Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00922.jsonl.gz/1

بعد مرور عامين ونصف على اندلاع ثورات الربيع العربي، لا زال قدر لا بأس به من الغموض والإلتباس يلف الموقِـف الأمريكي من تلك الإنتفاضات الشعبية الساعية إلى التحول الديمقراطي والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان.
ومع التطورات المتلاحقة، يتساءل الخبراء والمواطنون العاديون في المنطقة: هل تُساند واشنطن بالفعل تلك الثورات أم أنها تتظاهر بتأييد طموحات الشعوب، للحفاظ على مصالحها؟ وما الذي يُمكن أن تقدّمه الولايات المتحدة فعلا لثورات الربيع العربي؟ وهل يمكن أن تدعم واشنطن التحوّل الديمقراطي في دول الربيع العربي، بينما تواصل اعتمادها على أنظمة حُـكم دكتاتورية أو غير مُنتَخَبة خارج حزام الربيع العربي، لخدمة مصالحها؟ في محاولة للإجابة على مثل هذه التساؤلات استطلعت swissinfo.ch في واشنطن آراء عدد من الخبراء والمسؤولين الأمريكيين السابقين.
الكولونيل لورانس ويلكرسون، الرئيس السابق لهيئة موظفي وزارة الخارجية الأمريكية في فترة تولّي الجنرال كولن باول لمنصب وزير الخارجية، يرى أن سياسة الرئيس أوباما إزاء ثورات الربيع العربي، لم تختلف كثيرا عن سياسات الرؤساء السابقين في فترة الحرب الباردة: "انتهاج نفس سياسة ردّ الفعل، التي كانت مُتَّـبَعة عند سقوط حائط برلين، دون تحديد التزام واضح بدعم التحول الديمقراطي في المنطقة بأسْرها. والفارق الوحيد هنا، هو أن ردّ الفعل الأمريكي كان آنذاك يتمثَّـل في مساندة مَن وقفوا أمام الشيوعية. أما الآن، فهو مساندة هذه الثورات، طالما أنها ستُواصل علاقاتها الطيِّبة مع واشنطن أو مساعداتها للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب والحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع بعض دول الربيع العربي والسلام مع إسرائيل".
ويؤكد الكولونيل ويلكرسون أن الولايات المتحدة لا زالت ترى دوْرا أكبر للدكتاتوريات العربية في حماية مصالحها الإستراتيجية حيث "لا تزال أنظمة الحُكم الدكتاتورية تلعب دورا بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، ويكفي أن تسأل نفسك أيْن تقع أكبر المُنشآت العسكرية الأمريكية وأيْـن تتمرْكز وحدات الأسطول الخامس الأمريكي، لِـتُـدرك لماذا لم تُساند واشنطن الإنتفاضة في البحرين، وأين توجد أكبر قاعدة جوية أمريكية لأكثر المقاتلات والقاذفات الأمريكية تقدّما، لِـتَعرف موقِف واشنطن من أي تحول للديمقراطية في قطر"، على حد قوله.
المسؤول الأمريكي السابق اتهم إدارة أوباما بالإستمرار في السّماح لإسرائيل بتحديد المصالح القومية الأمريكية في المنطقة من خلال المنظور الإسرائيلي، وقال: "إنه ليس من المنطقي تصوّر أن إدارة أوباما تُساند التحوّل الديمقراطي في دول الربيع العربي، بينما تُواصل الإعتماد على أنظمة حُكم دكتاتورية أو أسَـر حاكمة غير مُنتَخَبة في تحقيق مصالحها في المنطقة".
الإفتقار إلى سياسة محددة
السيد برايان كاتوليس، كبير خبراء "مركز التقدم الأمريكي" في واشنطن يتفق مع هذا التحليل، لكنه يرى أن المشكلة الرئيسية في سياسة الولايات المتحدة إزاء دول الربيع العربي، هي أنها سياسة لم تتِم صياغتها بعدُ بشكلٍ مدروس ويقول: "إنها سياسة مبْنِيَة على ردود الأفعال وإدارة الأزمات، وتستند إلى التكتيك، وليس إلى الإستراتيجية. ففي الحالة المصرية مثلا، لن تجد أوباما يكرِّر نفس الموقِف الذي اتّخذه من مبارك، إذا تمكَّنت حركة تمرّد في الثلاثين من الشهر الجاري من حشْد ملايين المتظاهرين لأيام عديدة في ميادين مصر، وبدلا من ذلك، قد تجد تأييدا أمريكيا لمُواصلة بناء مؤسسات الدولة وتنظيم انتخابات برلمانية، وليس الإستجابة لمطلب انتفاضة شعبية جديدة بإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة".
في المقابل، يؤكد السيد رشاد حسين، المبعوث الخاص للرئيس أوباما إلى منظمة التعاون الإسلامي، أن الولايات المتحدة تُسانِد طموحات وتطلُّعات الشعوب العربية التي خرجت في انتفاضات الربيع العربي ويقول: "لقد أظهرت إدارة الرئيس أوباما مساندتها للديمقراطيات الناشئة في دول الربيع العربي، من خلال العمل مع الحكومات المُنتَخَبة حديثا، دون تفضيل لمساندة مرشّح بعينه أو حزب معيّن، ولم ترفض العمل مع الإسلاميين مثلا، بعدما أوصلتهم الإنتخابات إلى سُدّة الحُكم، ولكنها ستُقيِّـم أداءهم وِفقا لمبادئ الديمقراطية".
