Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/19

يعيش أكثر من 200000 سويسري رسمياً في فرنسا، مُشكّلين بذلك أكبر جالية سويسرية مُقيمة في الخارج. وفي حين أن الوجود الفرنسي داخل الكنفدرالية غالباً ما يثير امتعاضاً إلا أن العكس غير صحيح. تفسيرات للمؤرخة آن روثنبوهلر.
ما بين 18 و20 أغسطس 2017، احتضنت مدينة بازل الدورة الخامسة والتسعين لمؤتمر السويسريين المقيمين في الخارجرابط خارجي، اللقاء السنوي الكبير للشتات السويسري. وكالعادة، كان سيكون الوفد القادم من فرنسا الأكثر عدداً في تلك المرة أيضاً. فمن ضمن الـ 775000 سويسري المقيمين في الخارج نهاية عام 2016، اتخذ أكثر من 200000 من فرنسا مكاناً للإقامة.
السيدة آن روثنبوهلر تعرف جيداً هذه الجالية: فهي تنتمي إليها وقامت بدراستها عن كثب. فهي منحدرة من منطقة الجورا ومقيمة في المنطقة الباريسية، وقد تخصصت فعلياً في تاريخ الهجرة السويسرية إلى فرنسا، التي لا تزال مجهولة نسبياً.
swissinfo.ch: أكثر من مغترب سويسري من أصل أربعة في العالم يعيش في فرنسا. هل يمكن للقرب الجغرافي واللغوي والثقافي أن يفسر وحده هذه الظاهرة؟
«على مر العصور، قامت العائلات بجلب أقاربها، وهو ما شكّل سلسلة هجرة حقيقية بين البلدين».نهاية الإقتباس
آن روثنبوهلر: بشكل جزئي فقط. فألمانيا هي الأخرى قريبة جغرافياً وثقافياً من سويسرا. ومع ذلك، نجد أن عدد المواطنين السويسريين على أراضيها أقل بمرتين. إن هذا الأمر يرتبط بتقليد الهجرة بين سويسرا وفرنسا، الذي يعود عملياً إلى العصور القديمة. وعلى مر العصور، قامت العائلات بجلب أقاربها، وهو ما شكّل سلسلة هجرة حقيقية بين البلدين.
يجب القول بأن الحدود، البالغة الأهمية في الوقت الراهن، هي بناء سياسي جديد نسبياً. فقبل عام 1914، لم يكن جواز السفر موجوداً. وكانت الحدود سهلة العبور وحركة المرور مهمة جداً بين سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية) وفرنسا. وجرت العادة، منذ القرن الرابع عشر، على أن يسافر العديد من الباعة المتجولين والحرفيين والتجار ويستقروا على الجانب الآخر من الحدود.
swissinfo.ch: كيف يمكن تفسير تواجد نصف السويسريين المقيمين في فرنسا في مدينة ليون أو بالقرب منها؟
آن روثنبوهلر: بالنسبة للعديد منهم هم من أحفاد التجار السويسريين الذين قدموا للاستقرار في ليون. في القرن السادس عشر، كانت المدينة قد أصبحت، كما كانت عليه في العصر الروماني، إحدى أكبر مفترقات طرق العالم وكانت تجذب التجار القادمين من جميع أنحاء أوربا. في الوقت الحالي، تتميز منطقة ليون بالصناعات الكيميائية والدوائية في الطليعة، جاذبة بذلك عدداً كبيراً من الخبراء السويسريين. ويُضاف إلى الإحصاءات أيضاً آلاف السويسريين الذين قدموا للعيش في فرنسا المجاورة للاستفادة من السكن بأسعار معقولة في حين يواصلون العمل على الجانب الآخر من الحدود.
swissinfo.ch: لِنرجع قليلاً إلى الوراء. إلى أي تاريخ تعود أول موجة للهجرة السويسرية إلى فرنسا؟
آن روثنبوهلر: إلى القرن الأول قبل الميلاد! باعتبار أن سويسرا كانت صغيرة جداً بالنسبة لهم، وصل مائة ألف سويسري إلى سهل الرون. ما اضطر جول سيزار للتدخل: وكانت هذه بداية الحرب الغالية (بلاد الغال). وفيما بعد، تركت صور هجرة السويسريين أثراً في النفوس، لا سيما تلك التي يظهر فيها المرتزقة المُخيفين الذين أصبحوا الحرس السويسري لخدمة ملوك فرنسا.
