Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00894.jsonl.gz/22

ها هم المتظاهرون الشباب ضد التغير المناخي يعودون لمسرح الأحداث مرة أخرى: ففي نهاية سبتمبر الماضي، سرت مظاهراتهم من الأرجنتين، إلى ساحة القصر الفدرالي في برن، مرورا بكينيا، لتصل في نهاية المطاف إلى نيوزيلندا.أما الرسالة التي يبعثون بها إلى السياسيين رجالاً ونساءً حول العالم بنبرة عالية لا لبس فيها: "إنكم شديدو البطء، عليكم المضيّ قدماً في حماية المناخ، على الفور!"هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أكتوبر 2020 - 11:42 يوليو,
ففي برن، أقام نشطاء حماية المناخ من الشباب معسكر احتجاج في ساحة القصر الفدرالي، قبالة مقر البرلمان والحكومة الفدرالية مباشرة. لقد كان واحداً من أعمال العصيان المدني، إذ كان البرلمان الفدرالي مجتمعاً في ذات الوقت بالداخل. وأثناء انعقاد الجلسات في غرفتي البرلمان الفدرالي، لا يُسمح بإقامة أية أنشطة سياسية في الساحة المقابلة. وبعد ثلاثة أيام قامت الشرطة بفض الاعتصام وقدمت 85 شاباً للنيابة.
إن نشطاء المناخ هم رأس الحربة لجيل ما دون الخامسة والعشرين: فنشاطهم السياسي يتسم بحماسة شديدة، لكنهم يتخيرونه بعناية فائقة. حيث يهتمون فقط بالموضوعات التي تمسهم بصورة مباشرة: فبوصفهم من الشباب، فإن توقعاتهم العُمرية بالأمل في الحياة ستكون الأعلى ـ على الأقل في أوروبا ـ لذلك فإنهم يسعون إلى إنقاذ المناخ والكوكب برمته.
فجوات متسعة
لكنهم يديرون معركتهم بطبيعة الحال خارج القنوات التقليدية للديمقراطية: فهم يمارسون ضغطاً على الشارع، بدلاً من استخدام الآليات الديمقراطية التقليدية، أي المشاركة في الاقتراعات والانتخابات، وإطلاق مبادرات شعبية، أو الاشتراك في أحد الأحزاب السياسية.
لدينا إذن فجوة حقيقية: فمن ناحية نجد جيل ما دون الخامسة والعشرين المتوقد حماسةً، ومن ناحية أخرى لدينا الديمقراطية المؤسسية.
ومما يعبر عن هذه الهوة هو ذاته ما يصيبنا بالذهول للوهلة الأولى.. ففي خضم الموضوعات التي تلهب حماس الشباب في سويسرا لا نرى أي وجود لخفض حق الاقتراع إلى سن السادسة عشرة.
هذه الهوة يمكن توثيقها بالأرقام: ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2019 شارك فقط 33% ممن يحق لهم التصويت من جيل ما دون الخامسة والعشرين. هذا بينما شهدت صناديق الاقتراع إقبالاً ممن تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والستين والرابعة والسبعين بنسبة تصل إلى 62%، أي ما يقارب الضعف. وهذا بمعدل إجمالي للمشاركة بلغ 45،1%.
فمنذ حوالي ربع قرن وهذا المعدل لمشاركة جيل ما دون الخامسة والعشرين في الانتخابات السويسرية لا يتزحزح عن ذاك الثلث. وهذا باستثناء انتخابات 1995 والتي كانت بمثابة هبوط شديد: فبرغم أنه كان أول عام لإدراج سن الثامنة عشرة كبداية لحق الانتخاب في سويسرا، إلا أن نسبة المشاركة من طرف جيل ما دون الخامسة والعشرين بلغت آنذاك 22% فقط. أما أعلى معدل لمشاركة هذا الجيل الشاب حتى اليوم فكانت انتخابات 2003 التي وصلت نسبة مشاركته فيها إلى 35%.
الأسطوانة المشروخة
إن الأسف الذي تُعرب عنه الأغلبية البرلمانية بخصوص عزوف الشباب السويسري عن الممارسات الديمقراطية أشبه ما يكون بأسطوانة مشروخة. ذلك لأن ممثلي الشعب هؤلاء هم أنفسهم الذين يرفضون منذ سنوات جميع الالتماسات التي تستهدف تعزيز الثقافة السياسية بالمدارس، وهي مهمة أصبحت من صميم مسؤوليات الكنفدرالية مؤخراً. فالثقافة السياسية هي الأداة الأهم لتعليم الشباب قيمة المشاركة الفعالة في الديمقراطية.
لكن النظام الفدرالي في سويسرا يجعل من الثقافة السياسية ثوباً مرقعاً من السياسات الثقافية المتعددة: ففي أغلب الكانتونات الست والعشرين تتبع هذه المادة مادة الثقافة المدنية، التي لا تزيد عن حصة واحدة أسبوعياً. وهو ما يخالف تماماً الصورة الناصعة التي يميل السياسيون إلى رسمها للديمقراطية السويسرية. هذا بينما يقول المثل السائر بوضوح: "الحركة بركة"، كما تقول حكمة رياضية قديمة: "لا نجاح بلا كفاح".
فظاهرة ضعف مشاركة الشباب تشير إلى وجود تناقض: فالشباب يتحمس للمشاركة السياسية بحسب الموضوع الذي يهمه، إلا أنه لا يجد لنفسه موطئ قدم في الديمقراطية التقليدية.
لكن هذا التناقض ظاهري فقط. فإذا ما تغيّرت زاوية النظر، فمن الممكن حل هذه المعضلة. "علينا أن نكف عن النظر إلى المشاركة في الاقتراعات والانتخابات بوصفها قمة الديمقراطية على الإطلاق"، كما طالب مؤخراً أحد الأعضاء ـ وهو طالب بالمرحلة الإعدادية ـ في أحد الاجتماعات التي عُقدت بالعاصمة برن حول مشاركة الشباب، وكان موضوعها: "من الشارع إلى صندوق الاقتراع؟".
إن تغيير زاوية النظر بهذه الصورة قد يدق الناقوس لتحول النموذج الفكري بالفعل. فصحيح أنه من المفروغ منه أن تعتبر الديمقراطية المباشرة في سويسرا الإدلاء بالصوت خطوةً أساسيةً في عملية اتخاذ القرار بهدف إيجاد الحل لمسألة ما.
تحسين سبل المشاركة
ولكن الإدلاء بالصوت تسبقه مساحة من إمكانات المشاركة، وهي أكبر بكثير مما تعرفه سويسرا اليوم. وكلمة السر هنا هي ما يُسمى بـ "الديمقراطية السائلة": وهدف هذا المفهوم هو إتاحة إمكانات المشاركة لهؤلاء الأفراد والفئات، التي لا تريد أو لا تستطيع استخدام قنوات الديمقراطية التقليدية.
وهذا يحدث بصفة خاصة عبر مسارات أقل رسمية، مثل المنصات الإلكترونية، والتي تتدنى الحواجز فيها إلى أقل ما يمكن.
وقد تتمثل إحدى الفئات المستهدفة من طرف "الديمقراطية السائلة" هذا الشباب المتحمّس لمكافحة التغير المناخي.
تايوان في الصدارة
إن الجدل حول مثل هذه الإضافة، ونعني بها انفتاح الديمقراطية السويسرية، لا يزال يحدث حتى الآن في الدائرة المصغرة للولعين بالديمقراطية. أما الديمقراطية المستقرة فهي تخشى هذا التنافس الجديد، لذلك فإنها تقف موقفاً متشككاً من هذا المفهوم.
بخلاف هذا الوضع، نجد أن "الديمقراطية السائلة" قد أصبحت منذ أمدٍ بعيد واقعاً في أماكن أخرى. على سبيل المثال في تايوان: حيث يبدأ حق الاقتراع هناك من سن الثامنة عشرة أيضاً. إلا أن المراهقين يمكنهم كذلك إدراج بعض الموضوعات على الأجندة السياسية، وهو ما يتم عبر المنصات الرقمية. فإذا ما لاقى أحد الاقتراحات دعماً من خمسة آلاف شخص على الأقل، يُوضع هذا الاقتراح تبعا لذلك على الأجندة السياسية، حيث يتم تطبيقه بالاشتراك مع جميع المشاركين، بما فيهم من أرسلوا الاقتراح أنفسهم. حتى وإن لم يبلغ هؤلاء سن الرشد بعدُ.
مشاركة الشباب: أكثر من مجرد "حلم جميل"
بغض النظر عن الجدل القائم حول الثقافة السياسية، وخفض سن الاقتراع إلى السادسة عشرة من العمر وما إلى ذلك، فإن مشاركة الشباب تظل أمرا حيويا بالنسبة للديمقراطية. وهذا لا ينطبق فقط على سويسرا.
ذلك أن الحضور القوي للشباب يعني:
- تعزيز التمثيل
- تعدد الآراء
- التنوع
- الاستدامة
- العدالة
- الاندماج
- التقدير
وكل هذه تعتبر معايير حاسمة لقياس جودة الديمقراطية وتماسك المجتمع بأكمله.End of insertion
جرأة جيراننا
سواء تعلق الأمر بالبلدان الاسكندينافية أو بشمال افريقيا أو بأمريكا اللاتينية أو بآسيا، تعاني العديد من البلدان حول العالم من ظواهر مشابهة لسويسرا.
ولكن إذا ألقينا نظرة على جيراننا الشرقيين، فإننا نتبين وجود حلول بديلة: ففي عام 2007 قامت النمسا باعتماد سن السادسة عشرة كبداية لحق الاقتراع، وذلك كأول دولة أوروبية تقوم بهذا. وجاء هذا على جميع المستويات الثلاثة: الوطني والمقاطعات والبلديات. وقد أحرز هذا التحول نجاحاً باهراً مع انطلاقه: ففي عام 2008 شارك 88% من الناخبين ما بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة في أول استحقاق انتخابي. وفي عام 2013، ظلت نسبة المشاركة مرتفعة لتصل إلى 63%، أما الأغرب فهو أن مشاركة الشباب ما بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين جاءت أقل، لتبلغ 59%.
وبغض النظر عن هذه الأرقام المجردة للمشاركة قصيرة الأمد، فإن الدراسات توثق آثاراً أطول مدة وأكثر استدامة: فالمشاركة في سن الشباب تعتبر نوعاً من التنشئة الاجتماعية السياسية، أو نوعاً من الطقس الاستهلالي الديمقراطي: فالشباب يشعرون من ناحية أنهم يؤخذون مأخذ الجد، ومن ناحية أخرى تؤصّل هذه التجربة لاعتبار المشاركة أمراً قيِّماً سواء من الناحية الشخصية أو المجتمعية.
وفيما عدا ذلك، فإن الوضع في النمسا لا يكاد يختلف كثيراً عنه في سويسرا. أي أن الثقافة السياسية في النمسا لا تُعتبر مادة دراسية مستقلة سوى في المدارس المهنية، أما في المدارس الأعلى فإنها فقط مبدأ دراسي، كما تقول سيلفيا كريتسينغر، الأستاذة بمعهد علوم الدولة بجامعة فيينا. كما أن التطور الذي شهدته النمسا لا يتعدى خفض سن الاقتراع. بمعنى أن "الديمقراطية السائلة" لا تزال تُعتبر في النمسا كذلك مفهوماً غريباً. ويجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من البلدان الأخرى قد اعتمدت سن السادسة عشرة كسن للاقتراع، ومن بينها الأرجنتين، والبرازيل واسكتلندا. أما في سويسرا، فوحده كانتون غلاروس (انظر الإطار المصاحب) هو الذي اعتمد هذا السن.
