Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00873.jsonl.gz/80

يُختتم يوم الأحد 28 يناير الجاري في زيورخ معرض وثائقي احتضنه متحف علم الأعراق التابع لجامعة زيورخ واشتمل على رسومات ومقتبسات من وثائق نادرة، وعدد من الكتب بنسخها اليدوية أو الطباعية القديمة بالإضافة إلى مقتنيات خاصة بالمتحف أو مستعارة من متاحف أخرى متعلقة بالدراويش والطرق الصوفية والتكايا في الدولة العثمانية.
منذ المرحلة السلجوقية لعبت الطرق الصوفية دوراً كبيراً في زحف القبائل التركية وتوغلها في هضبة الأناضول باتجاه أوروبا بدءاً من القرن الحادي عشر، ثم استمر هذا الدور بقوة أكبر في المرحلة العثمانية وما تلاها من توغل داخل القارة الأوروبية، وذلك حتى إيقاف جيوش العثمانيين وتراجُعها بعد فشل الحصار الثاني لمدينة ڤيينا الذي انتهى بهزيمتهم في معركة كالينبرغ في العام 1683.
بعد سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين في العام 1453 تزايد اهتمام الأوروبيين بـ «الخطر التركي» الزاحف نحوهم، خصوصًا بعد استمرار توغل الجيوش العثمانية في عمق أوروبا وبلوغها أسوار ڤيينا في العام 1529 أول مرة. في كل هذا المسار، كان شيوخ الطرق وقادة الدراويش الصوفيين يشكلون القوة الروحية الدافعة لجيوش الإمبراطورية العثمانية، وحتى في مرحلة التراجع بقوا داعمًا أساسيًّا من دعائم قوة السلطان رغم توتر العلاقة أحيانًا بين بعض الطرق وبعض السلاطين العثمانيين. لذلك فإنَّ من بين الظواهر التي اهتم بها الرحالة الأوروبيون والمبعوثون الدبلوماسيون إلى «استانبول» ظاهرة الطرق الصوفية وإفرازها الأكبر، أي الدراويش، خصوصًا وأن محمد الثاني (الفاتح)، ومن بعده ابنه بايزيد قد أطلقا كل الأبواب لإقامة التكايا التي أصبحت بشيوخها ودراويشها رديفةً للمدارس ومعلميها في الإمبراطورية.
تبعا لذلك، قام أولئك الأوروبيون بمحاولة رصد هذه الظاهرة وتوثيقها على مدى القرون اللاحقة، حيث حرص ملوك أوروبا على أن يُرافق بعثاتهم إلى هناك رسامون وخبراء في صناعة الصور (الغرافيك) كالفنان البُندقي «بلليني» الذي رسم صورةً للسلطان محمد الثاني نفسه، -حاليًّا من مقتنيات المتحف الوطني في لندن- والرسام الخبير بصناعة الخرائط، الفرنسي نيكولاس دي نيكولاي (1517–1583) الذي كان ضمن بعثة الملك الفرنسي هنري الثاني وأقام في استانبول فترة طويلة، والفنان جان بابتيستا فان مور (1671-1737) الذي رافق سفير لويس الرابع عشر إلى «الباب العالي» ورسم مئة لوحة زيتية عن الحياة العثمانية بناءً على طلب السفير، ثم عمل فيما بعد مع عدة سفراء أوروبيين حتى توفي في استانبول ودفن فيها.
اهتمام علمي بظاهرة الدراويش
منذ القرن السادس عشر صار لا يخلو أي تقريرٍ أو كتابٍ يصدر عن الحياة العثمانية من فصول وصور تتناول ظاهرة الدراويش، كما صارت زيارة تكاياهم ومشاهدة طقوسهم مبتغىً لكل زائرٍ أوروبي وتتويجًا لزيارته لا يمكن الإستغناء عنه.
وقد ساهم اختراع الطباعة الحديثة في حينه، وما نتج عنها من تطور لصناعة الكتاب، بنشر المشاهدات والرؤى بشكلٍ أوسع وأتاح للأوساط الأكاديمية والأوساط الأخرى ذات الإهتمام فرصةً أكبر للاطلاع ومحاولة الإضاءة على هذه الظاهرة التي صارت فيما بعد أحد منابع تشكل صورة الإسلام في أوروبا خلال النصف الثاني من الألفية الماضية، خصوصًا عند بلوغ القرن التاسع عشر حيث صارت صور الدراويش تحتل البطاقات البريدية آنذاك، مما ساهم في وصولها إلى قطاعاتٍ أوسع.
أحد أمناء وباحثي متحف علم الأعراق في جامعة زيورخ، المنتخب لنيل شهادة الدكتوراه، أَندرياس إسلر، كان قد اتخذ منذ سنوات من هذه الظاهرة موضوعًا لأطروحته التي أنجزها ودافع عنها هذا العام تحت عنوان: «رؤى ومشاهدات: الدراويش في الوعي الغربي خلال العصر الحديث المبكر».
بناءً على أطروحة إسلر، التي لم تنشر بعد، وبتعاون وثيق بينه وبين مؤرخة الفنون، عالمة الأعراق والشعوب (الإثنولوجيا) والخبيرة الشهيرة في «صور آسيا في العصر الحديث المبكر» ﭘـاولا فون وايس-ﮔياكوسا، ومساهماتٍ من أكاديميين ومتاحف سويسرية وأوروبية أخرى وجِهاتٍ ذات علاقة، مثل مكتبة زيورخ المركزية العامة، نظم متحف علم الأعراق في جامعة زيورخ معرضًا لرسوماتٍ وصور فوتوغرافية كانت قد تضمنتها كتب وتقارير دبلوماسيين ورحالة على امتداد أربعة قرون، وأصدر كتابًا بهذه المناسبة.
ضم المعرض الذي يستمر حتى الثامن والعشرين من شهر يناير الجاري، إلى جانب الرسومات، مقتبسات من هذه الوثائق، وعرض بعض الكتب بنسخها اليدوية أو الطباعية القديمة بالإضافة إلى مقتنيات المتحف ومقتنياتٍ مستعارة من متاحف أخرى متعلقة بالدراويش من غير الوثائق الورقية، كطاسة جمع الصَدَقات وآلات نفخ موسيقية (بوق وناي) والأسلحة التي كانوا يستخدمونها في طقوسهم أو تجوالهم الدائم، كما ضم صوراً فوتوغرافية من ألبوماتٍ تعود لمصور استانبول باسكال صباح (1886-1823) والمصور الإيراني أنتون سيفرجون (1840-1933) الذي كان مصوراً لقصر الشاه القاجاري في إيران، وعبدالله فريريز المصور الخاص لقصر السلطنة العثمانية (1918-1839) وألبوم شخصي لتاجر سجاد سويسري من أواخر القرن التاسع عشر، كما ضم المعرض فيلمًا معاصراً عمّا يسمّونه «حلقات الرقص الدائري» عند الطريقة المولوية.
أما الكتاب، الذي يحمل عنوان المعرض نفسه، وقدمت له مديرة المتحف البروفسورة ماراليا فلتش، فيتكون من مقالين طويلين؛ الأول لإندرياس إسلر والآخر لـﭘـاولا فون وايس-ﮔياكوسا ويضم ثلاثة تقارير تاريخية عن الدروايش تعود لحِقب مختلفة؛ الأول إلى العام 1604 كتبه الرحالة النمساوي ڤولف أندره فون شتايناخ والثاني إلى العام 1659 كتبه الحقوقي السكسوني يوهان أُولرش ڤالّيخ الذي زار الشرق بمهمة من ملك السويد، أما الثالث فيعود إلى العام 1715 كتبه مبعوث لويس الرابع عشر؛ السفير تشارلز دي فيرّيول الذي رافقه في بعثته الرسام جان بابتيستا فان مور.
احتوى الكتاب أيضًا على مقتبس للمستكشفة البريطانية والخبيرة بعادات وتقاليد شعوب البلقان (الفلكلور) لوسي ﮔـارنيت، وذلك عن كتابها الذي نشرته في العام 1912 بعنوان «التصوف والسحر في تركيا»، كما ضمَّ نصًّا كتبه في العام 1925 الروائي والكاتب النمساوي فرانز ڤيرفل، والذي يصف فيه تفصيليًّا إحدى «حلقات الذكر» التي حضرها شخصيًّا في أحد جوامع أحياء القاهرة، حيث يقول: «لا أفهم ما علاقة تلك الجوامع (…) بهذه الطاقة التي تحول المتدينين إلى دراويش؛ إلى مقاتلين أشداء أخضعوا يومًا ما نصف العالم لسيطرتهم، ينبغي عليَّ هنا أن أتعلم كيف أفهم تلك الطاقة بشكلٍ أفضل.»
من هم الدراويش؟
في مقاله الذي جاء تحت عنوان «الدراويش الحقيقيون» تناول إسلر بشكل سريع تاريخ «مفهوم الدراويش» والتحولات التي طرأت عليه انطلاقًا من منبع هذه الكلمة في اللغة الفارسية وما تعرض له من سوء فهم أوروبي، رغم أنه كان موضع فحص وتدقيق منذ أول ذكر له في مطبوعٍ يعود إلى القرن الخامس عشر حتى استقراره في القواميس الأوروبية. ومثالاً على ذلك، يذكر إسلر التحديد القصير الذي يورده في يومنا هذا «القاموس الرقمي للغة الألمانية» وينص بأن الدرويش «عضو جماعة تسوّل إسلامية» بينما يُعرّفه قاموس إكسفورد بأنه «عضو جماعة إسلامية أقسمت على الزهد» لكنه يقسّم الدراويش إلى «راقصين» و«دوّارين» و«نائحين»، وفي هذا الإطار يستعرض إسلر باختصار مجموعةً من أهم المؤلفات التي تناولت ظاهرة الدراويش ويذكر بتفصيل أكثر أشدها تأثيراً في ترسيخ الصورة والمفهوم، وهو كتاب «الإبحار في الشرق« للفرنسي نيكولاس دي نيكولاي المنشور في العام 1567 والذي ترجم وأعيد طبعه مراتٍ غير معدودة.
لم يغفل إسلر القول بأن التحولات الدينية والإجتماعية تظهر بصيغٍ مختلفة تمامًا فتظهر معها المفردات التي توصف بها المجموعات البشرية، وفقًا للزمان والمكان، مختلفة أيضًا، مؤكداً على ضرورة التدقيق في وجهات النظر بشروطها الزمنية والحضارية، مع ملاحظة أن مصطلح الدراويش مثقلٌ بالمعاني والأبعاد لكثرة استخداماته التاريخية المتكررة.
الخبيرة ﮔياكوسا ساقت في مقالها الذي ضمّه الكتاب تأملاتها النابعة من الصور والرسوم التي تضمنتها المؤلفات الأوروبية ولم تخفِ تساؤلها عن إمكانية التلاعب بالصورة المرسومة قديمًا، مثلما هو اليوم في عالم الصورة الرقمية، ولكن من خلال الضوء واختيار المكان والمقطع، وأشارت إلى أن الصور تنتقل إلى الأفكار والتصورات، وإلى اللغة والمفردات، بعد أن تكون في الحالة البصرية محسوسة لها ملامح، وتشكل الأصل في حالة التواصل وتعني النتيجة أيضًا، وهي هنا ليست إخباراً وحسب، إنما عامل مهم في تشكيل الوعي بالشيء، وإن كل صورة تبدل غرضها بمجرد احتوائها على ذلك الشيء نفسه.
في خاتمة الكتاب الذي ضم 62 صورة قدّم رئيس الطريقة المولوية في سويسرا، المتحول من المسيحية إلى الإسلام، الشيخ ﭙيتر حُسَين كُنتس، شرحًا معززاً بالصور لطقوس الذكر والمدائح لدى دراويش الطريقة وتفسيراتٍ لما يصاحب ذلك من حركات وموسيقى وتوضيحاتٍ للملابس التي يرتدونها وما ترمز إليه من معانٍ.