Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/20

اصبحت مشكلة الاجانب في افغانستان اكثر تعقيدا في الفترة الاخيرة بتدخل اكثر من ستة اطراف رئيسية اجنبية تمارس اعمالها في افغانستان باشكال مختلفة وهو ما لا يسمح بتعريف مبسط لمفهوم الاجنبي.
ليس من الصعب إدراك الكيفية التي رسخت عقدة الأجنبي في الثقافة التقليدية الأفغانية، فنظرة سريعة إلى أحد كتيبات "موجز عن تاريخ أفغانستان"، التي كانت السفارات الأفغانية في عواصم العالم توزعها خلال السبعينات، تكفي لاكتشاف السياق الذي ترد فيه عبارة "الشعور القومي الفياض" للشعب الأفغاني، التي تتكرر كثيرا منذ ذلك الحين، والتي يتم من خلالها تفسير حساسية الأفغان ضد الأجانب الذين ارتبطت صورتهم في ذهن ذلك الشعب "بالغزاة" الذين تفخر أفغانستان بأنها كانت مقبرة لهم.
فقد قامت تلك الدولة عام 1747 في منطقة عازلة بين نفوذ الإمبراطورية الروسية في الشمال والإمبراطورية الإنجليزية في الجنوب (الهند)، وأدى الصراع بين الإمبراطوريتين، فيما عرف بصراع الفيل والحوت، حتى تحولت أفغانستان إلى "ممر عبور" لقوات وجنسيات متعددة والى عدة محاولات لاحتلالها من جانب الهنود (بمساندة الإنجليز) من الشرق والإيرانيين من الغرب.
ولا يزال الأفغان يذكرون بفخر وقائع معركة عام 1824 التي أبيدت فيها قوة بريطانية قوامها 17 ألف مقاتل، كدليل على عدم قدرة أحد على احتلال أفغانستان، رغم أن تلك القوة البريطانية كانت تتمركز في كابول وغزنة وقندهار، لدعم "الشاه شجاع"، حليفهم الأفغاني، الذي كان الشعب قد ثار ضده وقتله عام الف وثمان مائة وواحد واربعين.
هو نفس المنطق الذي يتم من خلاله تذكر دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان عام 1978، والذي ينظر إليه كذلك على أنه غزو، رغم أنه حدث بالتعاون مع نظام "بابراك كارميل" الماركسي البشتونى .
وقد تكرر ذلك في الفترة الأخيرة، فقد استخدمت طالبان نفس المقولات في تعبئة الشعب الأفغاني ضد القوات الأمريكية عند دخول تحالف الشمال المتعاون معها إلى كابول، فالقضية ليست أن هناك طرفا أفغانيا يوجد في الصورة، لكن أن هناك طرفا أجنبيا يدخل أراضي أفغانستان.
المثير في الموضوع، أن كل الفصائل الداخلية الأفغانية المتصارعة - بما في ذلك طالبان - خلال العقدين الماضيين قد أقامت "علاقات خارجية عضوية، هي التي حددت تقريبا موقعها على الخريطة الأفغانية.
فطالبان لم تكن لتسيطر عام 1996 دون دعم باكستان وتنظيم القاعدة، وهناك علاقات قوية بين الهزارة وإيران ، وبين الطاجيك والأوزبك مع دول آسيا الوسطى الممتد من طاجيكستان تركيا تركيا، "فالأجانب" موجودون بكثافة في الداخل، لكن دون قوات.
من هو الأجنبي؟
لقد اصبحت مشكلة الأجانب في أفغانستان اكثر تعقيدا في الفترة الأخيرة، فهناك مالا يقل عن ستة أطراف رئيسية "أجنبية" تمارس عملها في أفغانستان، بأشكال مختلفة لا تتيح لمختلف القوى الأفغانية تعريفا بسيطا مقنعا لمن هو الأجنبي الذي يتدخل هذه المرة في شؤون البلاد، وبالتالي أصبح كل طرف يقدم تعريفه الخاص لذلك الأجنبي، تبعا لمصالحه، ولم يعد الشعب الأفغاني – على الأرجح - يصدق أحدا من أمراء الحرب، وربما لم يعد يبالي. فليس هناك تعريف أفغاني واحد للأجانب في الوقت الحالي.
إن الولايات المتحدة تعد الطرف الرئيسي الذي يعمل في أفغانستان، لكنه كان يعمل حتى الأيام الماضية من الجو في الأساس، دون أن يثير شبهة الغزو، ولديه أهدافه الخاصة التي تتعلق بإسقاط طالبان وتدمير القاعدة، وليس احتلال الأرض، ويتم ذلك بالتعاون مع فصائل مسلحة تمثل 60 في المائة من سكان الدولة، وتتعامل معه طالبان دون غيرها على أنه الأجنبي، لكن تصريحات قادة طالبان حول "غزو الكفار"، لم تعد تفرز هذه المرة نفس التأثيرات التي أفرزتها أراء المجاهدين في نهاية السبعينات ضد غزو الشيوعيين.
باكستان تعد الطرف الرئيسي الثاني في العملية الجارية، وقد وجدت نفسها منذ البداية في مأزق شديد التعقيد، فهي الدولة التي أوصلت طالبان إلى الحكم، إلا أنها قد تخلت عنها في الحرب الحالية، مع تحويل دعمها إلى قبائل الباشتون، قاعدة طالبان السكانية.
ويعتبر تحالف الشمال أنها الأجنبي، إلا أنه يتم كبت هذه التوجهات من جانب الولايات المتحدة، وتجد طالبان نفسها في معضلة إزاء باكستان، إذ أنها قد تخلت عنها، لكنها لم تتخل عن الباشتون، ولا يمكنها أن تعتبرها في النهاية أجنبي، بعد أن حملت هذا المفهوم بمفاهيم دينية.
وروسيا الاتحادية تعد طرفا أجنبيا آخرا شديد الأهمية، وإن لم يكن يقف في واجهة الصورة، فقد أتاحت للولايات المتحدة تسهيلات واسعة في دول الاتحاد السوفيتي السابق، وقدمت لتحالف الشمال دبابات وعربات مدرعة ومعدات قتال وذخائر أحدث مما لدى طالبان، وأدى دعمها السياسي لواشنطن ضد طالبان إلى خلق بيئة مواتية لعمل عسكري دون ضغوط، وتمثل روسيا نموذجا لحالة معقدة تجعل من الصعب تقييمها كطرف أجنبي، مقارنة بما جرى مع الاتحاد السوفيتي في السابق.
في هذا السياق ، تقدم بريطانيا وإيران وتركيا والهند والأفغان العرب الذين يعتبرهم تحالف الشمال أجانب، والأمم المتحدة التي حاولت قيادات القاعدة تصنيفها كعميل للأجانب، نماذج أخرى لأطراف مؤثرة في الوضع الأفغاني القائم، دون أن يكون من الممكن تطبيق المفاهيم التقليدية السائدة بشان الأجانب بالنسبة له.
فقد ارتبطت تلك المفاهيم بحالات بسيطة يتدخل فيها طرف واحد عسكريا لاحتلال أفغانستان أو غزوها كبريطانيا قديما أو الاتحاد السوفيتي حديثا، وكان من السهل في الحالة السوفيتية اتهام الطرف الأجنبي استنادا على مفاهيم إسلامية جهادية.
ولقد فقد ذلك معناه في الوقت الحالي، بالنسبة لحالات مختلفة، ولم يعد من الممكن بفعل تطورات التكنولوجيا العسكرية أن يتم دفن الأجانب في أرض أفغانستان، إضافة إلى انهم اصبحوا يقومون بأدوار أكثر تركيبا من ذي قبل، بينها مهام إنسانية، وفقدت التعبيرات الجهادية معناها في ظل الصراع الواضح على السلطة في الداخل، ولم تعد هناك أصلا أفغانستان واحدة، لذا فإن الأطراف الخارجية سوف تتمكن هذه المرة من إعادة رسم خريطة أفغانستان، أو تركها نهبا للفوضى دون أن يدفنوا فيها.
وفي أغلب الأحوال سوف يتساءل الشعب الأفغاني عمن تسبب في ذلك دون أن تكون لديه إجابة محددة، فقوة التاريخ قد بدأت تضعف وتعقيدات الواقع قد بدأت تسيطر، لكن لا يزال الوقت مبكرا للحديث عن نهاية ما، لعقدة الأجنبي في أفغانستان.
محمد عبد السلام - القاهرة