الواجب الانتخابي.. دُفِعَ ثمنه دماً
في سياق متصل، نجد أن أستراليا قد سلكت طريقاً مغايراً تماماً: ففي كل من استراليا ونيوزيلندا يسود نظام الواجب الانتخابي. أي أن كل من تخطى سن الثامنة عشر عليه الإدلاء بصوته في الانتخابات الوطنية. وهذا يؤدي إلى مشاركة انتخابية تصل إلى أكثر من 90% في المتوسط. أما مشاركة جيل ما دون الخامسة والعشرين فلا تبتعد كثيراً عن هذه النسبة، حيث تبلغ 86%، كما يقول زاريه غازاريان، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة موناش في ميلبورن. وقد وضعت اللجنة الانتخابية الأسترالية معدل 80% كحد مقبول لمشاركة الشباب بدايةً. وكل من يُحجم عن المشاركة، عليه دفع غرامة تصل إلى 80 دولاراً أسترالياً، وهو ما يزيد عن خمسين فرنكاً سويسرياً!
أما فيما يتعلق بالثقافة السياسية، فإن الوضع في الطرف الآخر من العالم لا يختلف كثيراً عما هو عليه في سويسرا: فصحيح أن اللجنة الانتخابية تتحمل بعض التكاليف في هذا المجال. إلا أنه فيما عدا جهد تلك السلطة المركزية، فإن المشهد السائد لا يعدو كونه ثوباً فدرالياً مرقعاً ومتعدد الألوان. فبينما تهتم بعض المقاطعات بالثقافة السياسية وتفرد لها مساحة كمادة دراسية مستقلة، فإن هذه الثقافة يتم إضافتها في مقاطعات أخرى لهذه المادة أو تلك، على سبيل المثال للغة الإنجليزية، بحسب تصريحات جاكلين لافلاند ـ بوي من الجامعة الكاثوليكية الأسترالية بمدينة بريسبان.
ومن الجدير بالذكر أن الواجب الانتخابي يعود تاريخ إقراره إلى الحرب العالمية الأولى: ذلك لأن هذه الحرب قد دُفِع ثمنها غالياً من دم الجنود الاستراليين كذلك، وهو ما ترتب عليه اعتماد الواجب الانتخابي، بهدف رفع التمثيل وإضفاء مزيد من الشرعية على الانتخابات.
مسار خفضُ سنّ الاقتراع إلى السادسة عشرة في سويسرا
في الكانتونات
يعتبر كانتون غلاروس هو الكانتون الوحيد في سويسرا الذي اعتمد منح الشباب من سن السادسة عشرة الحق في الاقتراع والانتخاب (منذ عام 2007).
صحيح أنه لا تتوافر أرقام حول مشاركة شباب غلاروس في المواعيد الانتخابية، لكن ممثلي السلطات متفقون فيما بينهم على أن دوائر المؤتمرات البلدية (لاندغماينده) قد أصبحت "أكثر شباباً بصورة ملحوظة". (يُعدّ غلاروس وآبنزل رودس الداخلية آخر كانتونين لا يزال يُمارس فيها المؤتمر البلدي (لاندسغماينده) الذي يُعتبر الصورة الأقدم للممارسة الديمقراطية).
كما تتعالى أصوات مطالبة بخفض سن الاقتراع في كانتونات أخرى مثل برن، ولوتسيرن، وزيورخ، وتسوغ.
أما في كانتون نوشاتيل، فقد رفض الناخبون في شهر فبراير 2020 اعتماد هذا الخفض لسن الاقتراع بأغلبية واضحة.
على المستوى الوطني
في 10 سبتمبر 2020، قَبِلَ مجلس الشيوخ (الغرفة العليا في البرلمان الفدرالي) مبادرة برلمانية لمنح حق التصويت ابتداء من سن السادسة عشرة على المستوى الوطني. وجاء هذا القبول على عكس ما أوصت به اللجنة الاستشارية التابعة للبرلمان.
وجاء الالتماس من النائبة سيبل أرسلان، من حزب الخضر. وإذا ما حظي هذا المقترح بموافقة مجلس النواب (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي) كذلك، فإن البرلمان السويسري سوف يُعدّ مسودة قانون بهذا الشأن.End of insertion