Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00897.jsonl.gz/26

يُطلَق عليهم الأولاد العباقرة أو النوابغ أو أصحاب القدرات الفائقة.. معدل ذكائهم أعلى من المتوسط، إلا أنهم نادرا ما يكونون الأوائل في الصف، فضلا عن أنهم يُعانون من الحسد والإندفاع الزائد، وأحيانا من التهميش، كما أنهم لا يجدون دوما الإجابة لِما يبحثون عنه.هذا المحتوى تم نشره يوم 30 أكتوبر 2012 - 11:00 يوليو,
كيف يمكن التعرف على هذا الصنف من الأطفال؟ وما هو دور المدرسة تُجاههم؟
مارغاريتا تعلمت القراءة في سن الرابعة، وعاموس يحفظ عن ظهر قلب أسماء كلّ الديناصورات والمسافات بين الكواكب، بينما لا يتجاوز عمره ست سنوات، وحينما يُقال لطفل ما بأنه يمتلك قدرات فائقة، فمعنى ذلك، أنّه يتمتع بمعدّل ذكاء فوق 125 - 130 (انظر النص المصاحب على الشمال)، بالإضافة إلى فضولٍ زائد ومستوى خطابٍ أعلى من المألوف، ناهيك عن ذاكرة قوية ونضوج في الفهم، أقرب ما يكون إلى الكبار منه إلى أترابه الصغار.
ووفقا لتقدير الخبراء، يوجد في كل مجتمع ما بين 3 و5٪ من السكان، لديه نسبة ذكاء أعلى من المتوسط (85-115)، فعلى ذلك، يكون عددهم في سويسرا أكثر من 240 ألف طفل، أي بمعدل تِلميذ في كل صفّ. فيا تُرى، أهُـم فعلا أطفال نوابغ؟ ليس بالضبط!
تقول دوريس بيرودان كارلون، التي تعمل منذ سنوات كمعلِّمة وأخصائية استشارية: "الأطفال الذين يتمتعون بقدرات فائقة، ليسوا أكثر ذكاء من الآخرين، ولكن لديهم طريقة مختلفة في التفكير"، وتضيف قائلة: "يصعب عليهم التفكير بطريقة خطية، لكنهم ينظرون إلى الأمور بطريقة ارتِباطية، وكثيرا ما يقفزون من فكرة إلى أخرى، فيضيّعون مَن يُحاورهم، خاصة مُعلّميهم".
وعلى سبيل المثال، من السهولة على أحدهم وبرمشة عين، أن يجد الحلّ لمعضلة رياضية، ولكنه غيرُ قادرٍ على شرح المنطِق الذي تعامل به مع المسألة.
هذه الفروق الفردية في الذكاء، تجد ما يؤكدها عِلميا على مستوى خلايا مخّ هؤلاء الأشخاص، الذين تصفهم كلاوديا يانكش، الخبيرة في عِلم نفس الطفولة، قائلة: "اللدونة العصبية لأدمغتهم أعلى، كما أن الترابط بين شقّي الدماغ لديهم أفضل، ويمكنهم استخدام مناطق المخّ بتواصل أوثق"، وهذا ما يجعل الأطفال، بالنسبة لأترابهم، قادرين على التعامل مع عدد أكبر من المعلومات وبسرعة غير عادية.
طفل كالآخرين
ضِمنيا، فإن توفر هؤلاء الأطفال على قدرات عقلية عالية، لا يعني بالضرورة أن يكونوا الأكثر تفوّقا بين أقرانهم في الأقسام الدراسية وفي كل المواد، بل على العكس، بعضهم يمضي دون أن يَتَنبّه إليه أحد، وكأنهم ضِمن سرب كتاكيت لا يسهل تمييز إحداها عن الآخر، وتبقى قدراتهم تعمل دون مستواها وكفاءتها، الأمر الذي من شأنه أن يصعّب على المعلِّمين اكتشافهم أو التنبّه إلى أحدهم.
وتصديقا لذلك، تقول دوريس بيرودان كارلون: "أذكر أن طفلة في الصف الأول الابتدائي كانت تتظاهر بأنها لا تعرف القراءة، لكي لا تبدو مختلفة عن الآخرين"، وتضيف: "في المدرسة، تميل الفتيات إلى التكيّف مع أقرانهن، ويشعُرن بالملل إذا لم يكن هناك إزعاج"، ولهذا السبب بالذات، يظهر بأن عدد ذوي القدرات العقلية العالية، أكثر عند الذكور منه عند الإناث، برأي المستشارة التربوية.
وثمة مفارقة أخرى، يمكن ملاحظتها بين الطبقات الإجتماعية المختلفة: "ففي وسط تلك الأكثر فقرا أو الأقل مستوىً تعليمي، لا تتوفر للأبوين في غالب الأحيان، إمكانيات الوصول إلى المعلومات ولا يعرفون كيف يتصرّفون حيال أطفالهم الذين يُكثرون من الأسئلة، وفي نفس الوقت، يتحفّظ الأطفال على قدراتهم، خوفا من أن يتسببوا في إحراج آبائهم أو أمهاتهم".
التراجع والفشل
إذا كان بعض الأطفال يميل نحو الإختباء في وسط الآخرين، فإن بعضا آخر ينتهج سلوكا شاذا عن المجموع، قد يبدو في بعض الأحيان بمظهر الأنانية أو قلّة الإحترام. ووفقا لتقديرات بعض المدرّسين وعلماء النفس، فإن ثلث الطلاب، الذين تفوق أعمارهم العقلية سنّهم الزمني، يواجهون الفشل في الدراسة، ومع أن هذا الأمر غيْر مؤكّد بدراسات تجريبية، إلا أنه يبعث على القلق، ويُثير التساؤل حول محاولة فهْم هذا اللّغز.
يتوقع العديد من الخبراء بأن الملل هو الخطر رقم واحد الذي يتهدد هذا الصنف من الأطفال، حيث "يفتقر هؤلاء التلاميذ إلى المحفّزات والدوافع اللازمة، وشيئا فشيئا يفقدون الرغبة، وعند ذلك، لن يكون العلاج في مزيد من التمارين، وإنما يتطلّب الأمر جُرعة كافية من الصبْر والإبْداع، وليست المهمة بالسهلة بالنسبة للمعلمين"، على حدّ قول دوريس بيرودان كارلون، إذ أن هناك أطفال في المدارس، يشعرون بأنهم شفافون (أي كأنهم غير موجودون)، لأن المعلّمين لا يسألونهم مُطلقا، فهُـم كما تقول الخبيرة النفسانية كلاوديا يانكش: "(من الواضح، بأنهم يعرفون الإجابة)، هكذا يقول لي المُدرّسون، دون التنبُّه إلى أن هؤلاء التلاميذ يحتاجون أيضا إلى اعتراف، والكثير منهم غيْر مقتنِعين بأن لديهم حظوة أكبر، وإنما العكس، إذ غالبا ما يشعرون بالإقصاء وبالتفرقة بينهم وبين الآخرين".
وفي وقت لاحق، يتعلم هؤلاء الأطفال (الذين اعتادوا منذ بداية حياتهم على امتصاص المعلومات كالإسفنج ودون بذل جهد خاص) من أقرانهم طُـرق إدارة الخيبات والدراسة طبقا لمنهج محدد. و"في اليوم الذي تستعصي عليهم فيه مشكلة أو مسألة، فإنهم يُحْبَطون، وبعضهم من فَرَط ما لديه من حب الكمال، يفضل ترك كل شيء على أن يُخطِئ، بينما يتوجب عليه أن يتعلم بأن الخطأ هو جزء من عملية التعلم".
تحدّي تربوي
ما الذي يمكن للمدارس العمومية عمله من أجل النهوض بهؤلاء الأطفال؟ يبدو أن كلمة السر تتلخص في مبدأ الفرز والممايزة، أو بعبارة أخرى، توفير تعليمٍ يتناسب مع الإحتياجات الفردية للطلاب، سواء أكانوا الأكثر صعوبة في التعلّم، وحتى أولئك الذين هم الأكثر تقدما، إلا أن هذه النوعية من البيداغوجيا تتعارض مع منطِق صياغة المناهج الدراسية، التي صُمّمت على مقاس الطلاب متوسطي الذكاء، ومع تزايد ما هو مطلوب من المعلمين، ناهيك عن تردد المؤسسات العامة وأولياء الأمور.
وفي الوقت الراهن، تدرُس جميع الكانتونات السويسرية إمكانية إيجاد فصل دراسي خاص بالأطفال من فئة ذوي القدرات العالية أو إعفائهم من بعض المواد الدراسية. ففي المناطق السويسرية المتحدثة بالألمانية، حيث لا يزال هذا الخِيار غضّا، غالبا ما تقوم المدارس بتخصيص برامج تعليمية لهذا الصنف من الطلاب، مع تهيئة أخصائيين استشاريين لهذا الشأن.
أما في المناطق السويسرية الناطقة بالفرنسية (غرب) والناطقة بالإيطالية (جنوب)، فإن فكرة تشجيع الطلاب من أصحاب القدرات والمواهب، لا تلقى قبولا واسعا، وهي متروكة للمبادرات الفردية. وحسب رأي إيدو دوتسيو، الأستاذ في المعهد العالي للتوجيه التربوي في لوكارنو، الذي شارك في إعداد دراسة حول الموضوع، فإنه "إذا كان الأطفال يشعرون بالقلق وعدم الإرتياح أو بالسآمة والملل بشكل سافر، فمن واجب المَدرسة أن تساعدهم. لكن هذا الأمر نادر الحدوث، ففي العام الماضي، لم تواجهنا سوى حالة مقلقة واحدة في كانتون تيتشينو. في المقابل، عندما ينجح هؤلاء الأطفال في التأقلم (مع الوضع)، فليس من واجب المدرسة انتهاج سياسة تشجيع نشطة للمواهب، ناهيك عن أن الطلاب النوابغ يُعدّون على أصابع اليد الواحدة. ذلك أن المدرسة في كانتون تيتشينو لا تهدف إلى فرز الأطفال منذ سن مبكرة، أو إلى دفعهم نحو التنافس وفق أنموذج اقتصادي"، على حد قوله.
العناية بالمواهب المغمورة
في السنوات الأخيرة، تمّ إطلاق بعض المبادرات من بضعة كانتونات، من بينها تيتشينو ونوشاتيل، اللذان قاما بوضع جملة مبادئ توجيهية للمعلمين، كما أن كانتوني جورا وفو، يعمدان منذ سنوات إلى تجميع هؤلاء الأطفال نصف يوم في الأسبوع، من أجل تأهيلهم للتغلب على العقبات ولمواجهة الأخطاء، والحديث عن مخاوفهم وعن أحدث الكُتب التي التهموها.
فهل المقصود يا تُرى من هذه البرامج والمبادرات، الأخذ بيد أصحاب المواهب والقدرات، أم هي مجرد سَدّ حاجة؟ الإجابة عن هذا السؤال واضحة بالنسبة لدوريس بيرودان كارلون التي ترى أن "الإصرار على الطفل لكي يتعلم القراءة في وقت مبكر، يأتي بنتائج عكسية. غير أن الغرض هنا، هو إرواء تعطّش بعض الأفراد إلى المعرفة. وبالتأكيد، يجب علينا أن نظل متيقظين لضمان أن لا يلجأ الآباء إلى تحميل أبنائهم الأطفال ما لا يستطيعون تحمّله، بحجة أنهم عباقرة أو نابغين، لكن أيضا لا يمكن للمدرسة نفْض يديْها من تحمّل المسؤولية".
ما مدى مصداقية اختبارات نسبة الذكاء؟
يمكن التعرف على الأطفال من أصحاب القدرات العقلية والإدراكية الفائقة من خلال تقييم نفساني، يتضمن اختبارا للذكاء وتقييما للشخصية، علما بأن طرق الدراسة والتحليل هذه، لم تحظ بعدُ بإجماع الأوساط العلمية.
أكثر الطرق المُستخدَمة، في الوقت الحاضر، في قياس نسبة الذكاء، هي طريقة فيشلر، التي تقيس معدل ذكاء الفرد بالنسبة للحدّ المتوسط، الذي تمّ التوصل إليه من خلال مجموعة اختبارات على نفس الفئة العُمْرية.
تشير التقديرات إلى أن 70٪ من السكان، لديهم نسبة ذكاء تتراوح ما بين 85 و115. في حين، يُطلق العلماء على نسبة الذكاء بين 115 و125 "المنطقة الرمادية"، بينما إذا زادت نسبة ذكاء شخص ما عن 125، فعند ذلك نقول بأنه يتمتع بقدرة معرفية وإدراكية عالية.
تُقدّر أعداد هذه الفئة بما يتراوح بين 2-5٪ من إجمالي عدد السكان، وقد أظهرت العديد من الدراسات، بأن مستوى الذكاء يرتبط بعوامل وراثية بنحو 50٪ وعوامل بيئية بنسبة 25٪ وعوامل شخصية بنسبة 25٪ المتبقية.
على أقل تقدير، يوجد في كل فصل مدرسي، طالب واحد من ذوي القدرات العقلية الفائقة، لكن، لا يُتعَرّف سوى على أقل من نصفهم.
وفي حال تطلب الأمر ذلك، يمكن إجراء اختبار مستوى الذكاء للطلاب مجانا داخل المدرسة، وتحت إشراف أخصائيين نفسيّين مُعتمَدين من قبل الكانتونات، في حين تصل تكلفة إجراء الإختبار لدى الإختصاصيين الخاصّين ما بين 800 و 1000 فرنك سويسري، وتكون مصحوبة بتقرير خطّي عن شخصية الطفل.
يوجد في سويسرا العديد من المدارس الخاصة، التي تفتح أبوابها تحديدا للأطفال من ذوي القدرات المعرفية والإدراكية العالية، بينما تتيح المدرسة العمومية إمكانية القفز لمستوى تعليمي واحد أو اثنين على أقصى حدّ، وفي حالات استثنائية، يمكن عمل دورات موازية خاصة بالطلاب المتفوقين.End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة