Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/43

يُثير تصاعد الدعم للسياسيين المتسلطين في شتى أنحاء العالم توجّس خبراء الديمقراطية، لكن الأخصائي السويسري في العلوم السياسية دانيال كوبلِر يُبدي في مقابلة خاصة أجرتها معه swissinfo-ch "تفاؤلاً حذراً".
قام مشروع بحث كبير متعدد التخصصات بدراسة التحديات التي ستواجه الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين عن كثب، في سياق الشعبوية (اليمين المتطرف) والعولمة، حيث تزداد أهمية دور الإعلام شيئاً فشيئاً. وعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، قاد دانيال كوبلِر، الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة زيورخ، المشروع الذي يُختتم في غضون شهر سبتمبر الجاري.
swissinfo.ch: هل أنت قلق بشأن الحالة التي آلت إليها الديمقراطيات في العالم؟
دانيال كوبلِر: أشعر بالقلق تجاه الديمقراطيات في العالم الغربي. فمنذ أقل من 30 سنة، في الوقت الذي وصلنا فيه إلى قمة الموجة الثالثة من الديمقراطية وبعد سقوط جدار برلين، كان من المقبول عموماً القول بأن الديمقراطية الليبرالية الغربية قد انتصرت. وكان بعض الخبراء قد تحدثوا عن «نهاية التاريخ».
بعد ثلاثة عقود، لدينا رئيس للولايات المتحدة ـ الديمقراطية الليبرالية الأقدم في العالم ـ يُشكّك علناً ببعض قواعد الديمقراطية الليبرالية الأمريكية، مثل الفصل بين السلطات. فانتخاب ترامب ليس مُفاجئاً بحد ذاته ولكنة يُسلط الضوء على مجموعة من التوجّهات المُلاحَظة في ديمقراطيات راسخة أخرى.
فلم تشهد فرنسا في تاريخها قط اقتراب مرشحة متسلطة وشعبوية [مارين لوبان] من الفوز بالإنتخابات الرئاسية. ونلاحظ الأمر نفسه في النمسا، حيث خسر المرشح الشعبوي اليميني [نوربر هوفر] بفارق قليل. ويحكم الشعبويون في كل من بولندا والمجر، حيث بدأوا بتفكيك بعض المبادئ الأكثر أهمية في دولة القانون.
swissinfo.ch: وماذا عن بقية العالم، خارج أوروبا؟
دانيال كوبلِر: تبقى دواعي القلق أقل لو نظرنا إلى عدد الديمقراطيات في العالم. على الأقل إذا عرَّفنا الديمقراطية على أنها نظام سياسي يتم من خلاله توفير مؤسسات حكومية رئيسية عبر تنظيم انتخابات تعتمد على مبدأ الإقتراع العام. ويحظى نموذج السياسة الديمقراطية بتأييد في صفوف الشعب الصيني، على الرغم من قمع نظام بكين الذي يزداد قسوة.
swissinfo.ch: إلى أي حد تُشكّل الشعبوية، التي تعتبر عاملاً رئيسياً في فرنسا وفي غيرها من الدول الغربية، تهديداً للديمقراطية؟
دانيال كوبلِر: تتكون الشعبوية من ثلاثة عناصر، بحسب ما صنَّفها الباحثون. أولاً انتقاد النخبة. ثانياً مفهوم رومانسي للشعب، الذي يعتبر جيّدا في جوهره.
هذه المساهمة هي جزء من منصة #DearDemocracy رابط خارجيالتي تتيحها swissinfo.ch للحديث حول الديمقراطية المباشرة.
لا يُمثل هذان العنصران خطراً على الديمقراطية لأنه من المفترض أن يُسمَحَ بانتقاد السلطة في النظام الديمقراطي. فليس هناك ما يمنع الشعب من أن يقول كلمته عن الطريقة التي ينبغي أن يُحكم فيه بلده.
غير أن ما يشكل خطراً على الديمقراطية هو «التفكير ككتلة»: أي فرض وحدة زائفة على الشعب والنخبة. وهو ما يعادل تجاهل اختلافات الآراء المختلفة داخل مجموعة.
ويريد الشعبويون استبعاد مواقف الأقليات بحجة أنها لا تُشكّل جزءاً من «الشعب». فعلى سبيل المثال، ينظر شعبويو اليمين إلى المُهاجرين على أنهم ليسوا جزءاً من «الشعب».
ولكن لا وجود لمجموعة متجانسة من الأشخاص الذين يريدون جميعهم نفس الشيء. وفي هذا السياق يقول أندرياس آوير مدير ومؤسس مركز الديمقراطية في آراورابط خارجي: «الفكرة هي أن مصطلح "الشعب" هو ضرب من الخيال».
فهناك دائماً تنوع في الأفكار ويُدلي الناس بآراء مختلفة في صناديق الاقتراع. والأغلبية الشعبية هي نتاج ذلك. وتُنسَبُ وحدة مُزيفة إلى النُخبة التي تكون بمجملها فاسدة وبعيدة وتعيش في برج عاجيّ، بحسب الشعبويين.
swissinfo.ch: كيف يُمكننا الحد من انتشار فكر الكتلة الواحدة؟
دانيال كوبلِر: حتى هذه اللحظة، لا توجد إجابة علمية لذلك. ويجب على الباحثين أن يدرسوا عن كثب الطريقة التي يحكم بها الشعبويون وإجراء مقارنة بينها وبين الحكومات غير الشعبوية.
بخصوص مشروع البحث في الديمقراطيةرابط خارجي الذي قمنا به، بكل بساطة، لم يكن هناك وجود لأي مثال واقعي. حيث لم تبدأ الحكومات الشعبوية بالظهور إلا في الآونة الأخيرة ويُمكننا الآن مراقبتها بشكل مباشر في كل من الولايات المتحدة وبولندا والمجر على سبيل المثال.
يُمكن إنشاء حماية محتملة ضد الشعبوية من خلال دعم المؤسسات الديمقراطية الليبرالية بالإضافة إلى ضمان حق التعبير في مجتمع متنوع وتعزيز أفكاره عن طريق الحوار السياسي.
مشروع الديمقراطية (التابع للمركز الوطني السويسري للكفاءة في مجال البحوث NCCR)
يُختتم هذا المشروع البحثي متعدد التخصصات حول الديمقراطيةرابط خارجي في القرن الحادي والعشرين في شهر سبتمبر 2017.
في سياق المشروع، ركّز أكثر من 50 فريقاً من الباحثين العاملين في 16 مؤسسة على العولمة ودور وسائل الإعلام في زمن تزداد فيه ظاهرة الشعبوية.
قاد المشروع، الذي أنشأه الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي وقُدرت تكلفته بـ 33 مليون فرنك سويسري، أخصائيان في العلوم السياسية وهما: هانس بيتر كريزي (المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا) ودانيال كوبلر من جامعة زيورخ.نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch: هل سبق أن طلب منكم أحد الأحزاب السياسية أو إحدى المنظمات نصائح لمكافحة الشعبوية؟
دانيال كوبلِر: أبداً، وبالحقيقة لن أستطيع مساعدتهم. إضافة إلى أن الشعبويين ليسوا بالضرورة مخطئين. حيث تم انتخابهم من قبل شعوب بلادهم، كما يتضح ذلك من الأمثلة حديثة العهد في الغرب. فقد قبلوا بالقواعد وأعربوا عن مطالب سياسية مشروعة جذبت الناخبين.
وتكمُن المشكلة في الطريقة التي يصيغ بها الشعبويون هذه المطالب وبأفعالهم عندما يَصلون إلى السلطة. ومن الضروري وضع ضمانات للتأكد من عدم الإضرار بالديمقراطية بشكل لا يمكن إصلاحه.
ويُظهر مثال الولايات المتحدة أن أحد المبادئ الأساسية هو الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ويجب وضع نظام مراقبة بهدف الحد من المحاولات السياسية لكبح التعددية.
في الولايات المتحدة، يبدو أن السلطة القضائية قد وضعت حداً لمرسوم الرئيس ترامب لمكافحة الهجرة، في حين يعمل الاتحاد الأوروبي جاهداً لإقناع بولندا والمجر باحترام مبدإ الفصل بين السلطات.
وفي مكان أقرب إليّ، هنا في سويسرا، كنت سعيداً جداً لرؤية أن مبادئ الديمقراطية ودولة القانون كانت، في العام الماضي، في قلب الحوار العام الواسع الذي سبق التصويت على مبادرة تطبيق طرد «المجرمين الأجانب».
عموما، يجب على المواطنين الدفاع عن القيم الأساسية للديمقراطية ضد تهديد الشعبويين.
swissinfo.ch: هل أنت متفائل بشأن مستقبل الديمقراطيات؟
دانيال كوبلِر: من عادتي أن أنظر إلى نصف الكوب الممتلئ بدلاً من النصف الفارغ. وقد قيل من قبل بأنه لن يتم وضع مؤسسات المراقبة تلقائياً. فالناس بحاجة لتفعيل هذه الآليات.
في حالة المرسوم المُعادي للمسلمين في الولايات المتحدة، يبدو أن هذا ما تمّ بالفعل وهذا أمر مُشجّع. على العكس من ذلك هناك حالات، كما هو الحال بالنسبة للمجر وبولندا، حيث الوضع مختلف تماماً وهو ما يقلقني.