Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00921.jsonl.gz/54

مُنذ نعومة أظفاره وهو يحلم بأن يصبح عالم آثار. كيف لا، وقد وُلِدَ في مدينة تَدمر، إحدى أهم المدن الأثرية في العالم أجمع. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف جهود خالد السليم لتحقيق حلمه. هذه الجهود التي تكللت مؤخراً بفوزه بالمركز الثالث في المسابقة العلمية "أطروحتي في 180 ثانية" التي اقيمت في جامعة جنيف، ليتأهل بذلك للتصفيات النهائية على مستوى سويسرا التي أقيمت في جامعة فريبورغ يوم 7 يونيو 2018.
بعد حصول خالد السليمرابط خارجي على درجة البكالوريوس في علم الآثار من جامعة دمشق، تم اختياره للعمل كَمُعيد في جامعة دير الزور لتدريس مادة اللغة الأكّادية. ووُفقا للنظام التعليمي في سوريا، يستفيد المتخرج الذي يُعَيَّن كمعيد في الجامعة من منحة حكومية للحصول على درجة الماجستير، وبعدها الدكتوراه، يعود إثرها إلى سوريا لشغل منصب أستاذ في الجامعة.
في عام 2009، تم إيفاد السليم إلى جامعة ليون 2 في فرنسا، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الآثار وتاريخ العوالم القديمة، برسالة تحمل عنوان "المُعاهدات في الشرق الأدنى في الألفية الثالثة والثانية ق.م". وعقب إجتيازه هذه المرحلة في عام 2011، ورغبته بالشروع في إعداد أطروحة الدكتوراه، بدأت الأحداث في سوريا، مما أدى إلى توقف المنحة الدراسية. ومع وجود مقعدٌ شاغرٌ في جامعة جنيف، قرر التقديم إلى هنا للحصول على درجة الدكتوراه، وباشر في عام 2013 بأطروحته التي تحمل عنوان: ‘التنظيمات الإدراية في القصر الملكي الكبير في مملكة ماري في الألفية الثانية ق.م.’.
خالد السّليم في سطور
وُلِدَ في مدينة تدمر (في محافظة حمص السورية) في عام 1982.
يحمل درجة الماجستير في علم الآثار وتاريخ العوالم القديمة من جامعة لوميير 2 في ليون، فرنسا.
يُحَضِّر الآن لأطروحة الدكتوراة في جامعة جنيف حول "التنظيم الإدراي في القصر الملكي الكبير بمملكة ماري في نهاية عصر سلالة الـ "شاكاناكو"- في الألفية الثانية ق.م.
يعمل كأستاذ مساعد في جامعة جنيف منذ فبراير 2016، حيث يُدَرِّس اللغة الأكّادية، وبالأساس قواعد اللغة الأكّادية وشريعة حورابي، ومُقدمة لبلاد ما بين النهرين.
شارك في العديد من البعثات الأثرية في سوريا (مدينة عمريت الأثرية، ودير مار إليان ومدينة قطنا الأثرية وتدمر) وعدة بعثات لدراسة علم النقائش أو الأبيغرافيا (علم دراسة النقوش والكتابات القديمة) في المتحف الوطني بدمشق ومتحف التاريخ والفن بجنيف.نهاية الإطار التوضيحي
دراسة نصوص لم تكن مقروءة من قبل
الأسباب التي دَفَعت بالسليم إلى إختيار دراسة علم الآثار عديدة. وكما يقول: "كانت ولادتي في تَدمر هي السبب الرئيسي الذي دفعني إلى دراسة الآثار واللغات القديمة. كما كان هناك شخص عزيز على قلبي، هو أستاذي الأول في علم الآثار، والذي كانت أول بعثة تنقيب آثارية لي معه، هو المرحوم خالد الأسعد، الذي أغتيل على يد ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية بعد دخولهم تدمر. وقد جاء إختياري لدراسة موضوع التنظيم الإدراي في قصر ماري في بداية الألف الثاني ق.م. بالذات، بسبب عدم الَتَطُّرق إلى هذا الموضوع بالشكل الكافي، بالإضافة إلى رغبتي بدراسة نصوص لم تُقرأ من قَبل". وكما يوضح السليم، يقوم غالبية الباحثين الراغبين بدراسة اللغة الأكادية، باختيار موضوع من خلال نصوص مقروءة سابقاً "وهذه لم تكن رغبتي". وقد أتاحَت له جامعة جنيف هذه الفرصة.
بين القصر الملكي في ماري ومتحف جنيف للتاريخ
المصادر الأساسية التي يَستَند عليها السليم في أطروحته هي من مدينة ماري بشكل أساسي، ومن القصر الملكي في ماري بالذات. وكما يوضح: "في عام 2002، تم اكتشاف نحو 1000 رقيم طيني كتبت باللغة الاكادية في القصر الملكي [قصر زمري ليم]، يعود إلى بداية الألف الثاني ق.م.. وعلى الفور، تم إستدعاء البروفيسور أﻧﻄﻮان ﻛﺎﻓﻴﻨﻴﻮ [وهو بروفسور في جامعة جنيف، مُختص بعلم اللغات في البعثة الآثارية الفرنسية في ماري]، مع فريقه اللغوي لدراسة النواحي اللغوية لهذه النصوص. وكما كَشَفت هذه الدراسات، كانت هذه النصوص إدراية بالدرجة الأولى. لذا كان من الضروري دراسة النواحي الإدراية في هذه النصوص. لكن هناك مصادر أخرى موجودة في متحف الفنون والتاريخ بجنيفرابط خارجي (Musée d'histoire de geneve)، حيث توجد العديد من الرقم المسمارية التي جلبت من العراق ومن سوريا، وهي أيضاً نصوص إدارية تسمح لي بالمقارنة، بالإضافة إلى المراجع التي تقدمها المكتبات الموجودة في جامعة جنيف".
وكان السليم قد توجه إلى سوريا في عام 2011، برفقة البروفيسور ﻛﺎﻓﻴﻨﻴﻮ وفريقه اللغوي في اول بعثة لغوية له. "لقد توجهنا للعمل في متحف دمشق الوطني حيث كانت النصوص محفوظة هناك، وبقينا نعمل على قرائتها لمدة شهر ونصف تقريباً. وقد قَدَّم لي علماء الآثار السوريين كافة المساعدات المُمكنة، وكانوا سعداء جداً بوجود شخص سوري قادم لدراسة هذه النصوص، لعد وجود سوى قلة قليلة من العلماء العرب المُختصين بهذا المجال. لكن المشكلة أننا لم نَعُد نستطيع الذهاب إلى سوريا بسبب نشوب الحرب هناك"، كما قال.
25 ألف رقيم مسماري
منذ اكتشاف مملكة ماري بالصدفة في عام 1933[عندما كانت مجموعة من البدو تدفن أحد موتاها في تل الحريري] ، توالت مواسم تنقيب مُتعددة، كَشَفَت عن ما يزيد عن 25 ألف رقيم مكتوب باللغة الأكدية، قَدَّمت معلومات هامة عن مختلف نواحي الحياة في ماري - التي كانت ميناءً على نهر الفرات - والممالك المجاورة في تلك الفترة.
وكما يقول السليم: " تكمن الأهمية الأولى لهذا العدد الكبير من النصوص في الناحية اللغوية، لأنها أتاحت للعلماء فهم اللغة الأكّادية ولهجتها البابلية القديمة بشكل أفضل. فقبل إكتشاف نصوص ماري، كنا نعتمد في دراسة اللهجة البابلية القديمة على مصدر واحد تقريباً هو شريعة حمورابي. لكن الآن، يجب قراءة نصوص ماري من أجل دراسة اللغة البابلية القديمة وفهم لهجتها".
تعويذات وتحالفات وأحجار كريمة
وكما يضيف الباحث، تنطوي الأهمية الثانية لهذه النصوص في تنوعها: "هناك نصوص دينية تتعلق بطقوس العبادة، وأخرى تتحدث عن قراءة الفأل، والتعويذات، كما تتحدث عن مجمع الآلهة الموجود في مدينة ماري، وعلاقته بمجمع الآلهة الموجود في منطقة بلاد الرافدين، وفي منطقة غرب سوريا".
على الجانب السياسي، سَلَّطت هذه النصوص الضوء على مرحلة مُهمة جداً من تاريخ هذه المنطقة، هي بداية الألف الثاني ق.م.، وبالتحديد بين العام 1810 و1760 ق.م. "بحسب ما أوضحت هذه النصوص، كانت هذه المنطقة تعيش مرحلة اضطرابات سياسية، مع وجود عدد من الممالك، مثل المملكة البابلية القديمة تحت حكم حمورابي، والمملكة الآشورية القديمة تحت حكم شمشي أدو، (أو شمشي أدد)، مملكة حلب تحت حكم ياريم-ليم، ومملكة أشنونة، بالإضافة إلى مملكة ماري. وهذه المالك لك تكن دائماً على وفاق، وكانت هناك لعبة سياسية قائمة على اساس التحالفات، حيث عثرنا في نصوص ماري على الكثير من المعاهدات السياسية بين الحُلفاء أو بين أتباع مملكة ماري".
علاوة على ما سبق، بَيَّنَت هذه الرقم استناد إقتصاد ماري بالأساس على جَمع الضرائب المفروضة على التجارة التي كانت تمر عبر المملكة. "من المعروف أن مدينة ماري [من خلال موقعها على نهر الفرات] كانت ملتقى طرق تجارية تربط بلاد الرافدين وبلاد الشام وبلاد الأناضول والخليج العربي، حيث كانت تمرّ فيها القوافل المُحمَّلة ببضائع مثل الخشب من لبنان، والاحجار الكريمة من إيران. كما أشارت النصوص أيضاً إلى وجود ثروة حيوانية ونباتية مُهمة في ماري، مما أدى إلى نشوء ثروة صناعية مثل صناعة الأقمشة".
ومن النواحي الإدراية، تتعلق طبيعة النصوص المُكتشفة في مدينة ماري بالقصر الملكي. "نحن نعلم الكثير من التفاصيل بالنسبة للحياة الإدارية ضمن قصر مدينة ماري. وهناك إختلاف بين الحياة الإدارية للقصر والحياة الإدراية للمدينة بشكل عام"، كما يوضح السليم.
نُظُم إدراية متطورة
بحسب الباحث، قدمت النصوص المُكتشفة في القصر الملكي أفكاراً وافية عن طبيعة التنظيمات الإدارية. "نحن نعلم الآن أن قصر مدينة ماري كان مُقسَّماً إلى عدة أقسام: قسم يخص الملك، مثل قاعة العرش، وآخر لحريمه وحاشيته، وقسم للآلهة، حيث كانت هناك معابد في القصر، وقسم لاستقبال الضيوف، ومجموعة من المستودعات. وكل قسم من هذه كان يَضُم مجموعة من الإداريين، تتمثل مُهمتهم في تسجيل النفقات في داخل القصر. كما نعلم اليوم مثلاً أن القسم المخصص للنساء، كان يضُم موظفتين إداريتين، كن يُسجلن كافة المصاريف وطريقة توزيعها بشكل يومي".
وكما يضيف: "كانت كل مادة تخرج من المستودعات تسجَّل بشكل يومي، مع ذِكر وُجهة وسبب صرفها. وفي نهاية كل شهر، كان الكتبة والإداريون يلخصون كافة المصاريف التي أُنفِقَت خلال هذا الشهر. وأحياناً، كانوا يلجأون إلى إعداد ملخص (جَرد) سنوي لجميع هذه المصاريف. وبعد الإنتهاء من إعداد هذا الملخصات الشهرية أو السنوية، كانت الرُقُم اليومية تُتلَف من خلال تعليمها بوضع إشارة أو دهان أحمر، كدليل على إنتفاء الفائدة الإدراية لها".
لم تَحظ بما تستحق من الإهتمام
كانت الرُقُم الآثارية التي عُثِر عليها في الممالك الأخرى التي عاصرت ماري (مثل بابل) تتحدث عن مدينة غاية الجمال والإبداع المعماري في المنطقة دون تحديد موقعها. لكن مملكة ماري ظلت لغزاً حضارياً بالنسبة للعديد من الباحثين الاثاريين في سوريا وبلاد الرافدين لفترة طويلة، حتى إكتشافها بالصدفة في عام 1933. وكما يقول السليم: "كانت هذه النصوص تَذكر أن مدينة ماري كانت مقراً للسلالة العاشرة بعد الطوفان، وهو ما يعني أنها كانت تحكم كل بلاد الرافدين تقريباً". وبحسب الباحث، قد يعود سبب الإكتشاف المتأخر نوعا ما للمدينة، إلى تركيز عمليات التنقيب في القرن التاسع عشر على منطقتين في الشرق الأوسط هما مصر والعراق. "كان الإعتقاد السائد هو وجود حضارتين فقط،هما حضارة وادي الرافدين والحضارة المصرية، وكان كل ما يتعلق بسوريا يُعتَبَر منطقة هامشية لم تلعب دوراً حقيقياً في تاريخ المنطقة. لكن مع إكتشاف مملكة ماري، ومملكة إيبلا ومملكة أوغاريت، أصبحنا نعلم أن منطقة سوريا لعبت دوراً كبير في التاريخ".
وبالمقارنة مع حضارات وادي الرافدين [كالسومرية والبابلية والآشورية مثلا]، لم تَحظ مملكة ماري بما تستحق من الإهتمام الذي يليق بأهميتها التاريخية منذ اكتشافها. وفي إعتقاد الباحث، "قد يكون السبب في ذلك، هو أن التركيز لا يزال قائماً على المدن التي إكتُشِفَت في العراق، لأن معظم البعثات الأثرية كانت تعمل هناك، بالإضافة إلى وجود الكثير من المعلومات الناقصة حول ماري حيث لم يُكتَشَف سوى 50% من المدينة حتى الآن، على الرغم من أن بعثة التنقيب بدأت عملها منذ عام 1933. كذلك يلعب نقص الموارد العلمية والبشرية والمالية بشكل خاص دوراً مهماً في ذلك".
مركز مُتقدم في مسابقة علمية
أطروحة خالد السليم لم تحظ باهتمام العديد من علماء اللغة وعلماء الآثار في سويسرا فَحَسب، لكنها وَجَدَت صدى أيجابيا أمام جمهور واسع حَضَر لمُشاهدة المسابقة العلمية "أطروحتي في 180 ثانيةرابط خارجي" التي أقيمت في جامعة جنيف يوم 12 أبريل الماضي، والتي فاز بها السليم بالمركز الثالث، ليتأهل بذلك للتصفيات النهائية على مستوى سويسرارابط خارجي، التي أقيمت في جامعة فريبورغ يوم 7 يونيو 2018.
"هذه المسابقة كانت موَجَهة بالأساس إلى جمهور عريض، مما يُحتم على المتسابق تقديم الموضوع بلغة علمية مُبسطة، لكي تكون فكرة البَحث مَفهومة تماماً. وقد حظي الموضوع بالإهتمام، لأنني أتطرق إلى فترة تعد مُظلمة تاريخياً، لعدم وجود وثائق تتحدث عن فترة بداية الألف الثاني ق.م. في منطقة سوريا. وعن طريق هذه النصوص الإدراية، نأمل بتقديم بعض المعلومات التي تساعدنا على فهم طبيعة السلطة الحاكمة والتنظيم الإدراي في هذه الفترة".
تدمير وتنقيب غير شرعي
من جانبها، كشفت مديرية الآثار العامة السورية مؤخراً عن تَعَرُّض عدد من المواقع الأثرية من بينها ماري إلى دمار كبير، حيث كان الموقع الأثري ضمن المناطق الشرقية لسوريا التي خضعت لسيطرة التنظيمات الإرهابية لفترة طويلة. "حتى الآن لا توجد معلومات كافية عن طبيعة الأضرار في الموقع. لكن تقرير مديرية العامة للآثار والمتاحف، تحدث عن أضرار في القصر الملكي الذي تهدم بالكامل تقريباً، كما تطرق إلى الكثير من أعمال التنقيب غير الشرعية التي طالت ماري وغيرها. ومع أن الدولة استعادت سيطرتها على المنطقة، لكنها لاتزال تشهد بعض المواجهات التي تُصَعِّب توجه علماء الآثار إلى هذه المناطق لتحديد طبيعة الأضرار". وبرأي الباحث، فإن أحد الوسائل لعدم نسيان هذه المواقع هو القيام بعمل منشورات علمية حولها دائماً، "وهذا أضعف الإيمان"، كما يقول.
وماذا عن المجتمع الدولي؟ أسأله... هل يقوم بما يكفي لِحفظ الذاكرة الإنسانية في سوريا برأيه؟ بعد أن يستغرق السليم في التفكير لبضعة ثوان، يجيبني: "في الحقيقة لا أعرف الإجابة على هذا السؤال. الحرب في سوريا لازالت قائمة للأسف، ومن افتعل هذه الحرب بالأساس هو المجتمع الدولي. توجد هناك الكثير من المنظمات التي تعمل بالفعل من أجل حماية المواقع الآثارية والتراث البشري، لكن، وللأسف، هناك أيضاً العديد من الأطراف التي تهتم بالمصالح السياسية التي تكمُن خلف هذه الحرب".