Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00854.jsonl.gz/5

تسلّط أبحاث على درجة عالية من الدقة - تُنجز بإسهام مؤسسات سويسرية - أضواء جديدة على التغييرات الجذرية التي تشهدها حضارة المايا القديمة. ويقول الباحثون إن نهاية العالم ليست وشيكة، لاسيّما أن تقويمنا لا يتساوق مع التأريخ المايوي.
قبل عدة سنوات، طُلب من سيباستيان برايتنباخ، الباحـث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، تحليل إحدى الصواعد الكلسية التي جُلبت من مغارة تقع في دولة بليز Belize شمال أمريكا الوسطى، التي كانت جزءً من الإمبراطورية المايوية سابقا.
وبصفته متخصصا في علم المناخ القديم والمتحجرات، بحث على الفور على نظائر العناصر الكيماوية المستقرة، مثل رواسب اليورانيوم، التي يمكن أن تؤشر على هطول الأمطار أو تغييرات بيئية أخرى عبر آلاف السنين.
برايتنباخ، الذي انكب على تحليل الترسب الكلسي رفقة فريق دولي، فوجئ بدقة ما عثر عليه، وأوضح لـ swissinfo.ch أن "دقــة (النتائج) أفضل بحوالي خمس إلى عشر مرات ممّا هو متاح حاليا في تلك المنطقة ببليز. ففي ولاية يوكاتان (المكسيكية)، يوجد عدد قليل من معطيات الرواسب الكلسية في الكهوف، ولكن كل ما يوجد بها، بما في ذلك البيانات المناخية غير المنشورة التي نعرف معلومات عنها، يتضمن أخطاء أكبر بكثير".
نشاط بحثي في مناطق نائية
أبحاث برايتنباخ حول قطعة الصواعد الكلسية المجلوبة من بليز Belize (دولة صغيرة تقع شمال أمريكا الوسطى) قادته إلى مناطق نائية في العديد من أرجاء العالم، من سيبيريا إلى التبت.
في سيبيريا، يقوم برايتنباخ حاليا بفحص السجلات المناخية التي يتضمنها الجليد، وتحديدا الطبقة المجمدة الضرورية لأية بنية تحتية في البلدان ذات خطوط العرض العالية والتي تخفي تركيزا هاما من غاز الميثان وغيره من غازات الدفيئة. ومن المنتظر أن يتم نشر اكتشافات برايتنباخ في تلك المنطقة، التي يصفها بـ "المثيرة للغاية"، في الأسابيع الأولى من عام 2013.
في الهند، ينشغل هذا الباحث في المعهد الفدرالي التقني العالي بزيورخ ETHZ بفحص تغييرات هطول الأمطار على مر القرون منذ الرياح الموسمية، التي تصاعدت وتيرتها وتكثفت في السنوات الأخيرة والتي بمقدورها إلحاق الضرر بما يصل إلى مليار نسمة.نهاية الإطار التوضيحي
من الجفاف إلى الطوفان؟
وأظهرت تلك النتائج عالية الدقة، وفقا لما نُشر في شهر نوفمبر 2012 في مقال لبرايتنباخ وشركائه في البحوث، أن المنطقة التي ازدهرت فيها حضارة المايا قبل آلاف السنين شهدت فجأة فترات جفاف شديد وتغييرات مناخية. فهل أسهم ذلك في تخلي المايويين عن مدنهم في حدود تلك الفترة الزمنية؟
عن هذا التساؤل، يجيب إيريك فيلاسكيس، الخبير في حضارة المايا بالجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، أنه "لا يمكن أبدا أن يُعزى انهيار حضارة إنسانية إلى عامل واحد"، مضيفا في تصريحاته لـ swissinfo.ch: "تمكّــن علماء الآثار أن يحدّدوا أن اجتثاث الغابات والدمار البيئي يسرّعان في بعض الحالات وتيرة الأزمة في بعض المدن، ولكن في حالات أخرى، ما لعب دورا هاما كان بالأحرى وجود حروب ضاريــة وأعمال عنف". وكمثال على ذلك، يشير فيلاسكيس إلى أن القتال بين مجموعات متنافسة، وليس الجفاف، هو الذي أهلك مدينة مايابان المايوية في شبه جزيرة يوكاتان في منتصف القرن الخامس عشر.
مع ذلك، أظهر تحليل برايتنباخ لقطعة الرواسب الكلسية أن الفترة الوحيدة التي نمت خلالها على الإطلاق - وهو ما يؤشر على فترة جفاف طويلة – كانت خلال المدة التي يقال إنها شهدت انهيار ثقافة المايا القديمة. مؤشرات الجفاف التي سُجّلت ما بين عامي 660 و1000 قبل الميلاد، أعقبتها فترة جفاف شديد ما بين 1020 و1100 قبل الميلاد. وهو يعتقد أن مواسم الجفاف تلك تسببت في اندلاع فترة نزاع مسلح واضطرابات أدت أخيرا إلى السقوط النهائي لإمبراطورية المايا القديمة بحلول عام 1300 قبل الميلاد.
البحث عن مزيد من الأدلة
يُقــرّ برايتنباخ بأن نتائج البحث ستكون موضع شك في نظر الكثيرين، ولكنه يقول إن الدقة العالية جدا لمُكتشفات فريقه – على مدى 17 عاما من الأبحاث المضبوطة – فضلا عن المشاريع التي يُــجريها نفس فريق البحث تشكل حجّــة قوية جدا على اجتياح مواسم جفاف حادة لإمبراطورية المايا في تلك الحقبة.
على سبيل المثال، ينكب بعض زملاء برايتنباخ حاليا على إنجاز مشروع في نفس المنطقة، يتمثل في القيام بأبحاث على نظائر في جذوع الأشجار للعثور على علامات الجفاف. ويقول إن نتائجهم التي تتميز بدقة معادلة، يبدو أنها تؤكد ما عثر عليه رفقة فريقه لدى تحليل قطعة الرواسب الكلسية المجلوبة من بليز.
ويضيف برايتنباخ قائلا: "غالبا ما يكون لديك سجل واحد والناس قد يصدقونه أو لا، ولكن عندما تتوفر على تقريرين أو أكثر من نفس المنطقة تظهر نفس البيانات، تصبح ثقتك أكثر في نتائجك".
فريق البحث الذي يحدّد تاريخ جذوع الأشجار يقوم أيضا بتأريخ السواكف، أو القطع الخشبية التي تتوسط الأبواب في المباني المايوية القديمة. وقد يكشف عملهم في المستقبل عن الفترة التي بُــنيت فيها تلك الهياكل وعن المدة التي أقــام فيها السكان.
من جهته، يقول ألفريدو باريرو، الخبير في حضارة المايا بالمعهد الوطني المكسيكي للتاريخ الأنثروبولوجي: "إن مثل هذه البحوث الجديدة المُستخدِمة للتقنيات العالية تمسك بمفتاح قفل أسرار شعب المايا وأنماط عيشه". ويضيف ضمن السياق نفسه: "فيما يخص المايا، يمكن للفيزياء في وقتنا الحاضر أن تساهم كثيرا في دراسة أصل المواد الأثرية. فاليوم، باتت التكنولوجيا متوفرة لدراسة تركيبة المواد التي كانوا يستخدمونها لصناعة أدواتهم".
تنسيق التقاويم
في سياق متصل، ينوه برايتنباخ إلى أن الدكتور دوغلاس كينيت، عالم الآثار البارز المشارك في دراسته حول قطعة الصواعد الكلسية، يستخدم حاليا النقوش والكتابات على السواكف وأغراض مايوية أخرى من أجل غرض آخر يتمثل في "تحقيق مواءمة أفضل لتقويم المايا مع التأريخ الحديث"، بما أن مُنحنى المعايرة الحالي بتضمن خطأ كبيرا.
