Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00858.jsonl.gz/95

اختلفا في كل شيء، الدين والتاريخ واللغة والتقيا على الحب، بيري عراقية قررت قبل 40 عاماً ترك كل شيء خلفها في بغداد والهروب من الوطن وكسر كل جسور العودة إلى الأهل، من أجل الالتحاق برجل غريب كان ينتظرها في موطنه سويسرا.هذا المحتوى تم نشره يوم 22 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,
بمجرد أن أنهت بيري دراستها في الزراعة، التحقت بالعمل في مزرعة للأبقار في بعقوبة وهي لا تدري أن هذه الخطوة في حياتها المهنية ستغيّر كل مستقبلها وحياة أسرتها إلى الأبد.
في هذه اللحظة وفي هذا المكان تحديدا التقت بيري سويسريا سيشاء القدر أن يقلب حياتها رأساً على عقب.
جاء جيلبر إلى العراق في نهاية سبعينات القرن الماضي ليعمل لصالح شركة فرنسية في مزرعة للأبقار. آنذاك، أرادت السلطات في العراق إنتاج الألبان ذاتياً وتم تكليف ثلاث شركات من هولندا وفرنسا وألمانيا لدراسة أفضل الطرق لإنتاج الألبان محليا.
في منزلهما، الذي غلب على أثاثه اللون الأبيض والذوق البسيط، جلستُ مع زميلي المصور طوماس كيرن على الأريكة للاستماع إلى بيري وزوجها جيلبر يجلس بجوارها.
تبدأ بيري قصة الأربعين عاماً من حياتها بالقول: "بعد إنهائي دراسة الزراعة، التحقت بالعمل في المزرعة، التي يعمل بها جيلبر لمدة عام. كان حبنا أفلاطونياً ولكني كنت شغوفة برؤيته وقضاء الوقت معه. لذا كنا نلتقي سراً في مكتب الشركة، التي يعمل جيلبر لصالحها".
سألتُ بيري: "كيف كان رد فعل أسرتك عندما أخبرتهم بأنك تريد الزواج بأجنبي؟".
ردت بعفوية دون تردد: "لم أخبرهم أصلاً . الزواج في العراق هو شأن أسري وتحكمه أعراف القبيلة. لديّ أختٌ متزوجة من ابن عمنا وهذا هو أفضل زواج وفق التقاليد والعادات العراقية".
لم تجرؤ بيري على إخبار أسرتها بشغفها بهذا الرجل الغريب، فقررت أن تسبقه إلى وطنه وتهرب إلى سويسرا.. "كان لابد أن أسافر قبله، فاختفاؤنا سوياً فجأة من الشركة كان سيُثير الشبهات".
أخبرت بيري والديْها وإخوانها بأنها ستزور صديقة تدرس في لندن ستساعدها في الحصول على فرصة لمواصلة الدراسة هناك.. "أما إخوتي البنات فأخبرتهن كل الحقيقة، ما عدا أختي الكبيرة".
"حصلتُ على تأشيرة دخول سويسرا خلال نصف ساعة"
بعد حجز تذكرة ذهاب، توجّهت بيري إلى السفارة السويسرية في بغداد وحصلت على تأشيرة سياحة بعد نصف ساعة من تقديم الطلب.
وتروي بيري بصوت يساوره القلق ويخنقه الخوف وهي تتذكر هذه اللحظة رغم مرور أربعين عاماً عليها: "كنت حائرة ولا أرى مخرجا: لو اتبعت قلبي ورحلت مع جيلبر، سأفقد أسرتي وأهلي وبلدي. ولو لم أهرب معه سأُضيع حبّ حياتي".
استجمعت بيري شجاعتها وقررت السفر" لم أتوقف عن البكاء طوال الطريق المؤدي إلى المطار، حتى نهرني أخي جيلان. كي لا ألفت انتباه رجال الأمن في المطار".
عند وصولها مطار جنيف، استطاعت بيري التعرف على والديْ حبيبها بمساعدة صورة أعطاها لها جيلبر "لم أكن أتحدث الفرنسية ولم أفهم غير جملة: كيف حالك؟".
بقيت بيري أسبوعين مع أهل زوجها المستقبلي، حتى وصل جيلبر إلى سويسرا ليتزوجا في 1 فبراير 1980. ورغم أن بيري لم تكن تتحدث الفرنسية آنذاك، فقد حصلت بسرعة لافتة على الجنسية السويسرية.. "حصلت على جواز السفر السويسري بعد خمسة أيام من الزواج".
سألتُ بيري بصراحة: أليس من السذاجة أن تفرّي إلى المجهول وأن تحرقي كل قوارب العودة إلى الوطن والأهل؟ فردت: "بالطبع كان من السذاجة أن أهرب من أجل رجل إلى بلده وأنا لا أعرف عنه أي شيء. لقد وثقت في جيلبر، وكان الحب بصيرتي، التي قادتني إلى هنا. لو عاد بيَ الزمن، سأفعل نفس الشيء ".
"ابن الحرام" الذي حمل اسم الأخ وروحه
أخفت بيرى زواجها لمدة عام، وأخبرت أهلها أنها انتقلت إلى سويسرا للعمل في شركة إلى حين الحصول على منحة دراسية في المملكة المتحدة. سارت حياتها في هدوء تكسره وحشة الأهل والوطن، حتى وصلها خطاب من أبيها يخبرها بأنه سيزورها خلال جولة يُزمع القيام بها في أوروبا :"كنت في هذه اللحظة في الشهر الثامن من الحمل. بكيت كثيرا واضطررت إلى كتابة الحقيقة كلها كما هي. أخبرت أبي، أنا سعيدة مع هذا الرجل، الذي أردته وأنا متأكدة أنك ستحبه".
فرد أبي "وصلني خطابك. كان بمثابة صفعة على وجهي، لقد حطمت كل جسور العودة إلى العراق. لكنني سعيد أنك سعيدة".
أما رد فعل أمها فكان عنيفاً، كما تقول بيري "أعلنت أمي الحرب عليّ وتبرأت مني. اعتبرت أمي ابني جيلان ابن حرام، وأبلغت إخوتي أن يخبروني بأنها من ثقل إحساسها بالعار لم تعد تخرج من الدار ولا تزور أحد ولا تذهب إلى أي مناسبة".
بهذا انقطعت حبال الوصل بين بيري وأسرتها، حتى جاءت أختها إلى سويسرا لعلاج رضيعها.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، أصيب رضيع أختها الكبيرة بسرطان الدم. وقام زوج بيري في سويسرا بإعداد كل الأوراق والتأشيرة وحصل على موافقة لعلاج الرضيع في مستشفى متخصص في علاج السرطان. لكن الرضيع توفي للأسف في أول جلسة علاج كيماوي ودفن في سويسرا.
وتروي بيري "عادت أختي مع زوجها إلى العراق وبدأت أمي كالعادة في الحديث عني بصورة سيئة، فنهرها ابن عمي وقال لها "لو بحثتِ في العراق من شماله إلى جنوبه لن تجدي رجلاً في إنسانية هذا الرجل. توقفي عن الحديث عنهم بصورة سيئة. هذا الرجل ساعدنا بكل ما في وسعه. كان يستيقط فجر كل يوم، حتى يأخذ حليب أختي ويجلبه إلى المستشفى البعيد عشرات الكيلومترات، ليذهب بعدها إلى عمله في وقته".
وتؤكد بيري "بعد حديث سلفي وابن عمي عن زوجي بهذه الطريقة، تحسّنت طريقة أمي معي".
العودة إلى عراق صدام
في غربتها في سويسرا، توفي أخوها الكبير جيلان في الحرب العراقية الإيرانية "سميت ابني جيلان قبل أن أعرف أنني سأفقده".
أصابت هذه الفاجعة بيري بالألم وساءت حالتها الصحية بسبب فقدان أخيها الكبير وتملكها الشوق لرؤية أهلها وزيارة الوطن "لم أكن أعرف تبعات قرار زيارة العراق. وفق القانون العراقي، فإنني كنت عزباء، وكنت أريد أن أذهب هناك مع ولديّ الاثنين جيلان وديلمان. أصبحتُ سويسرية، لكن القانون العراقي لا يسمح بحمل بجنسية أخرى. العراقي يبقى عراقيا طوال عمره والأشخاص في بلادنا هم القانون نفسه. لم يكن ليحميني أي أحد لو تم اعتقالي".
وتوضح بيري أنها كانت عزباء وفق القانون العراقي، أما المجتمع فوصمها بالعار لزواجها من سويسري "كنت أقدم أوراقي في دائرة إقامة الأجانب وهناك سمعت أحد الموظفين يقول: ياله من عار أن تتزوج فتاة مثلها من أجنبي".
لكن زيارات بيري للعراق تكررت ولا سيما بعد تعليق العقوبات الاقتصادية على العراق، بعدما انهار النظام الصحي وأصبح هناك نقص في الأدوية "بدأت في أخذ أدوية للمرضى من أقربائنا وجيراننا . أصبحتُ "بابا نويل" في محيطي ومحققة الأمنيات المستحيلة في عراق صدام. وتحسّنت علاقتي مع كل أسرتي".
اليوم، تعيش بيري في قرية بالقرب من مدينة إيفردون مع زوجها ولديها ثلاثة أبناء وحفيدتان. ما تزال بيري نشطة سياسيا في البلدية وكانت تشغل مقعداً في الهيئة المكلفة بتجنيس الأجانب في البلدية. وبعد مرور أربعين عاماً على معركة زواجها بالرجل الذي اختارته، تقول بيري "لو عاد بي الزمن، سأعاود الهروب من أجل جيلبر مرة أخرى، لست نادمة على شيء. ربما تمنيت ألا اضطر لكل هذا. جيلبر لم يضطر للكذب، رغم كل الاختلافات بيني وبينهم، قبلتني أسرته كما أنا".
الزواج ما يزال قضية رأي عام في سويسرا
في عام 1874 رسخ القانون الفدرالي الزواج المدني في سويسرا، وذلك رغم معارضة الكنيسة الكاثوليكية. وفي عام 1952 تم إلغاء قانون سحب الجنسية من المرأة السويسرية عند زواجها بأجنبي. وهذا العام صوّت مجلس النواب السويسري لصالح زواج المثليين والمثليات، في إطار مبادرة "الزواج حق للجميع".
في هذه السلسلة من التقارير نستكشف قصصاً تحدى أصحابها القوانين والأعراف للارتباط بإنسان يرفضه المجتمع أو القانون.
شارك/ي قصتك معنا.End of insertion