Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/91

انطلقت محاكمة أحمد مهدي فقيه أبو تراب أمام المحكمة الجنائية الدولية يوم 22 فبراير 2016. ويُتهم هذا الشخص الذي ينتمي إلى ميليشيا أنصار الدين بتدمير أضرحة في تمبكتو في مالي في عام 2012.
وفي هذا الحوار يوضّح مارك- أندري رينولد لشبكة "أخبار العدالة" أهمية هذه المحاكمة ويشير إلى الحلول المقترحة في سويسرا لحماية الكنوز الأثرية خلال النزاعات المسلّحة.
وتتم مقاضاة أبو تراب، رئيس شرطة الأخلاق بميليشيا أنصار الدين التي سيطرت على تمبكتو بشمال مالي بين أبريل 2012 ويناير 2013، حاليا بتهمة ارتكاب جرائم حرب، والمتمثّلة في تدمير 9 من الأضرحة في المدينة التي تؤوي "333 قديسا"، وباب جامع سيدي يحي.
وفي شهر مارس الماضي، خلال جلسة استماع مغلقة، قال السيد مهدي أنه يعترف بالمسؤولية في التهمة الموجهة إليه. وقد قصر المدّعي العام اتهاماته فقط على تدمير التراث الإنساني، ما أعطى للقضية بعدا رمزيا إضافيا.
ويسلّط مارك- أندري رينولد، مدير المركز الجامعي لقانون الفنون، الضوء لصالح شبكة "أخبار العدالة" الضوء على الأهمية هذه المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
شبكة أخبار العدالة: لماذا ترى أن هذه المحاكمة مهمّة جدا؟
مارك- أندري رينولد: هذه هي الحالة الاولى من نوعها، التي يكون فيها الفعل المزعوم او التهمة، التدمير المتعمّد. كانت هناك حالات أخرى في السابق، حيث تدمير التراث الثقافي الإنساني جزءً من اجراءات المحاكمة. ومن ذلك المتعلّقة بمحاولات تدمير البلدة القديمة في مدينة دوبرفنيك، في يوغسلافيا سابقا. وقد أخذ في الإعتبار عنصر تدمير التراث الثقافي أثناء المحاكمة، ولكن كان عاملا من بين عوامل أخرى.
في المحاكمة التي تجري حاليا هذه هي القضية الرئيسية. وليس في هذا أي تقليل من قيمة الحياة البشرية أو قدسيتها. أعتقد أن المسألة تتعلّق بقضية واحدة. وحتى هذه اللحظة، وخلال هذه المحاكمات الدولية، لم يعر اهتمام كبير إلى تدمير التراث الثقافي الإنساني.
شبكة أخبار العدالة: وصفت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، ب"جريمة ثقافية ضد الإنسانية" تدمير التراث الإنساني. ما رأيك أنت في هذا الموضوع؟
مارك- أندري رينولد: هذا مصطلح قوي. مما يدلّ على أهمية الربط بين الطابع المادّي والطابع غير المادي من التراث الثقافي الإنساني. طيلة فترة طويلة، كنا نتحدّث بإستمرار على الطابع المادي من التراث الثقافي الإنساني: ويحضرني هنا على وجه المثال تدمير المعالم المعمارية وسرقة القطع التراثية خلال الحرب العالمية الثانية.
ولكن مؤخرا، بدأت اليونسكو وبعض المؤسسات الأخرى تهتم بالطابع اللامادّي للكنوز الثقافية، وأعتقد أن هذا الجانب قد بدأ يمنح أهميّة كبيرة. وتوجد اتفاقية يرجع تاريخها إلى 2003 بشأن حماية التراث الثقافي غير المادي. ولكن ما نشاهده من خلال عمليات التدمير هذه، هو أنها تستهدف الطابع غير المادي لهذه الكنوز، أي كل ما يتعلّق بالطابع الديني، والتاريخي، والتقاليد والأعراف. ومصطلح "الإبادة الثقافية" يبيّن أنه لا يمكن تدمير الشيء المادي فقط بل وكذلك حمولته ودلالته الثقافية، أي تدمير العدوّ من خلال تدمير الثقافة التي تمثله.
ومؤخّرا، أطلقت اليونسكو عملية تفكير جديدة: هل علينا أن نأخذ في الإعتبار مفهوم المسؤولية في مجال حماية التراث الثقافي؟ إنه مفهوم جديد ظهر على السطح منذ عشر سنوات تقريبا، ويهدف إلى منع جرائم الإبادة. ويهدف من أطلقوا هذا المفهوم إلى تمكين البلد الذي تقع على ترابه تلك الافعال او المجتمع الدولي من التدخّل لمنع حدوث تلك الإبادة.
وقع التساؤل عندئذ: هل تدمير التراث الثقافي ليس دليلا كافيا؟ عملا يمهّد للإبادة الجماعية، ويسمح بالتالي بحق التدخّل؟ لقد بات من الواضح أن النيل من الثقافة ربما يكون مؤشرا يدعو إلى ضرورة الحذر وأخذ الامور بجدية، وتناولها بدقة.
شبكة أخبار العدالة: بحسب النيابة العامة، تم تدمير المعالم التاريخية بعد النظر في الأمر من قبل المحكمة الشرعية التي أنشأت خلال سيطرة ميليشيا أنصار الدين على تمبكتو بين أبريل 2012 ويناير 2013. هل تعتقد ان الأمر يتعلّق بتعارض بين مفهوميْن للقانون، وبين وجهتيْ نظر مختلفتيْن للعالم؟
مارك- أندري رينولد: في كثير من الأحيان، يكون هناك وجهات نظر مختلفة للقانون يواجه بعضها البعض. ولكن ما يهم جميع الأطراف في المجتمع الدولي هو الحفاظ على التراث الثقافي الإنساني بوصفة قيمة أساسية في المجتمع. ويوجد احترام وتقدير لذلك في جميع المجتمعات، بما في ذلك في سوريا، ومالي. والاتفاقيات المبرمة في هذا المجال مصادق عليها على المستوى العالمي بدون استثناء. وحتى عندما نتحدّث عن القواعد الأساسية للمجتمع الدولي، وإن كنا غير متفقين حولها، فإن ذلك لا يبرّر التدمير. (الوضع في مالي كما تعرضه محكمة الجنايات الدولية).
شبكة أخبار العدالة: من هم ضحايا تدمير التراث الثقافي؟
مارك- أندري رينولد: المجتمع المحلّي في المقام الأوّل. أولئك الذين لن يمكنهم بعد ذلك الاستفادة من هذا التراث في القيام بطقوسهم التقليدية والدينية. والدليل على ذلك ردود فعل المجموعات المحلية في مالي وسعيها لحماية المخطوطات في تمبكتو.
(خلال سيطرة المجموعات الجهادية على تمبكتو، تم إجلاء ما يقرب عن 400.000 مخطوطة بشكل سرّي من قبل السكان للحفاظ عليها). ولم يحدث ذلك بفضل تدخّل المجتمع الدولي، الذي لم يستفق إلا متأخرا.
ونتذكّر أيضا السلسلة البشرية حول متحف القاهرة في أوائل عام 2011، عندما كانت محتوياته مهدّدة بالسرقة والإتلاف. وسواء تعلّق الأمر بتمبكتو، أو بمنطقة أخرى، يولي السكان المحليون أهمية كبرى لهذا التراث الثقافي. وهذا بعد مهمّ يثبت بأن الثقافة ليست فقط انشغالا غربيا. فهي تحظى بأهمية كبرى كذلك لدى السكان المحليين.
بالتأكيد أن تكفّل المحكمة الجنائية الدولية بهذه القضية يقدّم رؤية معينة للعدالة، ولكن أعتقد أن الإساءة والنيل من التراث الثقافي للشعوب يمس في المقام الاوّل المجموعات السكانية المحلية. وعندما يكون بلد ما بصدد أعادة البناء، بعد حرب أهلية دامية، يلعب الدين والثقافة والموسيقى وكل أشكال العمل الفني دورا مهما في تسهيل تحقيق المصالحة بين مكوّنات المجتمع الواحد.
شبكة أخبار العدالة: ما الذي يجعل من حماية التراث أداة لتحقيق وتعزيز السلام؟
مارك- أندري رينولد: إن هذه الحماية تسمح للجميع بالحديث بنفس اللغة. والتراث في الأصل يجمع ولا يفرّق. وفي مجتمع يعاني من الصراعات، من الممكن أن يساعد التراث في تحقيق المصالحة، وأنا على يقين من ذلك. توجد قيمة رمزية قوية جدا في التراث.