وماذا عن النبوءة الشهيرة التي مفادها أن العالم سينتهي يوم 21 ديسمبر 2012، والتي يفترض أن تقويم المايا يتكهن بها؟ يجيب برايتنباخ: "من وجهة نظرنا، إنها مجرد هراء. نهاية (هذا) العام ليست سوى نهاية حلقة طويلة من التقويم، وبعد ذلك سيبدأ كل شيء من جديد، وبالتالي فهي ليست نهاية العالم، ولكن، بطبيعة الحال، فإن العلاقة بين تقوم المايا وجدولنا الزمني ليست قوية مثلما يسود الإعتقاد".
المايويون العصريون
رغم أنه من الشائع اعتبار اضمحلال المدن المايوية كـ "انهيار" لحضارتها، يشير الباحثون إلى أن مجتمعاتها لم تختف بل تغيرت وتــفرّقــت. ويقول فيلاسكيس: "لا يمكننا الحديث عن انقراض المايا في الوقت الذي لا يزال يوجد خمسة ملايين منهم يتحدثون لغتهم ويحافظون على تصورهم للعالم. لقد نقل شعب المايا ثقافته إلى أماكن أخرى ويعيش اليوم خارج ترابه، في المدن الكبيرة غالبا. إنهم أناس عصريون يعيشون في عالمنا، ولكنهم ورثوا تقاليد أسلافهم".
من جانبه، يضيف برايتنباخ أن سُــكانا ينحدرون من سلالة المايا لازالوا يعيشون في أمريكا الوسطى، ما يوضح أن شعبهم لم يعرف زوالا نهائيا، لكنه أشار إلى وجود العديد من الأسئلة التي ينبغي الإجابة عليها حول التغييرات الجذرية التي طرأت على حياتهم والتي قد يرتبط الكثير منها بالحضارة الحديثة.
ويستطرد برايتنباخ قائلا: "إن المايا لازالوا موجودين هناك، ما يعني أنهم لم يشهدوا انهيارا تاما ذهب بحياتهم جميعا. إن هذه النظرة الكارثية لوضعهم ليست دقيقة بما فيه الكفاية. ولكن التفاصيل ليست معروفة: لماذا هجر الناس مدنهم؟ ولماذا تمّت حركات هجرة كبيرة إلى الغابات والقرى الصغيرة؟ هذه أشياء مثيرة للإهتمام حقا".
مؤشرات التساقطات المطرية
يقول سيباستيان برايتنباخ، الباحـث ما بعد الدكتوراه في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، إن الأبحاث المناخية لا تقتصر على قياس كمية تهاطل الأمطار، بل على العلماء أن يحددوا كمية التساقطات التي تبخرت للحصول على صورة دقيقة، وهذا يطرح أكثر من تحدّ.
تحليل أنماط سقوط الأمطار وفهما تمرين أسهل في دول مثل سويسرا التي تتوفر على الكثير من بيانات الأرصاد الجوية التي تعود لفترة طويلة نسبيا. ولكن في مناطق أخرى من العالم، لا يتوفر سوى القليل من المعلومات لدى مقارنة القياسات الحالية لهطول الأمطار مع ما شهدته الأزمنة الماضية.
يقول برايتنباخ: "إن المشكلة (في بليز) هي أن سجلات الأرصاد الجوية مقتضبة جدا، وغالبا ما تعود أربعينات أو ستينات القرن الماضي فقط. لذلك فمن الصعب حقا إقامة صلة وثيقة ومعايرة سجلاتنا والقول أن تغييرا صغيرا واحدا في سجل الأكسجنة (التفاعل مع عنصر الأوكسجين) يرتبط بمئات الميليمترات من التساقطات المطرية".نهاية الإطار التوضيحي
(ترجمته من الإنجليزية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch