Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/19

يتزامنُ الارتفاع المتواصل في عدد أفراد الجالية المسلمة في سويسرا مع تنامي الاهتمام بها من طرف السياسيين ووسائل الإعلام.
وبعد أن كان الإسلام يشغل حيزا متواضعا في الزوايا الداخلية لعدد محدود من الصحف من حين إلى آخر، بدأ اليوم يفرض نفسه في الافتتاحيات والصفحات الأولى..
لم يعد مُمكنا اعتبارُ الجالية المُسلمة في سويسرا مُجرد أقلية دينية -لا أقل ولا أكثر- ضمن الأقليات المقيمة في الكنفدرالية. فبعدما كشفت الإحصائيات الرسمية في عام 2000 وجود ما لا يقل عن 310 ألف مسلم في سويسرا، وأن الإسلام أصبح الديانة الثانية في البلاد، أدرك المسؤُولون والمُواطنون أن الجالية المسلمة، باختلاف ثقافاتها ولغاتها وأصولها، أصبحت جزءا من النسيج الإجتماعي السويسري.
هذا الحضور الهام لم يحدُث بين عشية وضحاها، بل تحقَّق عبر مراحل مُختلفة. فقبل ستينيات القرن الماضي، كان تواجد مُواطن مُسلم بين أبناء الكنفدرالية شيئا نادرا. لكن الوضع تغير بعد أن شهدت سويسرا ثلاث موجات هجرة رئيسية انطلاقا من البلدان المسلمة. وكان لكل موجة من هذه الموجات مبررات مختلفة، من الاقتصادي مرورا بالعائلي ووصولا إلى السياسي والأمني.
وحسب "مجموعة البحث حول الإسلام في سويسرا"، تميزت الموجة الأولى من هجرة المسلمين إلى سويسرا في نهاية الستينيات بقدوم رجال كانوا يبحثون عن العمل ولم يكونوا ينوون الإقامة بشكل دائم في الكنفدرالية. معظمهم كان ينحدر من تركيا ويوغوسلافيا السابقة وألبانيا.
أما الموجة الثانية فجاءت في نهاية السبعينيات بعد أن غيرت سويسرا تشريعاتها الخاصة بالأجانب وسمحت بلم شمل العائلات. وكان لهذا القرار انعكاس مباشر على تشكيلة الجالية المسلمة التي لم تعد متكونة من عمال ذكور مشتتين هنا وهناك، بل اتسعت لتضم أسرهم وأعطت بالتالي صورة اجتماعية إلى حد ما عن الإسلام في سويسرا.
أما الموجةَ الثالثة من الهجرة إلى سويسرا فغذتها عواملُ سياسية بالدرجة الأولى حيث استقبلت الكنفدرالية طالبي لجوء فروا من بلدانهم بسبب قهر نظام ديكتاتوري أو حروب أهلية. ومنهم من لجأ إلى سويسرا بسبب المجاعة أو لأسباب اضطرارية أخرى. ومازالت الكنفدرالية إلى يومنا هذا تبحث في طلبات لجوء لأجانب قادمين من منطقة الشرق الأوسط وجمهوريات يوغوسلافيا السابقة وبلدان شمال إفريقيا ودول القارة السمراء.
معالم إٍسلامية جلية
ومع مرور الوقت، بدأت معالم وجود المسلمين تتجلى في حياة المجتمع السويسري وذلك من خلال بناء المساجد وقاعات الصلاة، أو إنشاء عدد من الجمعيات والمراكز المهتمة بشؤون المسلمين، أو ارتداء الحجاب أو الزي التقليدي لهذا البلد المسلم أو ذاك. وإلى جنب المحلات التجارية السويسرية، فتحت محلات بيع اللحم الحلال والمنتوجات الغذائية المستوردة من بلدان عربية وإسلامية في مختلف أرجاء البلاد. وفي عدد محدود من الكانتونات، حصل المسلمون على إذن من السلطات لبناء مقابر إسلامية لدفن موتاهم وفقا لطقوسهم.
وخلال التسعينات شغلت بعض القضايا مثل الذبح الحلال والمقابر الإسلامية والحجاب السياسيين وووسائل الإعلام والرأي العام عموما. لكن بحكم النظام الفدرالي لسويسرا الذي يفرض إدارة محلية للمسائل المتعلقة بممارسة الدين، كانت بعض هذه القضايا تظل منحصرة في هذا الكانتون أو ذاك بسبب اختلاف القوانين والتشريعات المحلية.
