Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/165

على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يَنعقد في منتجع دافوس شرق سويسرا من 21 إلى 24 يناير الجاري، يَمنح تحالف "عين الرأي العام على دافوس" هذا الأسبوع للمرة الأخيرة جائزته التشهيرية السلبية إلى أسوإ الشركات في المَجالين الإجتماعي والبيئي. وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية التي تقف وراء هذا التحالف المُناهض للمنتدى، لم تَعُد دافوس هي المكان الأمثل لحشد الآراء نحو مطالبها.
في نوفمبر 1999، تعالت الأصوات المُنتقدة الصادرة عن الحركة المناهضة للعولمة في شوارع مدينة سياتل الأمريكية، مع تأشير جدول أعمال المدينة إلى انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالميةرابط خارجي. ومع نجاح المتظاهرين لأول مرة في عَرقلة مؤتمر ذي أبعاد دولية، لم تكن هذه الأحداث التي أشَّرَت ضمن أمور أخرى إلى البداية الحقيقية للحركة المُناهضة للعولمة، سوى نذيراً لأعمال الشغب المُروعة التي اندلعت في مدينة جنوة الإيطالية أثناء انعقاد قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني في عام 2001.
وبعد انقضاء أقل من شهرين على "معركة سياتل"، عَمِدَت منظمة "إعلان برن"رابط خارجي السويسرية (وهي منظمة مستقلة غير ربحية تناضل منذ أكثر من 40 عاماً من أجل التنمية المستدامة وعلاقات أكثر إنصافاً بين سويسرا والدول الفقيرة) لأول مرة، وبرفقة شركاء آخرين مثل منظمة بروناتورارابط خارجي للدفاع عن البيئة، إلى تأسيس تحالف "عين الرأي العام على دافوس"رابط خارجي. ومن خلال هذه التظاهرة، سلط مُنَظموا التحالف الضوء على الإفتقار إلى الشفافية والشرعية الديمقراطية في المنتدى الإقتصادي العالمي، والتي مثلت هدفاً رمزياً قوياً جداً للأصوات المناهضة للعولمة.
الأجواء في دافوس.. تغيّرت!
في الأعوام الأولى للألفية الثالثة، أدَّت الإحتجاجات المناهضة للمنتدى الإقتصادي العالمي إلى تصعيد أعمال العنف في دافوس، وبرن، وزيورخ، أو في بلدية لاندكوارت (في كانتون غروبوندَن) بشكل متكرر، إلا أن حجم المظاهرات تقلص بشكل متزايد منذ ذلك الوقت، حتى لم يخرج سوى 40 شخصاً للتظاهر في عام 2014.
ولم يُطالب حتى حزب الخضر، الذي كان قد دعا إلى التظاهر في السنوات الأخيرة، سلطات كانتون غراوبوندَن بتصريح لتنظيم مثل هذا التجمع في الدورة الحالية (الخامسة والأربعين) للمنتدى الإقتصادي العالمي. وبدورهم، لا يخطط شباب الحزب الإشتراكي السويسري للقيام بأي تحرك خلال هذا العام، بعد أن أطلقوا في عام 2012 من خلال معسكر للمباني القبانية (الشبيهة بأكواخ الأسكيمو) حركة "إحتلوا المنتدى الإقتصادي العالمي"، لينضموا بالتالي إلى موجة "الغاضبين" في أوروبا.نهاية الإطار التوضيحي
وبرأي أندرياس ميسباخ، مدير قسم المواد الأولية في منظمة إعلان بَرن، فإن "نخبة صغيرة من قادة رجال الأعمال في دافوس تستغل فُرَص توفرهم على ميزة الوصول للأوساط السياسية المُتنفذة، بغية فرض أجندتهم في عملية العولمة".
إستهداف صورة الشركات
خلال السنوات الأولى، كانت تظاهرة "عين الرأي العام على دافوس"، التي تُقام بالقرب من مركز المؤتمرات في المنتجع السويسري الشهير، عبارة عن مؤتمر دولي ينطوي على حلقات نقاش في شتى المجالات، ويستمر لبضعة أيام. وعلى ضوء حركة الإحتجاجات الكبيرة التي إتخذت طابعاً عنيفاً أيضاً، بادر المنتدى الإقتصادي العالمي تدريجياً إلى الإنفتاح على الخارج، لا سيما من خلال إطلاقه للمنتدى المفتوحرابط خارجي في عام 2003، الذي يُدعى اليه الرأي العام للتحاور مع ممثلين عن السياسة والأعمال.
"لقد حققنا تقدما"، كما تعترف ميشيل ميشلَر، المتحدثة باسم المنتدى اTقتصادي العالمي، مُضيفة أن المنتدى "يلعب اليوم دوراً قيادياً في البحث عن الحلول التي تقع في صميم اهتمام هذه المنظمات غير الحكومية. وقد بذل المنتدى جهوداً كبيرة من أجل إدراج هذه الأصوات في جدول أعماله". وكدليل على ذلك، أشارت ميشلَر الى مشاركة بعض المنظمات، مثل السلام الأخضررابط خارجي وأوكسفامرابط خارجي (إحدى أكبر المنظمات الخيرية الدولية المستقلة المختصة في مجالي الإغاثة والتنمية) اليوم في المنتدى الإقتصادي العالمي، وهو ما يُمَكِّنهم بالتالي من تقديم مطالبهم إلى المسؤولين مباشرة.
وفي ضوء هذا التطور، غيَّرت قمة التحالف المناهضة للمنتدى صيغتها هي الأخرى في عام 2005، من خلال تخصيصها جوائز عين الرأي العام، التي تهدف الى لفت الإنتباه إلى الإنتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، وحقوق العمل، والتسبب بتدمير البيئة، والفساد المُمارس من قِبَل الشركات. "من خلال ‘جوائز الأداء الأسوأ’ هذه، أصبح بالإمكان الوصول الى الشركات، عبر إستهداف عنصر مهم ألا وهو صورتها"، كما يوضح أندرياس ميسباخ.
وعندما رُشِحَت شركة سامسونغ (المختصة في صناعة الألكترونيات) في عام 2012 لهذه الجائزة التشهيرية السلبية بسبب استخدامها لمواد سامة في مصانعها الألكترونية، أثار هذا القرار موجة عارمة من السخط في كوريا الجنوبية، التي تَعتَبر هذه المجموعة الصناعية عمليا بمثابة البقرة المقدسة. وكمثال على تأثير "جائزة عين الرأي العام"، تشير منظمة إعلان برن إلى ما حدث مع مصرف باركليزرابط خارجي البريطاني، الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم في عام 2012 بسبب مضاربته في أسعار المواد الغذائية. وفي وقت لاحق، أعلن المصرف في فبراير 2013 خروجه من مجال المضاربة بالسلع الغذائية، بسبب الخطر الذي يُهدّد سُمعته بشكل رئيسي.
وختاما.. "جائزة مدى الحياة"!
يوم الجمعة 23 يناير 2015، منحت منظمتا "إعلان برن" و"السلام الأخضر" للمرة الأخيرة "جائزة الأداء الأسوأ" (أو جائزة العار)، التي كانت أسندتها طيلة السنوات العشر الماضية إلى عدد من الشركات المُتهمة بعدم احترام حقوق العمال، والتسبب في مخاطر بيئية، وتجاهل مسؤولياتها الأخلاقية والأدبية في ممارسة التجارة إلى شركة النفط الأمريكية شيفرون.
وتضم قائمة الشركات - التي حملت جميعها جائزة الأداء الأسوأ في السابق- المُرَشَحة لـ "جائزة عين الرأي العام مدى الحياة": شركة شيفرون (التي وقع عليها الإختيار هذا العام)، وشركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم، التي تتهم كليهما بالإفتقار الى العناية بحماية الكوكب الذي نسكنه. بدورها، تجد سلسلة متاجر وول مارت الأمريكية للبيع بالتجزئة نفسها في قفص الإتهام بتهمة ازدراء الحقوق الأساسية لموظفيها.
وتُتَهم شركة غلينكور اكستراتا التي يقع مقرها في كانتون تسوغ، بالإستفادة بشكل منهجي من التنظيم الحكومي الضعيف في دول مثل كولومبيا، وزامبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتهديد صحة السكان المحليين بسبب التلوث البيئي الناجم عن أنشطتها.
وتم ترشيح مؤسسة غولدمان ساكس الاستثمارية الأمريكية لتورطها في أزمة منطقة اليورو، في حين تُتَهَم شركة داو للكيماويات ومقرها الولايات المتحدة، برفضها المستمر في تحمل مسؤوليتها عن كارثة بوبال في الهند التي حدثت قبل قبل 30 عاماً، وتسببت بوفاة نحو 25,000 شخص هناك.نهاية الإطار التوضيحي
دافوس بوصفه فرُصة للتشبيك
في الأثناء، قررت منظمة إعلان برن وقف رحلتها السنوية إلى المنتجع الشهير في كانتون غراوبوندن مستقبلاً. وقد كان يوم الجمعة 23 يناير الجاري، آخر مناسبة لمَنح مثل هذه الجائزة. وسوف تمنح "جائزة عين الرأي العام لمدى الحياة"، إلى واحدة من ست مؤسسات - تم اختيارها من بين الفائزين السابقين - "لأسوإ أداء خلال مُجمل مسيرتها". ويشمل المرشحون لنيل "جائزة الجوائز"هذه: شركة وول مارت الأمريكية (أكبر شركة في العالم للبيع بالتجزئة)، وشركة داو ألأمريكية المتعددة الجنسيات (وهي ثالث أكبر شركة للكيماويات في العالم من حيث القيمة السوقية)، وشركة شيفرون للطاقة المتعددة الجنسيات، ومجموعة غولدمان ساكس الأمريكية للخدمات المصرفية الإستثمارية، وشركة غازبروم الروسية (وهي أكبر شركة لإستخراج الغاز في العالم)، فضلاً عن شركة غلينكور أكستراتا الأنجلو - سويسرية المتعددة الجنسيات لتداول السلع والتعدين، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة تسوغ السويسرية.
على الجانب الآخر، أعربت ميشلير عن أسفها لإنهاء تحالف "عين الرأي العام على دافوس" لنشاطاته خلال هذا التجمع الدولي. وهي ترى أن هذا التظاهرة المضادة كانت تساهم في تعزيز عملية تبادل الأفكار. وكما تقول :"هذا ما يمثله المنتدى اTقتصادي العالمي بالضبط: قاعدة إتصال لتبادل الأفكار. ويتطلب مثل هذا الأمر أصواتا ناقدة، لكي يطلع الناس والشركات على المشاكل، حتى يمكن العثور على حلول بعد ذلك".
إذن، ما الذي دعا تحالف "عين الرأي العام على دافوس" إلى إتخاذ قرار التوقف؟ "لم يَعُد المنتدى الإقتصادي العالمي المكان المثالي لحشد الآراء نحو مطالبنا"، كما يوضح ميسباخ، ممثل إعلان برن. "لقد فقد المنتدى الإقتصادي العالمي مع الأزمة المالية في 2008 - 2009، جزءاً كبيراً من بُعدِه الرمزي. كما فقد "رجل دافوس" (في إشارة إلى المشاركين في أشغال المنتدى) بوصفاته المتطرفة في الليبرالية مصداقيته تماماً، وتم تجاهله كلية. ولم يكن إنقاذ الرأسمالية العالمية ممكناً إلا بفضل مساعدة الدول، والمصارف المركزية، وأموال دافعي الضرائب".
كيف ينبغي في هذا السياق إذن تفسير الرقم القياسي للمشاركين (أكثر من 2500 شخص سجّلوا أنفسهم) في فعاليات المنتدى الإقتصادي العالمي لهذا العام؟ يُجيب ميسباخ: "إنها فرصة رائعة لتشبيك طبقة المُدراء والنُخَب السياسية في العالم، الذين يُمكنهم الإلتقاء بجميع شركائهم هنا".
التوجّه إلى الداخل
من جهته، يقرأ ماركو جيوني، مديرُ معهد المواطنة التابع لجامعة جنيف والمتخصص في الحركات الإجتماعية، قرار منظمة إعلان برن والمنظمات الشريكة لها بشكل مُغاير، حيث يرى أن هذه الخطوة تُدرج ضمن الإنكماش في الحركة المناهضة للعولمة التي يمكن ملاحظتها منذ بضعة أعوام.
"لقد فقد رجل دافوس بوصفاته المُوغلة في الليبرالية مصداقيته تماماً، وتمّ تجاهله كُلية"
أندرياس ميسباخ، منظمة إعلان برن
"هذا جزءٌ من الدورة الطبيعية لأي حركة اجتماعية. وفي هذه الحالة، سارع عامل الإفتقار الى النجاح في تسريع الحركة. وفي الواقع، فإن الأهداف الرئيسية المتمثلة بخلق مجتمع أكثر مساواة، والحد من أحادية العلاقات بين دول الشمال والجنوب، والديمقراطية الأكثر تشاركية لم تتحقق".
وفي نفس السياق، يؤكد جيوني أيضا تحول جزء من هذا الحشد [للتظاهرة المناهضة لمنتدى دافوس] إلى الحركات الأخرى التي تمخضت عن تدابير التقشف في أوروبا وأماكن أخرى من العالم. واليوم، عاد النقاش ليتركز مُجدداً وبشكل مُتزايد على الأصعدة الوطنية.
ويبدو أن منظمة "إعلان برن" اختارت السير في هذه الإتجاه أيضا، ويقول ميسباخ: "لقد قررنا تركيز جهودنا على العمل في إئتلاف "عدلٌ بلا حدود" رابط خارجيالذي يضم أكثر من 500 منظمة غير حكومية من سويسرا". وبعد إطلاقها التماساً في عام 2012، يخطط الإئتلاف حاليا لإطلاق مبادرة شعبية، تهدف إلى فرض قواعد أكثر صرامة ومُلزمة قانونياً لضمان إلتزام الشركات التي توجد مقارها الرئيسية في سويسرا بحقوق الإنسان، وتوافق إجراءاتها مع المعايير البيئية في جميع أنحاء العالم. ومن المقرر أن تنطلق عملية جمع التوقيعات اللازمة في شهر مايو المقبل.
في السياق، يُذكر ميسباخ بأنه "لا يُوجد هناك في أي بلد آخر بالتأكيد مثل هذا التمَركُز من الشركات المتعددة الجنسيات"، ثم يضيف "أفكر هنا بقطاع السلع (أو المواد) الأساسية، المُبهم بشكل خاص. وحتى مع إعداد العديد من الشركات لتقارير بشأن التنمية المستدامة، أو تطويرها لمجموعة من الأعمال الخيرية، لم تُرَكِز سوى القلة القليلة منها على المشاكل الحقيقية الناجمة عن نشاطاتها".
swissinfo.ch