Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/69

"الآن، ومن القوقاز ووسط آسيا إلى الشرق الاوسط الأوسع، نجد رغبة الحرية نفسها تشتعل في قلوب الشبان اليافعين. إنهم يريدون الحرية وسيحصلون عليها".هذا المحتوى تم نشره يوم 22 مايو 2005 - 12:23 يوليو,
هكذا تحدث الرئيس الأمريكي بوش أمام الحشود الشعبية في جورجيا، قبل ثلاثة أيام فقط من مجزرة أنديجون في أوزبكستان، التي راح ضحيتها مئات الأشخاص على يد قوات الأمن الأوزبكية.
"سنوضح بلا كلل الخيار أمام كل حاكم وكل أمّة: الخيار الأخلاقي بين القمع الذي هو خطأ دوماً، وبين الحرية التي هي صواب دوماً". هكذا تحدث أيضاً الرئيس بوش نفسه في خطاب القسم الذي دشّـن به ولايته الثانية في يناير مطلع العام الحالي.
وفي كلا الحالين، صدّقه المواطنون الأوزبكيون، فتدفقوا إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والخبز والعمل، ورابط بعضهم قرب السفارة الأمريكية في طشقند، عاصمة أوزبكستان، مطالبين الأمريكيين الوفاء بوعودهم الديمقراطية. بيد أن هؤلاء حصدوا الخيبة والموت، بدل الحرية والحياة. فلا الرئيس بوش إلتزم الخيار الأخلاقي الذي وعد به، ولا حليفه الديكتاتور كريموف كان يخشى أصلاً هذا الالتزام وهو يأمر الدبابات والمدرعات والجنود بفتح النار على المدنيين.
وكانت الحصيلة أزمة صدقية طاحنة، ضربت السياسة الخارجية الأمريكية في نقطة قوتها الهجومية الرئيسية المتعلقة بـ "إستراتيجية الحرية"، وانكشاف المعايير المزدوجة التي تتعاطى بها إدارة بوش مع هذه الإستراتيجية.
فحين وجدت واشنطن نفسها أمام خيار الحرية مع مخاطر، وبين قمع كريموف مع الحفاظ على المصالح، لم تتردد لحظة في الانحياز إلى الخيار الثاني.
كتب جوناثان فريدلاند في "الغارديان": "إن دعم الولايات المتحدة والغرب للنظام الأوزبكي، كشف بشطحة قلم واحدة إعتمادها المدّمر على الطغاة والديكتاتوريين منذ أيام فرانكلين روزفلت قبل 60 عاماً وحتى الآن".
وكما هو معروف، روزفلت هذا، وحين طلب منه تبرير دعم الدولة الديمقراطية الأمريكية لنظام أناستازيو سوموزا الديكتاتوري في نيكاراغوا، رد بإطلاق جملته الشهيرة: "قد يكون (سوموزا) إبن زانية، لكنه إبن زانية تابع لنا".
والآن، يبدو أن جورج بوش يكرر مع إسلام كريموف تجربة فرانكلين روزفلت مع أنستازيو سوموزا.
لماذا؟ لان كريموف، وبرغم أنه "يسلق" معارضيه السياسيين في ماء مغلي وهم أحياء، ويصادر كل الحريات ويزّور كل الانتخابات منذ وصوله إلى السلطة عام 1991، إلا أنه يقدم "خدمات جليلة" للولايات المتحدة:
• فهو أبرم معاهدة تحالف إستراتيجي معها، وسمح للقوات الأمريكية بإجراء مناورات عسكرية دائمة على الأراضي الأوزبكية منذ عام 1997.
• أعطى واشنطن، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قاعدة عسكرية جوية في خان أباد، تُـستخدم لشن العمليات العسكرية في أفغانستان.
• وكان سعيداً بأن يلعب لصالح الأمريكيين دور الحامي الذي يعتد به لإمدادات النفط والغاز في وسط آسيا.
• والاهم، أنه سمح بأن تستخدم بلاده كـ "مسلخ" تصدر إليه الدول الغربية كل من تشتبه بأن له علاقة بـ "الإرهاب"، حيث يتم تعريض السجناء لأبشع أنواع التعذيب بلا رقابة قانونية أو حسيب أخلاقي.
في مقابل هذه "الخدمات"، كانت واشنطن تغُـض الطرف عن كل خروقات كريموف لحقوق الإنسان، وتحميه من كل وأي محاولة محاسبة دولية لأعماله القمعية والديكتاتورية.
وآخر تجليات هذه الحماية، برزت مباشرة بعد مجزرة أنديجون، حين اكتفت وزارة الخارجية الأمريكية بـ "إبداء الأسف" لوقوع الضحايا في طشقند، مناشدة الطرفين (أي قوات الأمن والمدنيين!) ضبط النفس، في حين كانت كوندوليزا رايس تقفز فوق المجزرة لتدعو كريموف إلى "فتح بعض الصمامات لإطلاق الضغوط الشعبية" (...).
"المثلث الذهبي"
هل هذه المعايير الأمريكية المزدوجة، قصر على أوزبكستان؟ كلا بالطبع قد تكون هذه (المعايير) فاقعة الوضوح في هذه الدولة الآسيوية الوسطى، لكن هذا لا يعني أنها خصيصة لها.
ففي "المثلث الذهبي" الذي يضم مصر والسعودية وباكستان، وهي الدول الإقليمية الكبرى التي ترتكز إليها المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، تتوالى الأدلة كل يوم تقريباً على كيفية تغليب واشنطن لخيار القمع على خيار الحرية، طالما أن ذلك يخدم هذه المصالح.
ففي الأسبوع الماضي، استقبل الرئيس بوش بحفاوة الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية، مغلقاً بذلك صفحة الضغوط الأمريكية المباشرة على هذه المملكة لحملها على الانفتاح السياسي والديمقراطي، مقابل "خدمات نفطية" كبيرة، وافق الأمير على تقديمها.
وقبل هذا الحدث، كان ثمة حدث آخر لا يقل خطورة: سكوت واشنطن عن التعددية الحزبية الشكلية التي أدخلها الرئيس المصري مبارك على إنتخابات الرئاسة، والتي تُـشبه إلى حد بعيد تعددية الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، التي سمحت له بحصد 97% من أصوات الناخبين.
ثم هناك دائماً وأبداً مسألة الرئيس الباكستاني برويز مشرف، الذي تتسامح واشنطن كلياً مع ديكتاتوريته العسكرية والقمعية، طالما أنه يواصل دعم الحرب الأمريكية في أفغانستان وضد "الإرهاب".
كل هذه التجارب تؤكّـد لمن يُـريد أن يتأكّـد، أن إدارة بوش تطبّـق معيار الحرية والديمقراطية "à la carte" (أي وفق الرغبة الانتقائية). فحيث يمكن أن تكون هذه الديمقراطية مفيدة للمصالح أو الإستراتيجية الأمريكية (أوكرانيا، جورجيا، لبنان.. الخ) فلتُـطبق، وحين تكون الديكتاتورية هي المفيدة "المثلث الذهبي"، آسيا الوسطى، الخ)، لا بأس من التسامح معها. بيد أن مثل هذه التناقضات الفاقعة لا تستطيع أن تستمر طويلاً.
لماذا؟ ببساطة، لأن التزام واشنطن معيار الحرية، حتى ولو كان على الصعيد اللفظي، يزيد إلى حد بعيد توقعات الشعوب، ويرفع وتيرة آمالها بتحقيق مستويات أعلى من حقوق الإنسان، وهذا سيدفع السياسة الخارجية الأمريكية، عاجلاً أو آجلاً، إلى أحد خيارين: إما إلى المأزق والطريق المسدود (في حال قررت واشنطن مواصلة دعم حلفائها الاستبداديين)، أو إلى المغامرة بخسارة بعض مصالحها مع زيادة نفوذها، (في حال قرّرت دعم توقعات الشعوب).
تجربة أوزبكستان تدل على أن واشنطن لا تزال أقرب إلى الخيار الأول. لكن بعد حين، سيتبيّـن لها مدى الكُـلفة الكبيرة لهذا الخيار، خاصة مع مواصلة إدارة بوش لهجومها الاستراتيجي على جبهة الحرية، وهي كلفة لا تقل عن تحمّـل مسؤولية مذبحة كريموف في أنديجون، ومعها المذبحة ضد توقعات الشعب الأوزبكي وكل الشعوب الأخرى بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
سعد محيو - بيروت
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة