Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00886.jsonl.gz/81

في كل عام، يرفض أكثر من 1000 شاب سويسري القيام بالخدمة العسكرية الإلزامية، ويختارون بدلا عن ذلك تأدية واجبهم في إطار الخدمة المدنية.
من بين البدائل المقترحة على الرافضين للخدمة العسكرية، إمكانية تقضية فترة من الوقت مع أشخاص يعانون من صعوبات. سويس انفو أجرت تحقيقا في مأوى شبابي في كانتون تيتشينو.
اليوم، لا تريد باولا (*) أن تتكلم مع أي كان ولا ترد السلام على الآخرين، ومع أن طبيعتها الأمريكية الجنوبية تتسم عادة بالحيوية وحب الظهور، إلا أن غلالة من الحزن تُـخيم عليها.
جارتها في الغرفة، التي تتابع مثلها برنامجا خاصا يُـموِّله الكانتون للتكوين المهني والاجتماعي، لم تعُـد إلى المأوى، الذي كانت تقيم فيه في مدينة بلينزونا، فلدى عودتها في عطلة نهاية الأسبوع إلى بيت العائلة، ابتلعت بعض الأقراص (إما لوضع حد لحياتها أو لإطلاق صرخة فزع) ومن ثم، أودعت في معهد متخصص للعلاج.
رفض مبدئي لحمل السلاح
هذه النوعية من القصص الواقعية، ترجّ العاملين الاجتماعيين في إطار برنامج "لاسكالا" (الذي يعني السلّـم)، الذين يرافقون هؤلاء الشبان في مسارهم باتجاه الاندماج المهني والتصرف المستقل في حياتهم الخاصة.
فعلى الرغم من كل الجُـهد الذي يبذلونه (والذي يتحول أحيانا إلى ساعات عمل زائدة)، فليس بإمكانهم أن يتحولوا إلى أطباء نفسيين وحلِّ جميع مشاكل هؤلاء الشبان "العسيرين".
ويقول أحد هؤلاء، "لقد كُـلِّـفنا بمهمة من طرف صندوق التأمين على العجز لتقديم دعم لمسارهم المهني، ليس بإمكاننا القيام بكل شيء، لأنه لو حاولنا ذلك، فسننفجر".
في هذا الواقع، الذي يتشكل من تعب وإجهاد وتوترات وأحداث غير متوقعة (إضافة إلى العديد من النتائج المُـبهجة والعلاقات البشرية)، عاش الشاب جونا خمسة أشهر كاملة. فعند تقدّمه لاختبارات التجنيد، رفض حمل البندقية واختار القيام بالخدمة المدنية، ويقول "العسكرية كانت متعارضة مع مبادئي وأفكاري، أما الخدمة المدنية، فبالإضافة إلى أنها تمثل تجربة حياة، فقد منحتني إمكانية القيام بتدريب عملي، يسنُـد تكويني النظري".
15000 جندي بدون زي رسمي
وعلى غِـرار جميع الذين سلكوا نفس الطريق (بلغ عددهم 1752 شابا في عام 2006 بزيادة 5،5% مقارنة بالعام السابق)، اضطُـر جونا إلى التوجه إلى أحد المراكز الجهوية للخدمة المدنية.
ويشير فابريسيو لانسي، المسؤول عن مركز ريفيرا في كانتون تيتشينو، "إن الذين يختارون القيام بالخدمة المدنية، يتقاسمون رؤية فلسفية معينة ودينية في بعض الأحيان حول كيفية مواجهة النزاعات. فعلى سبيل المثال، يرفضون حمل السلاح ويعتنقون إيديولوجيا مسالمة"، ويضيف السيد لانسي "القطاعات المرغوبة أكثر من غيرها من طرف الرافضين للخدمة العسكرية، تشمل القطاع الاجتماعي ومساعدة المرضى أو المعاقين، إضافة إلى حماية البيئة".
ومنذ اعتماد القانون الفدرالي حول الخدمة المدنية في عام 1996، قام أكثر من 15000 شخصا بتأدية حوالي 2،25 مليون يوما في إطار الخدمة المدنية.
ويقول رئيس مركز ريفيرا "لقد كان هناك ارتفاع مستمر في العدد من عام 1996 إلى عام 2002 على المستوى الوطني، ثم شهدنا تراجعا يُـعزى جزئيا إلى تقليص عدد العسكريين، نتيجة للإصلاح المتمثل في جيش 21".
يجدر التذكير بأن الشخص الذي لا يكون مؤهلا للخدمة العسكرية في سويسرا، لا يُـمكن له العمل في إطار الخدمة المدنية.
