Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/24

وفقاً لِنِسَب المُشاركة المُعلنة، فإن كانتون شافهاوزن هو بطل سويسرا في الديمقراطية المباشرة. ولكن ما الذي يدفع الناس في هذا الكانتون الصغير الواقع شمال شرق سويسرا إلى مثل هذه المشاركة الفعالة؟
في أعقاب عمليات التصويت والإنتخاب، تتطلع سويسرا برُمَّتها إلى جُزئها الشمالي الشرقي بقدر من الحَسَد أو الغبطة. فهناك، يتربع كانتون شافهاوزن الصغير الذي يحصل مراراً وتكراراً على الميدالية الذهبية في أفضل انضباط لموكب الديمقراطية المباشرة، مع مشاركة نحو 65% من المواطنين والمواطنات الذين يحق لهم التصويت والإنتخاب في هذا الكانتون المجاور لألمانيا في هذه العمليات الديمقراطية. وهذه النسبة تتناقض بشكل صارخ مع بقية أنحاء سويسرا، التي تتذبذب فيها نسبة المشاركة عند 45% منذ عقود.
ولا شك أن مثل هذه النسبة مثيرة للقلق، لأنها تسمح للأقلية باتخاذ قرارات تنطبق على الأغلبية، ما يؤدي بالتالي إلى تقويض الديمقراطية المباشرة.
لكن لماذا يتصرف سكان كانتون شافهاوزن بهذا الشكل المختلف عن باقي أنحاء سويسرا؟
ينشر هذا المقال في إطار #DearDemocracy، المنصة التي تخصصها swissinfo.ch لقضايا وتطورات الديمقراطية المباشرة
موضوع التقرير: يعد كانتون شافهاوزن بطل سويسرا في الديمقراطية المباشرة. لكن هذه المشاركة الفعالة تختلف دوافعها من شخص إلى آخر، فبينما يراها البعض مصدر فخر واعتزاز، يراها البعض الآخر حملا ثقيلا.نهاية الإطار التوضيحي
للوهلة الأولى، يبدو السبب الرئيسي وراء ذلك هو إلزامية التصويت في هذا الكانتون الذي تكاد الأراضي الألمانية تحيطه من كل جانب. وهذا الحال قائم منذ عام 1892، ونجح في الصمود أمام العديد من المبادرات التي كانت تطالب برفعه. ويتعين على من يمتنع عن المشاركة في التصويت أو الإنتخاب دفع غرامة مالية، كانت تبلغ فرنكاً واحداً حتى سبعينيات القرن الماضي، ثم زيدت إلى 3 فرنكات، جرى تعديلها لاحقاً إلى 6 فرنكات لمراعاة التضخم. وهذه الغرامة في الواقع لا تزال رمزية أكثر. وبوسع من لا يود دفع هذا المبلغ، إعادة وثائق التصويت الفارغة في غضون ثلاثة أيام بعد انتهاء التصويت وتحاشي العقوبة بهذا الشكل.
"على كل شخص أن يفخر بذلك"
من الواضح إذن أن الحديث عن ممارسة إكراه قمعي على المواطنين بغية دفعهم للمشاركة في العملية السياسية غير وارد في شافهاوزن. فما هو العامل الآخر الذي يدفع الناس هنا للمشاركة إذن؟ وهل انبثق هنا نوع من المفهوم السياسي الذاتي الذي يفتخر به الكانتون؟ توماس ميندر النائب المستقل الذي يمثل الكانتون في مجلس الشيوخ (الغرفة العليا بالبرلمان الفدرالي) يقول :"نعم، نحن في شافهاوزن فخورون جدا بإقبالنا العالي على صناديق الإقتراع".
وجهة النظر هذه تتشاطرها سيدتان مُسنَّتان بشعرٍ مصفف بشكل مموج جميل، تجلسان على دكة في البلدة القديمة. وكما تقول السيدة الأكبر سناً التي تبلغ من العمر 83 عاماً:" نعم، أنا فخورة بذلك، وينبغي على كل مواطن من شافهاوزَن أن يفخر بذلك أيضاً"، الأمر الذي توافقها عليه صديقتها البالغة من العمر 75 عاماً بإيمائة من رأسها.
وعلى بعد أمتار قليلة، وفي متجر للاثاث، تبعُد صاحبة المتجر ذات الـ 51 عاما شعرها القصير المُنسدل على جبينها وتقول:"فخر؟، كلا لا أستطيع أن أقول ذلك. أعتقد أن ما يدفع مُعظم الأشخاص إلى صناديق الإقتراع هو الإكراه". مع ذلك، تقول إن الغرامة المالية ليست السبب الرئيسي الذي يدفعها للتوجه إلى صناديق الإقتراع، لكنه يعود إلى المشاركة المنظمة لأسرتها في هذه العملية. "كانت هذه مسألة طبيعية بالنسبة لنا".
الأمر يتشابه أيضاً مع المُتدرب المهني على النجارة، الذي يلف سيجارة أثناء انتظاره في محطة الحافلات. وكما يقول الشاب البالغ من العمر 17 عاماً، تجري مناقشة المسائل السياسية على طاولة المطبخ في منزله أيضاً. وهو يشعر بالسعادة لتمكنه من التصويت في العام القادم عندما يبلغ الثامنة عشر. ولكن لماذا؟ "لأن صوتي سيكون مسموعاً". مع ذلك، لا يستبعد المتدرب تغيبه الأكيد عن إحدى عمليات التصويت، تماما مثل الرجل ذي الشارب الذي يتناول شطيرة والذي يقول :"كلا، أنا لا أتوجه إلى صناديق الإقتراع بانتظام. التصويت عملية شاقة، وببساطة، نحن مطالبون بالتوجه لصناديق الإقتراع أكثر من اللازم". لكن عامل المستودع البالغ من العمر 45 عاما يضيف بعد تفكير وجيز، أن هذا الإقبال الكبير على المشاركة في التصويت والإنتخاب هو شيء جيد بالفعل يمكن للمرء أن يفخر به. وكما يقول :"إنه جزءٌ منا في الواقع".
"المشاركة مغروسة فينا عمليا"
مظاهر التعب من المشاركة في عمليات الإقتراع المتعددة موجودة أيضا في كانتون شافهاوزن المتفوق في مجال الديمقراطية المباشرة إذن. ووفقا لدراسة أجرتها جامعة زيوريخ في عام 2012، يُعتبر التعب من التصويت من الأسباب الرئيسية لانخفاض المشاركة في هذه العملية الديمقراطية في مجمل أنحاء سويسرا وفقاً للمعايير الدولية.
الشيء ذاته يمكن أن يقال عن توريث هذه الممارسة من جيل إلى آخر: فعندما يُهمل الوالدان المشاركة السياسية، أو يرفضان الإنخراط فيها، فسوف يحتذي أولادهما بهما، وسينقلون هذا الموقف إلى أطفالهم بدورهم. وهذه الآلية معكوسة في شافهاوزن، وهي بالتالي سبب رئيسي لارتفاع نسبة المشاركة.
هذا اليقين، نجده أيضاً عند كريستيان ريتسمان، الأمين العام لحكومة كانتون شافهاوزن "لقد تطور الإلتزام بالتصويت والإقتراع لدينا عبر الأجيال إلى واجب مدني حقيقي. ويمكن القول إن المشاركة السياسية مغروسة فينا تقريباً". أما عضو المجلس الوطني السابق (الغرفة السفلى للبرلمان الفدرالي) هانز - يورغ فير، فيصيغ كلماته بصورة أكثر بلاغة :" لقد تحول هذا الإقبال الكبير على مَر السنين إلى هوية شافهاوزَن - إلى رمزها - تماماً مثل حصن "مونو" Munot (الواقع وسط مدينة شافهاوزَن)، أو شلالات الراين".
الشعور بالالتزام من خلال التقارب
وبحسب كريستيان ريتسمانّ، فإن العامل الأول الذي جعل هذا الوضع ممكناً في الكانتون هو الوضوح وسهولة الفهم. فهنا، يمكن للممثلين السياسيين الإقتراب من الشعب بشكل أكبر من الكانتونات الأخرى المترامية الأطراف. وفي كانتون شافهاوزَن الذي يقارب عدد سكانه 80,000 نسمة، يمكن الإلتقاء بصُنّاع القرارات السياسية في الشارع، والجلوس بجانبهم في الحافلة أو في أحد المطاعم. "لدينا ترابط وثيق هنا، وهو ما يسفر بالتالي عن شعور بالالتزام بالمشاركة السياسية"، على حد قول ريتسمانّ.
ولكن يبدو أن هذا الشعور بالإلتزام لا يذهب إلى أبعد من صناديق الاقتراع. "كما في العديد من البلديات في سويسرا، لا نجد نشئاً سياسياً على المستوى المحلي إلّا بالكاد"، كما يشكو توماس ميندَر النائب في مجلس الشيوخ. وبدروره يشير عضو المجلس الوطني السابق هانز - يورغ فير:"بصرف النظر عن الاقبال الكبير على صناديق الإقتراع، لا أشعر بوجود التزام سياسي يفوق أماكن أخرى".
ثقافة الحوار
هذا الرأي يتفق معه أيضا روبن بلانك، رئيس تحرير صحيفة "شافهاوزَر ناخريختَن" Schaffhauser Nachrichten، (اخبار شافهوزَن) اليومية الوحيدة في الكانتون الصغير. لكنه يضيف :"أعتقد أن المناقشات حول القضايا السياسية على الأقل أكثر كثافة في هذا الكانتون". ولمرتين في الأسبوع، يتم طبع رسائل القرّاء حصراً على الصفحة الثانية المختصة بالأحداث البارزة للصحيفة. "عند مناقشة قضية سياسية ساخنة يردنا ما لا يقل عن مئات الرسائل"، بحسب بلانك.
بدورهن، تشارك السيدتان ذوات التسريحات المموجة الجميلة، الجالستان على دكة في المدينة القديمة في هذه النقاشات - مع بعضهن البعض، ومن خلال الرسائل، وبالحديث مع الساسة أيضاً. "عندما أشعر بالإنزعاج حول قرار سياسي أجلس أمام الكمبيوتر"، كما تقول السيدة ذات الـ 79 عاماً. "في بعض الأحيان أبعث برسالة مباشرة إلى حكومة الكانتون، أو المجلس الفدرالي أيضاً. قد لا يؤدي هذا إلى نتيجة، لكنني أعتقد أن علينا أن نعبِّر عن آرائنا، طالما نستطيع ذلك"!.
swissinfo.ch