Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00869.jsonl.gz/70

قبل تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أمضى هنري دونان عدة أشهر في شمال إفريقيا في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر. وعاد متأثرا ومُعجبا بتسامح التونسيين وانفتاحهم.هذا المحتوى تم نشره يوم 27 يوليو 2022 - 09:00 يوليو,
في عام 1853، ذهب هنري دونان إلى الجزائر، على أمل إنشاء مطحنة للدقيق في ضواحي مدينة سطيف. وآنذاك، لم يكن عمره يتجاوز 24 سنة. غير أن إقامته في هذه المدينة الواقعة شمال الجزائر لم تواكبها ظروف مناسبة.
غادر دونان الجزائر بغية قضاء ستة أشهر في تونس (بين عامي 1856 و1857)، لعله يطلق مشروعه هناك. وقد انبهر بانفتاح المجتمع التونسي، لا سيما في المدن الساحلية حيث يعيش التونسيون بسلام مع الأقليات الإيطالية والأندلسية والفرنسية والمالطية.
تونس وسجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو
أكثر شيء أبهر هنري دونان في تونس هو إلغاء الاتجار بالسود واسترقاقهم. وقد اتُخذت الخطوات الأولية لهذا العمل الشجاع في عامي 1841 و1842، بعد صدور أوامر بذلك عن بريطانيا العظمى، التي كانت آنذاك على رأس حركة إلغاء استرقاق السود والاتجار بهم في المناطق العابرة للصحراء الكبرى وفي منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ووفقاً للمؤرخ التونسي خليفة شاطر، فإنه على الرغم من أن الحاكم أحمد باي آنذاك استغرق وقتاً وافراً قبل إلغاء الرق في المنطقة الواقعة تحت وصايته في 26 يناير 1846، إلا أن قراره بإلغاء العبودية اعتُبر عملاً تقدمياً وسابقة جسورة في العالم العربي - الإسلامي المحافظ.End of insertion
وهكذا، فإن تونس قد ألغت العبودية قبل الولايات المتحدة الأمريكية بتسع سنوات (18 ديسمبر 1865)، وبعد فرنسا القارية بنصف قرن (4 فبراير 1794)، وبعد سنتين فقط من تعميم قرار إلغاء العبودية على جميع البلدان التي استعمرتها فرنسا. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لم تعجب مالكي العبيد ورجال الدين المسلمين في البلاد، فإن القرار الذي اتخذه أحمد باي، الذي اعتبر العلاقات مع أوروبا من الأولويات، حظي بترحيب كبير.
إن المسلم في تونس هو عموماً خادم مخلص للإسلام. (...) فالقرآن الذي يتضمن تعاليم دينية وأخلاقية ومدنية وسياسية على حد سواء، يكرس فكرة الألوهية في كافة الأفعال البشرية وفي كل ظروف الحياة.End of insertion
ثم أصبح الاتجار بالعبيد عملاً مُداناً ومُنع في تونس. إذ كان يُنظر إليه على أنه من مخلفات حقبة زمنية أخرى أي من نظام تجاري وَلّى عهده. ويشرح خليفة شاطر أنه حتى حينما كان يمارس الاتجار كان يجري ذلك في الخفاء، وفي نهاية القرن التاسع عشر لم يعد له وجود تقريباً.
من شاتوبريان إلى دونان
عندما عاد دونان إلى سويسرا، ألف كتاباً بعنوان "وصف الإيالة التونسية". وقدم هذا الكتاب، الصادر في جنيف عام 1858، لمحة عامة عن النظام السياسي في عهد الباي واقتصاد البلد وتقاليده الاجتماعية. وأشير في هذا الكتاب بشكل خاص إلى تسامح التونسيين وانفتاحهم. فخلافاً للرحالة والمستشرقين الآخرين في تلك الحقبة، كان دونان يقدر الإسلام تقديراً كبيراً وفقاً لما هو مبين في الفقرة أدناه من "المذكرة":
"إن المسلم في تونس هو عموماً خادم مخلص للإسلام. (...) فالقرآن الذي يتضمن تعاليم دينية وأخلاقية ومدنية وسياسية على حد سواء، يكرس فكرة الألوهية في كافة الأفعال البشرية وفي كل ظروف الحياة. وتلك العودة المستمرة إلى الله ليست شكلية دوماً: ففي المناسبات الجليلة يوجد شيء عميق ومتغلغل ومؤثر".
واستلهم دونان هذا الوصف من الكاتب الفرنسي شاتوبريان في كتابه عن تونس. ففي هذا الخصوص، يذكّر الدكتور هادي جلاب، المدير العام للأرشيف الوطني التونسي، بأن هنري دونان بقي في تونس بين عامي 1856 و1857 وكتب "مذكرته" الشهيرة هناك، في حين كانت الإيالة تشهد زخماً إصلاحياً هائلاً. إذ أجرى الإصلاحات نخبة من الأشخاص المستنيرين والمشحونين بالأفكار الليبرالية.
ومن الواضح أن وجود تلك النخبة إضافة إلى جو الانفتاح على الأفكار الإنسانية هو ما دفع هنري دونان إلى دعوة باي تونس محمد صادق (1855-1882) للانضمام إلى "روح" الحركة الدولية للصليب الأحمر. ومن ثم، وجّه إليه رسالة بتاريخ 12 أبريل 1866 باسم "اللجنة الدولية العالمية لإغاثة الجنود الجرحى والمرضى في أوقات الحرب". وفي هذا السياق، اقترح على الباي أن يصدق على "اتفاقية جنيف"، المؤرخة 28 أغسطس 1864، والتي تتعلق بتحسين حال الجرحى والمرضى من الجنود في الميدان. وهي الاتفاقية نفسها التي كان من المقرر أن يطلق عليها اسم "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" منذ عام 1876.
التقاليد الإنسانية
ينوه الدكتور جلاب إلى أن أفكار هنري دونان، بعد أن ترسّخت في تونس، أصبحت تجتذب المزيد من الأتباع تدريجياً، لاسيما داخل المجتمع المدني المحلي. وسرعان ما تجلى ذلك التكريس من خلال إنشاء "الهلال الأحمر التونسي" في 22 أبريل 1943. فقد كانت مهمته الأساسية هي نشر "روح الصليب الأحمر في صفوف الشعب التونسي المسلم".
واستمرت تلك الملحمة بعد استقلال البلاد. ففي 4 مايو 1957، وقّعت الجمهورية التونسية الفتية على "اتفاقيات جنيف"، مما أدى إلى استمرار تقاليد دونان وأفكاره الإنسانية في تونس الحديثة.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة