Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00873.jsonl.gz/107

تصنيف الجامعات، تأثير عامل اصدار المجلات العلمية وعدد الاستشهادات بالأوراق العلمية: البعض يجادل بأن هذه الاساليب المتبعة لقياس "أفضل" مستويات المعرفة العلمية لم يتجاوزها الزمن فحسب، ولكنها باتت عقبة أمام التقدم العلمي أيضاً. سويسرا من جانبها تود تقديم المساعدة لوضع بدائل لهذه الأساليب التقليدية. لكن، وكما يبدو، فإن الحديث عن هذه المهمة أسهل بكثير من تنفيذها.
استناداً إلى تقريرٍ صَدَرَ مؤخراً عن مجلس العلوم السويسريرابط خارجي، فقد شهدت الأنشطة العلمية - سواء كانت تتعلق بتوظيف الباحثين، أو نَشر الأبحاث العلمية، أو الاستثمار العام والخاص - نمواً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة. وقد أدّى هذا النمو بدوره إلى مستويات غير مسبوقة من المنافسة عندما يصل الأمر إلى التمويل، والفوز بالجوائز والمناصب الأكاديمية والمواقع البارزة في المجلات العلمية الكبرى، وغيرها من مظاهر النجاح العلمي.
ولأن بديل نشر الأوراق والبحوث العلمية ليس سوى التلاشي في غياهب النسيان، وما ينتج عن ذلك من ضغط مُتنامٍ، فقد تم وَضع أهمية مُتزايدة على المقاييس الكمّية للنجاح العلمي [انظر الحاشية] - والتي غالباً ما تُركز على عاملي الاستشهادرابط خارجي بالمنشورات (أو الاقتباس منها) وتأثير المجلاترابط خارجي العلميةرابط خارجي - والتي يمكن أن تُعَزِّز حافز الباحثين على النَشر بوتيرة أكبر.
توضيح لبعض المقاييس الشائعة لتقييم العلوم
"مؤشر أتش"رابط خارجي (بالإنجليزية: H-index): هو تصنيف رقمي موحد يتم حسابه باستخدام عدد الأوراق العلمية المنشورة للباحث، أو العالم، أو المؤلف، وعدد المرات التي تم الاستشهاد فيها بهذه الأوراق، أي تأثيرها الانتشاري. وعلى الرغم من أن "مؤشر أتش" يهدف إلى التعبير عن إنتاجية الباحث وتأثيره على مجاله العلمي، إلّا أنَّ النقاد يقولون إنه مُبَسَّط للغاية، ولا يمكن استخدامه للمُقارنة في مجالات العلوم المُختلفة. وقد اقتُرِح هذا المؤشر في عام 2005 من قبل جورج إدواردو هيرش، وهو فيزيائي في جامعة كاليفورنيا سان دييغو.
عامل تأثير المجلات العلميةرابط خارجي: يُستَخدَم هذا العامل في تصنيف المجلات العلمية حسب أهميتها في مجالات تخصصها. يتم حساب هذا العامل بالاستناد على متوسط عدد المرات التي تم فيها الاستشهاد بأوراق علمية منشورة في هذه المجلات خلال العامين السابقين. ورغم بساطة المقارنة باستخدام هذا العامل، إلّا أنّه لا يخلو من العيوب: فهو لا يُقَيِّم جودة المقالة بشكل مُباشر، ولا يمكن استخدامه دائماً للمُقارنة مع الحقول العلمية الأخرى، كما أنه يمكن ان يُحَرَّف من خلال عدد قليل من المقالات التي يتم الاستشهاد بها كثيراً.
تصنيفات الجامعاترابط خارجي: هذا النوع من التصنيف يمكن أن يستند إلى نقل المعرفة والاستشهادات والأداء التدريسي أيضاً. ومع تزايد أعداد الجامعات والمؤسسات البحثية التي بدأت تتنافس للحصول على التمويل والعلماء والطلاب، فقد أصبحت التصنيفات العالمية أداة مُفيدة بشكل مُتزايد لتقييم الجودة والتأثير التي تتمتع بها هذه المنظمات. مع ذلك، يجادل البعضرابط خارجي بأن مثل هذه التصنيفات يُمكن أن تُحَفِّز المؤسسات على التركيز بشكل أكبر على البحوث عالية التأثير لتعزيز ترتيبها، الأمر الذي قد يأتي على حساب مسؤولياتها التربوية والاجتماعية.نهاية الإطار التوضيحي
وكما قال أنطونيو لوبريينو، رئيس الأكاديميات السويسرية للفنون والعلوم في مؤتمر عقد في برن مؤخراًرابط خارجي، فإن هذه هي "مفارقات" العلم الحديث.
"من ناحية، ازداد استخدام المقاييس المعاصرة للأداء العلمي بشكل كبير مع الزيادة في التمويل العلمي، وهو مسألة جيدة جداً بالنسبة لنا. لكننا من ناحية أخرى، نبدي تحفظاتنا بشأن عدالة هذه المقاييس، وصحتها وطريقة تطبيقها".
وبغية معالجة بعض هذه التحفظات، قام مجلس العلوم السويسري هذا العام بإعداد عدد من التوصياترابط خارجي لمجتمع العلوم السويسري، لتغيير طريقة تقييم وتمويل الأبحاث - لا سيما من خلال استخدام مؤشرات نوعية لِدَعم (وليس لاستبدال) المؤشرات الكمية.
وكما أشار التقرير، فقد استُخدِمَت المؤشرات الكمية في الأعوام الأخيرة بشكل مُتزايد "كبديل للتقييم النوعي. وقد منحت هذه الممارسة الباحثين حوافز خاطئة كما هددت الجودة العلمية". كما أضاف التقرير ضرورة تعزير استراتيجية وطنية "تراعي تنوع المقتضيات النظامية والمؤسسية لتقييم مختلف".
أكثر من مجرد رقم
كما يرى المنتقدون، فإن التركيز المُبالغ فيه على المقاييس الكمية يؤدي إلى تدهور الدقة والجودة في الأعمال العلمية التي كانت هذه المقاييس تهدف إلى دعمها في المقام الأول - ناهيك عن الضغط الهائل المُسَلَّط على العلماء أنفسهم.
"بحسب محرك البحث ‘غوغل’، فإن تصنيفي في مؤشر أتشرابط خارجي هو 48، أي أن لدي 48 ورقة علمية تم الاستشهاد بها 48 مرة على الأقل. أنا لا أحب أن يتم تقليصي إلى مجرد رقم، ولكن هناك اشخاصاً على هذا الكوكب يفكرون بي بهذا الشكل"، كما يقول ستيفن كوري، أستاذ علم الأحياء الهيكلية في كلية لندن الإمبراطوريةرابط خارجي للعلوم والتكنولوجيا والطب بلندن (Imperial College London)، والذي تحدث في مؤتمر برن أيضاً.
"يمكنك استخدام الأرقام لتوصيف بعض الجوانب، لكن العلوم هي نشاط بشري عميق في الأساس. لا يمكن للمرء قياس التميز العلمي ببساطة؛ فالمسألة هنا يجب أن تتعلق بالاجتهاد العلمي، والمناقشة ومُساهمة الخبراء".
يترأس البروفسور كوري اللجنة التوجيهية لإعلان سان فرانسيسكو حول تقييم البحوثرابط خارجي (DORA)، وهى واحدة من المحاولات العديدة التي بُذِلَت مؤخراً لإعادة التفكير في كيفية تقييم العلوم بشكل جيد، وتحديد مبادئ توجيهية جديدة لتقييم العلماء والباحثين والمؤسسات العلمية بطريقة أكثر شمولية، لكنها تظل فعّالة بما يكفي لإبقاء العلم على مسار ينطلق إلى الأمام مع ذلك.
قياس الجودة
يجادل النقاد أيضاً بأن مؤشرات الكمية مثل ‘مؤشر أتش’ هي عُرضة للتشويه، وبأنها ليست شفافة بما يكفي في كيفية حسابها واستخدامها. وهم يقولون بأن هذه المقاييس لا تشجع على القيام بأنواع البحوث عالية المخاطر والبحوث مرتفعة المردود، وتدفع في صالح الامتثال والتشابه.
وبالنسبة لـ إيلين هازلكورن، رئيسة وحدة بحوث سياسات التعليم العالي في معهد دبلن للتكنولوجيا، فإن هذه الأنواع من المؤشرات مثيرة للجدل بشكل خاص في يومنا هذا، حيث يتوفر العلم للجميع، وليس للنخب القليلة القابعة في أبراجها العاجية فحسب.
وكما قالت: "متى ما يُنظر إلى البحث العلمي باعتباره شيء ذي قيمة وتأثير خارج النطاق الأكاديمي، فإنه لن يكون عبارة عن مسعى لإرواء الفضول الفردي والفكري، ولكنه سيتوازن مع الأولويات الاجتماعية والوطنية".
وأضافت هازلكورن بأن بعض المقاييس مثل التصنيف المؤسسي - كما هو الحال مع التصنيف السنوي للجامعات العالمية الذي تنشره مجلة تايمز للتعليم العاليرابط خارجي، "لا يتلاءم بشكل كبير مع مجتمع واسع من المشاركين، "لأنها تركز على المساءلة ضمن المجال الأكاديمي فقط، وليس ضمن المجتمع بأسره.
"من السهل فهم هذه التصنيفات، لكن مؤشرات نجاحها تزيد من مستويات عدم المساواة والطبقية داخل مجتمعاتنا، وبدوره يؤثر هذا الأمر على الوصول إلى الأموال العامة".
وبحسب كوري، تمثل البساطة أيضاً جزءاً كبيراً من جاذبية المقاييس الفردية، وتلك المتعلقة بمستوى المجلات العلمية، تماماً مثل عدد مرات الاستشهادات وعامل التأثير. "المقاييس سهلة الحساب؛ أن تتصف بموضوعية زائفة، وهذا جذاب بالنسبة لنا ويسهل حياتنا".
دعوة لتقليل الاعتماد على المقاييس الكمية
لكن ما هو الثمن في المقابل؟ كما يوضح كوري، فإن التركيز المبالغ فيه على هذه الأدوات يمكن أن يؤدي إلى إبطاء التقدم العلمي حتى، من خلال تشجيع الباحثين على تقديم أعمالهم إلى أكثر المجلات العلمية المرموقة، مما يزيد من احتمال الرفض، أو حتى سحب الورقة البحثية. وهذا الاجراء الأخير يمكن أن يؤدي إلى تقلص ثقة الجمهور في العلوم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تضييق نطاق التركيز العلمي على المنشورات البحثية والمكانة العلمية يعني التقليل من شأن أنشطة مهمة أخرى - مثل التدريس، أو الاتصال والتوعية، أو توجيه العلماء الشباب - والاضرار بها.
في الوقت الحاضر، تم التوقيع على إعلان سان فرانسيسكو بشأن تقييم البحوث من قبل حوالي 14,000 فرد ومنظمة. كذلك اكتسب تصنيف لايدن لعام 2015رابط خارجي (Leiden Manifesto) ثقلاً متزايداً في المجتمع الأكاديمي. وتدعو كلتا الوثيقتين إلى تقليل الاعتماد على المقاييس الكمية مثل الاستشهادات (أو الاقتباسات) وعامل التأثير، أو استخدامها مع طُرُق نوعية أخرى تُرَكز على المُحتوى العلمي على الأقل.
البدائل الجديدة
لا يزال العلم ينمو ويتقدم بسرعة، والجميع ينشد الوصول للامتياز في هذه المجال. لكن، وعندما يتعلق الأمر بواقع القيام بأبحاث علمية، كيف يمكن لطرق التقييم الأكثر شمولية - والتي يمكن أن تستغرق وقتاً أطول - أن تتغلب على جاذبية المقاييس ‘السريعة وعديمة الفائدة’ المعتمدة اليوم؟
بالنسبة لسارة دي ريجك، نائبة مدير مركز العلوم والدراسات التكنولوجية (CWTS) في جامعة لايدن بهولندا - وهو مسقط رأس دليل لايدن لمؤشرات تقييم البحوث العلمية - تكمن إحدى الإجابات لتقييم العلوم فيما تسميه بـ "نهج المحفظة"، الذي يمكن تكييفه مع حالة، أو مؤسسة، أو باحث معين.
وكما ترى دي ريجك، فإن الإصلاحات الشاملة "ليست ذات فعّالية"، مثلما يدّعى، لأن أنواع البحوث التي تُكافأ أكثر من خلال طرق التقييم التقليدية تختلف باختلاف التخصصات. بدلاً عن ذلك، وفي سياق تقييم معين، فإنها تقترح مبادئ عامة لإنشاء "سرد موحد" يدمج خبرة الباحث ومنجزاته - بما في ذلك المنشورات والمِنَح، وحتى التعليم ووسائل التواصل الاجتماعي ايضاً - وتأثيراته على مجال العلوم والمجتمع.
بدورها، تقوم لجنة إعلان سان فرانسيسكو حول تقييم البحوث بجمع أمثلة لمثل هذه النُهَج على موقعها الإلكتروني. وكمثال على ذلك، فإنها تطالب الباحثين بتلخيص أفضل منشوراتهم ومساهماتهم بكلماتهم الخاصة باستخدام نسخة أقصر وأكثر تحديدا من السيرة الذاتية أو ما يُسمّى بـ"biosketchرابط خارجي".
وفي ذات السياق، أشار ستيفن كوري إلى أن توجه المجتمع العلمي العالمي - الملاحَظ في سويسرا أيضاً - نحو الوصول الحر (أو النفاذ المفتوح) [أي عدم وجود مقيدات في الوصول عبر الإنترنت إلي جميع أشكال الانتاج العلمي والفكري] من المُرجح أن يكون مُحَفِّزاً للتغيير أيضاً عندما يتعلق الأمر بمقاييس التقييم، نظراً لأن المجلات العلمية الحُرّة الوصول والمحفوظات الطبوعةرابط خارجي مُسبقاً قد تشجع على زيادة التركيز على المحتوى والشفافية بالمقارنة مع المجلات التقليدية المستندة إلى الاشتراك.
المسؤولية السويسرية
كما أخبر لوبريينو swissinfo.ch، فإن لدى سويسرا، وبسبب تمويلها الوفير لمجال العلوم ومتطلباتها الإدارية المرنة مقارنة ببلدان أوروبية أخرى، التزام دولي يدفعها إلى العمل من أجل التغيير.
"مع توفرنا على مثل هذا النظام المُمَول جيداً، فإن لدينا في اعتقادي مسؤولية مُعينة تجاه بقية أنحاء العالم. بإمكان سويسرا أن تقوم بتجربة حلول بطريقة أكثر استباقية، لمعرفة كيفية التغلب على صعوبات النظام القائم في الوقت الحالي"، على حد قول رئيس الأكاديمية السويسرية للعلوم.
وكما أضاف، فأن أحد أكبر التحديات القائمة في هذا المجال، هو ضمان توفير الدعم الكافي للعلماء الشباب الذين هم في مرحلة مبكرة من حياتهم المهنية أثناء الانتقال إلى مقاييس علمية أكثر تنوعاً.
"بالنسبة لي، سوف يكون الحل في القليل من التساهل بالنسبة للمشاريع البحثية الأطول أمداً. نحن نميل الآن إلى الدَعم والتمويل على أساس قصير الأجل، وهذا يتماشى مع مَنطق المُنافسة القائم حالياً. وفي حال كنا مستعدين للتمويل من منظور بعيد المدى، فقد يزيل ذلك بعض الضغط من المراحل المبكرة في الحياة المهنية، ولربما يخلق نظاماً أكثر مساواة أيضاً".
وكما يقر لوبريينو، فإن التحدث عن مثل هذا التغير الكبير في ثقافة البحث أسهل بكثير من تطبيقه الفعلي، لكن هذا لا يعني بأنه أمر مستحيل.
"انها واحدة من الثقافات التي نريد مراجعتها أيضاً، لذلك فنحن بحاجة إلى البدء بطريقة ما وفي مكان ما"، كما قال لوبرينو لـ swissinfo.ch.
(ترجمته من الانجليزية وعالجته: ياسمين كنونة)