Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/1

في السنوات التي سَبَقَت الحرب العالمية الثانية، عُرِف مسرح زيورخ بكونِهِ آخر مِنبر حُر ناطق باللغة الألمانية. ومنذ عام 1933، شكل المُهاجرون الألمان والأجانب الذين لم يُعَد يُسمَح لهم بالتمثيل في البلد المجاور، النسبة الكبرى من الممثلين على خشبة هذا المسرح، الذي تحول من خلال العروض التي قدمها إلى جزيرة لحماية مُناهضي الفاشية.هذا المحتوى تم نشره يوم 17 يونيو 2020 - 11:00 يوليو,
- Deutsch Schauspielhaus Zürich: Eine Bühne, so frei wie die Schweiz
- Español Cuando el Teatro de Zúrich combatió al fascismo
- Português O teatro de Zurique que se tornou centro de combate ao fascismo
- 中文 苏黎世剧院曾是反法西斯者的避难天堂
- Français Le théâtre de Zurich comme symbole de liberté et d’antifascisme
- English How a Zurich theatre became an anti-fascist refuge
- Pусский Театр Шаушпильхаус, свободный, как сама Швейцария!
- 日本語 チューリヒ劇場が反ファシズムの安全地帯になったとき
- Italiano Il teatro di Zurigo che diventò simbolo di libertà e antifascismo
10 مايو 1940 – ‘فاوست’ خلال الحرب
زيورخ في ربيع عام 1940. في اليوم السابق، عمَّ شوارع المدينة ازدحام مروري؛ حيث أراد سكان زيورخ الهروب إلى مكان آمن - إلى جبال الألب المُحَصَّنة. كانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت في الخريف، والآن سَرَت هناك شائعات تفيد بِنِية الجيش الألماني دخول الأراضي السويسرية قريباً. ولَمْ يكن نهر الراين، الذي يشكل جزءاً من حدود سويسرا مع ألمانيا ليبعد عن هنا سوى 25 كيلومتراً فقط.
مع ذلك، استمرت أعمال التمثيل على خشبة مسرح زيورخ، واحتَشَد الجمهور أمام المبنى رغم مشاعر الحرب السائدة. وعلى خشبة المسرح، كان الممثلون والممثلات يقومون بتحريك الخلفيات والاكسسوارات بأنفسهم. وفي 10 مايو 1940، قامت الحكومة السويسرية بحشد 700,000 جندي إضافي - بِضِمنهم العديد من عمال المسرح وفنيي الإضاءة.
العمل المَعروض في ذلك اليوم كان مسرحية ‘فاوست‘ للمؤلف والكاتب المسرحي الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته. النازيون كانوا مُعجبين بفاوست، حيث كانوا يرون في قصة الرجل المُتعَطش للمعرفة وللحياة الذي أبرَمَ عقداً وخيم العواقب مع الشيطان، وطاقته وسَعْيه الأبدي نحو المَزيد، "مأساة الرجل الشمالي" و"السعي اللانهائي للقوطية الجرمانية".
لكن مُمَثلي المسرحية في زيورخ كانوا من الألمان المَنْفيين الذين فرّوا من الإرهاب النازي في بلدهم، والذين كانت غالبيتهم من الشيوعيين واليهود. ويومها، وَضع هؤلاء حقائب ظهورهم التي حزموها خَلف خشبة المسرح - فالجميع كان مستعداً للفرار.
وكان الممثل فولفغانغ لانغهوف، الذي قام بدور ‘فاوست’، قد فَرَّ إلى سويسرا من مُعَسْكَر اِعْتِقَال بألمانيا سُجِنَ فيه بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي. أما الشيطان ‘مفيستو’ الذي لعب دوره إرنست غينسبيرغ، فكان مُهدداً بالقتل في ألمانيا لكونه يهودياً. "كُنّا نَعرِف هتلر وكنّا نُخَمِّن ما سيحدث لنا"، كما تَذَكَّر الكاتب المسرحي والمُعالج الدرامي كورت هيرشفيلد في وقت لاحق.
كان الجهور مُتحمسًا للغاية. "لقد قوبل أي تلميح يشير إلى الموقف المتوتر القائم بموجة من التصفيق الحار"، كما قال. وأضاف: "كان شِعر غوته قد تحول إلى مسرحية موضوعية. أعتقد أن المركز الأوروبي للمقاومة الفكرية قد وُلد في ذلك اليوم داخل ذلك المبنى القديم، بين جدرانه المصنوعة من الورق المقوى المطلي والجمهورالذي هزته الاحداث". وكان المسرح السويسري في سنوات الديكتاتورية النازية قد تحول إلى آخر مِنبَر حُر ناطق باللغة الألمانية.
في عام 1933، كان هيرشفيلد قد عَمِل في مسرح زيورخ بالفعل لمدة عام واحد. وكان مدير المسرح فيرديناند ريزَر قد عينَه بعد أن قام النازيون بفَصلِه من العمل في المسارح لأنه كان يهوديًا. وقد تولى ريزَر إدارة المَسرح من حيث الأنشطة التجارية والمحتوى المُقَدَّم منذ منتصف العشرينيات. واعتباراً من عام 1933، كانت غالبية الممثلين على خشبة المسرح من المهاجرين الألمان، الذين لم يَعُد بإمكانهم التمثيل في بلدهم.
كان ريزَر ومجموعته قد اتخذوا موقفاً واضحاً بالفعل بعد وقت قصير من وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا. وهكذا مثلاً، تناولت مسرحية "الأجناس" للكاتب والمدير المسرحي النمساوي الألماني فرديناند بروكنر مسألة الكراهية العرقية للنازيين. وقد تعرض ممثلو المسرحية إلى الإسكات بانتظام أثناء العرض من خلال الصيحات المتعالية التي كان يطلقها السويسريون المتعاطفون مع النازية والمنتمون إلى الجبهة الوطنية [وهي حزب سياسي يميني متطرف ازدهر خلال أعوام الثلاثينيات]. كما تعالَت هتافات تدعو إلى خروج اليهود من سويسرا في الساحة الواقعة أمام المسرح. وكان مدير المسرح المنحدر من عائلة يهودية مقصوداً بهذه الصيحات أيضاً.
من جانبه، قام ريزَر بتوزيع الهراوات على موظفيه واستمر بالعمل. لكن المسرح تعرض للانتقاد من قبل بعض القوى السياسية الأكثر اعتدالاً أيضاً. وهكذا عبرت صحيفة "نويه تسورخَر تسايتونغ" الصادرة بالألمانية في زيروخ عن رغبتها بانتهاج مسار أكثر لباقة في التعامل مع المواقف الألمانية الجديدة. وكما كتبت، لا ينبغي اللجوء إلى الاستفزاز بلا لزوم من خلال تناول المسألة اليهودية. بدورهم، احتج الكتّاب والمسرحيون السويسريون على المالك ريزَر، ودعوا إلى مَسرح شعبي أكثر التزاماً بالروح المحلية.
1938 إلى 1945: أعمال كلاسيكية مناهضة للفاشية
رغم ذلك، وَضَعَ ريزَر برفقة مجموعته وبفضل ما يتحلى به من شجاعته الأساس للشهرة اللاحقة لهذا المسرح. وكما جاء في وَصف المخرج المسرحي السويسري أوسكار فالترلين، الذي تولى إدارة المسرح منذ عام 1938، "نشأت هنا قلعة جزيرية مليئة بالمتفجرات الفكرية، التي انطلقت المقذوفات منها ضد العدو". لكن ريزَر تنازل عن إدارة المسرح لاحقاً وباع أسهمه فيه، ليس لإسباب مالية فحسب، ولكنه كان قد سئم من الاعمال العدائية ضده أيضاً. من ثمَّ، هاجر إلى الولايات المتحدة برفقة عائلته. أما المسرح، فبات يحمل تسمية "Neuen Schauspielhaus AG" (شركة المسرح الجديد المساهمة) مع حصة لمدينة زيورخ. وهكذا تحول المسرح الخاص إلى مسرح حضري.
كانت الإدارة الجديدة للمسرح تستهدف الابتعاد عن الطابع القتالي بالدرجة الأولى. كانت بوادر الحرب تلوح في الافق، وأحداً لم يكن يريد العَبَث مع ألمانيا التي كانت تدق طبول الحرب. وعندما اندلعت الحرب في عام 1939، كان التركيز بداية على المواضيع الخفيفة والمُسلية، وعلى أعمال كوميدية لـلممثل والكاتب المسرحي يوهان نستروي، والشاعر والكاتب المسرحي وليام شكسبير - مع عدم إغفال اعمال كلاسيكية تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
لكن مسرح زيورخ عرض هذه الكلاسيكيات بشكل مُختلف يتسم بقدرٍ أكبر من الحداثة والواقعية. وهكذا واجه المسرح الخطاب المثير للعواطف الذي ازدادت حدته على المسارح الألمانية الخاضعة للسيطرة النازية منذ عام 1933، باسلوب إنساني. "نحن لم نلجأ إلى الصراخ عند النطق بكلمة الحرية مثلاً، لكننا ألقيناها باسلوب بسيط وهادئ، وبشكل يتوافق مع حَجم هذا المصطلح"، كما قال الممثل فولفغانغ لانغهوف.
في نهاية الحرب، وصف الكاتب المسرحي والمُعالج الدرامي هيرشفيلد هدفه على النحو التالي: "كان الأمر يتعلق بضرورة الحفاظ على صورة الإنسان بكل تنوعه، وبالتالي خَلق موقف ضد القوى الهدامة للفاشية".
في الوقت نفسه، أتاحَت الاعمال المسرحية القديمة بالذات إمكانية طرح موضوع الحاضر للنقاش دون مُعالجته مباشرة. وقد كان هذا اسلوباً استراتيجياً ناجحاً بلا شك. وكما قالت الممثلة تيريز غيزه، التي كانت تقدم أعمال الكباريه السياسي أمام مسرح زيورخ في مقابلة لاحقة: "لقد قمنا بِفَحْص المضمون السياسي لكلٍ عملٍ، ولم يكن هناك أي شيء غير سياسي بالنسبة لنا".
بالإضافة لما سبق، عرض مسرح زيورخ مسرحيات حديثة أيضاً، حيث قدم عملاً للشاعرة التعبيرية اليهودية الألمانية إلزه لاسكر شولر مثلاً. كما عُرِضَت مسرحيات لـلشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت لأول مرة هنا خلال فترة الحرب، الأمر الذي لم يكن مرحباً به في منفاه بالدانمارك. بالإضافة إلى ذلك، قدَّم المسرح أعمالاً إنجليزية وأمريكية بصورة منتظمة.
انهيار الوحدة
كانت إحدى أواخر الأعمال المسرحية التي عرضها مسرح زيورخ قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية هي باكورة أعمال الكاتب المسرحي والروائي السويسري ماكس فريش - "إنهم يغنون مرة أخرى الآن" (Nun singen sie wieder). لاحقاً، طور فريش [الذي لم يكن معروفاً كثيراً آنذاك] نفسه من خلال التعاون مع المَسرح، كما لقي تشجيعاً من هيرشفيلد على وجه الخصوص. ومن مسرح زيورخ أيضاً، بدأ المسار المهني للمؤلف والكاتب المسرحي فريدريش دورنمات، الذي شكلته الحرب العالمية الثانية. ولولا هذا المسرح الذي لعب فيه المهاجرون الدور الرئيسي، لما أصبح فريش ودورنمات مؤلفيَن دولييَن مرموقين، ومن الأدباء السويسريين الكلاسيكيين.
بحلول نهاية الحرب، توجه العديد من أعضاء الفرقة الفنية بأنظارهم ثانية عبر الحدود وإلى مواطنهم الأصلية. ومن منفاهم، كانوا يعملون بالفعل على إعادة بناء المنظمات التي دمرها النازيون. في الوقت نفسه، انضم عدد من الممثلين العائدين من ألمانيا التي كانت قد تعرضت للقصف إلى الفرقة الفنية في صيف عام 1945، ليقفوا مرة ثانية على خشبات المسرح السويسرية: الآن كان لاجئون فارون من ألمانيا يمثلون على نفس خشبة المسرح مع ممثلين كان النازيون يهللون لهم لسنوات. لكن نهاية النازية أشرت نهاية لوحدةٍ أيضًا؛ حيث عاد المناهضون للفاشية ليصبحوا كاثوليك ليبراليين، ويساريين، ولاحزبيين وشيوعيين مرة أخرى.