سِـر الطبخة
في مطبخ "لاسكالا"، يتحرك الجميع في كل الاتجاهات، استعدادا لحفل تدشين المأوى (الذي انتقل في غرّة يناير الماضي إلى مبنى جديد)، الذي يقترب موعده، ما يستدعي إعداد المآكل والحلويات والمشروبات للمدعوين.
أما بالنسبة لباولا، فقد استعادت طبيعتها اللاتينية بعد فترة الكآبة، التي مرت بها، وهي تحرص الآن على تعليم سرّ طبخة تجيدها، في حين تنهمك فابيان في تقشير البطاطس والجزر، ويُـنجز ماركو مهمّـة تنظيف حبات الطماطم، التي لا يتردد في ابتلاع معظمها.
في هذه الأجواء، تُـطرح المعاناة الشخصية وسوء التفاهم مع العائلات والمشاكل مع الآخرين، جانبا، وتطفو على السطح ما أسرّ به جونا في لحظة صفاء، حيث اعترف بأن "الخدمة المدنية وضعتني وجها لوجه مع وقائع مأساوية، لم أكن أعرفها، مع أنها توجد على بُـعد خطوات من بيتي".
في مؤسسة "لاسكالا" لرعاية الشباب، تُـروى العديد من قصص الانتهاكات والعنف، لذلك، تنفجر من حين لآخر مشاعر الحِـقد والغضب والخوف، المكتومة داخل كل شخص، وعندها، ينهار التوازن الهشّ والقدرة على التحكم في النفس، وتدوّي الشتائم وتُـغلق الأبواب بعنف.
هذا الوضع، يُـحمِّـل الشبان الذين يؤدون فترة الخدمة المدنية في المأوى، واجبات ثقيلة، رغم أنهم ليسوا من المختصين في التعاطي مع مهمة من هذا القبيل، ويتذكّـر جونا "في البداية، لم يكن من السهل علي أن أندمج، نظرا لأن فارق السن مع الشبان كان ضئيلا، ولكن بعد ذلك، قبلوا بي وقضيت لحظات مثيرة وتعلّـمت الكثير".
أخذ وعطاء.. هذا هو الوصف الذي ينطبق تماما على الوقت، الذي يمنحه الشاب السويسري، الذي يرفض الخدمة العسكرية وينخرط في الخدمة المدنية، لفائدة عمل للمنفعة العامة، يساهم في تخفيف العبء عن بعض المؤسسات، التي تفتقر إلى الطاقات البشرية الكافية، مقابل خوض تجربة مغايرة، وهي تجربة تترك أثرها في النفس وتُـثري الذات البشرية.
(*) جميع الأسماء الواردة في النص، غير حقيقية.
سويس انفو - لويجي جوريو - بلينزونا
(ترجمه من الإيطالية وعالجه كمال الضيف)
الخدمة المدنية في سويسرا
الشخص الذي يتم تجنيده في الجيش ولكنه لا يستطيع القيام بالخدمة العسكرية لأسباب تتعلق بالضمير، يمكن له أن يتقدم بطلب القيام بالخدمة المدنية.
هذه الإمكانية، يتيحها الدستور الفدرالي منذ عام 1992، وبدأ تطبيق القانون الفدرالي الخاص بها في عام 1996.
للقبول بالشخص المترشح للخدمة المدنية، يجب عليه أن يعرض مبرراته الخاصة أمام لجنة.
تساوي فترة الخدمة المدنية مرة ونصف فترة الخدمة العسكرية على أن لا تتجاوز في الحالة القصوى 390 يوما، ويعمل الرافض للخدمة العسكرية في مؤسسات أو منظمات، تعمل للنفع العام في المجالات الصحية أو الاجتماعية وفي حماية البيئة أو في قطاع المساعدة الإنسانية والتنموية.
خلال أداء فترة الخدمة المدنية، يحصل الشبان المعنيون على تعويض يُـقدّر بـ 80% من المرتّـب الذي كانوا يحصلون عليه وعلى منحة بـ 5 فرنكات في اليوم.
في العديد من البلدان الأوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، التي ألغيِـت فيها إجبارية الخدمة العسكرية، تم الإبقاء على إمكانية الانخراط في الخدمة المدنية على أساس طوعي.
إجراءات القبول تخضع للانتقاد
تتعرض الإجراءات المعتمدة لقبول المترشحين للخدمة المدنية منذ فترة طويلة، للعديد من الانتقادات.
في موفى يونيو الماضي، طرحت الحكومة السويسرية على التشاور، ثلاث احتمالات لمراجعة قانون الخدمة المدنية.
إذا ما تم إقرار المراجعة، التي تهدف إلى مزيد من التبسيط، فقد تناهز قيمة الأموال المدّخرة نتيجة لذلك، حوالي 4 مليون فرنك سنويا.