Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/27

بعد أن استعرضنا في المقال الأول إلى أسباب تأسيس مكتب اتصال الثورة الجزائرية في مدينة لوزان وبداية بروز الظاهرة التي عُرفت بـ "حملة الحقائب"، نتطرق إلى جانب من نشاط الصحفي السويسري شارل هنري فافرو في دعم هذه الثورة، ونظرته إلى تجند سويسريين عاديين في دعم الثورة الجزائرية بشتى الوسائل، وموقف السلطات السويسرية آنذاك من تلك النشاطات.
ومن ضمن ذكريات شارل هنري فافرو في مكتب الثورة الجزائرية بروما ومع الطيب بولحروف ينتقي تلك الحادثة الفاشلة في عام 1959 والتي كانت تسهدف اغتيال الطيب ومن معه، إذ يقول "إن عادات الطيب بولحروف المتمثلة في التباطوء وعدم الانضباط في المواعيد رغم كونه مناضلا من أنشط المناضلين، جعلتني أصل في ذاك اليوم إلى المكتب وأجده مازال يحلق ذقنه وهو يرتدي قميص النوم. لكن في تلك الأثناء سمعنا دوي انفجار كبير... إذ انفجرت سيارتنا التي كانت مفخخة بعد أن لمس طفل بوابة السيارة وهو يحاول استرجاع كرته التي تدحرجت تحتها".
وحول الأجواء التي كانت سائدة حينها، يتذكر فافرو بأنها كانت "أجواء خطيرة كثرت فيها التهديدات وكثرت فيها المراقبة الفرنسية لحد أن السويسريين أشعروني بأنني محط مراقبة من قبل الفرنسيين". ويضيف "لم أكن عابئا بتلك التهديدات نظرا لكوني صحفي يجمع المعلومات من أجل نشرها".
وكانت لشارل هنري فافرو اتصالات أيضا بالجزائريين الذين كانوا يترددون على سويسرا لتلقي العلاج في المستشفى الجامعي بلوزان أو في مصحاتها؛ ومن ضمنهم محمد بوضياف الذي يقول عنه "كانت لي علاقات وثيقة معه خصوصا في الفترة التي سبقت اعتقاله بقليل في عام 1956، أو سعد دحلب الذي قدم للعلاج بعد معركة الجزائر ومكث لأكثر من أربعة أشهر في مصحة بمنتجع مونتانا، أو محمد سحنون الدبلوماسي المرموق الذي أتى للعلاج في عام 1960، والذي أصبح فيما بعد نائبا للأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية ثم نائبا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في وقت لاحق".
خدمة صحفية في ظروف صعبة
علاقة شارل هنري فافرو الوثيقة بقيادات الثورة الجزائرية وتوليه عدة مهام حساسة جعلته يعيش فترات حرجة تتجاذب فيها الرغبة في القيام بدوره كصحفي همه نشر المعلومات التي يحصل عليها، والثقة التي وضعت فيه لنقل بعض الرسائل والاتصال ببعض المسؤولين.
ويعترف شارل هنري فافرو أنه بدون صداقته مع الطيب بولحروف، ما كان ليتابع تطورات الثورة الجزائرية من هذه المكانة المقربة ويتعرف على أسرار في غاية الأهمية حرص على مراعاة عدم البوح بها لتجنيب المشاركين فيها ويلات الاغتيال.
فقد تمكن شارل هنري فافرو من الاقتراب من قيادات الثورة الجزائرية منذ شهر أكتوبر من عام 1956، أمثال بوسوف أو كريم بلقاسم في القاهرة، أو فرحات عباس وبومنجل في لوزان وفي تونس، حتى أنه نجح، كما يقول، في تطوير "علاقات وثيقة مع شخصية مرموقة في الثورة الجزائرية وهو أوعمران الذي كان مسؤولا في القاهرة عن تمرير الأسلحة، والذي دعاني لمرافقته في رحلة عبر البر من القاهرة إلى تونس مرورا بليبيا على متن سيارة فخمة أهدتها السعودية للثورة الجزائرية".
ومن علامات الثقة التي وضعتها قيادات الثورة الجزائرية في هذا الصحفي السويسري، يتذكر شارل هنري فافرو " سمحوا لي بالدخول إلى مقر جبهة التحرير في القاهرة مرفوقا بمصور التقط لأول مرة صورا لهذه القيادات، وهي الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام فيما بعد".
وعن ذلك يضيف: "إنه الحادث الذي أثار اهتمام الفرنسيين لحد أن بعضا من الأصدقاء الفرنسيين في محيط رئيس الوزراء الفرنسي ميشلي بدأ يطلب مني نقل رسائل بين الطرفيين".
ويقول شارل هنري فافرو عن مهمته هذه "لقد كانت تمثل الأسلوب السري والمباشر الذي سمح بالوصول إلى فتح ملفات هامة والتحدث بلغة مفهومة من الطرفين".
لكن فافرو الذي واصل هذه المهمة بدون آمال كبرى في البداية أعرب عن اعتقاده "أن الراغبين في تدويل الصراع الجزائري الفرنسي، بعد أن حصلوا على تدويل عبر الاعتراف بجمعية الهلال الأحمر الجزائري، قادوا إلى فشل محاولة مفاوضات إيفيان الأولى القائمة على أساس حلول غير قابلة للتطبيق وتسمح بإبقاء التواجد الفرنسي في الجزائري". وهو ما عمل على إضاعة سنة كاملة عرفت أعنف المواجهات مع المنظمة السرية OAS، ولكنها أبطلت في نفس الوقت إمكانية التمسك بمطالب إبقاء التواجد العسكري الفرنسي في الجزائر.
بعد هذا الفشل، شارل هنري حاول فافرو تفعيل مسار مفاوضات سري هو المسار الذي أدى فيما بعد إلى مفاوضات إيفيان ثم إلى استقلال الجزائر في عام 1962.
ويتذكر فافرو كيف أن "شخصيات فرنسية من أمثال بيير جوكس كانت معارضة في حين أن شارل دو غول وميشيل دوبري كانا متحمسين لذلك". ولعدم إثارة الانتباه لشخصية فرنسية تتردد بكثرة على جنيف، تم اختيار كلود شايي الذي كان يشغل في نفس الوقت منصب ممثل فرنسا لدى المقر الأوربي لمنظمة الأمم المتحدة. وهكذا تمكن شارل هنري فافرو من عقد لقاء أولي بين كلود شايي وسعد دحلب اللذين قال عنهما "إنهما تمكنا من التفاهم بسرعة وبفضلهما تم تحضير ملف مفاوضات إيفيان طوال عام 1961 الذي أدى في عام 1962 إلى الاستقلال".
وكان أتعس ما شهده كصحفي معايشته لأحداث تعد سبقا إعلاميا دون التجرؤ على نشرها. لكن فافرو يدرك بأن "الإفشاء ببعض من تلك الأسرار كان سيعرض مئات من الأشخاص للهلاك في حرب بشعة حولتني إلى مناضل همه الوحيد هو وضع حد لتلك المآسي التي ترهق الطرفيين".
وأحسن مثال على تلك الأسرار التي لم يتمكن الصحفي شارل هنري فافرو من نشرها حفاظا علي سير المفاوضات الجزائرية الفرنسية "الرسالة التي كلفه بها رئيس الوزراء الفرنسي ميشيل دوبري في عام 1960، الذي كان يُتهم من بعض القيادات في الطرف الجزائري بأنه يرغب في تقسيم الجزائر والحفاظ على جيوب للاستعمار. والرسالة عبارة عن شريط فيديو يتحدث فيه ميشيل دوبري للقيادات الجزائرية عن رغبته في التوصل إلى حل لتبديد كل تلك الشكوك".
وهذا ما سمح بتمهيد الطريق لتدخل سويسرا الرسمية كمسهل لتلك المفاوضات بين الجزائر وفرنسا فيما عرف بمفاوضات إيفيان. وحتى في هذه المرحلة ُكلف شارل هنري فافرو بإبلاغ فرحات عباس ومحمد يزيد في الدار البيضاء بأن "شارل ديغول موافق على الوساطة السويسرية".
ولكن الخطأ الذي ارتكبته سويسرا بإصدارها لبيان صحفي عن وساطتها في هذه المفاوضات بدل الاحتفاظ بذلك سريا، أدى حسب شارل هنري فافرو إلى "اغتيال رئيس بلدية إيفيان وتهديد رئيس بلدية لوزان بيير أندري شوفالا بالقتل لإيوائه الوفد الجزائري المفاوض على ترابه".
تساهل السلطات السويسرية
عندما وجهنا السؤال لشارل هنري فافرو عن موقف السلطات السويسرية وكيفية تعاملها مع هذه النشاطات، استشهد بما تم كشفه في فضيحة الملفات السرية للشرطة الفدرالية في نهاية الثمانينات من تتبع وتوثيق لكل التحركات المشبوهة.
لكن فافرو يستغرب لكون ملفاته "لم تكن تحمل الكثير من الأعمال المشبوهة رغم علم السلطات بذلك وأن أغلب الفقرات المتعلقة بالثورة الجزائرية تم شطبها".
لكن ما اكتشفه فافر، رغم وجود شكوك قديمة لديه حول الأمر، هو أن "السلطات طلبت من هيئة البريد والهاتف التنصت على خطه الهاتفي"، وقد دفعه هذا الشك آنذاك إلى استخدام الهاتف العمومي بدل إجراء المكالمات من خطه الهاتفي الخاص.
لكن شارل هنري فافرو يرى أن السلطات السويسرية تساهلت أكثر بعد فضيحة "دي بوا" في شهر مارس 1957، وهي الفضيحة التي اكتشفها سيرج ميشال، معاون الطيب بولحروف بعد إطلاعه من طرف سكرتيرة شارل ديغول في لندن، إيزابيل دو ميريبال، التي أصبحت سكرتيرة في السفارة الفرنسية في برن والتي علمت أن المشرف الأمني بالسفارة "ميرسيي" حصل من المدعي العام السويسري "دي بوا"، على نسخة من تسجيل عملية التنصت على مكالمات السفارة المصرية في العاصمة السويسرية.
هذا الخبر سارع شارل هنري فافرو إلى نشره، وهو ما أدى الى انتحار المدعي العام الفدرالي. لكن ذلك أدى في المقابل إلى حدوث تغيير في سياسة سويسرا باتجاه دعم القضية الجزائرية بدفع من وزير الخارجية آنذاك ماكس بوتي بيار الذي يقول عنه شارل هنري فافرو "إنه كان معارضا لحملة نابليون لمصر، وراغبا في الانفتاح على العالم العربي وعلى مصر". وهو ما أدى حينها إلى "إصدار تعليمات للشرطة لكي تراقب كل شيء، ولكن بدون تدخل إلا في حالة الخطر".
وإذا كان شارل هنري فافرو لا يأسف على ما قام به، بل يعتقد أنه "عزز ارتباطه بالجزائر لحد أنه واصل هذا الإتصال بعد الاستقلال"، بل يترأس اليوم "مؤسسة الإرث الجزائري"، إلا أنه عبر عن استيائه لعدم امتلاك الجزائر لمدخل إلى الأرشيف المتعلق بالمرحلة الاستعمارية وبالأخص مرحلة مجازر 1945.
كما يأسف فافرو "لإبعاد عدد من القيادات الوطنية الفاعلة أثناء الثورة بعد دخول جيش الحدود" إلى داخل الأراضي الجزائرية، وخص بالذكر سعد دحلب ويوسف بن خدة ومحمد يزيد الذي "ساهم في التعريف بجبهة التحرير الجزائرية في العالم والذي يُقال عنه أنه كان لوحده بمثابة لواء مدرع"، حسب قوله.
كما عبر شارل هنري فافرو عن أسفه لعدم تزويد عدة أماكن شهدت أحداثا تاريخية بلوحات تذكارية "مثل فندق انجلترا في جنيف الذي احتضن أول لقاء بين سعد دحلب وكلود شايي"، أو في فنادق لوتسرن أو نوشاتيل حيث جرت أولى جلسات المفاوضات الرسمية بين ممثلي المقاومة الجزائرية وفرنسا.
محمد شريف - جنيف - swissinfo.ch
أول مكتب اتصال وأول "حاملة حقائب"
تأسيس مكتب اتصال الثورة الجزائرية في لوزان بسويسرا وتنصيب الطيب بولحروف على رأسه كان لإبعاده عن المضايقات التي كان يتعرض لها في فرنسا بوصفه عضوا في الفدرالية الجزائرية في فرنسا.
ويتذكر شارل هنري فافرو أن "أول سويسرية تجندت فيما عُرف فيما بعد بـ "حاملي الحقائب" هي إيفلين سيلرو التي أصبحت فيما بعد مشهورة بعضويتها في المجلس الدستوري، والتي بدأت بتهريب وإيواء الطيب بولحروف نفسه قبل أن تسهم في النضال الى جانبه بصحبة آخرين".
افتتاح هذا المكتب في لوزان يعتبره شارل هنري فافرو "قرارا تم لإبعاد الطيب بولحروف وتجنيبه أن يتعرض للاعتقال ككثيرين ممن نشطوا في الفدرالية الجزائرية بفرنسا، ولكي يكون همزة وصل بالنسبة للنشطاء الراغبين في للالتحاق بروما قبل التوجه للمغرب أو تونس، وفي وقت بدأت تتشكل فيه جالية جزائرية من حوالي 500 طالب ممن حصلوا على منح في الجامعات السويسرية أو في المعهد الفدرالي العالي المتعدد التقنيات".
ويتذكر فافرو "أن هذا المكتب تم تنصيبه في فندق من الدرجة البسيطة يسمى فندق الشرق Hotel Orient في شارع أوشي بلوزان الذي لم تكن تسكنه سوى سيدات عوانس. وهو ما جعل هذا الشاب الوسيم الذي كان يطلق على نفسه اسم بابلو ويدعي أنه إسباني يصبح محط إعجاب الجميع، وهو ما سمح له بممارسة نشاطه بعيدا عن الشكوك".
وكان يساعد الطيب بولحروف في هذا النشاط فرنسيان، أحدهما يدعى سيرج ميشيل المقرب من فرحات عباس، والثاني هو شاب من طلبة المعاهد الدينية يدعى جاك بيرتولي.
ونظرا لكثرة لقاء شارل هنري فافرو بالطيب بولحروف ومعاونيه في مكتب لوزان، أصبح الطيب صديقا لعائلة فافرو لدرجة أنه أصبح متبنيا لإبنه الأكبر وأن زوجة فافرو هي التي علمته سياقة السيارات.
وقد بقيت علاقة شارل هنري فافرو بالطيب بولحروف وثيقة إلى أن تم نقله إلى مكتب روما في عام 1957.
وقد قام مكتب اتصال الثورة الجزائرية في لوزان بدور فعال في شبكات ما أطلق عليهم اسم "حاملي الحقائب"، أي أولئك السويسريين والفرنسيين الذين تجندوا لنصرة الثورة الجزائرية.
ويتذكر شارل هنري فافرو "كيف إن إيفلين سيلرو كانت تجتاز الحدود الفرنسية السويسرية بسهولة على متن سيارتها المكشوفة وهي تحمل حقائب مملوءة بالأموال لصالح الثورة الجزائرية".
كما يتذكر أنه "استضاف في بيته في لوزان، مرات عديدة، فرنسيس جونسون ، رئيس شبكة حاملي الحقائب والذي كانت تربطه به علاقات صداقة". ويتذكر بالخصوص "أن فرانسيس جونسون تلقى مرة مكالمة هاتفية، ولما صعد للغرفة لإخباره بذلك وجده يعد الأوراق المالية قبل إيداعها في مصرف "كريدي سويس" لتشكل ما عُرف فيما بعد بأموال جبهة التحرير الجزائرية".
عن هؤلاء الفرنسيين والسويسريين الذين تجندوا لصالح الثورة الجزائرية وأصبح يُطلق عليه إسم "حاملي الحقائب" يقول شارل هنري فافرو "إنهم شباب فرنسيون أو سويسريون مثاليون كانوا يقومون بذلك بدون أية منفعة مادية وفي تحد لمخاطر كبيرة".
ويقول أيضا "إنهم كانوا في أغلبهم من ذوي المظهر الوسيم واللباس المحترم لتمكينهم من اجتياز الحدود بدون إثارة الشكوك". ولكنه يتذكر أيضا "أن آخرين من أمثال جون مايرا لم يحالفه الحظ لما القي القبض عليه وهو يمرر نسخا من جريدة الثورة "المجاهد" من سويسرا الى فرنسا ومنشورات "ميثاق الصومام".