Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/92

أمام تراجع مبيعات السجائر التقليدية، تخوض صناعة التبغ معركة بلا هوادة لتطوير ما يُسمى بـ "المنتجات ذات المخاطر المحدودة". وفي سويسرا حيث تتمتّع بحضور قوي، تستفيد هذه الصناعة من دعم أكيد داخل الطبقة السياسية، ولكن هذه المساندة لن تكون كافية لوقف تدهور القطاع، وفقا لتوقعات الخبراء.
استثمرت شركة فيليب موريس (PMI) ملياري دولار أمريكي لتطوير واختبار سيجارتها الإلكترونية الجديدة المُسماة "iQos". هذا الجهاز الهادف إلى تجنب الآثار الضارة الناجمة عن حرق التبغ سيُطرح تدريجيا في الأسواق في نهاية عام 2014. ويُتوقع أن تباع منه 30 مليار نُسخة بحلول عام 2016، وأن يُدرّ أرباحا سنوية تناهز 700 مليون دولار.
بعد موجة من عمليات الإندماج والاستحواذ في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الثالثة، هيمنت على سوق السجائر الدولية أربعُ شركات متعددة الجنسيات: فيليب موريس إنترناشيونال (PMI)، شركة التبغ البريطانية الأمريكية (BAT)، شركة التبغ اليابانية الدولية (JTI ) وإمبريال توباكو.
مع ذلك، تظل شركة التبغ الوطنية الصينية، التي تحتكر بشكل تام تقريبا مبيعات التبغ في الصين، أول منتج عالمي للسجائر.نهاية الإطار التوضيحي
هذه على الأقل هي توقعات الشركة متعددة الجنسياترابط خارجي التي رفضت زيارة swissinfo.ch لمركز أبحاثها في سيريير (Serrières) على ضفاف بُحيرة نوشاتيل. ففي هذا المكان، يعمل أكثر من 300 باحث في سرِّية كبيرة لإيجاد بدائل أقل ضررا من السيجارة الكلاسيكية.
إيرو أنطونيادو، المتحدث باسم "فيليب موريس" يشدّد على أن صناعة التبغ "توجد في بداية عملية تحوّل. لقد استبقنا ذلك عندما بدأنا العمل قبل عشرة أعوام على تطوير مُنتجات يُحتمل أن تكون قادرة على تقليل المخاطر". ولكن مُنتج سجائر "مارلبورو" الشهيرة ليس وحيدا في حلبة السباق. جميع الفاعلين في القطاع يسعون إلى الظفر بالكنوز - السيجارة الإلكترونية، ومنتجات التبغ القابلة للتسخين، وأجهزة استنشاق النيكوتين، أو بخاخات التبغ – في محاولة للإلتفاف على تشديد التشريعات الخاصة بالسجائر التقليدية.
من جانبه، يقول جون-فرانسوا إتيررابط خارجي، أستاذ الصحة العالمية في جامعة جنيف ومُحرر موقع stop-tabac.chرابط خارجي: "إنهم يريدون بأي ثمن تجنب نفس مصير [شركة] كوداك التي اختفت بعدما فوّتت فرصة الإنتقال من الصورة التناظرية إلى الصورة الرقمية. لهذا، ليس لديهم خيارا آخر سوى مواكبة التكنولوجيات الجديدة، ولئن اقتضى الأمر ابتلاع علاماتهم التجارية الرائدة".
تستحوذ شركة فيليب موريس – الرائدة عالميا في مجال التبغ، والمنتجة لسجائر مارلبورو، وتشيسترفيلد، وموراتّي – على أكثر من 28% من سوق السجائر الدولية، إذا ما استثنينا الصين. وتوظف الشركة حوالي 3000 في سويسرا.
يقع مركز عملياتها العالمي في مدينة لوزان بكانتون فو، ولها مركز إنتاج وأبحاث هام في كانتون نوشاتيل. ويعمل حاليا في هذا الموقع قرابة 1500 شخص، وخرجت منه ما لا يقل عن 24 مليار سيجارة في عام 2014. أكثر من 80% من الإنتاج السويسري مُوجه للتصدير.نهاية الإطار التوضيحي
صناعة محكوم عليها بالزوال؟
وإذا ما نظرنا إلى التوقعات، فهي قاتمة بالفعل بالنسبة لهذا القطاع. فباستثناء الصين، انخفض حجم مبيعات السجائر بنسبة 4% في عام 2013 على المستوى العالمي، في أعقاب الاتجاه الذي لوحظ منذ عام 2010، وفقا لشركة الأبحاث الإقتصادية "يورومونيتوررابط خارجي". وتتوقع شركة فيليب موريس انخفاض مبيعاتها لهذا العام بنسبة تتراوح بين 2 و3% في جميع أنحاء العالم. وفي أوروبا، يُرتقب أن يُسجل انخفاض أهم بحيث قد يصل إلى ما يقرب من 5% في السنوات الثلاث المقبلة.
ويعتقد بعض الخبراء أن هذه الصناعة محكوم عليها بالزوال، مثل باسكال ديثيلم، رئيس جمعية مكافحة التدخين "أوكسيروماندي"رابط خارجي، الذي قال: "إن مرحلة التراجع بدأت، وقد تنبأت [شركة الخدمات المالية الأمريكية] سيتي غروبرابط خارجي باختفائها بحلول عام 2045. إن الشركات متعددة الجنسيات تُـطور منذ 50 عاما منتجات هجينة دون نتائج، لأن السيجارة التقليدية هي صلب عملهم".
هذا الرأي لا تُشاطره الشركات المُصنِّعة بطبيعة الحال، إذ يردّ غي كوتي، المتحدث باسم شركة التبغ اليابانية الدولية في جنيف: "لقد أُعلن عن تراجع صناعة التبغ في مناسبات عديدة على مرّ التاريخ. وبصرف النظر عن الأزمة الإقتصادية الأخيرة، نحن لا نرى أيّ سبب للقلق. إن النمو الديمغرافي العالمي إيجابي وهنالك دائما مجال لتحقيق نمو متين. ويشير إيتير ضمن السياق نفسه إلى أن الشركات متعددة الجنسيات تركز اهتمامها على القارة السمراء التي تشهد نموا ديمغرافيا سريعا ومُلفتارابط خارجي، وكذلك آسيا حيث يعتمد الشباب أساليب الحياة الغربية.
احتفلت هذا العام شركة التبغ البريطانية الأمريكية، ثاني أكبر مجموعة سجائر في العالم، (ومُنتجة سجائر بول مول، دانهيل، لاكي سترايك) بالذكرى المئوية الثانية لوجود صناعة التبغ في Boncourt بكانتون الجورا.
وتوظف الشركة حاليا أكثر من 500 شخص في سويسرا، من بينهم 320 في الجورا. وينتج المصنع نحو 10 مليار سيجارة سنويا، يتم تصدير 70% منها. يوجد مقر المجموعة في لندن. وفي شهر سبتمبر 2013، طرحت بواسطة شركتها الفرعية "Nicoventures" سيجارة VYPE الإلكترونية في السوق البريطانية.
الجزيرة السويسرية
تُـقدر صحيفة الغارديان رابط خارجيالبريطانية الأرباح السنوية لأكبر ستّ شركات التبغ متعددة الجنسيات بـ 35 مليار دولار. وللإستمرار في تحقيق أقصى قدر من الربحية، وتوزيع إيرادات متزايدة القيمة على المساهمين، لا يتبقّ لهذه الصناعة سوى خيار رفع ثمن السجائر. "غير أن هذه الإستراتيجية ليست مُستدامة: فعاجلا أم آجلا، سيُواجه المُصنِّعون تراجعا، سواء من حيث الحجم أو الربحية. حينذاك، ستتخلى الأسواق المالية عن هذه الصناعة"، على حد اعتقاد باسكال ديثيلم.
ومن شأن هذه الفرضية أن تُربك المسؤولين السياسيين في العديد من كانتونات الكنفدرالية. فالجزيرة السويسرية - بما تقدمه من مزايا ضريبية وإطار تنظيمي ليبرالي – تحظى في الواقع بتقدير عال في أوساط صانعي السجائر، حتى أن أكبر ثلاث المُنتجين، أي فيليب موريس، وشركة التبغ البريطانية الأمريكية، توباكو اليابانية الدولية، يزاولون فيها نشاطات إنتاجية، وأبحاث، وأعمال إدارة. (أنظر المعلومات المرافقة).
وعلى سبيل المثال، تكتسي شركة فيليب موريس أهمية حيوية بالنسبة لإقتصاد سويسرا الروماندية (المتحدثة بالفرنسية)، بحيث استثمرت ما يقرب من 700 مليون فرنك منذ عام 2008. فهي توفر 3000 وظيفة ذات رواتب عالية، وإيرادات ضريبية تناهز 60 مليون فرنك لكانتون نوشاتيل لوحده، أي تقريبا نصف إجمالي الضرائب التي تدفعها الشركات، حسب تقديرات صحيفة "ليكسبريس"رابط خارجي المحلية. ويقر عضو مجلس الشيوخ السويسري رافاييل كونت، من الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين) أن: "مغادرة شركة فيليب موريس قد يكون لها تأثيرات مأساوية على كانتونــِـنَا الذي يعاني بعدُ من صعوبات مالية".
تُعتبر شركة اليابان الدولية للتبغ (التي تنتج سجائر كاميل، ووينستون، ومايلد سِفن) ثالث أكبر مصنع للتبغ في العالم، وتستحوذ على نسبة 11% من سوق السجائر العالمية. وتوظف قرابة 1000 شخص في جنيف حيث يوجد مقرها الدولي، و300 آخرين في مصنعها بداغميرسيلّين (Dagmersellen) في كانتون لوتسيرن. وتُصدَّرُ قرابة 90% من الإنتاج السويسري.
في عام 2013، أطلقت الشركة سيجارتها الإلكترونية Ploom التي تُصْدِر بخارا بواسطة تسخين التبغ، وذلك قبل أن تضفي طابعا رسميا في منتصف شهر يونيو 2014 على استحواذها على شركة Zandera التي تُنتج سجائر E-lites الإلكترونية.
5000 وظيفة على المحك
لذلك تحظى هذه الشركات متعددة الجنسيات بـاهتمام خاص كي لا تُفــكّر في الهجرة من أراضي الكنفدرالية. ففي عام 2012، خاض النائب البرلماني لوران فافررابط خارجي (من كانتون نوشاتيل) بنجاح معركة في البرلمان الفدرالي لكي تتمكن سويسرا من مُواصلة تصدير السجائر المُحتوية على 10 ملغ من القطران، و1 ملغ من النيكوتين، و10 ملغ من أول أول أوكسيد الكربون، نحو آسيا والشرق الأوسط.
هذا يعني أن المخاطرة كبيرة لأن هذه السجائر "القوية" تمثل أكثر من 80% من الإنتاج السويسري. أما عواقب النقل المُحتمل لنشاطات هذه الشركات خارج الكنفدرالية فتعني: خسارة 5000 وظيفة مباشرة، وتراجع العائدات الضريبية بعشرات الملايين من الفرنكات في الكانتونات والبلديات المعنية.
ولا يهم إن كانت هذه المنتجات لا تتطابق وقواعد الإتحاد الأوروبي الذي تتفاوض معه سويسرا حاليا حول اتفاق يتعلق بالصحة العموميةرابط خارجي. وتشير كاترين كوسي، المتحدثة باسم المكتب الفدرالي للصحة العمومية إلى أن هذه "المفاوضات تباطأت بشكل حاد منذ عام 2010. والمسائل المُرتبطة بالتبغ ليست حاليا ضمن جدول الأعمال". وعلى أي حال، ستبذل الحكومة الفدرالية قصارى جهدها للحفاظ على إمكانية مواصلة تصدير هذه السجائر بدون قيود إلى بُلدان ثالثة، وفقا لتوضيحات المكتب الفدرالي للصحة العمومية.
"موقف لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا"
ولا يجد رافاييل كونت أية صعوبة في تبرير هذا القرار حيث يقول: "لا يجب على الإتحاد الأوروبي أن يُملي علينا ما يمكننا تصديره أم لا باتجاه بلدان ثالثة. فإذ لم تكن شركة فيليب موريس تُنتج سجائرها في سويسرا، فهي ستقوم بذلك في بلد آخر. وأنا شخصيا أفضل الحفاظ على هذا الإنتاج وهذه الوظائف التي تتطلب مهارات في بلدنا".
من جانبه، ينتقد باسكال ديثيلم بشدة الطبقة السياسية السويسرية، مشيرا إلى أن الكنفدرالية هي البلد الأوروبي الوحيد - إلى جانب إمارتي أندورا وموناكو – الذي لم يصادق بعد الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ لمنظمة الصحة العالميةرابط خارجي. وقال ضمن هذا السياق: "هذا موقف لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا. جميع البلدان تتضامن ضد هذه الآفة التي تتسبب في وفاة ستة ملايين شخص سنويا والتي تُعتبر السبب الأول للأمراض غير المعدية في العالم. وسويسرا لا تكتفي بعدم المشاركة في هذه المعركة [ضد السجائر]، بل تكسب أرباحا من ورائها".
وكان وزير الصحة السويسري آلان بيرسي قد أقرّ عندما قدم مشروع القانون حول منتجات التبغ رابط خارجيفي شهر مايو 2014 أن بلاده "لا تذهب بعيدا [في مجال محاربة السجائر] بالمقارنة مع بلدان الإتحاد الأوروبي التي اعتمدت في معظمها تشريعات تقييدية للغاية. ونحن اخترنا تطبيق إجراءات يمكن للإقتصاد تحمٌّلها".
"النواب.. هم جماعات الضغط"
وفي عام 2013، قدّم رافاييل كونت استجوابا برلمانيارابط خارجي - شارك في التوقيع عليه النائب الإشتراكي ديديي بيربورا - يطالب أن تخضع المنتجات "المحدودة المخاطر" لتقنين خاص ضمن التشريع الجديد الخاص بمنتجات التبغ.
وعندما سُئل إن لم يكن يخشى أن يُنظر إليه كُمتحدث باسم شركة فيليب موريس، أجاب النائب في مجلس الشيوخ السويسري: "لا، أنا أحتفظ باستقلاليتي التامة. إن قضايا الصحة العامة لها أهميتها، والدليل الذي أقدمه على ذلك هو القانون التقييدي المتعلق بالتدخين السلبيرابط خارجي الذي أقرّه البرلمان. ولكن من الأفضل الإطلاع قبل التصويت على تأثيرات القوانين على الصناعة، لذلك نحافظ على اتصال منتظم مع هذه الشركة".
ويكشف باسكال ديثيلم في هذا الموقف ظاهرة سويسرية بحتة، قائلا: "بما أن القرارات السياسية تتسم بقدر كبير جدا من اللامركزية، فإن قدرة تأثير الشركات متعددة الجنسيات هائلة على المستوى المحلي. ومن الصعب جدا بالنسبة للسلطات مقاومة دافع ضرائب ومُشغل بهذه الأهمية. إن صناعة التبغ لا تحتاج لجماعات ضغط لأن السياسيين أنفسهم يقومون بهذا الدور".
(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch