Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/44

ترك برونو غانْز، صاحب النبرة الصوتية الفريدة، والحضور المُميز على الشاشة الفضية، سواء قام بأداء دور ملَك أو صحفي أو ديكتاتور، بصمته على السينما الأوروبية في النصف الثاني من القرن الماضي. واعترافا منها بمكانة هذا العلم من أعلامها ابن الـ 76 ربيعا، المتواضع، وكثير التدقيق، قررت سويسرا تكريمه بمنحه الجائزة الفخرية للسينما السويسرية.
على العكس من ذلك، ومع أن برونو غانز لا يقوم بدور نجم، إلا أن كبار المخرجين الأوروبيين يدلّلونه، وكما يقول المخرج السويسري نوربير فيدمر، الذي أخرج الفيلمين الوثائقيين عن برونو غانز ومعه: "إنه رجل منكمش، وبالأحرى انطوائي، ويحتاج لأن يُخصّص له وقت كثير"، وبالفعل، قام لدى إخراجه لشريط "خلفي أو "Behind me" بمتابعة الممثل السويسري لمدة ثلاث سنوات. أما عن الإستعدادات لإخراج النسخة الكاملة من "فاوست"، الذي كان عبارة عن ماراثون مسرحي استمر على مدى 22 ساعة، فيقول: "أعجبني جدا انضباطه ومهارته التنظيمية، ذلك أن حفظ نص طوله ثلاث ساعات شيء لا يُصدّق، إنه فعلا رجل محترف!".
أبوه عامل سويسري وأمه فلاحة إيطالية، ولد وترعرع في زيورخ، التي تبيّن منذ وقت مبكر أنها - رغم كبرها - صغيرة بالنسبة لأحلام الشاب برونو غانز الذي كان يحلم أن يصبح ممثلا. ففي عام 1961، حينما كان يبلغ من العمر 20 عاما، سافر للدراسة في ألمانيا، وهناك في مسرح برلينر شوبون وبالإشتراك مع بيتر شتاين، سرعان ما تألق نجم الشاب كأحد عمالقة المسرح الناطق باللغة الألمانية.
مع نهاية السبعينات، بدأ الجمهور في التعرف على هذه الشخصية الشابة، من خلال صورة رجل يجوب شوارع هامبورغ في فيلم "الصديق الأمريكي" (1977)، ومن ثم بعد سنوات قليلة بصورة بحار يبحث عن الحرية في فيلم "في المدينة البيضاء" (1983) للمخرج آلان تانّير، ومن ثم بصورة ملاك في فيلم "السماء فوق برلين" (1987) لفيم فيندرز.
خلال مسيرة نصف قرن، عمل برونو غانز لحساب عدد من ألمع المخرجين الأوروبيين والأمريكيين، منهم فرانسيس فورد كوبولا، وثيو انجيلوبولوس، وجوناثان ديم، وجوزيبي بيرتولوتشي، وعرفه الجمهور الإيطالي بالدرجة الأولى من خلال دوره في "الخبز والزنبق" لسيلفيو سولديني، الذي أهله للحصول على الجائزة السويسرية عن أفضل أداء في عام 2001، و "النهاية هي بدايتي" (جو باير، 2010) الذي لعب من خلاله دور الصحافي الشهير تتسيانو تتسياني.
غير أن ما ميّز برونو غانز ليس فقط حضوره على الشاشة، وإنما أيضا نبرة صوته العميقة المُوحية بالأمان، وإجادته لعدة لغات، فهو يتحدث الألمانية والفرنسية والإيطالية بطلاقة، الأمر الذي جعل من شخصيته انعكاسا لصورة سويسرا متعددة الثقافات والمنفتحة على العالم. وعلى الرغم من ابتعاده عن بلاده لأكثر من 50 عاما، إلا أنه احتفظ بعلاقة وثيقة معها، وكان كثيرا ما يُشارك في بعض الأعمال السويسرية الصغيرة.
انطلاقا من محبته للتاريخ الألماني، وخاصة تاريخ الحرب العالمية الثانية، لم يكن أمام برونو غانز سوى قبول التحدي عبر رواية فصل من أحلك فصول التاريخ في سويسرا، وهو قتل تاجر المواشي اليهودي، في باييرن Payerne، وتقطيعه ليُقدّم كهدية لهتلر، في فيلم "يهودي كمثال أو للعبرة" Un juif pour l'exemple الذي أخرجه السويسري جاكوب بيرغر، وأنتجته في عام 2016 شركة "فيغا فيلم" التي أصدرت آخر ثلاثة أفلام سويسرية شهدت مشاركة برونو غانز.
روث فالدبرغر، صاحبة شركة فيغا فيلم، أشارت إلى أنها لم تُواجه أي صعوبة في إقناع برونو غانسز الذي يرى أن سويسرا أمعنت طويلا في نفي دورها بالحرب العالمية الثانية، ولاحظت أن غانزك - ومن أجل أن يمثل شخصية تاجر المواشي آرثر بلوخ كما ينبغي - قام بالعديد من التحريات والمحاولات، كما أنه التقى شخصا يُجيد الإيحاء للبقر لكي يفهم منه كيف سيتحرك وكيف سيتعامل مع المواشي. وتتابع فالدبرغر قائلة: "إن برونو غانز ممثل بارع، ويقوم بعمله بجد وإخلاص، ويطرح أسئلة ذكية حول نص السيناريو وطريقة تمثيله، ويقدم أفكارا جديدة".
في يوم الجمعة 24 مارس 2017، يتسلم برونو غانز في مدينة جنيف "الجائزة الفخرية للسينما السويسرية لعام 2017رابط خارجي"، ومن المُحتمل أن يعود الفنان من هناك مُحمّلا بجائزة أخرى، وهي جائزة أفضل ممثل عن دوره في تجسيد شخصية آرثر بلوخ في فيلم "يهودي كمثال أو للعبرة" Un juif pour l'exemple.