Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00918.jsonl.gz/98

تمكنت المبادرة الشعبية التي تحمل عنوان "من أجل طرد المجرمين الأجانب" من اجتياز عقبة صناديق الإقتراع. وفيما تمثل هذه النتيجة انتصارا معنويا لليمين الشعبوي المحافظ قبل أقل من عام من موعد إجراء الإنتخابات النيابية، يظل التساؤل قائما حول الكيفية التي ستطبق بها وموقف الإتحاد الأوروبي منها.
مرة أخرى، يجدد حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي ومحافظ) العهد مع النجاحات الإنتخابية من خلال المراهنة على أحد فرسانه القديمة الرابحة أي: السكان الأجانب. ومع أنه لم يكسب الرهان في جميع المرات السابقة إلا أن اليمين المحافظ (والمتشدد برأي البعض) حقق دائما نتائج ملفتة كلما تطرق إلى هذه الإشكالية بطريقة أو بأخرى.
وفي الواقع، كان حزب الشعب شبه متأكد لدى إطلاقه مبادرته الداعية إلى طرد الأجانب الذين يرتكبون جرائم خطيرة أو يُقدمون على التحايل على نظام المساعدات الإجتماعية من تحقيق نتيجة جيدة والفوز في صناديق الإقتراع. وبالفعل، تجنب الحزب هذه المرة الحديث عن الأجانب بشكل عام واختار تسليط الضوء على المجرمين الأجانب، وهي فئة من السكان غير مرشحة للحصول على تعاطف المواطنين.
وبقدر ما كان نجاح المبادرة الشعبية منطقيا، كان الفشل متوقعا أيضا للمشروع البديل الذي أعد من طرف الحكومة الفدرالية وأغلبية البرلمان. وبالرغم من أنه كان قريبا من المبادرة على مستوى الهدف، إلا أن "إعاقته" الرئيسية تمثلت في اضطراره لمواجهة رفض مؤيدي المبادرة واستنكار المعارضين لطرد الأجانب المجرمين، لذلك أصابته هذه المعارضة المضاعفة في مقتل.
"انتصار معنوي"
النتيجة التي أسفر عنها تصويت الأحد 28 نوفمبر تمثل "انتصارا معنويا" لحزب الشعب الديمقراطي. فقبل أقل من عام واحد من الإنتخابات العامة المقبلة، أظهر الحزب الأول في سويسرا (من حيث عدد الأصوات التي تحصل عليها في انتخابات 2007 وعدد النواب في غرفتي البرلمان) – الذي كان يُقال أحيانا إنه يتجه للإنحدار بسبب بعض الهزات الداخلية التي عانى منها في الفترة الأخيرة – أنه لا زال قادرا – وبمفرده - على ضبط الإيقاع وفرض القرار.
وبالفعل، وجد حزب الشعب السويسري نفسه بمفرده في مواجهة الحكومة وجميع الأحزاب الأخرى من اليمين المعتدل إلى اليسار. وخلال الحملة الإنتخابية، لم تتوان جميع التشكيلات السياسية من التنديد بالإنحرافات المعادية للأجانب وبالحلول التبسيطية التي يعرضها اليمين الشعبوي المحافظ. وبغض النظر عما إذا كان ذلك صحيحا أو خطأ، لا مفر من تسجيل أن حزب الشعب السويسري لا زال يجد الطريق سالكة إلى صناديق الإقتراع من خلال التركيز على القضايا الأثيرة لديه.
ويظهر التحليل المتأني لنتيجة تصويت الأحد أن الحزب لا زال يتمتع بتأييد قوي في الأنحاء المتحدثة بالألمانية من الكنفدرالية وفي المناطق الريفية بوجه أخص. في المقابل، لا زالت نتائجه ضعيفة في المراكز الحضرية الكبرى وفي سويسرا الروماندية (أي المتحدثة بالفرنسية) لكن ذلك لا يحول دون تمكنه من الحصول على أغلبيات مؤيدة على المستوى الوطني.
من وجهة النظر هذه فإن الموافقة التي حصلت عليها مبادرة "من أجل طرد المجرمين الأجانب" ستؤدي إلى زيادة الضغط المسلط على بقية الأحزاب في أفق الإنتخابات العامة المقرر إجراؤها في خريف العام المقبل لتجديد غرفتي البرلمان الفدرالي بعد أن اتضح أن أحزاب وسط اليمين (الليبرالي الراديكالي والديمقراطي المسيحي والديمقراطي البورجوازي) غير قادرة بعدُ على التعاطي بندية مع اليمين الشعبوي المحافظ.
أما فيما يتعلق باليسار، فإن الإستنتاج يتسم بمرارة أكبر، إذ لا يكفي أنه لم يتمكن من إفشال مبادرة حزب الشعب لكنه أظهر – زيادة على ذلك – مرة أخرى أنه لا يمتلك – على عكس اليمين المتشدد – القدرة على تمرير مشاريعها بمفردها.
ومع أن مبادرة الحزب الإشتراكي "من أجل ضرائب عادلة" التي تقترح فرض ضريبة دنيا على المداخيل المرتفعة كانت تتمتع بسياق ملائم يشمل تداعيات الأزمة المالية والجدل المثار حول الأجور "الخيالية" لكبار المسؤولين والمدراء في الشركات والمصارف وحول الحوزافز الضريبية الممنوحة للأثرياء الأجانب إلا أن الحزب لم يتمكن في المحصلة النهائية من فرض رؤاه وإقناع الأغلبية بها.
كيفية التطبيق؟
يبقى الآن الإنتظار لمعرفة ما إذا كان سيكون متاحا ترجمة مبادرة "من أجل طرد المجرمين الأجانب" بشكل ملموس من الناحية العملية أم إنها ستبقى مجرد ضربة انتخابية جميلة نجح حزب الشعب في تسجيلها. وإلى حد الآن، يبدو أنه من المتعذر جدا تقديم جواب عن هذا السؤال.
فعلى المستوى السويسري، يتوجب إجراء تحويرات تشريعية ودستورية لاستيعاب المطالب المضمنة في المبادرة إلا أن هذه العملية يمكن أن تكون طويلة جدا بالنظر إلى أن أجلا أقصى يستمر خمسة أعوام يمكن أن ينقضي بين اللحظة التي تتم فيها المصادقة على مبادرة شعبية واللحظة التي تدخل فيها حيز النفاذ.
بعد ذلك، يتطلب الأمر معاينة رد فعل البلدان الأخرى وخاصة تلك الصادرة عن الإتحاد الأوروبي. خلال الحملة التي سبقت التصويت، اعتبر كثيرون في سويسرا وفي بروكسل أن الطرد الآلي (أو التلقائي) للأجانب المجرمين يتعارض مع الإتفاقيات الثنائية المبرمة مع الإتحاد الأوروبي وخاصة فيما يتعلق بحرية تنقل الأشخاص.
ويمكن القول هنا أن تلاؤم المطالب الواردة في المبادرة التي صادق عليها السويسريون مع القانون الأوروبي تظل مسألة تفسير (وتأويل قانوني) بالأساس، ولا مفر من انتظار الكيفية التي سيتم التعامل بها مع المسألة من جانب الإتحاد الأوروبي. وفي هذا المجال أيضا، فإن الأمور قد تستغرق فترة زمنية طويلة أيضا.
لقد أدى حظر بناء المزيد من المآذن في سويسرا، وهي مبادرة أخرى أطلقها ساسة ينتمي معظمهم إلى حزب الشعب، واعتمدت قبل عام بالضبط من طرف السويسريين، إلى صدور احتجاجات من طرف بروكسل، لكن وبعد مرور اثني عشر شهرا، لم يُسجّل المراقبون بعدُ أي تأثير ملموس للمبادرة على الميدان.
(نقله من الفرنسية وعالجه: كمال الضيف), swissinfo.ch