Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00916.jsonl.gz/75

قبل 65 عاما، وفي السادس والتاسع من شهر أغسطس 1945، خلَّفت القنابل الذرية التي أُسقِطَت فوق مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانية دماراً ومُعاناة لم يسبُق لها مثيل في التاريخ الإنساني. ولكن، وعلى الرغم من التقدُّم الحاصل في نَزع الأسلحة النووية منذ نهاية الحرب الباردة، يرى كورت شبيلمان الخبير السويسري في الصراعات الدولية بأنَّ "العجز في هذا المجال لا يزال كبيراً".
ويعتقد شبيلمان المؤرخ والمؤسس والمُدير لمركز الدراسات الأمنية التابع للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ حتى عام 2002، بأن معاهدة حَظر إنتشار الأسلحة النووية (وهي أهم وثيقة أمَمية في النظام العالمي لِلحَد من الأسلحة النووية، ترتكز على ثلاث دعائم تشمل نزع الأسلحة النووية، وحظر الإنتشار، وحرية الوصول الى الإستخدام السِلمي للطاقة النووية) والتي دخلت حَيّز التنفيذ في عام 1970، قد أثبتَت كونها "أداة فعّالة" بيَد المُجتمع الدولي لمكافحة إنتشار مثل هذه الأسلحة.
ولكن سواء تعلق الأمر بمُعاهدة حَظر إنتشار الأسلحة النووية، أو بمُعاهدة الحَد الكُلّي من إجراء الإختبارات النووية الأكثر حِدة والتي تم التخطيط لها في عام 1996، (والتي يُمنَع بموجبها إجراء أي تفجير للقنابل النووية، حتى لأغراض سلمية)، أو بالإتفاقية المُقتَرَحة من قِبَل سويسرا لفَرض حَظر على الأسلحة النووية، لن تكون جميع هيئات المُراقبة الدولية لنزع السلاح فعّالة إلا بالقَدَر الذي تكون فيه القوى النووية مُستعدة لتَزويد هذه الهيئات بِصلاحياتٍ واسعة. وحسب رأي الخبير من زيورخ فإنّ العَجز لا يزال كبيراً هنا.
swissinfo.ch: بعد مرو 65 عاماً على قيام الولايات المتحدة بشن ضربتين نوويتين ضد اليابان في مدينتي هيروشيما وناغازاكي، أصبح العالم يعاني من مشاكل في مجالات أكثر، فهناك ظاهرة الإحتباس الحراري، والإرهاب الدولي، والفَقر، والهجرات، و الصِدام بين الثقافات والأديان، و الأزمة المالية / الإقتصادية. أين موضع نزع السلاح من بين هذا كله؟
كورت شبيلمان: بعد نهاية الحرب الباردة إنحَدَرت هذه المسألة الى أسفل القائِمة. ولكن هناك ثلاث حالات مُستَثناة من ذلك وهي كوريا الشمالية وإيران وإسرائيل. وفي واقع الأمر لا تزال هذه المسألة ذات أهمية كبيرة.
هل يعود الفَضل في عدم إستخدام الأسلحة النووية بعد مأساة هيروشيما وناغازاكي، ومن بعدَها أثناء سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة، إلى معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية التي دخلت حيّز التنفيد في عام 1970؟
كورت شبيلمان: أنا لا أتفق مع ذلك تماماً. إن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية أداة فعّالة لوضع حدٍ لطموحاتِ العديد من البلدان النامية التي تَرغب بأن تصبح قوة نَووية. مع ذلك تُظهر لنا الأمثلة في الهند وباكستان وجنوب افريقيا والبرازيل وإسرائيل، بأن باستطاعة الدول أن تجد طريقها الى تلك الأسلحة بل وحتى حيازتها على الرغم من وجود هذه الإتفاقية. مع ذلك، فإنا أعتقد أن معاهدة حظر الإنتشار النووي أداة مفيدة تُمَكِّن القِوى النووية من مُمارسة ضغوطها لِمنع إنتشار هذه الأسلحة.
هل ستُمَهِد معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية مع مَطالبها المُحددة الطريق إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية؟
كورت شبيلمان: هذه "الأداة" غير موجودة في الوقت الحالي، وعلى الرغم من كون فكرة انضِمام جميع دول العالم الى إتفاقية عالمية تُعلِن فيها تَخَلّيها عن الأسلحة النووية رائِعة بِحَد ذاتها، غير أنّ الفعالية القانونية لأداة مثل هذه تعتمد دائِماً على رغبة وإرادة الأعضاء بتزويد الهيئات الرقابية بالقُدرة والنفوذ الكافي التي تُمَكِنهم من تنفيذ بنود مثل هذه الإتفاقية.
كما تعتمد قوة و نفوذ الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها "الكلب الحارس" لمنظمة الأمم المتحدة على الدَعم الذي تَحظى به من أعضاء مجلس الأمن التابع للأمَم المتحدة فقط.
إنَّ وجود مثل هذه الأجهِزة مهم، ولكن يجب على المرء ان لا يأمل بتحرير العالم (تماما) من الأسلحة النووية. ذلك أنَّ إختِراع الإنشطار النووي أصبح واقعاً لا يُمكن التراجع عنه، ومن الصعب إلى حَدٍّ ما السيطرة على هذا "المارد" في داخل القمقم.
أطلَقَت سويسرا مُبادرة لِحظر الأسلحة النووية في إطار إتفاقية دولية كما هو الحال بالفعل مع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. هل تلوح في الأفق فرصة لنجاح هذه المُبادرة؟
كورت شبيلمان: ليس في الوقت الحالي، حيث تتجه هذه الإتفاقية الى نفس إتجاه إتفاقية نزع السلاح النووي. وهنا أيضاً يُمكن القول بأنَّ مثل هذه الإتفاقية يُمكن أن تكون فعالة فقط بالقَدَر الذي تَتَمتع به هيئات التفتيش والمُراقبة من قوة ونفوذ. ولا يزال الشوط طويلاً أمام هذه الهيئات لكي تُمنَح مثل هذا النفوذ الواسع.
هل يُمكن القول إذن أن الأمر يعود إلى إفتقار القوى النووية الكبرى للإرادة السياسية؟
كورت شبيلمان: هذا صحيح. والأمر أشبه بمنظمة الأمم المتحدة نفسها، فهي وسيلة رائِعة لكي تُنَظِّم شعوب العالم أنفسها وُفقَ نظام هذه المُنَظَمة الدولية. وهذا يوفر الكثير من العنف، إذ يُمكن التفاوض حَول الصراعات التي قد تنشأ بدلاً من الخوض فيها. وهكذا الحال مع الأسلحة النووية. ولكن ما يقف في المقدمة دائِما هو شرط الإرادة والإجماع عند الدول الأعضاء لتطبيق تدابير الرقابة والخُضوع للسلطات الرقابية المسؤولة. ولكن، وكما يُبين التاريخ، فإنَّ الإستعداد للتعاون الدولي ولتطبيق هذه القواعد مُتفاوت، حيث لم يُظهر الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن وغيره من رؤساء الولايات المتحدة السابقين سوى الإحتقار للأمَم المتحدة.
بالنسبة لإيران، ماذا سيعني إمتلاك هذه الجمهورية للأسلِحة النووية لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط؟
كورت شبيلمان: سوف يعني ذلك مكسباً كبيراً لهيبة إيران وسلطتها، وهي دولة ذات ثقافة قديمة جدا وتنظيم جيد للغاية. وبالنظر الى الأسلحة النووية الموجودة والإتفاقيات المقترنة بها، فإني مُقتنع بأنَّ إيران لن تقوم باستخدام هذا النوع من الأسلحة. ولكن يبقى هناك خطر إمكانية حصول مُنظمات إسلامية أصولية على الأسلحة النووية. وقد أعلن تنظيم القاعدة عن تطلُّعه للحصول على مثل هذه الأسلحة، ومن هذه الناحية تشكل باكستان خطراً أكبر بكثير من إيران.
رينات كونسي - swissinfo.ch
تأثير عاطفي
يَدَّعي منتقدو الأسلحة النووية بأن القنبلتين الذريتين اللتين تم إسقاطهما على هيروشيما وناغازاكي في السادس والتاسع من أغسطس عام 1945 لم تكونا السبب في إستسلام اليابان، بل أنه جاء بسبب إعلان روسيا الحرب على اليابان.
ويرى كورت شبيلمان المؤرخ و المؤسس لمعهد الدراسات الأمنية في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ بأنَّ هذه النظرية خاطئة، حيث يُعَلِق قائِلاً :" تقوم هذه النظرية على حِساب القوى والإحتمالات الإستراتيجية، وتُهمل العامل العاطفي تماماً". وحسب رأيه فإنَّ هذا العامل بالغ الأهمية.
ويَصف شبيلمان هاتين القُنبلتين بالقول: "كان تأثير القنبلتين الذريتين على اليابان ساحقاً، فقد كان هذا السلاح جديدا تماماً ولم يَحسِب حسابه أحد، عدا بعض الخُبراء. ولم تكن للسُكّان أية فكرة عن القابلية التَدميرية لهذا الصنف من القنابل".
ويُشَدِد شبيلمان على أن اليابان كانت لا تزال مسلحة "الى اسنانها" حينذاك، وكان باستطاعة جيشها الدفاع عن البلد على نحوٍ فعّال حتى ذلك الوقت.
ويُعَلِّق المؤرخ السويسري قائِلاً: "لقد أدَّت هاتان الضربتان والخوف من المزيد منها إلى إستعداد الجيش - الذي كان يرغب بمواصلة القتال - للإمتثال الى قرار إمبراطور اليابان هيرو هيتو بالإستسلام وهو القرار الذي تم بَثَّه على الأمة اليابانية في الخامس عشر من أغسطس 1945.
"سويسرا ترغب بالحصول على قنبلة ذرية"
قد يبدو هذا الخبر سريالياً، ولكن سويسرا تابعت فعلا حتى عام 1969 عملية تطوير سلاح نووي خاص بها.
وحسب المؤرخ شبيلمان فقد إنبثقت سياسة الأسلحة النووية النشطة هذه نتيجة إنحياز في الفكر التقليدي العسكري.
وفي ذلك الوقت كان سيتم إعتبار الأسلحة النووية كقنابل تقليدية إعتيادية، يمكن النجاة منها، ولكنها تحمل قوة تدميرية أكبر بكثير.
و لكن ما تم إغفاله حينئِذٍ هو حقيقة أن إمتلاك الكنفدرالية للأسلحة النووية كان من شأنه تحويلها الى هدف استراتيجي للقِوى النووية.
و يختتم شبيلمان مُعَلِّقاً:" كان إمتلاك سويسرا لمثل هذا السلاح سيؤدي الى إرتفاع المخاطر فيها على نطاقٍ واسع، وأنا سعيد بتخلّيها عن هذه السياسة الشديدة الخطورة".
اتفاقية حظر الانتشار النووي
أبرِمت معاهدة حَظر انتشار الأسلحة النووية في عام 1968 ودخلت حيّز التنفيذ في 5 مارس 1970.
توضح الفقرة الأولى في هذه المعاهدة الأسباب الداعية الى وجودها والتفاوض بشأنها، حيث يمكن قراءة ما يلي: "بالنظر إلى الدمار الذي سوف يُطبِق على البشرية جَمعاء من خلال حرب نووية، والحاجة الماسة لبذل كل جهدٍ مُمكن لتفادي خطر حرب كهذه، واتخاذ تدابير لحماية أمن الشعوب...".
وقد انضمَّت جميع البلدان عدا الهند وإسرائيل وباكستان الى هذه المعاهدة، كما إنسِحبت كوريا الشمالية من هذه المعاهدة في عام 2003 من أجل تطوير أسلحتها النووية.
وقَّعت سويسرا على معاهدة حظر إنتشار الاسلحة النووية وأصبحت طرفاً فيها كدولة غير نووية. وتستضيف الكنفدرالية بانتظام مؤتمرات القمّة الدولية المُتعلِّقة بِنزع السلاح في مدينة جنيف. وتملك سويسرا خمسة مُفاعلات لتوليد الطاقة النووية تقوم بتزويد البلاد بنحو 40% من الطاقة الكهربائية التي تحتاجها.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة