الفيلق السابع الأمريكي الذي كان قد اتجه لمهاجمتها، وتدخلت عوامل سياسية في نهاية حرب الخليج الماضية، لتسمح لتلك القوات بالانسحاب دون تعقب من جانب القوات الأمريكية. وبالتالي، يفترض أنها لن تنهار وقد تقاوم هذه المرة، خاصة وأن قيادات الجيش "البعثية" سوف تحاول السيطرة عليها بكل الوسائل.
لكن ذلك لن يتضح إلا إذا بدأت الحرب. فالخطط الأمريكية تولي اهتماما مركزا إلى "دكِّ" مواقع تلك القوات، كما تعرضها حاليا لحملة حرب نفسية مكثفة لحضها على عدم القتال. ويثار أن محاولات اتصال تجري مع بعض قياداتها، وثمة إشارات إلى ملامح قلق داخل العشائر التي ينتمون إليها.
وتبعا لتقييمات قادة عسكريين سابقين في الجيش العراقي، فإن تلك القوات قد تقاتل مادام الرئيس العراقي موجودا، أو مادامت العلاقة مع قصي (إبنه) غير مقطوعة. أما إذا اختفت القيادة العراقية، فإن تلك القوات قد تتصرف بشكل آخر، لاسيما في ظل ما أشارت إليه بعض التقارير من أن إخراج معظمها من داخل العاصمة قد ارتبط بوجود هواجس لدى القيادة العراقية تجاه سلوكها المحتمل.
القوات الخاصة للحرس الجمهوري:
وهي القوات التي تم اختيارها بدقة من بين وحدات الحرس الجمهوري، تبعا لمعايير عسكرية وسياسية. فهي تعتبر الأفضل تسليحا وتدريبا، كما أن حالتها الفنية والإدارية عالية، وولاءها كامل للرئيس صدام حسين، ولقصي صدام، ولديها روح معنوية عالية ستدفعها في اتجاه القتال. وتضم تلك القوات 13 كتيبة ميكانيكية خفيفة الحركة يبلغ عدد عناصرها 15 ألف جندي.
وهنا، فإنه مثل كل قوات الحرس الخاص في معظم الدول، سوف تقاتل تلك القوات بشراسة دفاعا عن الرئيس العراقي ومراكز السلطة، خاصة وأن تركيبتها تشير إلى انتماءات مباشرة لعشائر الرئيس في تكريت، وارتباطات قريبة مع التنظيمات شبه العسكرية الملتصقة بالنظام، "كفدائي صدام" التي يقودها عدي (إبنه الأكبر)، وميليشيات حزب البعث، وهي العناصر التي يرجح أنها ستخوض المعركة الأخيرة ولن تنهار إلا مع انهيار النظام أو اختفاء القيادة.
إن هذه الفئة هي التي تسبب مشكلة حقيقية لأية قوات مضادة. فهي تمثل أحد رهانات الرئيس العراقي لخوض معركة بغداد، ولا يوحي ما ينشر حولها أن ثمة اتصالات حقيقية معها، وربما تكون التهديدات الخاصة بمعاقبة القوات التي تقدم على استخدام أسلحة تدمير شامل كمجرمي حرب موجهة لقياداتها تحديدا. ويقينا، فإن مقارها واتصالاتها سوف تتعرض لاستهداف مركز، وسوف تكون مفاجأة حقيقية إذا تخلت تلك القوات عن قيادتها أو انهارت.
الشعب العراقي
يبقى بعد ذلك ما يثار حول موقف الشعب العراقي ذاته، وهي مسألة أعقد من أن تكون مجرد قضية عسكرية تتصل بحرب. فقد لا يحدد الشعب العراقي مصير الحرب، فالأرجح ، حسب تعبير أحد الدبلوماسيين، "أن معظم المواطنين (باستثناء منطقة تكريت) سيذهبون إلى بيوتهم وينتظروا"، لكن قبولهم أو عدم قبولهم بها هو الذي سيتحكم في مصير العملية كلها.
د. محمد عبد السلام - القاهرة
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة