Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00856.jsonl.gz/49

الصّـدفة وحدها جمعت بين الذكرى الخامسة للغزو الأمريكي للعراق (مارس 2003 - مارس 2008) وبين استقالة قائد المنطقة المركزية (CENTCOM) الأميرال وليام فالون من منصبه، لكنها كانت صُـدفة مثيرة للغاية.هذا المحتوى تم نشره يوم 17 مارس 2008 - 05:01 يوليو,
فقد جاءت، على ما يبدو، تتويجاً لانقسامات حادّة داخل النّـخبة الحاكمة الأمريكية حول ما يجب عمله في العراق، وامتدادا في إيران المجاورة.
بين مُـعسكر يدعو إلى سرعة سحب معظم القوات من العراق، لتمكين قوات المنطقة المركزية من السّـيطرة على المنطقة الجغرافية المحدّدة لها، الممتدة من شرق إفريقيا إلى حدود الصين، والتي تضُـم في جنباتها، الشرق العربي والقرن الإفريقي وآسيا الوسطى وإيران (سوريا ولبنان ضُـمّـتا إليها مؤخرا)، وبين مُـعسكر مُـضادٍّ يُـطالب بمواصلة الحرب حتى النّـصر في بلاد الرافدين، بوصفِـها معركة حياة أو موت، ليس فقط مع الإرهاب والتطرّف الإسلامي، بل أيضاً مع مخاطر توسّـع النفوذ الإيراني.
كان الأميرال فالون ينتمي إلى المُـعسكر الأول، هذا لا يعني أنه كان يُـعارض بالمُـطلق الحرب في العراق ومع إيران، خاصة وأن الخبير الإستراتيجي الأبرز توماس بارنيت نسب إليه القول في مقال نشره في مجلة "سكواير" (وكان السبب في إطاحته) "أنهم (أي الإيرانيون) ليسوا أكثر من نمل نستطيع سحقهم حين يحين الوقت". كل ما في الأمر أن آراء فالون، ومعه المعسكر الأول بمدنيِّـيه وعسكريِّـيه، حول الإستراتيجية الأفضل لإدارة جغرافيا المنطقة المركزية، وعلى رأسها العراق وإيران، تختلف في الأسلوب لا في الجوهر عن آراء المحافظين الجُـدد الأمريكيين والرئيس بوش ونائبه تشيني.
فالون كان يحبّـذ فتح أقنية الحوار مع إيران حول العراق ومنطقة الخليج - آسيا الوسطى، كما فتح أبواب التعاون مع الصِّـين، حين كان قائداً لقيادة "الباسيفيك" عام 2005، بهدف حمل هذه الدولة المتمرّدة على سياسة واشنطن، على العمل ضمن أطُـر خطوطها الحمر، وكان شعاره الدمج بين القوة العسكرية وبين الاستعداد للحوار، ولذا، فهو ندّد مِـراراً بالأصوات المُـنطلقة من واشنطن والمطالبة بتصعيد الحرب في العراق ومع إيران.
فهل تعني استقالته المفاجِـئة بأن الإدارة الأمريكية قد تشُـن الحرب قبل نهاية هذا العام على إيران، كوسيلة لضمان النّـصر في العراق؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة أولاً أمام برامج مرشّـحي الرئاسة الامريكية ماكين وكلينتون وأوباما حول العراق وإيران، والتي كما سيتبيَـن، تتوزع بالعدل والقسطاس بين المعسكرين.
الصقر ماكين..
أقل ما يوصف به ماكين في أمريكا أنه "صقر" آخر من صقور المحافظين الجُـدد والقدماء الأمريكيين، وأقل ما يطلق على الرجل في إسرائيل بأنه "الرجل المناسب والوحيد، لشنّ الحرب على إيران ولخدمة إسرائيل على الوجه الأمثل".
ليس في أيٍّ من هذين التوصيفين أدنى مبالغة. فالبرنامج الذي نشره الرجل مؤخراً في "فورين أفيرز"، كان إناء ينضح بما فيه الكفاية بما فيه. فهو، كما يتّـضح، رجل حرب من الطراز الأول، ويُـعطي الأولوية القُـصوى إلى مبدإ القوة في السياسة الخارجية، أضعاف أضعاف ما فعل جورج بوش.
فلنُـدقِّـق معاً في البنود الرئيسية للبرنامج:
1- هزيمة التطرف الإسلامي الراديكالي، هي التحدّي الأول للأمن القومي في زماننا، والعراق جبهة مركزية في هذه الحرب، وبالتالي، على أمريكا النجاح في العراق، وهي قادرة على ذلك، أما حصيلة الانسحاب من هناك، كما يُـطالب الديمقراطيون، فستكون مُـرعبة: خسارة تاريخية على يَـد المتطرفين الإسلاميين ودعوة لإيران للسّـيطرة أكثر على العراق والمنطقة ككل.
2- ما سيحدث في العراق سيؤثر على أفغانستان. يجب أن نُـضاعف جهودنا وجهود حلفائنا في حلف الأطلسي لوقف انبعاث حركة طالبان من جديد، ولرفع القيود عن ممارسات قواتنا المسلحة هناك.
3- يجب مُـواصلة العمل مع الرئيس مشرّف في باكستان، للقضاء على خلايا ومعسكرات طالبان والقاعدة، وذلك عبر تقديم التزام بعيد المدى له (لمشرف).
4- إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم، سنعمل على فرض عقوبات مُـضاعفة عليها. وبرغم أن العمل العسكري ليس خيارنا المفضل، إلا أنه يجب أن يبقى على الطاولة، على طهران أن تفهم بأنه ليس في وسْـعها كسب نزال مع العالم.
5- التّـهديدات لإسرائيل تتزايد من إيران وحزب الله وحماس وآخرين. دعمنا الطويل لها سيستمر، بما في ذلك تزويدها بالعَـتاد العسكري والتكنولوجي الضروري، لضمان تفوُّقِـها العسكري النوعي، أما السلام، فيجب أن يكون حقيقياً، وهذا يعني ضرورة عزل حماس.
6- سأعمل على زيادة عدد القوات الأمريكية من 750 ألفاً إلى 900 ألف، وعلى زيادة إنتاج التكنولوجيا العسكرية المتطورة.
.. والحمامة هيلاري
المرشح الجمهوري ماكين سيكون إذن، في حال فوزه "رئيس حرب" أكثر عُـنفاً بكثير من الرئيس الحالي بوش. فهل يعني ذلك أن منافسه الأول في الحزب الديمقراطي (حتى الآن على الأقل)، هيلاري كلينتون ستكون بَـطلة السلام والوِفاق والمحبّـة في العالم؟
برنامج السيدة هيلاري، الذي نُـشر أيضاً في "فورين أفيرز" مثير بالفعل، من حيث كونه يتناقض حرفاً بحرف مع برنامج ماكين، في الشكل على الأقل.
فهو يعُـج بالنوايا الحسنة والقيم الإنسانية والمثل العليا والسياسيات، التي تركِّـز على المنحى التعدّدي الرافض للنّـهح الاستفرادي الجمهوري وعلى القوة اللّـينة للإمبراطورية الأمريكية، لكن، هل هذه النوايا ستكون حسنة بالفعل في التطبيق؟
قسم كبير من خطاب هيلاري السياسي يُـشدد على إبراز "الوجه المأساوي" (على حد تعبيرها) لعهد جورج بوش، فهو بدّد الاحترام والثقة اللّـذين كانت تتمتع بهما الولايات المتحدة، حتى مع أقرب الأصدقاء والحلفاء، وهو أضاع الفرصة التي سنحت لأمريكا لزيادة تأثيرها الدبلوماسي وإقامة تحالف عالمي واسع ضدّ الإرهاب وخلق عالم فيه الكثير من الأصدقاء والقليل من الخصوم.
لاستعادة هذه الفرصة، ترى هيلاري ضرورة تزويج القوة الأمريكية بالمبادئ الآتية: تجنَـب الخِـيارات الزائفة التي تقودها الأيديولوجيا، واستخدام القوة العسكرية ليس كحل لكل مشكلة، بل كجزء من إستراتيجية شاملة، وتنشيط المؤسسات الدولية والعمل عَـبرها كلما أمكن، التأكّـد من أن الديمقراطية تُـحقق وعودها في مجالات الفقر والجوع وغياب الآفاق الاقتصادية وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بسبب العولمة، وأخيرا الالتزام بالقِـيم الأمريكية العالمية.
كيف يمكن لأمريكا أن تنفّـذ هذه المبادئ لتستعيد زعامتها العالمية؟ أولا، عبر إنهاء الحرب في العراق وسحب القوات منه واستبدال القوة العسكرية بمبادرة دبلوماسية جديدة، تتضمن التفاعل مع الدول في كل العالم، لضمان مستقبل العراق.
ثانياُ، بمواصلة الحرب ضد الإرهاب، ولكن في إطار إستراتيجية شامِـلة تركـَز على التعليم والاستخبار وفرض سيادة القانون. أفغانستان ستكون مِـحور هذه الحرب على كل الصّـعد.
ثالثاً، مُـواجهة التحدّي الإستراتيجي بعيد المدى لإيران ضد الولايات المتحدة وحلف الأطلسي وإسرائيل، وإجبارها على الالتزام بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة ومنعها من بناء سلاح نووي، وإذا لم تلتزم إيران بكل ذلك، جميع الخيارات ستكون مطروحة على الطاولة، أما إذا التزمت، فأنهت البرنامج النووي العسكري ونبذت رعاية الإرهاب ودعمت سلام الشرق الأوسط، ولعبت دوراً بنَّـاءً في استقرار العراق، فيجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديم رُزمة من الحوافِـز لها.
رابعاً، استئناف العمل لخفض الأسلحة النووية وعدم اعتبار روسيا تهديداً، وتعزيز علاقاتنا الثنائية التي هي الأهم في العالم مع الصين، والتعاون الإستراتيجي مع الهند، إضافة، يجب الاعتراف بالأخطاء في أبو غريب وغوانتانامو، وتخصيص 10 مليار دولار لتعليم الفقراء في العالم ومكافحة الأوبئة في العالم الثالث، ومواجهة معضلة تغيَـر مناخ الأرض وفرض احترام حقوق الإنسان والمرأة.
أوباما: تجديد الزعامة
أما باراك أوباما، فهو يدعو إلى إيجاد "نهاية مسؤولة" للحرب في العراق، كوسيلة لتجديد الزعامة الأمريكية في العالم ولإعادة تركيز الانتباه على الشرق الأوسط الأوسع، يقول: "مواصلة الحرب في العراق ضاعَـفت من الخطايا الإستراتيجية للقادة المدنيين الأمريكيين، الذين اختاروا شنّ الحرب في الدرجة الأولى، وقد آن الأوان أن يعترف قادتنا المدنيون بالحقيقة المؤلمة: أمريكا لا تستطيع فرض حلّ عسكري على حرب مدنية بين السُـنة والشيعة.
الفرصة الأفضل لنا لجعل العراق مكاناً أفضل، هي الضغط على الأطراف المُـتحاربة لإيجاد حلّ سياسي دائم، وهذا لا يتم سِـوى ببدء السّحب المرحلي للقوات الأمريكية من هناك. إن "إعادة الانتشار" هذه، يمكن أن تعلَـق مؤقتاً إذا ما حقّـقت الحكومة العراقية وفاقاً سياسياً، لكن في النهاية، وحدهم القادة العراقيون يمكنهم تحقيق السلام والاستقرار لبلادهم".
ويدعو أوباما إلى إطلاق مبادرة إقليمية ودولية شاملة للمساعدة على إنهاء الحرب الأهلية في العراق ومنع انتشارها والحد من مُـعاناة الشعب العراقي، متعهّـداً بعدم تأسيس قواعد عسكرية دائمة في هذه الدولة، بل "فقط قوة عسكرية في الحدود الدّنيا لحماية الموظفين والمؤسسات الأمريكية، ومواصلة تدريب قوات الأمن العراقية واستئصال "القاعدة"، وبرغم أننا يجب أن لا نستبعد استخدام القوة العسكرية ضد إيران، إلا أننا يجب أن لا نتردّد في التّـحادث مباشرة معها".
الأسلوب والجوهر
الآن، أي مقارنة بين هذه البرامج الثلاثة، تكشف فوراَ عن اتفاق ضمني حول جوهر الإستراتيجية التي يجب إتباعها في العراق وإيران، لكن في إطار فجوة كبيرة حول الأسلوب الأمثل لتحقيق ذلك.
ففي حين يرى ماكين ووراءه بوش وتشيني، أن الحل كان ويجب أن يبقى عسكرياً - أمنياُ، يميل أوباما، وإلى حدّ ما كلنيتون، إلى وجهة النظر الدبلوماسية عبر الحوار مع إيران وسوريا، ربما في إطار مبادرة بيكر - هاميلتون.
بيد أن الشيطان يكمُـن في تفاصيل الأسلوب، وليس فقط في أساسيات الجوهر، والمسافة بين هذا الأسلوب وذلك الجوهر، هي نفسها المسافة بين الحرب والسلام.
الحرب.. الحرب؟
نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: هل ستعني استقالة الأميرال فالون، عشية الذكرى الخامسة لغزو العراق، تصعيداً لمعارك بلاد الرافدين، وربما حرباً ضد إيران؟
لن نجيب نحن، سنترك الأمر لتوماس بارنيت في "إسكواير"، الذي قال (قبل إستقالة الأميرال): "لا يستبعد أن يطيح البيت الأبيض بفالون وأن يعيّـن مكانه قائداً جديداً أكثر مطواعية، وإذا ما حدث ذلك (وهو ما حدث)، فهذا سيعني أن الرئيس بوش ونائبه تشيني ينويان تطبيق الخِـيار العسكري ضد إيران قبل نهاية هذا العام".
سعد محيو - بيروت
استقالة أميرال أمريكي بعد مقال عن إيران
واشنطن (رويترز) - قال الأميرال وليام فالون، رئيس القيادة العسكرية الأمريكية المسؤولة عن العراق وأفغانستان، إنه سيستقيل بعد أن قالت مجلّـة إنه يدفع الرئيس جورج بوش إلى تفادي الحرب مع إيران.
وشدد الأميرال فالون، رئيس القيادة المركزية الأمريكية المسؤولة عن الشرق الأوسط على أنه لا يختلف مع حكومة بوش بشأن إيران، ولكن التصورات عن وجود خلاف تجعل من الصعب عليه أداء مهام وظيفته.
ونفى وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، أن رحيل فالون يجعل الحرب مع إيران أكثر احتمالا.
وقال غيتس "فكرة أن هذا القرار ينبئ بأي شيء عن تغير في السياسة نحو إيران... هي فكرة تبعث على السخرية".
وقال غيتس للصحفيين في وزارة الدفاع (البنتاغون) "الأميرال فالون توصّـل إلى هذا القرار الصّـعب من تِـلقاء نفسه تماما"، وأضاف قوله "واعتقد أن ما فعله هو الصّـواب، مع أنني لا أظن أنه توجد في الواقع خِـلافات مهمة بين وجهات نظره وسياسة الحكومة".
وتقول حكومة بوش، إن سياستها هي استخدام الدبلوماسية لحل الخلافات بينها وبين إيران، ولاسيما بشأن البرنامج النووي لطهران، لكنها لا تستبعد إمكانية اتخاذ عمل عسكري.
وتقول واشنطن والقِـوى الغربية الأخرى، إن إيران تحاول اكتساب القدرة على صنع أسلحة نووية. وتقول إيران، إن برنامجها للأغراض السِّـلمية لتوليد الطاقة.
ويشرف مقر قيادة فالون في تامبا بولاية فلوريدا على العمليات الأمريكية في 27 دولة، منها العراق وأفغانستان.
وفالون، هو أول ضابط من مُـشاة البحرية يُـصبح رئيسا للقيادة المركزية، وهو يشغل هذا المنصب منذ أقل قليلا من عام، وسيترك منصبه ويتقاعد في نهاية الشهر.
وقد اشتهر فالون بأنه يفضِّـل الحوار. وتابع السعي من أجل تحسين العلاقات مع الصين، حينما رأس القيادة العسكرية الأمريكية في المحيط الهادي.
وطلب فالون الاستقالة، بعدما صوّره مقال في مجلة على أنه يختلف مع الرئيس بوش بشأن السياسة تجاه إيران. وأشار المقال في مجلة اسكواير إلى أن فالون يدفع الإدارة إلى تجنب حرب مع إيران.
وقال غيتس للصحفيين في وزارة الدفاع (البنتاغون) "قبلت طلب الأميرال فالون الاستقالة بتردد وأسف".
وقال غيتس، إن فالون سيترك الخدمة في نهاية الشهر وأن نائبه الجنرال مارتن ديمبسي سيتولى مسؤولية القيادة المركزية حتى اختيار خليفة على المدى البعيد.
وأشاد غيتس بفالون وأكد أن الأميرال دعم سياسة الحكومة لاستخدام الدبلوماسية لمحاولة حل الخلافات مع إيران، مع عدم استبعاد الخيارات العسكرية.
وقال فالون في بيان "التقارير الصحفية الحديثة التي تشير إلى عدم ترابط بين آرائي وأهداف سياسة الرئيس، أصبحت تُـحوّل الانتباه في وقت حرِج وتُـعرقل الجهود في منطقة القيادة المركزية".
وأضاف "ومع أنني لا أعتقد أنه كانت هناك على الإطلاق أي خلافات بين أهداف سياستنا في مجال مسؤولية القيادة المركزية، فإن التصور البسيط لوجود خلافات، يجعل من الصعب علي أن أخدم مصالح أمريكا هناك بشكل فعال".
(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 12 مارس 2008)
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>