Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00885.jsonl.gz/29

هل الزواج حق أساسي من حقوق الإنسان، لا يحق للأغلبية التصويت عليه؟ في السادس والعشرين من شهر سبتمبر الجاري، تصوت سويسرا على حق منح الزواج للمثليين والمثليات. أحد الفلاسفة الألمان يرى أن مبدأ التصويت من أساسه على حقوق الأقليات، إشكالية كبيرة، بينما يعتقد باحث قانوني وسياسي بأن المسألة طبيعية جداً.هذا المحتوى تم نشره يوم 07 سبتمبر 2021 - 11:00 يوليو,
بالنسبة لـلفيلسوف والمُنَظر السياسي الألماني راينر فورسترابط خارجي، فإن الديمقراطية هي "مُمارسة سياسية للوصول معاً إلى مَعايير مُشتركة مُبَرَّرة بشكل عام"، والأساس في ذلك هو "الاحترام بين الأقران". يعمل فورست كأستاذ للنظرية السياسية والفلسفة في جامعة ‘يوهان فولفغانغ غوته’ في مدينة ‘فرانكفورت آم ماين’. لكن ماذا يقول عندما تقوم إحدى الدول بالتصويت على الحُرّيات الفَردية لأقلية ما، كما سيجري في سويسرا، عندما يدلي الناخبون في 26 سبتمبر الجاري برأيهم حول ما إذا كان يحق للمثليين الزواج وتَبَني الأطفال والإنجاب بِمُساعدة طبية؟
عندما تكون الحقوق الأساسية الفَردية لأقلية ما مَطروحة للنقاش، فإن الأمر يتعلق بـ "تصويت أفقي"، يقول فورست. وفي هذه العملية، تُمنح الأغلبية سلطة مَنْح الحقوق الأساسية أو إنكارها. وبالتالي، فإن العملية الديمقراطية يُساء استخدامها من أجل هيمنة الأغلبية، حسب رأيه.
لهذا السبب، يدعو فورست إلى التعامل بِحَذَر مع مُصطلح التسامح، لأنه غالباً ما يُخفي وراءه التظاهر "بإخبار الآخرين بأن بوسعهم العيش كما يحلو لهم، دون أن يعني ذلك تمتّعهم بنفس الحقوق". وهو يرى في ذلك عودة إلى إرث "إجازة التسامح" الاستبدادي، كما ظهر مراراً وتكراراً على مَر التاريخ. وهكذا مثلاً، لم يُسمح للهوغونوتيين [وهم جماعة دينية فرنسية أعضاء في كنيسةرابط خارجي فرنسارابط خارجي الإصلاحيةرابط خارجي البروتستانتيةرابط خارجي] في القرن السادس عشر بِمُمارسة دينهم إلا في مناطق معيّنة، كما لم يُرخّص لهم بِبِناء كنائسهم إلا وفق شروط معينة. كما حدث الشيء ذاته مع المجتمعات اليهودية. "لقد عُدنا لِمِثل هذه الممارسات ثانية في الوقت الحاضر، كما نرى في النقاش المتعلق بالمآذن، وموضوع المساواة في الحقوق للأشخاص المثليين وثنائيّي الميول وثنائيّي الجنس والمتحوّلين والمتحرّرين جنسيّاً (يُرمز لهم اختصاراً بـ LGBTQ)"، كما يقول فورست.
هذا التسامح هو ‘إهانة’، لأن المُتَسامَحَ معهم يُصبحون مواطنين ومواطنات من الدرجة الثانيةEnd of insertion
"مواطنون ومواطنات من الدرجة الثانية"
وفي إطار هذه الممارسات الهَرَمية، يمثل مفهوم التسامح إشكالية بالنسبة لـ فورست؛ في هذه الحالة لا يصبح الأشخاص متكافئين في الفرَص، بل نجد هناك أغلبية يمكنها ممارسة قيم التسامح وفق مفاهيمها اتجاه الأقلية. وهذا يشكل خطراً على الديمقراطية والتعايش المتعدد الثقافات والمساواة بين الجنسين - أو، وكما كتب غوته: "هذا التسامح هو ‘إهانة’، لأن المُتَسامَحَ معهم يصبحون مواطنين ومواطنات من الدرجة الثانية".
وفق فورست، فإن التسامح كمفهوم لا يكتسب قيمة إلا عندما يَرتبط ارتباطاً لازماً بمبادئ العدالة والمُساواة وحقوق الإنسان. والأهم من ذلك هو أن يتعلم المحافظون أيضاً - وبعد نقاش مُستفيض - قبول مبادئ التعايش المُتعدد الثقافات والمساواة بين الجنسين، فمستقبل الديمقراطية يعتمد على "حفاظها على قُدرتها على تشكيل المُجتمع" كوسيلة لممارسة العدالة.
"التسامُح فضيلة عندما يكون مؤلماً"
وفقاً لهذا المفهوم، لا يُمكن للمجتمع أن يكون ديمقراطياً وعادلاً إلّا إذا توقفت الأغلبية عن ترسيخ معاييرها وقيمها في قوانين تنتهك الحقوق الأساسية. وبدلاً من ذلك، يدعو فورد إلى " التعايش القائم على الاحترام" الذي يعترف بتساوي الأقليات مع غيرهم في جميع الحقوق. وهذا الطرح لا يشكل تهديداً للقيم السائدة في أي بلد، لأن الحق في الزواج يظل محفوظاً. كما لا يعني هذا أيضاً أنه لا يُمكن للمرء أن يطالب - وبحزم - بمعايير العدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان. "لكننا قبل أن نطالب الآخرين بالتحلي بهذه القيم، علينا أن نلتزم نحن بها".
وكما يضيف الاستاذ الجامعي، فإن التسامح والانفتاح يكون فضيلة عندما يوجع. "لكن الألم الناجم عن الظلم هو الأسوأ".
"التصويت هو تأكيد لمبدأ الأغلبية"
من جانبه، يعتبر هانز أولي فوغترابط خارجي، أستاذ القانون وعضو مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان الفدرالي) عن حزب الشعب السويسري (يمين محافظ) التصويت على "الزواج للجميع" حالة اعتيادية في سويسرا. وكما يقول: "في نظام ديمقراطي يسود فيه مبدأ الأغلبية، يكون القرار للأغلبية دائماً. ومن الطبيعي ان يتعارض هذا أحياناً مع مصالح وحقوق الأقلية المهزومة". وكما يوضح، يحدث مثل ذلك أيضاً على سبيل المثال عندما تقرر الدولة نفقات حكومية جديدة؛ عندها ستجد الأقلية نفسها مُرغمة على الدَفع أيضاً، كما أن حقوقها الأساسية، مثل ضمان الملكية سوف تُنتَهَك.
جمال "النموذج السويسري" يكمُنُ في أن هذا النظام القانوني لم يصدر من قبل دكتاتورEnd of insertion
"ضرورة عملية"
بالنسبة لفوغت فإن مبدأ حُكم الأغلبية ليس أمراً سيئاً، ولكن ضرورة عملية. ويقول مُتسائلاً: "إذا لم يكن القرار للأغلبية، فلِمَن يجب أن يكون إذن؟" فلا يُمكن للأقلية أن تُقَرِّر مَحَل الأغلبية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأغلبية تتغيّر باستمرار في سويسرا. وكما يقول، لا وجود لشيء اسمه "أقلية" في بلدنا. ففي يوم التصويت، قد يتم قبول مُقترحٍ لمجموعة ما، ويفشل مشروع آخر لنفس المعسكر السياسي في نفس اليوم. إذن، لا يوجد هناك خطر على الديمقراطية السويسرية، لأن حجم الأغلبية ليس ثابتًا كما أن المجموعة التي تقرر لأقلية معينة ليست نفسها دائِماً. وبدلا من ذلك، تتوقف نتائج الاقتراعات دائماً على المجموعة السياسية المَعْنية والصفقة المُحددة.
النظام القانوني كمرآة للثقافة السائدة
ويضيف فوغت بأن جمال "النموذج السويسري" يكمن في أن هذا النظام القانوني لم يصدر من قبل دكتاتور، بل شُرِّع من قبل المواطنين والمواطنات، ويمكن تغييره بسهولة نسبية. وبهذا الشكل تصبح الأيديولوجية السياسية للأغلبية المختلفة مرّة تلو أخرى نظاماً معيارياً وثقافة إرشادية منفتحة بفضل الدرجة العالية من المشاركة السياسية للمواطنين على وجه التحديد.
حتى وإن كان لمصطلح "الثقافة الإرشادية [أو الثقافة المُهيمنة/ أو التي تقود]" دلالة سياسية سلبية، لكن فوغت لا يرى في ذلك أي مشكلة على الإطلاق كما يقول، "لأن قيم هذه الثقافة تتجلّى لاحقاً في النظام القانوني للدولة. وعلى سبيل المثال، وكجزء من الثقافة الإرشادية، لا يسمح القانون بالزواج من عدّة أشخاص، بل يتم بين شخصين فقط".
وبرأي فوغت، فإنه من المُرجح أن يحظى التصويت على مقترح الزواج للجميع بالقبول وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة. "وهذا يظهر كيف أن الثقافة السائدة والنظام المعياري المقابل لها يتغيّران"، كما يقول مُختتماً حديثه.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة