Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00886.jsonl.gz/69

يُمكن أن تكون الجهات الحكومية العُليا هي مَن يضع الديمقراطية المباشرة في يَـد الشعب أيضاً. وقد تجلّى هذا الأمر في بلدية جاكوفا في كوسوفو، التي تترأسها للمرّة الأولى سيدة، هي ميموزا كوزاري - ليلا، التي إلتقتها swissinfo.ch مؤخّرا في مدينة بيل/بيان أثناء مشاركتها في المؤتمر السنوي للتعاوُن السويسري مع أوروبا الشرقية.
تُشبه نجمات السينما، وإسمها مؤلف من نوعيْن من الزهور. ميموزا كوزاري – ليلا تتمتّع لامحالة بمقومات الشخصية الجذابة. ولكن الشيء الأكيد، هو أن أول رئيسة بلدية في كوسوفو لا تَدين بمنصبها هذا إلى مظهرها الساحر، ولكن لما تتمتّع به من خِبرة مِهنية وسياسية كبيرة في هذا البلد الوليد، بالرغم من عدم بلوغها بعدُ عامها الأربعين بَعد.
يُمكن القول أيضا أن المسيرة المِهنية لميموزا كوزاري - ليلا لم تعرِف الحدود أبداً. فبعد إتمامها لدراسة الاقتصاد في وطنها أولاً وفي الولايات المتحدة لاحقاً، حيث حصلت على درجة الماجستير، عادت إلى كوسوفو في عام 2001 لتعمل في البنك الدولي، وفي الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لدعم مشاريع الأعمال التجارية. ومن خلال اضطلاعها بعدد من المشاريع الهامة هناك، شهِدت انطلاقتها المِهنية السياسية تسارُعا مطردا. ففي عام 2003، عُرِض عليها منصب المتحدِّثة باسم الحكومة والمستشارة السياسية لرئيس الوزراء آنذاك، قبل أن تُنتَخَب لعُضوِية البرلمان - بعدد من الأصوات فاق جميع المُنتَخبين - لتتبوّأ أخيرا منصِب نائبة رئيس الوزراء المسؤولة عن التجارة والصناعة في عام 2011.
في عام 2013، قرّرت التنازُل عن منصِبها الرفيع بُغية الإلتزام بالحملة الإنتخابية، للتنافُس على منصِب رئاسة بلدية جاكوفا المترامية الأطراف، التي تضم ما يقرب من 100,000 نسمة، يعيش حوالي 40,000 منهم في المدينة التي تحمِل نفس الإسم.
"ينبغي أن يكون رئيس البلدية قادراً على فعل ما تقوم به أي أمّ في المنزل: معالجة عشر قضايا مختلفة في وقت واحد. لِذا نحتاج إلى المزيد من النساء في هذا المنصب في كوسوفو، كما قالت ميموزا كوزاري - ليلا في المؤتمر السنوي للتعاون مع أوروبا الشرقية للوكالة السويسرية للتنمية والتعاون.
ومع ما تتمتّع به من كفاءة عالية، استطاعت ميموزا كوزاري - ليلا إحداث بعض الفروقات بالفعل في جاكوفا، وبخاصة في المجال الإقتصادي، حيث تُعتَبَر بلديتها الوحيدة في كل البلاد التي تتوفّر على مركز للإبتكار. كما تتّجه جاكوفا إلى تلبية بعض المعايير الأوروبية، لاسيما في مجالي الإسكان والخدمات الإلكترونية، "في انتظار اليوم الذي تنضم فيه كوسوفو إلى الإتحاد الأوروبي".
ولكن، وقبل كل ذلك، مُنِحَت جوكوفا في عام 2014 لقَب البلدية الأكثر شفافية من قِبل المعهد الديمقراطي لكوسوفو، وهذا في بلد يحتلّ المرتبة العاشرة بعد المائة (110) في مؤشّر الفساد الذي تنشره دوريا منظمة الشفافية الدولية من أصْل 175 دولة.
swissinfo.ch: تُشير استطلاعات الرأي إلى أن سكّان دول البلقان يشكّون في السلطات بشدّة، ولئن كانوا يثقون أكثر قليلا بالساسة المحليِّين. كيف استطعتِ كسْب ثقة مواطنيك؟
ميموزا كوزاري - ليلا: قبل ترأسي لبلدية جاكوفا، سبق لي وأن خُضت مساراً وطنياً لعدّة أعوام بالفعل. وأظُن أن الناس قالوا لأنفسهم "لابد أن تكون هذه المرأة قادِرة على قيادة البلدية بعدَ كل هذا". إن رئيس البلدية الجيّد لابد أن يكون مُلتزِماً وجدّياً، كما ينبغي أن يتمتّع برُؤية ومِصداقية، لكي يكون قادراً على تغيير الأمور.
ولكني لم أكُن أتخيّل مدى جسامة متطلّبات هذه الوظيفة، التي لا تتركك أبداً وتشغل كل وقتك على مدار 24 ساعة طيلة أيام الأسبوع، حيث من المُهم استطلاع أسباب المشاكل والخوْض في جميع التفاصيل على أرض الواقع. علَي أن أكون قادرة على تفهُّم مشاكِل المواطنين العادِيِّين. هذا العمل يختلِف تماماً عن العمل في الحكومة المركزية. لكنه يشعرك بالرِّضا في نفس الوقت أيضاً، لاسيما عندما تتمكّن من حلّ بعض المشاكل.
هناك برنامج حِواري تُديره محطّة الإذاعة الأكثر شُهرة في كوسوفو، يستطيع المواطنون خلاله الإتِّصال وإبلاغ شكاويهم أو استفساراتهم للسياسيِّين مُباشَرة. وليس من المُستغرَب أن تكون 80% من هذه المُكالمات موجّهة لدوائر البلدية أو رئيسها.
المساعدات السويسرية لدول البلقان
اعتمد المواطنون السويسريون في عام 2007 القانون الفدرالي بشأن التعاون مع أوروبا الشرقية، الذي تدعم سويسرا بموجبه الدول الشيوعية السابقة في جهودها الرامية لبناء وتعزيز الديمقراطية والإنتقال من الإقتصاد المُوجّه الى اقتصاد السوق.
من أجل تحقيق هذه المهام، خصصت سويسرا في الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2016، مبلغ 1,125 مليار فرنك، يذهب مناصفة إلى خمس جمهوريات سوفييتية سابقة، ودول البلقان الخمسة (ألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا وصربيا).
تُخصّص ثلثا هذه الأموال لإدارة مشاريع الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، في حين يذهب الثلث المتبقي لمشاريع تُديرها كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية.
تركز المشاريع السويسرية تحديداً على دَعم الحوكمة الرشيدة في البلديات، من خلال التدريب الأفضل لموظفي القطاع العام، وتطوير البنى التحتية، وتبسيط الهياكل الإدارية لتحسين البيئة الإقتصادية، وتعزيز مصادر الطاقة المستدامة، وإصلاح إمدادات مياه الشرب، ونظام التعليم والنظام الصحي.
swissinfo.ch: أنت تناشدين عبْر هذه الشكاوى مشاركة حقيقية من المواطنين. وبالرغم من أن متوسّط السكان في بلديتكم ينتمي إلى فئة الشباب، لكن عدداً غيْر قليل منهم وُلِـدوا في يوغوسلافيا السابقة، التي لم يتمتّعوا فيها بالضرورة بالكثير من حرية التعبير والمشاركة...
ميموزا كوزاري - ليلا: الوضْع يتحسّن بالتدريج. وهنا يأتي دور القادة في رسم الطريق. ونحن نُـبيِّن للمواطنين من خلال انفتاحنا على عمليات معيّنة في صنع القرار، ما لهم من إمكانيات للمشاركة. وعلى سبيل المثال، قمنا في جاكوفا في العام الماضي بتنظيم أربع جلسات عامة حول الميزانية في مناطق مختلفة من البلدية. هذا بالإضافة إلى المناقشات المنتظمة الدائرة في المجلس البلدي. وقد ساهم ذلك بمعالجة العديد من القضايا، وصولاً إلى تحقيق التوازُن بين الجنسيْن في الإدارة والمجتمع بشكل عام، وهو أمرٌ شهدته البلدية للمرة الأولى.
وتكشف لنا إتاحة مثل هذه الفرصة، أن باستطاعة الناس الإتيان بالكثير من الكفاءات المختلِفة. ولنأخذ على سبيل المثال ملعب كرة القدم الجديد الذي سيحل محل الملعب الحالي القديم الموجود منذ 50 عاماً. لقد شارك في المناقشة التي تمَّت حول ذلكَ مجموعة من الأشخاص، كالمهندسين المعماريين، والمهندسين المدنيين، ومُخططي المدن، وعشاق الرياضة، لأنهم أدركوا أن المسألة لا تتعلَّق بالنِّقاش من أجل النقاش، ولكن بالمشاركة الفِعلية للمواطنين.
عندما يكون لديْك سياسيِّون مُنفتحون راغبون في خلْق مشاركة شعبية حقيقية، تُشعِر المواطنين أن البلدية مِلْـك لهم، فسوف يُكتَب للأمر النجاح.
ولكن لو أغلق المُنتَخَبون أبوابهم وعملوا لمصلحتهم الذاتية فقط، عِوضاً عن التفكير في الصالح العام، فأنا على يقين من أنهم سيدفعون الثمن في نهاية المطاف. ذلك أنَّ الديمقراطية هي أفضل نظام إخترعته البشرية حتى الآن. ونحن نحاول بذل قُصارى جهدنا في جاكوفا لكي تعمل الديمقراطية بشكل جيّد ضمن إطار النظام السياسي في بلادنا.
swissinfo.ch: معروف أن سويسرا فخورة جدا بديمقراطيتها المباشرة. هل تريْن أن هذه التجربة قابلة للتطبيق في كوسوفو؟
ميموزا كوزاري - ليلا: إن لسويسرا كل الأسباب التي تدعوها للشعور بالفخر، إذ يمثل نجاح الديمقراطية والنظام برمّته في سويسرا نموذجاً لبقية العالم. ويكفي أن نأتي إلى هنا لكي نكون على بيّنة من ذلك. لقد أعجِبتُ في بيل/بيان (تابعة لكانتون برن)، وفي مناطق أخرى أيضاً بالعمل الجيِّد لوسائل النقل العام وغيرها من الخدمات العامة. كما أن العناية بالحدائق العامة جيدة جداً.
الناس في بلدنا لديهم مشاكل وجودية من نوع آخر. فعند الإستيقاظ صباحاً للذهاب إلى العمل - هذا إذا كان للشخص عمل أصلاً - يبدأ التساؤل حول خروج الماء من الصنبور، ومدى صلاحيته للشرب دون مخاطر، أو إذا كان التيار الكهربائي سينقطع ثانية، أو متى سيتم توصيل المنطقة السكنية بخط الحافلات، لكي لا يضطر أطفالنا لقطع أربعة كيلومترات سيراً على الأقدام للوصول إلى المدرسة.
لدينا على المستوى المحلّي انتخابات شعبية للمجالس البلدية، ورؤساء البلديات بالفعل [وفي صربيا، التي انفصلت كوسوفو عنها في عام 2008، ما زال تعيين هؤلاء يتِم من قِبل المجالس الإقليمية، التحرير].
كما نعمل أيضا على تقليص الهياكل البلدية إلى وحدات مُنَظَمة في القُرى والمناطق التي يمكننا منحها السلطة المحلية. وكما رأينا في جلسات الاستماع بشأن الميزانية، يشجِّع مثل هذا الإجراء المواطنين، كما يؤدّي إلى تحسين تدفّق المعلومات في كِلا الاتجاهين.
swissinfo.ch: عدا هذه القضايا السياسية، وضعتِ التنمية الإقتصادية والعمالة كأهداف لولايتك. ما الذي أنجِزَ بهذا الشأن؟
ميموزا كوزاري - ليلا: بالتأكيد. لقد قُمنا بتخصيص إمكانات من أجْل التنمية، وهي كثيرة. ولكننا لم نَعُد نعتمد على الإقتصاد الموجه اليوم ولكن على إقتصاد السوق. وبالتالي، سوف يتولّى القطاع الخاص دفع عجَلة الاقتصاد إلى لأمام وخلْق فُرص العمل والثروة.
لقد قُمنا بتقليص الإدارة البلدية في جاكوفا من خلال عدم تعْيين موظّفين جُدد محلّ الذين غادروا لبلوغهم سِن التقاعد. ينبغي تقليص حجْم القطاع العام في جميع أنحاء البلاد. أنا لا أتوقّع من الحكومة استثمارات ضخْمة في مجال الأشغال العامة - رغم أهمِيتها. ولكني أتوقّع بدلا من ذلك شروطاً قانونية عامة تسمح بتطوير القطاع الخاص.
عندما يبلغ معدل البطالة 40 أو 50%، لا يمكن للناس أن يتغذوا بالطّرقات أو البُنى التحتية الأخرى. إنهم بحاجة للذّهاب إلى العمل وإلى غدٍ أفضل.
swissinfo.ch