Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/48

باعتبارها مركزا حيويا للعبور والتّجارة على ضفاف نهر الرّاين، قرب مدينة بازل، كانت أوغستا راوريكا قبل 2000 عام، أكبر بلدة رومانيّة في المستوطنات السويسرية.هذا المحتوى تم نشره يوم 21 ديسمبر 2006 - 23:01 يوليو,
اليوم، تعتبر أهمّ موقع أثري سويسري من العصر الرّوماني، وهي تحتفظ بميراث لا زال قسم كبير منه مدفونا تحت الأرض إلى الآن.
"كان أمر هؤلاء الرّومان عجيبا حقّا. فقد أقاموا شبكة مواصلات وبنية تجهيزيّة مدهشتين. فقد تم العثور في أوغستا راوريكا مثلا، على جرّات خمر تم إنتاجه في جزيرة رودس"، كما تكشف كارين كوب.
"فمن أجل نَـقْـلِ الخمر من اليونان، كان لابدّ من عبور البحر المتوسّط والصّعود من مرسيليا على نهري الراين والسّون، ثم قطع بضع مئات من الكيلومترات الأخرى على الأقدام، للوصول إلى نهر الراين في نهاية المطاف".
ورغم أنّها تعمل في أوغستا راوريكا منذ عدة أعوام، لم ينقطع تعجّـب المسؤولة على الاتّصال في الموقع الأثري من براعة ومعارف الشّعب القديم، وتضيف كارين كوب: "وجدنا أيضا محارات قادمة من بحر الشّمال، ولا ننسى أنّ المحارات لا يمكن استهلاكها، إلاّ إذا كانت لا تزال حيّة. إنه إنجاز استثنائي بمقاييس ذلك الزّمان".
أوّل سوق موحّدة
تأسّست مستوطنة راوريكا في منطقة بازل من طرف لوشيوس موناتيوس بلانكوس، القائد وصديق القيصر عام 44 قبل الميلاد، وكان مقررا في البداية، أن تُـستخدم للدّفاع عن الحدود الرّومانيّة الجديدة على طول نهر الراين، بعد الاستيلاء على غالِـيا.
تعود الآثار الأولى للتّوطين الرّوماني في أوغستا راوريكا إلى القرن 15 قبل الميلاد، عندما ألحق الإمبراطور أغسطس الأراضي السّويسريّة الحاليّة بالإمبراطوريّة الرومانية.
إثر ذلك، واصل ابن القيصر بالتـّبنّي، الغزوات الرّومانيّة باتجاه الشّمال، محوّلا الحدود إلى داخل الأراضي الألمانية، وهكذا وجدت الأراضي السّويسريّة نفسها (وكانت تقطنها شعوب سلتية مختلفة، من بينها الهلفيتيّون والراّوريكيّون) منذ ذلك الوقت، وسط واحدة من أهمّ طرق المواصلات بين الشّمال والجنوب.
فوق بحيرات وأنهار منطقة المرتفعات، التّي تتيح الرّبط بين الطّرق النّهريّة الرّئيسيّة للرّون والراين، ظهرت بلدات رومانيّة حملت أسماء لوزونّا (لوزان)، آفانتيكوم (أفانش) فيندينوسّا (فينديش) أو توريكوم (زيورخ).
وسريعا ما أصبحت أوغستا راوريكا وميناءها على نهر الرّاين، مركزا حيويا للعبور والتّبادل في سوق كبيرة موحّدة، كانت تمتدّ من الجزر البريطانية إلى إفريقيا، ومن شِـبه الجزيرة الأيبيرية إلى آسيا.
تجارة وصناعة تقليديّة
كان "الدّيناري" و"السّسترسي"، يمثّلان العُـملة الموحّدة في منطقة أوسع من منطقة اليورو الحاليّة، كما أنّ حريّة تنقّل البضائع والأشخاص على أول شبكة أوروبيّة للطرق، شجّعت الاستهلاك والنّمو الاقتصادي في المستوطنات السّويسرية للإمبراطوريّة الرومانية أيضا.
وبعد عشريّات قليلة من ميلادها، حوّلت طُـفرة معمارية حقيقية المخيّم العسكري على نهر الرّاين، إلى واحدة من أكبر البلدات في القارّة القديمة، وتركت التحصينات وبيوت الخشب مكانها لتجمّعات سكنيّة في شكل مربّعات منسّـقة، بشوارع واسعة وبنايات ضخمة من الإسمنت والقرميد.
وتُـبيّن كارين كوب: "في القرن الثّاني بعد الميلاد، كانت أوغستا اوريكا تعدّ 20.000 ساكن، بينما لا يقيم حاليا في نفس المنطقة إلاّ 800 شخص".
زيادة على الأهالي، كان يسكن البلدة بالخصوص جنود الفيالق الرّومانيّة السّابقون، الذّين كانوا يستلمون عند تقاعدهم بعد 20 عاما من الخدمة العسكرية، عقارات في المستوطنات، حيث يمكن لهم أن يتفرغوا للزّراعة والتّجارة والصناعات التقليديّة.
وتلاحظ مسؤولة الاتّصال في الموقع الأثري أنه "لم يكن التّقاعد في أوغستا راوريكا محلّ اعتبار خاصّ لدى قدماء الجنود الرّومان، كما تشهد بذلك النّصوص التّي عثر عليها. فكثير من جنود الفيالق السّابقين، الّذين ربّما جاءوا من البحر المتوسّط، يتذمّرون من الطّقس ومن المكان الّذي وُجّهوا إليه".
تعايش سلميّ
كان إسكان جنود الفيالق السّابقين في المستوطنات، يدخل ضمن سياسة "الرّومنة"، إذ يسمح فعلا، باستيعاب أسرع الشّعوب الخاضعة للإمبراطوريّة الرومانية.
وتضيف كارين كوب: "كان التّعايش بين قدماء المحاربين الرّومان والأهالي سلميّا للغاية، ولكنّ الصّراعات على الحكم في روما في القرن الأوّل بعد الميلاد، وخصوصا غزوات الألمانيّين في القرن الرّابع، تركت بعض آثار العنف، حتّى في أوغستا راوريكا".
في ظل ما عرف بالسِـلم الرّومانيّة، قفز مستوى عيش الأهالي قفزة مشهودة: شوارع مبلّـطة ومدن فخمة ومسارح ومدرّجات وحمّامات عموميّة وأسواق وحانات، أفسحت المجال لبروز واقع حضري، كان إلى ذلك الحين مجهولا، وفّـر لشعوب منطقة المرتفعات متعت جديدة في حياتهم.
كما لا يجب أن ننسى نظام قنوات الصرف الصحي وإيصال الماء الجاري الصّالح للشّرب إلى البيوت أو نظام التدفئة الأرضية، وهي رفاهية اختفت تماما من المنطقة بعد سقوط الإمبراطوريّة الرّومانيّة، ولم تظهر من جديد في سويسرا، إلاّ منذ قرون قليلة أو بالأحرى قبل بعض العشريّات.
بلدة لم تُـكتشف تماما
هذا الواقع لا زال موثّقا إلى الآن في أوغستا راوريكا، التي تعتبر من المواقع الأثريّة الأوروبيّة، التّي تتيح واحدة من الرؤى الأكثر اتساعا لنمط العيش في عهد الرّومان.
وتذكّـر كارين كوب بأن هذا الميراث "لم يُـكتشف من جديد في سويسرا أيضا، إلاّ بعد عصر النّهضة، ولكن إلى بداية القرن الماضي، كانت كثير من الحفريّات تجرى بتكليف من الأسر الغنيّة في بازل، التّي كانت تريد اقتناء تمثال صغير أو أيّ غرض رومانيّ آخر لتزيين بيوتها".
وحتّى في عام 1918، تم تحطيم قاعدة مَـعلم أثري، يُـعتقد أنه كان هيكلا رومانيّا بديعا، بدون أي حرج، لتسوية الأرض لأغراض فلاحيّة.
لقد تجسّـدت قيمة أوغستا راوريكا في سنة 1955، بافتتاح البيت والمتحف الرّوماني، ومن ذلك الحين، عاما بعد عام، أخرِجت إلى النّور عديد النّفائس الأخرى، المعماريّة والفنيّة والحرفيّة، للإمبراطوريّة الكبرى.
وتلاحظ كارين كوب: أنّ "الميراث الرّوماني يعيش بيننا إلى اليوم، وغالبا دون أن ننتبه إليه، من اللّغة إلى الدّين، ومن الثّقافة إلى شبكة الطّرقات".
فعلى سبيل المثال، فإن الوجه المرسوم على قِـطعة عشرين سنتيم من نقودنا الحالية، هي نسخة شبه مطابقة للصّورة المنقوشة على النّقود الرّومانيّة، التي كانت متداولة في عهد القيصر.
ومن المؤكـّد أنّ المفاجآت، بالنّسبة لعلماء الآثار العاملين في أهمّ موقع روماني على التّراب السّويسري، لم تنته بعد. فإلى الآن، لا تزال 80% من بلدة الإمبراطوريّة الرومانية مدفونة تحت الأرض.
سويس أنفو - أرماندو مومبيلـّي
باختصار
بعد الاستيلاء على غالِـيا من طرف فيالق القيصر في سنة 44 قبل الميلاد، بدأت عملية الإسكان في مستوطنة راوريكا في منطقة بازل، وهي أوّل مستوطنة رومانيّة على ضفاف نهر الرّاين.
تعود الشّهادات الرّومانيّة الأولى في موقع أوغستا راوريكا إلى سنة 15 قبل الميلاد.
خلال القرن الثّاني بعد الميلاد، تحولت البلدة إلى أهمّ تجمّع سكنيّ رومانيّ فوق الأراضي السّويسرية الحالية، حيث فاق عدد سكانها 20.000 نسمة.
يبدو أن خراب أوغستا راوريكا يعود إلى زلزال (حدث في عام 250 بعد الميلاد تقريبا)، وبالخصوص إلى زحف العصابات الألمانيّة في القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد.
معطيات أساسية
تقع أوغستا راوريكا، قرب مدينة بازل، وهو أهمّ موقع أثري سويسري يعرض العهد الرومانيّ.
تجدد الاهتمام بالآثار التّاريخيّة منذ نصف قرن فقط، بافتتاح البيت والمتحف الرّوماني في عام 1955.
اليوم، تجتذب أوغستا راوريكا كلّ سنة، ما يقارب من 140 ألف زائر.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>