Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/29

نجح نظام الديمقراطية المُباشرة المُتَبع في سويسرا في جَلب المديح والثناء عليه في الماضي. غير أنّ التصويت الذي جرى في 29 نوفمبر المنصرم والداعي لحظر بناء المآذن، أدى الى تساؤل الكثيرين عن هذه الُمُثل التي تتبجح بها سويسرا.
وقد رَكَزت الكثير من ردود الأفعال التي وردَت الى swissinfo.ch حول هذا التصويت على هذا الجانب من جوانب النظام السياسي السويسري، والذي يعني أن من حق الناس العاديين تشكيل القوانين وتحوير الدستور.
وفيما يتصف تاريخ هذه الديمقراطية الُمُباشرة التي تمتد الى مدى 150 عاماً مَضَت بِبُطء تطورها وتقدمها، أدت نتيجة التصويت حول بناء المآذن إلى صدور المزيد من الدعوات للتغيير.
وحسب رأي العديد من المحامين، فإن قرار حظر بناء المآذن هو انتهاك واضح لمواد الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR)، والتي قامت سويسرا بالتوقيع عليها.
وتكمن المشكلة في أنه لا يوجد حاليا أي شيء يتيح إمكانية وقف أو تعطيل مبادرة يجري عرضها على تصويت الناخبين والتي لا يمكن تنفيذها من الناحية القانونية حتى لو تم قبولها من طرف الشعب.
وفي الوقت الحالي، فإنَّ الأسباب الوحيدة التي يمكن أن تُبطِل مبادرة ما قبل إجراء التصويت، هي في حال كونها تنتهك "قواعد آمرة"، أو بعبارةٍ أخرى، القواعد الإلزامية بموجب القانون الدولي. وهذه تتضمن أموراً مثل حظر ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، أو الإسترقاق والتعذيب.
ومع أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تُعتبر من "القواعد الآمرة" في القانون الدولي، لكن سويسرا مع ذلك مُلزمة باتباعها وتنفيذها.
وقد قام دانيال فيشر عضو حزب الخُضر ولجنة المؤسسات السياسية التابعة لمجلس النواب قبل عامين بتقديم مقترح برلماني لجعل المبادرات الشعبية باطلِة اذا كانت تنتهك الحقوق الأساسية. وكان فيشر يريد بذلك تجنب الحالات التي يُدعى فيها الناخبون إلى إجراء تغييرات على الدستور لا يمكن تنفيذها.
واليوم يشق إقتراح فيشر طريقَه ببطء شديد عبر آليات النظام البرلماني السويسري المعقد.
مطالب غير متوافقة
وليس فيشر الشخص الوحيد الذي يشعر بالقلق إزاء الوضع الشاذ في القوانين الُمُنظِمة للديمقراطية المباشرة. ففي مقابلة مع سويس إنفو، يقول أندرياس آورَر أستاذ القانون الدستوري في جامعة زيورخ، ومدير مركز الديمقراطية في كانتون آراو: "يجب علينا إيجاد الطريقة التي تمكننا من منع الناس من إطلاق مبادرات مباشرة تنتهك حقوق الإنسان المكفولة دولياً".
وشدد على أنَّ مثل هذه الخطوة لن تضع مسألة الديمقراطية المباشرة في مجال التساؤل. وأضاف "نحن ندافع عن الديمقراطية الى آخر نقطة، ولأننا ندافع عنها تحديداً، يجب علينا الإعتراف بوجود بعض القيود على ذلك".
وأشار أندرياس آورَر إلى أن التصويت الشعبي على مستوى الكانتونات كان يجب أن يكون مُتوافقاً مع القانون الفدرالي ومع مُتطلبات حقوق الإنسان. وهو يعتقد بأنَّ الشئ نفسه ينبغي أن ينطبق على المستوى الفدرالي. ويضيف بأن الطريقة الأكيدة لتطبيق هذه الأمور هو موضوع لا يزال يحتاج الى حل، غير أنَّه من المُهم من ان تتم مناقشته.
ويعتقد آورَر أن باستطاعة الحكومة والبرلمان دراسة المُقترحات المطروحة، ولكن لا ينبغي أن يكون لهما القول الفصل حول فيما اذا كان يمكن تقديم تصويت للشعب أم لا. ويضيف "لا بد ان ينتهي الأمر في المحكمة، وهذا هو اقتناعي. حيث لا يمكن ان تُقَرَر مثل هذه المسائل من قِبّل مؤسسات سياسية كالبرلمان أو الحكومة، بل من جانب القضاة. حيث أن مسائل حقوق الإنسان هي مسائل حساسة".
لا يوجد تناقض
ولكن بالنسبة لأولريخ شلوير، عضو البرلمان عن حزب الشعب السويسري اليميني والعضو البارز في اللجنة التي اقترحت مبادرة منع بناء المآذن، لا يوجد أي تناقض بين حقوق الإنسان والديمقراطية المباشرة, بل أكد في تصريح لـ swissinfo.ch بأنّ العكس هو الصحيح، حيث يقول:" ليس فقط حقوق الإنسان، ولكن هذه الحقوق والديمقراطية توأمان من وجهة نظري. الحقوق التي تَخرج من عملية صُنع القرار في الديمقراطية المُباشرة هي الأكثر استقراراً و القانون الأكثر إعترافاً به".
بالنسبة لإولريخ شلوير، فإنَّ الطلب من المحاكم للبَت في شرعية المبادرات الشعبية ستكون نهاية الديمقراطية المباشرة. وإتهم شلوير "المؤسسة" (أي النخب الحاكمة في سويسرا) بالسعي لتغيير النظام لأنهم خَسِروا في التصويت. وأضاف "لكن في دولة ديمقراطية، وخاصة في الديمقراطية المباشرة، يُسمح للشعب أن يقرر عكس ما تريده الحكومة".
من ناحيته، قال برونو كوفمان، رئيس مؤسسة "المبادرة والاستفتاء أوروبا" لسويس إنفو swissinfo.ch إن الديمقراطية المباشرة قد تطورت. وأوضح بِأنَّ الشعب كان يقرر كل شيء في "النوع ما قبل الحديث" ولكن العالم قد تغير.
ويستمر موضِّحاً بِأنَّ الحالة الراهنة لحظر بناء المآذن تُثير التساؤل حول الموقع المضبوط لحدود للديمقراطية المباشرة. ويضيف: "يتوجب على الديمقراطية الحديثة المباشرة أن تُدرك حدود سلطاتها، كما ويجب على جميع المؤسسات الأخرى أن تفعل ذلك أيضاً في دولة ديمقراطية حديثة".
المبادئ الأساسية
من جهة أخرى، يقول أندرياس آورَر بأن النقاش الذي أثير الآن حول هذه القضية هو في الواقع تذكرة بالمبادئ الأساسية.
وأضاف: "نحن لا ندفع بحقوق الإنسان فوق الديمقراطية المباشرة"، مشيرا إلى أنه "يتفق الجميع على وجود حقوق الإنسان، ولم يكن للشعب الحق أبداً في إنتهاك هذه الحقوق، ونحن نريد فقط أن نذكّـر أولئك الذين قد أثاروا هذا القرار (حظر بناء المآذن) بأن حقوق الإنسان شيء لا يمكن تجاهله".
وعلى الرغم من اقتناع شلوير بأن حظر بناء مئذنة لا ينتهك حقوق المسلمين، يتوقع العديد من الخبراء القانونيين أن توَدع الطعون ضد نتيجة التصويت على المبادرة لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
و يأمل آورَر بأن يمكن تجنب مسألة من هذا القبيل في المستقبل على الأقل. كما وأنَّ أي تعديل على النظام الحالي يجب أن يتم التصويت عليه من طرف الشعب - لكنه يأمل بِأنَّهم سيوافقون.
ويقول:" إنه إجراء وطني لنقول إننا نريد ان نفعل ذلك في المنزل. هذه مشاكلنا، وهذه هي ديمقراطيتنا المباشرة، وينبغي أن تكون لدينا الإجراءات التي تتُيح لنا حل هذه المشاكل قبل المحكمة لعدم وجود أي حل آخر".
جوليا سلاتر swissinfo.ch
السياق
أصبحت سويسرا الدولة الأوروبية الأولى التي تمنع بناء المآذن.
أطلِقَت هذه المبادرة من قِبَل أعضاء في حزب الشعب السويسري (يمين متشدد)، إلى جانب حزب مسيحي محافظ صغير (الإتحاد الديمقراطي الفدرالي).
وجاءت هذه المبادرة استجابة للمعارضة من الجماعات المحافظة على المستوى المحلي ضد الطلبات المُقَدَمة لبناء مآذن الى جانب المساجد.
ماهي الديمقراطية المُباشِرة
تعني الديمقراطية المباشرة في سويسرا أن القوانين الجديدة تحظى بقبول عام ، ولكن من ناحية أخرى فإن هذه العملية تُبطئ العملية السياسية.
المؤيدون لنظام الديمقراطية المباشرة يقولون انها تَجبر أعضاء في البرلمان على إيجاد حلٍ وسط عند مناقشة مشروع قانون ما, و هم لن يُصروا على النقاط الُمثيرة للجدل لان ذلك قد يعني ضياع جميع النُظُم.
كما انه يُعطي أعضاء في جماعات معارضة أو أقليات الفرصة لإثارة النقاش حول قضايا التي يمكن أن تُهمل بغير ذلك.
و يشيرمنتقدوا النظام إلى أنه بطيء ومُرهق. و يُمكن ان تَمُرَّ خمس سنوات على مبادرة شعبية حتى تصبح قانونا. و يمكن إستخدام الإستفتاءات أيضا لتأخير التغيير الإجتماعي أو السياسي. و أحد الأمثلة على ذلك هو اعتماد المرأة حق التصويت، الذي وافق عليه البرلمان في عام 1959، و لكنه رُفِض بعد ذلك في أستفتاء لاحق (كان جميع ناخبيه من الذكور) و لم يوافق الرجال على قبول هذا المشروع إلّا في عام 1971.
كما أشار المنتقدون الى ان قاعدة "الاغلبية المزدوجة" تعطي ميزة غير عادلة للكانتونات الصغيرة - والتي تميل إلى التحفظ.
و تَمَت الإشارة الى هذا الوضع الشاذ الذي ظهر بوضوح في عام 1992، عندما سُألت سويسرا عما إذا كان على البلد ان يَنْضَم الى المنطقة الإقتصادية الأوروبية. و كادت الأصوات الشعبية ان تَنقسم الى الوسط بالضبط تقريبا، ولكن تصويت الكانتونات كان ضخماً و بناتج 16 ضد 7.
من سخرية القدر إن أية خطوة لإصلاح النظام ستكون بحاجة إلى موافقة هذه الكانتونات الصغيرة – و التي ليست مُتَحمسة للتخلي عن سُلطتها في التصويت.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>