مبرّرات التردد الأمريكي
السفير ديفيد ماك، النائب السابق لمساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، يُبرّر عدم وضوح الإلتزام الأمريكي بدعم ثورات الربيع العربي بالإشارة إلى أنها "تمر (أي الثورات) بحالة من الإرتِباك وغِياب الرؤية، ولذلك، لا يمكن أن تلتزِم إدارة أوباما مثلا بمساندة مصر وهي تشهَد استقطابا سياسيا لم يسبق له مثيل، ولا ليبيا التي تمُر بحالة من الفوضى، كما أن الأزمة الإقتصادية والمالية الأمريكية، تجعل من المستحيل أن تقدّم واشنطن مساعدات ضخْمة لإنقاذ الإقتصاد التونسي أو المصري أو اليمني، كتلك التي انطوى عليها مشروع مارشال لمساعدة أوروبا بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية".
في هذا السياق، اعتبر السفير ماك أن الحذر الشديد الذي التزمته إدارة أوباما إزاء ما يحدُث في سوريا منذ تحول انتفاضتها السِّلمية إلى حرب أهلية، كان تصرفا حكيما، لأن المعارضة السورية المُنقسِمة على نفسها، لا تعرف ما الذي ستفعله في سوريا إذا ما حقّقت هدفها في إسقاط نظام الأسد.
البروفيسور بيتر ماندافيل، مدير مركز الدراسات الإسلامية العالمية بجامعة جورج ميسون في فيرجينيا، تطرق إلى التحوّل الأمريكي في التعامل مع الإسلاميين، وقال: "لم يكن الموقف الأمريكي من الإسلاميين موقِفا أيديولوجيا. ولذلك، لم يكن من الصَّعب أن تعكس إدارة أوباما ذلك الموقِف في أجواء وصول الإسلاميين إلى الحُكم في بعض دول الربيع العربي".
ولكن البروفيسور ماندافيل، يرى أن إدارة أوباما لم تُغيِّر من سياسات واشنطن في العالم العربي بعد ثورات الربيع العربي، ولا تزال تعتمِد على التعامُل مع الرجل القوي الذي وصل إلى حُكم البلاد والتزم بالحفاظ على مصالِح الولايات المتحدة وعلاقات بلاده بها، ويقول: "لنأخذ مصر كحالة، وسنجد أن إدارة أوباما تساند الرئيس محمد مرسي، طالما واصل احترام المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة ولن تُحمِّله مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان ولا انتهاج حزبه المسمّى الحرية والعدالة، لسياسات استبدادية شمولية في ثوب جديد".
ما الذي يُمكن أن تفعله واشنطن؟
من جهتها، ترى مارينا أوتاوي، كبيرة الخبراء بمعهد وودرو ويلسون، أن كل ما يُمكن أن تفعله الولايات المتحدة في مصر مثلا، هو تشجيع المعارضة الليبرالية على تنظيم صفوفها، لتُصبح معارضة فعّالة وعلى المشاركة في الإنتخابات البرلمانية المقبلة، لتتمكن من تشكيل توازُن ينمو بالتدريج في مواجهة قُدرة الإسلاميين على التنظيم والحشد، لكنها ترى أن نفوذ الولايات المتحدة في ليبيا، كان وسيظل محدودا، ولكنها تعتقد بأنه كان يتعيِّن على إدارة أوباما أن تساعد ليبيا في إصلاح قِطاع الأمن وتطويره وتحويل الميليشيات المسلّحة إلى قوة لخِدمة الأمن والنظام، بدلا من إشاعة الفوضى وعدم الإستقرار.
أما بالنسبة لما يمكن للولايات المتحدة عمله في تونس، فتقول مارينا أوتاوي: "لم تكن الولايات المتحدة لاعِبا رئيسيا فيما يتعلّق بتونس، التي توفر حاليا أفضل نموذج للنجاح النِّسبي في التحوّل نحو الديمقراطية، ولكن قلّة الموارد الأمريكية المُتاحة، تحُول دون قيام الولايات المتحدة بتقديم المساعدات الإقتصادية التي تمسّ إليها الحاجة، لتحقيق طموحات الشعب التونسي في الحياة الحرّة الكريمة، كما عبّرت عنها شرارة الربيع العربي التي أطلقها بوعزيزي". مع ذلك، يُلفت السفير ديفيد ماك، أنه رغْم قلّة الموارد الأمريكية، فإن إدارة أوباما سارعت إلى تخصيص حوالي 60% من ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية المُخصَّصة لدعْم الديمقراطية في تونس، منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية التونسية، وهو ما لم تفعله مع أي دولة أخرى.
ومع التسليم بعدم قُدرة الولايات المتحدة على إعادة نموذج المساعدات الإقتصادية الضّخمة لدول الربيع العربي، كما فعلت في مشروع مارشال، تشعر روبن رايت، الخبيرة في المعهد الأمريكي للسلام، بأن هناك الكثير الذي يتعيَّن على الولايات المتحدة عمَله، إذا كانت راغبة حقّا في مساندة الديمقراطيات الناشِئة في دول الربيع العربي، وتقول: "لن تتكلّف الولايات المتحدة أموالا ضخمة، إذا ساعدت هذه الدول في مكافحة الفساد والتدريب على الشفافية والمحاسبة وإصلاح أجهزة الشرطة ومساعدة مؤسسات المجتمع المدني".
swissinfo.ch