Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00856.jsonl.gz/24

يوم 11 مارس 2010، توفِـي إسكندر فوغت مُـختنقا، بعد أن أضرم النار في زنزانته في الجناح المعروف بإجراءاته الأمنية المشددة في سجن بوشوز Bochuz في كانتون فو. ويوم الخميس 8 يوليو، رفع القاضي الفدرالي السابق كلود رويي تقريره إلى الحكومة المحلية، استنتج فيه أن هذه الوفاة "العبثية"، جاءت نتيجة لـ "جمود النظام السجني".هذا المحتوى تم نشره يوم 13 يوليو 2010 - 18:00 يوليو,
وطِـبقا لهذا التقرير، الذي جاء في أكثر من 100 صفحة، كان الشاب إسكندر فوغت، التونسي الأصل، ضحية لـ "فكرة مسبقة، مرتبطة بوضعه السجني والتي قد تكون لعِـبت دورا في المبالغة في تقدير المخاطر من طرف الحراس". واعتبر الخبير، الذي استجوب عددا كبيرا من الأشخاص، أن "هذا الجهل لعِـب دورا في تخوّف العاملين (في السجن)، من انتهاك التعليمات والتعرض لعقوبات تأديبية، وربما للطرد".
لتسليط الضوء على هذه القضية وتفاعلاتها، أجرت swissinfo.ch حديثا مفصّـلا مع القاضي الفدرالي السابق Claude Rouiller.
swissinfo.ch: تعْـزون هذه الوفاة المأساوية إلى "جمود" النظام السجني. ألا يُـمكن إرجاعها بدلا من ذلك إلى فشل هذا النظام؟
كلود رويي: لا يجب أن نكون من الحالمين. فالمعتقلون في هذا السجن، ليسوا ملائكة والحراس لم يحصلوا على شهائد في عِـلم النفس. إن إدارة سجن، مهمّـة ذات مخاطر، تتطلّـب انضباطا صارما. لكن، إذا ما تطلّـب الأمر بشكل قاطع إطاعة تعليمة (ما)، فهناك وضعياتُ ضرورة يجب استثناؤها. لابد أن يعرف عَـون الإيقاف، لأي شيء تصلح التعليمات، وأن يكون مدعوما من طرف المُـشرفين عليه، وخاصة فيما يتعلق بالتكوين وعدد العاملين والمسؤوليات.
من الواضح أن المنطق السليم، كان يفرض في تلك الليلة إطفاء الحريق وإخراج المُـعتقل وإعادة الوعي إليه، لكن الموظفين أطاعوا ممارسة كانت تقضي بأنه لا يمكن – في حالات محددة – إخراج مُـعتقل مُـدرج على قائمة من الحالات "المحتملة الخطر" من الزنزانة، دون تدخّـل فرقة خاصة من الشرطة لم يكُـن متاحا لها في هذه الحالة، التدخّـل في الوقت المناسب. فمنذ اللحظة التي وقع فيها هذا الاختيار بشكل نهائي، ضاع إسكندر فوغت.
لقد قُـمتم بتفكيك دقيق للمسار الذي أدى إلى وفاة هذا الشاب ووضعتم الإصبع بالخصوص على كيفية فهْـم (أو ترجمة) خطورته...
كلود رويي: نعم. لقد كُـلِّـفت (من طرف حكومة كانتون فو – التحرير) بالبحث عن أسباب هذه المأساة، كي لا تتكرّر، لذلك، كان الأمر يتطلب القيام بتحليل شامل للنظام (السجني)، الذي يُـعتبر السبب فيما حصل. وفي المحصِّـلة، تمثل هذه القضية مؤشرا. إن ما أثار صدمتي، هو الجمود المضاعف تُـجاه تضييق تعسُّـفي للحرية ثم تجاه الموت.
السيد فوغت، الذي مَـرّ بفترة شباب بشعة، كان بصدد التعرّض لوضع سِـجْـني، لا يُـخصَّـص حتى لأكثر المجرمين خطورة. لقد وصل الأمر إلى الحدّ الذي لم يعد يعرف فيه أحدٌ ما الذي يجب فِـعله به (أي بإسكندر فوغت)، نظرا لأنه تمّ تكليف أحد القتلة الأكثر دموية، كان بصدد إنهاء فترة محكوميته، بإفهامه ما الذي يجب عليه القيام به لإصلاح نفسه (أو وضعه). ويُـمكن للمرء أن يتصوّر حجم الإهانة التي شعُـر بها هذا المُـجرم العادي جدا، وأن يفهم لماذا وصل به الأمر إلى القول، بأنه لا يرى مستقبلا له إلا في السجن. لقد استوجب الأمر أن يموت (إسكندر فوغت) في الظروف التي نعرفها، كي يُـشفق الجميع على حاله.
كان إسكندر فوغت معروفا من طرف جميع الحراس بأنه شخص "لا يمكن التعامل معه"، بل أسرّ بعضهم بأن الوفاة كانت "أفضل شيء يمكن أن يحدُث له". لماذا لم يكن هناك أي مخرَج من وضعيته؟
كلود رويي: هنا تكمُـن كل المأساة. لقد وجد السيد فوغت نفسه في نفق (أو ثقب) جراء خلل اجتماعي خطير، كان من المفترض أن يؤدّي احتجازه إلى استنقاذه منه (أي من النفق). فلم يكن مريضا عقليا ولا مجرما كبيرا، ولكنه كان شابا تسبّـبت له طفولته الكارثية في حدوث خلل خطير. هذا الإحتجاز - الذي كان من المفترض أن لا يدوم إلا الفترة اللازمة لهذا العلاج - تحوّل شيئا فشيئا إلى ما يُـشبه السجن المؤبّـد غير القابل للتخفيض، لأنه لم يكن قادرا على الخضوع لنظام المؤسسات العقابية. وكانت انفجارات غضبه، التي تحدُث من حين لآخر، تؤدّي إلى سلسلة من عمليات العزل ومن الإيداع في السجن الانفرادي، وتُـبعد أكثر فأكثر احتمال عودته إلى الحرية.
لقد قيل لي، إن اضطرابات خطيرة في الشخصية من هذا الصنف الذي كان مُـصابا به نادرة التواجد في السجون الأوروبية، على غرار نُـدرة المؤسسات التي تسمح بعلاجه، مثل بيت Rampton البريطاني الشهير.
بالإضافة إلى التوصيات الخاصة بتنفيذ إجراءات الإحتجاز، يقترح تقريركم إدخال تحسينات على ظروف الاعتقال في الجناح الأمني المشدد في سجن بوشوز..
كلود رويي: لا يمكن إلغاء الأجنحة الأمنية ولا الزنزانة العقابية، بالرغم من أن فترة الإحتجاز فيها يجب أن تكون محددة (تضبط المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الفترة القصوى بـ 20 يوما – التحرير). إن الأجنحة الأمنية لا يُـمكن الإستغناء عنها، ليس لاعتقال الأشخاص الخطرين فيها فحسب، بل لحماية بعض المعتقلين من مساجين آخرين (مرتكبو الإعتداءات الجنسية على سبيل المثال)، أو من أطراف خارجية (مثلما هو الحال لشهود الإدانة ضد منظمات إجرامية)، ولكن ضرورة التوفّـر على أجنحة تتّـسم بأوضاع أمنية مشددة، لا يعني تحولها إلى قبور. هذه الأجنحة يجب أن تُـصمَّـم (وتُـدار) بطريقة تحُـول دون أن يفقِـد المعتَـقل كرامته.
عند حدوث كل مأساة، تتحرك الطبقة السياسية وتُـعلن عن إصلاحات، وإثر ذلك، تتردّد في "الإستثمار" لفائدة أشخاص يُوجدون على هامش المجتمع..
كلود رويي: إن قضية إصلاح المؤسسات السجنية ليست مُـغرية من الناحية السياسية. فمن العسير إفهام المواطنين أن الإنفاق لإعادة تأهيل أشخاص انتهكوا القواعد الاجتماعية، يمثل استثمارا جيِّـدا. لكن المجتمع سيخسِـر الكثير جرّاء الإقصاء الإجتماعي النهائي لأحد المجرمين. إن إبعادا من هذا القبيل ليس سوى شكل أناني من عقوبة الإعدام. إن أغلبية كبيرة من المساجين المُـفرج عنهم، لا يعاودون الكرّة ويساهمون، تبعا لذلك، في المنفعة العامة. مع ذلك، لن نتمكّـن أبدا من الحيلولة دون اعتقاد بعض المواطنين أن المساجين أناس محظوظون يشاهدون التلفزيون كامل اليوم...
إيزابيل أيشنبرغر – swissinfo.ch
(ترجمه من الفرنسية وعالجه: كمال الضيف)
الضحية.. مسيرة حياة مأساوية
ولد إسكندر فوخت في 6 مارس 1980 بتونس لأم تونسية وأب سويسري تخلى عن عائلته في وقت لاحق ولم يعد إليها أبدا.
بعد وفاة الأم، بقي الضحية وأخته يعيشان في ظل أقربائهما في تونس، ثم قررا سنة 1995 القدوم إلى سويسرا حيث تكفّل برعايتهم قسم حماية الشباب في كانتون فو.
في عام 1996، حكم على إسكندر فوخت بعشرة أيام سجن مع تأجيل التنفيذ بعد ارتكابه لعملية سرقة، وحوكم مرة ثانية سنة 1997 بسبب السرقة واستهلاك المخدّرات. وكشفت دراسة نفسية لحالته على أنه غير مندمج اجتماعيا، وعنيف، لكنه يتمتع بجاذبية.
في عام 1998: منح سراحا شرطيا، فانحرف من جديد (سرقة، واعتداء بالعنف)، وحكم عليه بخمسة عشر شهرا، منها 11 شهرا سجنا نافذة.
في عام 1999: أوصى خبير نفسي بإطلاق سراح الشاب السويسري من أصل تونسي، باعتبار أنه ليس عنصرا خطيرا. بعد ثلاثة أشهر فقط، اعتدى بالعنف على ركاب إحدى الحافلات، فأودع مصحة نفسية، حيث هدد طبيبا شاهرا في وجهه سكينا، فبقي في الإيقاف التحفظي إلى أن حُكم عليه سنة 2001.
أشعل إسكندر النار مرتيْن في محتويات زنزانته، وأطلق تهديدات، ووجه لكمات. فكانت نتيجة المعاينة النفسية الثالثة إيداعه السجن لمدة غير محددة.
في عام 2001: حكم عليه بعشرين شهرا سجنا نافذة، ومددت فترة الاعتقال من سنة إلى أخرى إلى عام 2009. وقد راكم ألكسندر العقوبات، ونقل من سجن إلى آخر 23 مرة.
10 مارس 2010: بعد مشادة مع حراس السجن، سُحب منه جهاز الراديو الذي كان بحوزته، فأشعل النار في محتويات زنزانته. وبعد 90 دقيقة أخرج منها بعد أن مات مختنقا بدخان الحريق.
وفاة سجين تحولت إلى قضية سياسية
13 مارس 2010: أكد وزير الداخلية بكانتون فو فيليب لوبا، بأن كل ما جرى تم "طبقا للقواعد المعمول بها".
تم فتح تحقيق إداري، وتقديم شكوى قضائية من طرف عائلة الضحية بسبب ما تعتبره قتلا بسبب الإهمال. أثبت الطبيب الشرعي ان الموت كانت بسبب الإختناق (حيث تم إطفاء النار، لكن السجين توفي بسبب الإختناق بالدخان الذي انتشر في الزنزانة بعد الحريق).
16 مارس 2010: نشرت يومية "لوماتان"، الناطقة بالفرنسية والصادرة بلوزان مقتطفات من تسجيل للمكالمة الهاتفية التي جرت بين حراس السجن والأعوان العاملين بمركز الطوارئ، واتضح أن أعوان الأمن كانوا يضحكون، ويطلقون على السجين صفة "وبش".
20 أبريل 2010: النواب البرلمانيون اليساريون في برلمان كانتون فو يطالبون بفتح تحقيق إداري مستقل حول ما جرى في سجن أورب.
23 أبريل 2010: متهما بـ"الإنحياز" للسلطات، تخلى فرانسوا جوميني، القاضي سابقا بكانتون فو، عن الإشراف على سير التحقيق.
وفي 26 أبريل 2010، تم تعيين كلود رويي، الرئيسال سابق للمحكمة الفدرالية مكان جوميني. وحُدد يوم 15 يوليو موعدا لتسليم نتائج هذا التحقيق.
26 أبريل: ازدياد الضغوط بعد أن أذاعت بعض وسائل الإعلام الفرنسية، كقناة أر تي أل، والإذاعة الفرنسية الأولى، مقتطفات صوتية من المكالمة الهاتفية بين حراس سجن أورب وأعوان الأمن، مما أجبر النائب العام في كانتون فو على فتح تحقيق حول عملية تسريب تلك المكالمة.
8 يوليو 2010: الرئيس السابق للمحكمة الفدرالية، كلود رويي، يقدِّم تقريرا يشتمل على أكثر من 100 صفحة حول الإخلالات التي أدت إلى وفاة السجين، وجاء في خلاصته أنإسكندر فوعت لقي حتفه "نتيجة لتعليمة لم تُـستوعَـب جيدا أو لم تُـفهم جيدا من طرف المتدخلين".
في نفس اليوم، تعهّـد فيليب لوبا، وزير الداخلية في الحكومة المحلية لكانتون فو، بأخذ توصيات التقرير بعين الاعتبار، وقال إنه يعتزم توفير 80 مكان اعتقال إضافي، لتحسين ظروف الاحتجاز التحفظي. وفي الوقت نفسه، أعلن عن المغادرة الفورية لكاترين مارتان، رئيسة المصالح السجنية في كانتون فو لمنصبها.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>