Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00853.jsonl.gz/29

"كل الأنظار تتجه إلى المأزق الأمريكي في العراق. بيد أن المأزق الأمريكي الحقيقي لا يكمُـن في بلاد ما بين النهرين (برغم خطورة الوضع هناك)، بل في فلسطين".
كانت هذه الخلاصة التي خرج بها المشاركون في ندوة "المنطقة والمستقبل" التي عقدها مجلس الأمة الكويتي مؤخرا، وشارك فيها العديد من كبار الشخصيات الأمريكية والعربية.
هذه الخلاصة كانت دقيقة إلى حد بعيد، وموضوعية إلى حد أبعد. لماذا؟ لأنها جاءت أولا، على لسان شخصيات عربية لا يمكن أن توصف بأنها غير صديقة وحليفة للولايات المتحدة، ولأن هذه الشخصيات نفسها صُـدمت صدمة شديدة من عمى ألوان زملائهم الأمريكيين إزاء خطورة المسألة الفلسطينية على مستقبل ومصير المشروع الأمريكي العام في الشرق الأوسط الكبير.
فالمشاركون الأمريكيون، (وبينهم باحثون ودبلوماسيون بارزون مثل جون ألترمان، وديفيد ماك، وباتريك كاوسن، وانطوني كوردسمان وغيرهم)، أسقطوا كليا المسألة الفلسطينية من حساباتهم. وحين تطرقوا إليها في إطار البحث عن الأمن الإقليمي، قفزوا إليها من النافذة الإسرائيلية.
وقال باتريك كلاوسن: "نشاطات إيران النووية تُـهدد الاستقرار في الخليج، بل وفي العالم في الواقع. وبما أن زعيم إيران قال مرارا أنه يجب مسح إسرائيل عن وجه الأرض، ليس مفاجئا أن تدرس هذه الأخيرة اتخاذ إجراءات قوية حين تصل إيران إلى شفير تطوير أسلحة قد تقتل ملايين الإسرائيليين"، كانت هذه الإشارة الوحيدة حول فلسطين في الأبحاث، وكانت، كماهو واضح، إشارة إسرائيلية.
وحتى حين بدأ المؤتمرون يناقشون محور السلام في الشرق الأوسط، وجدوا أنفسهم مطالبين من زملائهم الأمريكيين بإقناع الفلسطينيين بالتنازل للإسرائيليين بتبرير أن هذا سيُـعزز معسكر السلام والاعتدال في الدولة العبرية.
ورقة أبو مازن
هذه الرؤية الأمريكية المغرقة في عماها الإسرائيلي، عكستها الورقة المهمة التي قدمها أبو مازن، الذي لا يمكن أن يُـتّـهم بأي حال هو الآخر بأنه كاره لأمريكا. ماذا في هذه الورقة؟
* قال عباس: "قنبلة بوش" (التعهدات الخطية لشارون حول اللاجئين والاستيطان)، قلبت الأمور رأسا على عقب. إنها كانت خطوة تدميرية للسلام ولخريطة الطريق التي رعتها الولايات المتحدة.
* وأضاف: مع وعد بوش انتهت مرحلة ما كان يُـعرف بالحماية الأمريكية لإسرائيل وأمنها وقوتها، ووضع حجر الأساس لبداية مرحلة جديدة تقضي بحماية التوسع الإسرائيلي في اندفاعاته الجديدة، وهي الأشرس منذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، والأخطر منذ نكبة 1948، حيث تتّـخذ هذه الحماية شكلا استيطانيا لا يُـخالف الشرعية الدولية فحسب، بل والمواقف الرسمية الأمريكية نفسها.
* وقال عباس: هذا الوعد أفصح بشكل جلي عن أن السيطرة الأمريكية المباشرة في المنطقة، لا تعني بأي حال تسريحا مبكرا لإسرائيل ودورها الإقليمي. فالطلب الأمريكي على دور إسرائيل الكبرى والقوية ربما بات أكثر إلحاحا من ذي قبل.
ما زال أبو مازن على موقفه السابق من أن الاستجابة لكل هذه التحديات الأمريكية (والإسرائيلية)، لا تزال تكمن في إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وهذا يمكن أن يتم عبر: وقف عسكرة الانتفاضة، وتوحيد أجهزة الأمن، وبناء سلطة القانون وإشاعة الديمقراطية.
لكن من تابع طريقة تعاطي الأمريكيين في الندوة مع المسألة الفلسطينية، شعر بشك عميق باحتمال أن تكون هذه الإصلاحات الفلسطينية، على أهميتها الكبيرة وضروراتها الأكبر، كافية لإقناع واشنطن بصوابية المواقف الفلسطينية، وكارثية المواقف الإسرائيلية.
فالهوس الكامل بإسرائيل هو السائد في واشنطن، والنظارات الإسرائيلية هي الأداة الوحيدة المسموح باستعمالها في الإدارة والعديد من مراكز الأبحاث الأمريكية.
وداعا للنخب "الأمريكية"
هذا الموقف الأمريكي نسف بالكامل، أو يكاد، صدقية كل النخب العربية الموالية لواشنطن، والمؤيدة لمشروعها حول تطبيق الإصلاحات الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، وهذا ما أكّـده حرفا بحرف تقرير خطير نشره قبل أيام قليلة ميكيلا ماكديرمون وبراين كاتوليس، مديرا مؤسسة "فريدام هاوس" الأمريكية المتخصصة بنشر المشاريع الديمقراطية في الشرق الأوسط. وجاء فيه:
* جهودنا توقفت تقريبا في المنطقة بسبب سياسات إدارة بوش في فلسطين، ومن ثم بسبب مسألة التعذيب في العراق.
* هاتان المسألتان قوضتا صدقيَـتنا في الشرق الأوسط، وأثارتا الشكوك حول نوايانا الحقيقة، إلى درجة أن كلمة الديمقراطية نفسها باتت ممجوجة، حتى من قبل أصدقائنا الإصلاحيين العرب، الذين أبلغونا بأنهم باتوا يخشون الآن استخدام هذا التعبير، لئلا يُـتهموا بأنهم يروجون للسياسات الإسرائيلية.
* كل خطابنا السياسي (الأمريكي) حول الحريات وحقوق الإنسان أصبح أسير ممارساتنا في فلسطين، والاحتلالات العسكرية.
سلّط تقرير ماكديرمون وكاتوليس الأضواء على جملة حقائق دفعة واحدة:
أولى هذه الحقائق، أن فلسطين كانت ولا تزال، اللغم الحقيقي القادر على نسف كل أو على الأقل العديد من مشاريع الهيمنة الدولية في الشرق الأوسط. فمن دون تسوية فلسطينية، لا سلام شرق أوسطي، لا كبير ولا صغير، ومن دون تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني المرحلية، لا سبيل لإرضاء مطالب الشعوب العربية المرحلية وغير المرحلية.
وكتب دانييل برومبرغ، الباحث في مؤسسة كارنيغي: "نجاح أمريكا في العراق قد يُـفيد مشروعها الشرق أوسطي. لكن الحقيقة أن مصير هذا المشروع برمته يرتبط بحل للصراع العربي - الإسرائيلي يسمح بقيام دولة فلسطينية مستقلة"، وبما أن هذا الحل غير وارد الآن، سيبقى مصير المشروع الأمريكي معلّقا في الهواء.
ثاني هذه الحقائق، أن ثمة شيئا تاريخيا يحدث الآن في فلسطين. أرييل شارون، ومعه معظم النخب الإسرائيلية بكل ألوانها، على وشك إعلان موت فكرة الدولتين في فلسطين، وهذا سيؤدي أوتوماتيكيا إلى بث الروح في فكرة الدولة الواحدة: الدولة الإسرائيلية ذات الألوان الجنوب إفريقية العنصرية، في مقابل شعار الدولة الفلسطينية ذات الألوان الديمقراطية العربية- اليهودية.
سيكون هذا التطور، في حال حدوثه، بمثابة زلزال في المنطقة العربية، إذ سيخلق نخبا عربية جديدة، تماما كما خلقت 1948 نخبا جديدة وصل العديد منها إلى السلطة، وسيعيد أولويات الصراع في الشرق الأوسط إلى نقطة الصفر التي كان عليها منذ انطلاق المشروع الصهيوني في فلسطين قبل أكثر من 100 عام.
وبكلمات أوضح: زوال مشروع الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، سيعني أيضا زوال الفصل بين الوطنية الفلسطينية والوطنيات العربية، وعودة الروح إلى فكرة فلسطين بصفتها صراع وجود لا حدود، صراع عربي – إسرائيلي، لا فلسطيني – إسرائيلي.
ثالث هذه الحقائق، أن استمرار، بل تفاقم الصراع في فلسطين وعليها سيكرّس تفّوق الأولويات القومية والإسلامية العربية على الأولويات الديمقراطية والليبرالية الغربية. وبرغم أن الفصل بين هاتين الأولويتين سيكون مؤلما ومؤسفا بالنسبة للمستقبل العربي، إلا أن هذا لن يغيـّر من طبيعة الأمر شيئا: الصراع سيستمر، والاستقرار سيكون مستحيلا للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية الراهنة.
دروس التقاطع
هذه الحقائق الفلسطينية الثابتة تقاطعت مع الوقائع العراقية المتحركة لتضع المحافظين الجدد الأمريكيين (ومعهم أصدقاءهم العرب، وعلى رأسهم أحمد شلبي) في موقف حرج، إن لم يكن خطر، خاصة بعد أن كشفت تحقيقات الكونغرس الأمريكي، التي أكدتها الوثائق والدراسات، أن الهدف الحقيقي لمشروع المحافظين الجدد من حربهم على العراق هو، إضافة إلى النفط ، إخراج بلاد العباسيين من حلبة المنافسة مع إسرائيل، وتمكين هذه الأخيرة من السيطرة على كل اللوحة الاستراتيجية الإقليمية بدون منازع.
بيد أن الرياح جرت في النهاية على غير ما تشتهي سفن بول ولفوفيتز وصحبه من المحافظين الجدد. فقد اعتقد هؤلاء أن المسألة لم تعد أكثر من مسألة وقت بعد اجتياح العراق، قبل أن تدخل الدولة الإسرائيلية إلى الدولة العراقية الجديدة التي يُـفترض أن ترحّب بها كحليف إستراتيجي، وصديق سياسي، وشريك اقتصادي. أما قضية فلسطين التي ترعرع 23 مليون عراقي على رضع حليب مأساتها منذ 60 عاما، فيمكن إلحاقها بمتاحف التاريخ.
كما اعتقد المحافظون أن العراقيين دفعوا بسبب فلسطين أثمانا باهظة للغاية، والشيعة منهم على وجه الخصوص عانوا الأمرّين من الديكتاتورية "الصدامية" التي كانت تُـبرر وجودها، مرة باسم القومية العربية، ومرات عديدة باسم تحرير فلسطين. وبالتالي، فهم سيكونون أكثر من مستعدين لطي صفحة فلسطين، وفتح صفحة إسرائيل في تاريخهم الجديد.
لكن بول وولفوفيتز لم يتوقع أن يكون هناك علي سيستاني يقول له لا. ولم يتوقع أكثر أن يتمسك أية الله العظمى هذا، الذي يُـعتبر "الحاكم الديني" الذي ينافس الحاكم المدني بول بريمر على السلطة، بتحرير كل الأراضي الفلسطينية.
وقبل هذا وبعده، لم ينتظر وولفوفيتز أن يتحدى زعيم الشيعة الزعامة الأمريكية في النقطة الأكثر إيلاما لها: الديمقراطية. فهي (واشنطن) تدعّي أنها تريد أن تحّول العراق إلى منارة للديمقراطية في المنطقة العربية، ويدعوها إلى تنفيذ ذلك فورا عبر الانتخابات، وهي تقول إنها تريد إدخال الحداثة إلى بلاد ما بين الرافدين، وهو يتساءل كيف يمكن أن تكون هناك حداثة، فيما الدستور المؤقت الذي أقرّته، يسلّم رأس السلطة إلى ثلاثة رؤوس على أسس طائفية وعرقية، أي إلى أسس ما قبل حديثة.
الأرجح، أن وولفوفيتز يستطيع أن يتسامح مع هذه "الإزعاجات الديمقراطية" التي يسببها أية الله علي السيستاني، لكنه غير قادر البتة على ابتلاع الفكرة بأن تحديث العراق ودمقرطته سيؤديان إلى مزيد من العداء والمعارضة والممانعة لدى العراقيين ضد إسرائيل، إذ أن ذلك يتناقض حرفا بحرف مع الأهداف الحقيقية التي أراد من ورائها شن الحرب أصلا على العراق.
أية دروس يمكن استخلاصها من هذه الوقائع المدهشة التي تجري الآن على أرض الشرق الأوسط؟
ثمة درس بليغ واحد: لا ديمومة ولا استقرار لـ "باكس أميركانا" في الشرق الأوسط، إذا ما كان رديفه "الباكس إسرائيلانا".
سعد محيو - بيروت