Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/15

وفقاً لدراسة إستطلاعية حديثة نفذها مصرف "أتش أس بي سي" بشأن إنطباعات الوافدين والمغتربين حول أفضل نمط للحياة في 39 دولة حول العالم، لم تكن تجربة العيش في سويسرا مواتية لغالبية العمالة الوافدة إليها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالحياة الإجتماعية والإلتقاء بالأشخاص وعقد الصداقات، حيث انتهى المطاف بالكنفدرالية في المراكز الأخيرة. فهل الوضع بهذا السوء حقاً؟
انها ليلة شتاء باردة في مركز مدينة جنيف. رغم ذلك، يجتمع نحو 30 شخصاً يرتدي معظمهم ملابس زاهية الألوان ويتبادلون أطراف الحديث - باللغة الإنجليزية غالباً - ويحاولون تدفئة أجسادهم قبل إنطلاقهم في فعالية الجَري الأسبوعي.
ومن بين المُجتمعين، يتعالى صوت هيلين غمور التي تُرحب بجميع الحضور، سواء من المُتسابقين الجُدُد، أو أولئك المُشاركين بانتظام. "للتذكير فقط، سوف تكون فعالية يوم الأحد القادم هي السباحة [في بحيرة ليمان] إحتفاءً بحلول العام الجديد... هذا رائع جداً". كما تقول.
وكانت غمور التي تنحدر من بلدة "توغَّنبورغ"Toggenburg في كانتون سانت غالن قد أسست نادي العدّائين في جنيفرابط خارجي عام 2008. واليوم، يضم هذا النادي نحو 370 عضو بِضمنِهم "بعض أفضل عدّائي المدينة" الذين سجّلوا نتائج مُثيرة للإعجاب بالفعل، كما توضح.
وبِحَسب غمور، حقق النادي نجاحات في مجالات أخرى أيضاً لا علاقة لها بالرياضة. فهو يهتم بمساعدة المغتربين والوافدين الجُدُد للمدينة في عقد الصداقات، ومَنحهم الشعور بأنهم في وطنهم بأسرع وقت ممكن. وكما توضح رئيسة النادي، فإن ما يقرب من 70% من الأعضاء هم من العمالة الوافدة التي جاءت إلى المدينة الناطقة بالفرنسية لأسباب مهنية. وغالبية هؤلاء هم في مُقتبل أعمارهم ويقيمون بِمُفردهم.
واليوم، لم يعُد بوسع غمور تَذَكُّر عدد الأشخاص الذين ساعدهم النادي في عملية الإندماج بالفعل. "لقد فقدت الرؤية الشاملة لعددهم، ولكن قلبي يمتليء دفئاً عندما أرى الصداقات الرائعة التي نشأت في ظل النادي... كما شهدنا عشر حفلات زفاف لإشخاص تعرفوا على بعضهم هنا، بالإضافة إلى ولادة بعض الأطفال أيضاً".
ومع انتهاء جولة الجَري وبلوغ المُتسابقين هدفهم - حانة النادي - تبدو مشاعر البهجة واضحة على الجميع، الذين يُشَدِّد العديد منهم على الأثر الإيجابي لهذه المجموعة المُتماسكة على حياتهم الإجتماعية وإندماجهم، حتى وإن تسلط التركيز على المُغتربين بالدرجة الأولى.
كريس، وهو كندي يقيم في جنيف منذ 20 عاماً، يقول أن النادي غيَّر حياته. "كنت أعمل خارج مركز المدينة وأتنقل دائما. وعندما عدت للإستقرار في جنيف، لم اتوفر على أي نوع من الحياة اجتماعية، ولكن النادي ساعدني في التعرف على العديد من الأشخاص، كما أصبحت أمارس أنواعاً مختلفة أخرى من الفعاليات عدا رياضة الجري".
مع ذلك، وعلى الرغم من قصص النجاح الظاهرة هذه، تُعتَبَر سويسرا مكاناً صعباً عندما يتعلق الأمر باندماج العمّال الوافدين إليها وتأقلمهم في المجتمع، بحسب الإستطلاع السنوي السادس لآرآء المغتربين ألذي نفذه مصرف "أتش أس بي سي" البريطاني في عام 2015 والذي يحمل اسم ‘أكسبات أكسبلورَررابط خارجي’ (Expat Explorer). ويُقَيِّم هذا الإستطلاع الذي يوصف بأنه الأكبر من نوعه، أفضل نمط شامل للحياة بالنسبة للعمالة الوافدة في 39 دولة إستناداً إلى إجابات 7000 وافد ومغترب في هذه الدول.
متقدمة في الأجور ومتأخرة في "عقد الصداقات"
وفيما يتعلَّق بالحياة والعمل بشكل عام، جاءت سويسرا في المركز العاشر. كما تصدرت مرتبة متقدمة قدر تعلّق الأمر بالأجور - حيث كانت الرواتب السنوية لـ 29% من العمالة الوافدة للكنفدرالية التي شملها الإستطلاع تزيد عن 200,000 فرنك سويسري، ما جعل سويسرا في المرتبة الثانية بعد هونغ كونغ.
ولكن، وبالرغم من حصول دولة جبال الألب الصغيرة على مراتب جيدة في جوانب عديدة مثل نوعية الحياة والصحة والأمن، إلّا أنها لم تحتل سوى المرتبة 38 (قبل الأخيرة) في مجال "عقد الصداقات". وبشكل مُماثل كانت نتائج سويسرا سيئة في مجال الإندماج (الذي إحتلت فيه المركز 35)، وفي مجال الثقافة أيضاً، حيث خرجت بالمركز 34.
"لم يجد سوى 35% من المغتربين إن عقد الصداقات سهل في سويسرا، كما رأى 43% منهم فقط أن الاندماج مع السكان المحليين وثقافتهم كان سهلاً (بالمقارنة مع 61% من العمالة الوافدة المنتشرة في جميع أنحاء العالم)"، كما جاء في التقرير الخاصرابط خارجي بالإستطلاع.
وبعيدأ عن أضواء المدن الكبيرة الساطعة، يجد بعض الوافدين للعمل في سويسرا سهولة أكبر بعقد صداقات جديدة تتجاوز مجتمع المغتربين أو بيئة العمل في القرى والمدن الصغيرة، وبخاصة عندما يكون لديهم أطفال صغار. ولكن حتى هذا ليس باليسير دائماً، كما إكتشف ريان بيترز*، الذي يعيش مع أسرته بالقرب من بلدة "سيير" Siders الناطقة بالألمانية في كانتون فالي.
ويرى اصيل كندا أن إمتلاكه لمطعم محلي في البلدة، واشتراكه في جوقتان محليتان للغناء، ساعده في التعرف على المزيد من الأشخاص في المنطقة. "في الواقع، أجد سويسرا مكاناً سهلاً للإلتقاء بالأشخاص، كما أن عقد علاقات ودية أو صداقات سطحية ليس صعباً بالمرة. لكن الخطوة اللاحقة هي الكبيرة، حيث يستغرق بناء صداقات جيدة ووثيقة جهداً أكثر وفترة أطول، وهذا هو الحال"، كما يقول.
ويقول كريس أنه استطاع تكوين صداقات مع السكان المحليين في جنيف بفضل مشاركته في الأعمال التطوعية، لكنه يصر على أن المجتمع السويسري هو نوع من المجتمعات العميقة الجذور. "إنهم يلتحقون لأداء الخدمة العسكرية بعد الإنتهاء من المدرسة، ويميلون إلى الحفاظ على نفس الأصدقاء والبقاء في عين الوظيفة".
"بلد الأموات الأحياء"
وفي السياق نفسه، إتفق غالبية قراء سويس انفو الذين استجابوا لِسؤال توجه به مصرف ‘أتش أس بي سي’ على موقع التوصل الإجتماعي ‘فيسبوك’ مع نتائج الإستطلاع، حتى أن بعضهم ذهب إلى إنتقاد الحياة الاجتماعية في سويسرا بشدة.
"سويسرا هي بلد الأموات الأحياء. في بلدي، اتوفر على علاقات إجتماعية في عطلة نهاية الأسبوع، تفوق ما لدي في سويسرا خلال ستة اشهر. نعم الأمر سيء إلى هذه الدرجة!"، كما كتب جوناثان ألميدا، البرتغالي الجنسية الذي يعمل في زيوريخ.
"لدينا في فريق العمل هذا العام فتاة وفدت من الولايات المتحدة لمتابعة برنامج تدريبي يستغرق عاماً. وقد سألتني بالحرف :"هل يمكن عقد صداقات طبيعية هنا دون اللجوء إلى مواقع تواصل مجتمعات المغتربين عبر الإنترنت مثلglocals.com رابط خارجي أوmeetup.chرابط خارجي "؟
على الجانب الآخر، هناك من لا يتفق البتة مع نتائج هذا الإستطلاع. وإحدى هؤلاء هي ليزا نوردكروس، التي إنتقلت مؤخراً للإقامة في دوسلدورف بألمانيا، بعد أن عاشت خمسة أعوام في زيورخ، وقبلها كمغتربة في ولاية أتلانتا في الولايات المتحدة.
"من بين هذه المدن الثلاث وجَدْتُ زيوريخ الأسهل لتكوين حياة اجتماعية. لقد عقدت العديد من الصداقات هناك مع أشخاص كان وضعهم مُشابه لوضعي، ولهم إهتمامات تماثل إهتماماتي (لا سيما ما يتعلَّق بالنشاطات الرياضية كالتزلج، وركوب الدراجات.. الخ). وأنا بالتالي لا أتفق مع نتائج هذه الدراسة على الإطلاق!" كما كتبت.
أمّا فيفيان ماكألستَر - غيرتس، التي وفدت إلى الكنفدرالية من أيرلندا الشمالية، فترى أن من غير الصائب أن يلقي الوافدون الأجانب باللوم على سويسرا لعدم إستقبالها لهم بأذرع مفتوحة.
وكما تساءلت السيدة التي إنتقلت مؤخراً مع زوجها للسكن في إحدى قرى كانتون آرغاو وتشعر بسعادة كبيرة هناك :"لو أنكم في وطنكم الأم حيث نشأتم وحيث لديكم دائرة أصدقائكم، هل كنتم ستسارعون لِمُعانقة شخص غريب عليكم"؟
التحدث باللهجة المحلية
في الوقت نفسه، شددت العديد من التعليقات التي وردت في موقع التواصل الإجتمعي ‘فيسبوك’ على أهمية إعتماد النَهج الإستباقي وعلى عَدَم التشبت بفقاعة المُغتربين.
وجاءت التعليقات مُذَكِّرة بأهمية المساهمة الشخصية لعمل شيء ما، والسعي للوصول إلى الناس. "لن يقوم أحد بالطَرق على أبوابكم، وهذا هو الشيء الجميل في مُجتمع مُتكتم، وغير مُتطفل أو مُزعج مثل المجتمع السويسري"، كما كتبت ستيفاني.
وكما بدا، إتفق معظم المشاركين في الحوار على أن المفتاح للإندماج الناجح في سويسرا هو بتعلم اللهجة المحلية. وهكذا يقول ريان إن اللهجات السويسرية المحلية قد تصبح مشكلة في بعض الأحيان على الرغم من فهمه للغة الألمانية.
"هناك لهجة خاصة في كل وادٍ، ومن الصعب أحياناً فهم الناس أصلاً. وإذا ما بذل المغترب جهده في هذا المجال، فسوف يجذب ذلك الناس في البداية، ولكن لو حدث سوء فهم، فقد يؤدي إلى عرقلة تكوين الصداقات أيضاً"، كما يقول.
علاوة على ذلك، وبِصَرف النظر عن اللغة، هناك شكليات معينة أخرى عندما يتعلق الأمر بتكوين الصداقات. وكما يقول رايان:"في كندا، بإمكانك أن تطرق أبواب أصدقاء أو معارف لا تربطك بهم سوى معرفة سطحية ودون موعد مسبق وسوف يدعونك للدخول. أما هنا [في سويسرا]، فلا بدَّ أن توَجَّه لك الدعوة أولاً".
روبرت ستانلي*، وهو بريطاني يقيم بالقرب من بحيرة تون في كانتون برن منذ 14 عاماً يتفق مع هذا الرأي ويقول: "في وطننا، يذهب المرء لإحتساء الشراب مع أحد الأشخاص بغية التعارف بشكل أفضل. أما هنا، فينبغي معرفة الأشخاص أولاً قبل الخروج معهم لتناول الشراب. وبهذا المعنى، أجد سويسرا تقليدية جداً".
وكما يضيف: "السويسريون أشخاص صعبي المراس، ولكنك متى ما وفقت في عقد صداقة معهم فبإمكانهم أن يكونوا مخلصين للغاية".