ولكن أنواعاً أخرى من الهجرة غير المعروفة أخذت بالرسوخ في فرنسا: فخلال حرب المائة عام (1337ـ1453)، ذهب سويسريون لاستعمار مناطق شمال شرق فرنسا المُنهكة بسبب الدمار والنزوح السكاني (الديموغرافي). وتكرر نفس الأمر خلال حرب الثلاثين عام (1618ـ1648): وفي ذلك الوقت لم يكن يحق للمزارعين الناطقين بالألمانية التملك في سويسرا فذهبوا بأعداد كبيرة للاستقرار على الجانب الأخر من نهر الراين.
swissinfo.ch: هل كان لموجة هجرة القرن التاسع عشر الكبيرة، التي كان سكان سويسرا يهربون خلالها من البؤس والفقر، تأثيراً كبيراً على الجاليات السويسرية في فرنسا أيضاً ؟
آن روثنبوهلر: كانت هذه الهجرة الجماعية متجهة أساساً إلى ما وراء البحار ولكنها طالت أيضاً فرنسا وإيطاليا. ففي ذلك الوقت، كانت سويسرا بلداً يغلب عليه الطابع الزراعي ولم تكن الصناعة قادرة على استيعاب الفائض من اليد العاملة. يُضاف إلى ذلك الخوف من ازدياد عدد السكان الذي كانت تؤججه النخب. هذه الهجرة كانت منظمة جداً: وتم إنشاء مكاتب للهجرة بهدف تقديم رحلات جاهزة للمحتاجين الذين ترغب البلديات والبورجوازيات التخلص منهم.
swissinfo.ch: لعبت النساء دوراً هاماً في حركة الهجرة هذه خلال القرن التاسع عشر. فغالباً ما كنَّ يعملن كخادمات أو كعاملات في المنازل. ما سبب ذلك؟
«كانت النساء السويسريات في القرن التاسع عشر تتمتعن بسمعة ممتازة في فرنسا. فحماسهن للعمل وجديتهن وذوقهن البسيط كان يدعو لتقديرهن بشكل كبير»نهاية الإقتباس
آن روثنبوهلر: كانت النساء السويسريات تتمتعن بسمعة ممتازة في فرنسا في ذلك الوقت. فحماسهن للعمل وجديتهن وذوقهن البسيط كان يدعو لتقديرهن بشكل خاص. وكانت تلك النسوة المنحدرات من أوساط متواضعة يتحركن بدافع طموحهن أكثر من أن يكون لأسباب اقتصادية بحتة. وبعد عودتهن، يمكن لتجربتهن في فرنسا أن تزيد من قيمة عملهن. ولا ننسى أن هذه كانت هي الطريقة الوحيدة بالنسبة لهن للسفر خارج البلاد.
swissinfo.ch: هل يحافظ السويسريون في فرنسا على علاقات وطيدة فيما بينهم أم أنهم على العكس ينصهرون مع السكان المحليين؟
آن روثنبوهلر: يتم وضع شبكة اجتماعية قوية جداً منذ القرن التاسع عشر. وتعمل النخب السويسرية التي تعيش في باريس على مراقبة السكان السويسريين بهدف الحفاظ على سمعتهم الطيبة. فلا تزال مطاعم وجوقات وأندية رياضية وحتى صحف ترى النور. كما أنه تم وضع سياسة للعودة لتشجيع العناصر الأكثر ازعاجاً من أجل العودة إلى بلدهم.
ولا تزال هذه الروابط الاجتماعية حيوية جداً حتى يومنا هذا. كما أنَّ مجلة السويسريين في المهجر مقروءة على نطاق واسع في فرنسا، ولاتزال العديد من جمعيات الصداقة والجمعيات السويسرية موجودة. وتظهر هذه الحاجة للحفاظ على علاقات مع البلد الأصلي بشكل خاص لدى حاملي الجنسيتين الذين لم تعد لديهم روابط قوية جداً في سويسرا.
swissinfo.ch: هل عرف التاريخ فترات زمنية لم يكن يُرحب فيها بالسويسريين في فرنسا؟
آن روثنبوهلر: نعم، حدث ذلك من وقت لآخر. ففي أوائل القرن التاسع عشر، وُلدت بعض التوترات بسبب رغبة السويسريين بإقامة مستعمرات في الآكيتين. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، كان على دائرة الاقتصاد السويسرية أن تقوم بعمل تربوي ضخم لإعادة العلاقات المتبادلة بين البلدين، حيث كانت سويسرا أشبه بألمانيا. وفي الآونة الأخيرة، نشبت بعض التوترات أيضاً بين البلدين. كان الحال كذلك خصوصاً في ظل رئاسة نيكولا ساركوزي. مع ذلك، لم يكن هناك يوماً رفض واسع النطاق للسويسريين في فرنسا.
swissinfo.ch: على العكس من ذلك، يُثير وجود الفرنسيين في سويسرا قدراً كبيراً من التوترات، ويشهد على ذلك كتاب الصحفية ماري موريس بعنوان («مرحباً بكم في الجنة»)، الذي ندَّد بشكل كبير بكره الأجانب الكامن حيث يقع أبناء بلدها، المغتربين أو الذين يعيشون على الحدود، ضحية له. فلماذا هذا الفرق في المعاملة؟
آن روثنبوهلر: يعتمد ذلك ببساطة على حقيقة أنَّ الحجة الاقتصادية لا تنطبق إلا باتجاه واحد. فلو استقر سويسري في فرنسا، لن يكون بهدف كسب المزيد من المال. ولكن «الكليشيهات» الأحكام المُسبقة التي تُطلق على سويسرا تجعل الحياة صعبة في فرنسا أيضاً. وكثيراً ما يُقال لي، لِكَوني سويسرية، لا بد أن جدي يعمل بصناعة الشوكولا أو الساعات أو في البنك ويظنون أنني أنام على سرير من الذهب.
swissinfo.ch: لا زالت فرنسا حتى الآن مستمرة بجذب العديد من السويسريين، ما الذي يميز موجة الهجرة الحالية عن سابقاتها؟
آن روثنبوهلر: بالتأكيد، لقد تغيرت مواصفات الأشخاص الذين يهاجرون لأسباب مهنية. لم يعد الحرفيون هم الذين يغادرون، وإنما أشخاص حريصون على شغل مناصب عليا، في قطاع التكنولوجيات الحديثة على سبيل المثال. كما نجد أيضاً من بين المهاجرين الجدد عدداً كبيراً ممن يرغبون بالاستمتاع بتقاعد أكثر راحة في فرنسا. ومع ذلك، هناك تشابه مع موجات الهجرة السابقة: تكرار الذهاب والإياب بين البلدين.
swissinfo.ch: هل لا تزال هناك أمور نجهلها عن هجرة السويسريين إلى فرنسا؟
آن روثنبوهلر: لا يزال تاريخ الهجرة بمجمله غير معروف نسبياً، ولكن يبقى هناك تحديداً فصل غامض: إنه ذلك الذي يخص الأمهات العازبات اللاتي غادرن، في القرن التاسع عشر، للولادة في باريس تجنباً للسخرية والتهميش في مجتمعهن الأصلي. وهذا مثال فريد من نوعه للهجرة في أوربا. فلم تلجأ الايطاليات ولا الألمانيات لهذا النوع من الهجرة.