وبينما ظل الذبح على الطريقة الإسلامية محظورا على التراب السويسري عموما، منحت بعض الكانتونات للمسلمين حق إنشاء مقابر إسلامية. أما ارتداء الحجاب، فظل مسموحا به للتلميذات والطالبات، بينما بقي ممنوعا منعا باتا على المدرسات والأستاذات في مختلف أرجاء البلاد. وفي هذا السياق، توضح الباحثة مالوري شنوفلي من "مجموعة البحث حول الإسلام في سويسرا" أن الكنفدرالية تظل متمسكة بـ"ثقافة توافق وحلول براغماتية".
ما بعد 11 سبتمبر..
وبعد أن كان مسلمو سويسرا يعيشون دينهم في هدوء وفي إطار حرية ممارسة العقائد المسموح بها من قبل السلطات، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتغذي فضول البعض ومخاوف البعض الآخر من هذه الجالية التي تضاعف عدد أفرادها في العقد الأخير.
وتقول الباحثة مالوري شنوفلي إن "الجدل القائم حول الحجاب في فرنسا والأحداث الدامية في منطقة الشرق الأوسط والصدمة التي خلفتها هجمات 11 سبتمبر تغذي هذه المخاوف".
وبالفعل، تزايد الاهتمام بالإسلام والمسلمين في سويسرا بشكل كبير منذ الهجمات ضد نيويورك وواشنطن. فبينما حاولت وسائل الإعلام تسليط الضوء على خصوصيات المسلمين في الكنفدرالية، انكبت السلطات بطبيعة الحال، في إطار عمليات التحقيق الدولية التي تلت الهجمات، على بحث الموارد والعمليات المالية لعدد من المؤسسات والمصارف الإسلامية في سويسرا التي يشتبه في وجود صلة ما بينها وبين مجموعات توصف بأنها إرهابية.
وقد أعربت بعض الأوساط الأمنية مؤخرا عن مخاوفها مما تعتبره "تساهلا سويسريا" في منح اللجوء أو الإقامة المؤقتة إلى "إسلاميين راديكاليين"، إلا أن المتحدث باسم المكتب الفدرالي للشرطة دومينيك بويا قلل من شأن هذه المخاوف ودعا إلى عدم المبالغة فيها حيث أكد أن سويسرا "لا تمنح اللجوء أو حق الإقامة المؤقتة إلا لأربعة أو خمسة نشطين إسلاميين في السنة الواحدة". وأوضح السيد بويا في تصريحات صحفية أن "القليل من هؤلاء يشكل خطرا حقيقيا على سويسرا!".
عودة الاهتمام بالإسلام
وفي الآونة الأخيرة، عاد الإسلام بقوة إلى الصفحات الأولى لعدد من الصحف السويسرية. واتضح من خلال الاهتمام الكبير الذي أبدته عدة صحف روماندية (تصدر في المناطق المتحدثة بالفرنسية) بالجدل الدائر في فرنسا المجاورة حول قانون حظر الحجاب وما يسمى بـ"الشارات الدينية الجلية"، أن الإسلام بات موضوعا "شبه وطني" في سويسرا لأنها أصبحت معنية كذلك بهذا الدين. فهو لم يعد يقتصر على أقلية مسلمة فقط بل أصبح يسترعي اهتمام الرأي العام أكثر فأكثر لأن القراء كونوا فكرتهم، خاطئة كانت أم صائبة، عن الإسلام والمسلمين الذين يشاطرونهم حياتهم اليومية.
وقبل أيام قليلة من تصويت البرلمان الفرنسي لفائدة هذا القانون، تبين أن مسلمي سويسرا بدؤوا يتفاعلون بشكل أكبر مع ما تنشره وسائل الإعلام عنهم، وأصبحوا يتصرفون شيئا فشيئا كأي مواطن سويسري له حقوق وعليه واجبات.
فبعد أن نشرت صحيفة "لا ليبرتيه" (الحرية) لمدينة فريبورغ، المعروفة برصانتها في سويسرا الروماندية، على صدر صفحتها الأولى صورة كاريكاتورية تمثل رجلا أشير إليه بكلمة "محمد" حاملا عصا يشق بها الماء للفصل بين رجل وسيدة منقبة ومرتدية للبيكيني وهما يسبحان، انهال سيل من الانتقادات والاتهامات على الصحيفة التي نشرت الكاريكاتور رفقة مقال بعنوان: "في فريبورغ، عندما تتخذ النساء المسلمات المسابح بمعزل عن الرجال". وطالب بعض القراء الصحيفة بالرد على انتقاداتهم والاعتذار عن تصرفها.
وكان المقال بمثابة ردة فعل على استئجار جمعية مسلمي فريبورغ حمام سباحة مرة واحدة في الشهر لتتمكن عدد من النساء والفتيات المسلمات من مزاولة رياضة السباحة بعيدا عن أنظار الرجال.
مسلمو سويسرا ومفهوم المواطنة
صحيفة "لا ليبرتيه" لم تعتذر، بل تأسفت للقراء الذين صُدموا برؤية الكاريكاتور "الذي لم تتعمد الصحيفة من خلاله جرح مشاعر المسلمين" على حد تعبير رئيس تحرير الصحيفة روجي دو ديسباخ، الذي تولى شخصيا الرد على اتهامات الصحيفة بالعداء للإسلام وعلى الشتائم التي تلقاها رسام الكاريكاتور. كما نشرت الصحيفة مقتطفات من الانتقادات والاحتجاجات التي تلقتها من طرف جمعيات وأفراد مسلمين.
وفي افتتاحية بعنوان "الشريعة لن تُطبق هنا"، أكد رئيس تحرير صحيفة "لا ليبرتيه" أن جريدته ستواصل إعلام قراءها بمشاكل ونجاحات مسلمي فريبروغ وسويسرا، وأن من انتقدوا المقال حول حمام السباحة والكاريكاتور المرفق "لن يمسوا شعرة من حرية تعبيرنا".
أما رابطة مسلمي سويسرا التي قدمت احتجاجا رسميا على الكاريكاتور وطالبت بنشر اعتذار رسمي للجالية المسلمة، فقد أوصت أبناء الجالية في نفس الوقت بالاتزان في الرد والابتعاد عن التوتر والانفعالية.
ودون الإطالة في تفاصيل هذا الجدل، كشفت هذه الحادثة الإعلامية أن مسلمي سويسرا بدؤوا يتلمسون مفهوم المواطنة وما تقتضيه من مشاركة في الحياة العامة. ومع أنهم لا يتوفرون بعدُ على أي تمثيل موحد أو حضور سياسي فاعل، فقد خطوا بعض الخطوات باتجاه إثبات حضورهم في مجتمع متعدد الثقافات واللغات والديانات.
لكن هذه التعددية التي يتميز بها أيضا مسلمو سويسرا هي التي مازالت تقف عائقا أمام الجالية المسلمة لتكوين كيان متّحد له نفس الانشغالات والمطالب. ويقول ستيفان لاتيون مدير "مجموعة البحث حول الإسلام في سويسرا" في هذا الصدد: "لا يُكوِّن مسلمو سويسرا بعدُ مجموعة متحدة، وقلة فقط تمارس دينها بصورة حماسية".
وتُذكر مالوري شنوفلي أن معظم مسلمي سويسرا ينحدرون من البوسنة أو من تركيا، وتضيف الباحثة التي تحضر دكتوراه حول الهوية الدينية لمسلمي سويسرا: "بما أن هؤلاء ليسوا من العالم العربي، فهم لا يعتبرون أنفسهم حاملي رسالة الإسلام".
هل ذلك يعني أن كل المسلمين العرب في سويسرا يحملون رسالة الإسلام؟ لا طبعا. لكن الأكيد أن كل مسلم يلتحق بسويسرا، عربيا أو غير عربي، يساهم في تعزيز وضع جالية لم يعد بالإمكان تجاهلها رغم العقبات العديدة التي لا زالت تنتظرها.
إصلاح بخات - سويس انفو
معطيات أساسية
يعيش في سويسرا أكثر من 310 ألف مسلم، أي ما يعادل 4,5% من إجمالي سكان الكنفدرالية
معظم هؤلاء المسلمين ينحدرون من تركيا وجمهوريات يوغوسلافيا السابقة
36 ألف منهم متحصلون على الجنسية السويسرية
يتوفر مسلمو سويسرا على ما لا يقل عن 97 مسجد و/أو قاعات للصلاة
يتواجد المسجدان المشيدان وفقا للهندسة المعمارية الإسلامية في كل من جنيف وزيوريخ
تتواجد في سويسرا، حسب معطيات "مجموعة البحث حول الإسلام في سويسرا"، 35 جمعية تحمل إسم "جمعية مسلمة" و4 جمعيات خاصة بالشباب و3 جمعيات خاصة بالنساء و4 جمعيات خاصة بـ"الإغاثة".