Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00871.jsonl.gz/104

سبعة أشهر صعودا ونزولا عبر جبال الأنديز، راكبا دراجته الكهربائية ومتسلحا بكاميرا على عاتقه، هذا هو التحدي الذي تملك لوكا زانيتي، ابن تيتشينو، بينما يطمح إلى تعزيز الثورة الخضراء، على خطى "تشي غيفارا".
أقسم لوكا زانيتي بأنه لن يكرر هذه المغامرة مرة أخرى، مع أن شفتاه تتلمظان متعة استذكار تلك النظرات من أعين الفضوليين والإبتسامات التي رسمت على شفاههم بينما يشاهدونه ممتطيا صهوة دراجته الكهربائية، معلقا كامرته على عاتقه، مرتحلا يشق الطريق عبر أطول سلسلة جبال في العالم، يتنسم أريج البر والبحر.
"كان الناس ينظرون إليّ كبطل"، هكذا قال المغامر السويسري، ابن كانتون تيتشينو، الذي جاب المدن والقرى عبر منعرجات جبال الأنديز، قاطعا يوميا ما يعادل 140 كيلومترا، بين صعود يصل إلى ارتفاع 5000 متر ونزول يطال منسوب سطح البحر، وعندما يسألوه عن أفضل رفيق له في سفره، يتبدد الإعجاب في ثوان:
- "الدراجة الكهربائية"، يجيب زانيتي.
- "آه! إنها تشبه الدراجة النارية!"، قال البعض بخيبة ظن، ليس في الدراجة، وإنما في صاحبها، الذي يُنظر إليه كـ "بلطجي" أو "فتوة" كان يتظاهر بمجرد تحريك الدواسة.
إلا أن أمريكا الجنوبية ليست كالصين التي تجوب شوارعها حوالي 200 مليون "دراجة كهربائية" (يُشار إليها اختصارا بـ e-bike)، ويوجد فيها، بحسب التقديرات، دراجة كهربائية واحدة من بين ست دراجات، بينما لا تتوفر سويسرا على مثل ذلك.
وبالفعل، كان هذا هو الهدف من الرحلة، أن يؤخذ شيء غير معروف إلى أنأى الأماكن وإلى المدن المزدحمة في القارة، بحيث يظهر من التجربة أن الدراجة الكهربائية يمكن أن تكون بمثابة الخطوة الأولى نحو نقل صديق للبيئة.
وماذا عن رفيق دربه الآخر؟ يكفي القول بأن لوكا زانيتي كان عمره 14 عاما عندما اصطحبته أمه إلى نيكاراغوا، لتتهيأ له فرصة اكتشاف سحر عالم التصوير الفوتوغرافي، وقد كان ذلك في عام 1985، إبان الثورة الساندينية، ومنذ ذلك الحين، وابن الـ 45 ربيعا لم يتوقف عن التجوال حول العالم، ورصده من خلال عدسة كامرته: "طوال عمري وأنا مغرم بالتجوّل".
وفي هذه المغامرة الأخيرة، دوّن ذكرياته تحت عنوان "يوميات دراجة كهربائية"، مستوحيا إياه من عنوان الفيلم "يوميات دراجة نارية" الذي يروي مغامرات ارنستو غيفارا، الذي جاب أنحاء قارة أمريكا الجنوبية ممتطيا صهوة دراجته النارية "بوديروزا Poderosa"، ومعززا روحه الثورية.
والهدف الذي كان ينشده زانيتي، بخصوص النقل على أقل تقدير، هو "التمرد على المألوف"، تماما كما كانت الرغبة لدى تشي جيفارا وضع حد لعدم المساواة.
لقد استحوذ مشروعه على اهتمام رجال الصحافة والتلفزيون، الذين كانوا كثيرا ما يستوقفوه على طول خط رحلته التي بلغت 11150 كيلومترا، بين الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا وبيرو والاكوادور وكولومبيا، وجميعها بلدان استَنزف فيها استغلال المواد الهيدروكربونية، والاستخدام المفرط للمياه في المناجم، فرص الحفاظ على الموارد الطبيعية والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.
أنقذه لوح شمسي
من غير المستبعد، في بعض الأراضي الوعرة، حيث لا يعتمد السكان بتاتا على الطاقة المنتجَة من المواد الهيدروكربونية، أن تطرأ المعجزات! لقد حصل ذلك في باتاغونيا الأرجنتينية، تلك المنطقة التي يُنتَج فيها أكثر من نصف الطاقة الكهرومائية المستهلكة في البلاد، وبينما تخطى زانيتي ممر هاتشادو على ارتفاع 1863 متر فوق سطح البحر، عند الحدود مع تشيلي، تنبّه إلى عدم وجود أعمدة كهرباء ذات جهد عالي ... وقد شارفت بطارياته على النفاد، ثم فجأة، تراءت لعينيه مزرعة لديها لوح شمسي.
"سمح لي المزارع بشحن بطاريات الدراجة، غير أنّي كنت طمّاعا، فقد قمت بتوصيل جميع البطاريات في نفس الوقت، فانقطعت الكهرباء عن الضوء والثلاجة وعن كل شيء ... ثم ما لبثت أن عاد لها بصيص بعد لحظات".
وهكذا تمكن زانيتي من شحن بطاريات الليثيوم الثمانية الخاصة بدراجته واحدة تلو الأخرى: "لقد أنقذتنا"، وفق قوله، وتابع: "لكن، لا يزال قليل من يستخدم الألواح الشمسية، ولم أشاهدها سوى في الأرجنتين، في بعض المناطق النائية، حيث يخزنون الطاقة في بطاريات الشاحنات، بينما هناك بعض مزارع الرياح في شيلي".
بحيرة صارت صحراء قاحلة
أما أسوأ كارثة بيئية، فقد شاهدها زانيتي في بوليفيا، في مقاطعة أورورو: "كانت أصعب لحظة خلال الرحلة، فقد شاهدت بأم عيني جثة بحيرة بوبو، ووثقت بكامرتي صور بعض أيتامها من بين 736 أسرة من أسر الصيادين، الذين وجدوا أنفسهم اليوم، بسبب التغيرات المناخية والجشع في صناعة التعدين وسياسة فرض السيطرة على المياه، من دون مصدر رزق".
مواجع وأشواق
كثيرا ما كان الناس يسألونه عن سعر الدراجة الكهربائية، ولكي لا ينصدموا من الإجابة، فقد كان يتهرب التحدث عن أرقام متعللا بأن دراجته مجرد نموذج أولي، ذلك أنه "من غير المستساغ بالنسبة للمزارع أن يسمع بأن سعر الدراجة 5000 دولار، كونه مبلغا قد لا يكسبه طوال حياته".
أما عن التعايش والتعامل مع مستخدمي الطرقات، فلم يكن بالأمر السهل: "سائقو الشاحنات لا يدركون ما ينتاب سائق الدراجة حينما تمر بقربه شاحنة تزن أطنانا، تهز الأرض من تحته وتتسبب في ضغط هوائي فظيع"، والأدهى والأمر، أن فيهم من يستخف به فيتعمد الإخلال بتوازنه ليُزيحه من طريقه ويتخلص منه.
ومن العجيب، أن زانيتي قد اكتشف، في وسط نفس عالم العجلات الضخمة والإعياء والتلوث، لونا جديدا من ألوان الفن، يقول: "أدهشتني تلك النقوش المرسومة على الجدران وفي الشوارع وفي محطات الخدمة، والتي تجمع بين جسد المرأة والدين، إنها ثقافة جديدة ذات معنى وقيمة، أحببت أن ألتقطها بعدستي".
في نفس الوقت، لا يخفي زانيتي حبّه لأمريكا اللاتينية: "أينما ذهبت، تجد نفسك أمام مناظر طبيعية خلابة، تجعلك تفكر بإمكانية البدء في حياة جديدة بطريقة مغايرة. هذا الإحساس رافقني طوال الرحلة، أما من الناحية البيئية فقد بقيت حسرته تعتصر قلبي".
مع ذلك، ثمة أخبار جيّدة، فقد "اشترت كيتو – عاصمة الاكوادور - 300 دراجة كهربائية، ووضعتها تحت تصرف المواطنين"، كما صرح زانيتي عند وصوله عائدا إلى مطار زيورخ وفي جعبته 8600 صورة فوتوغرافية.
وختاما، انتهت رحلة المغامرة التي قام بها زانيتي على صهوة دراجته النارية "بوديروزا Poderosa"، وعاد لمزاولة حياته اليومية ممتطيا دراجته العادية، لكنه تلقى صفعة من قوانين مخالفة السير في سويسرا، فقد تخطى الضوء الأحمر في وسط مدينة زيورخ، ورغم أنه يركب دراجة بعجلتين، إلا أن عين شرطي المرور كانت له بالمرصاد.