Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00929.jsonl.gz/4

في قرية دجبة الواقعة في شمال غرب تونس لا توجد نساء يكتفين بتدبير شؤون المنزل، فلكل رجل وامرأة في عاصمة التين دورٌ في الحياة الاقتصادية، التي يدور محورها حول جمع التين وترويجه. يستمرُ الموسم من بداية يوليو إلى أواخره إذ تُعطي أشجار التين ثمارها الأولى، ثم "ترتاح"، مثلما يقول القرويون، حوالي أسبوع لتعطي من جديد ثمارا أكثر نضجا وألذ مذاقا اعتبارا من 5-7 أغسطس وحتى أواخر سبتمبر.
منجي بوعزيز، الخبير لدى "منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعيةرابط خارجي" قال لـ swissinfo.ch: "إن فلاحي دجبّة (التي تقع على بعد 120 كلم غرب العاصمة تونس) يدركون القيمة الفريدة لصنف من التين يسمونه "بوحولي" ولذلك نجحوا في الحصول على "التسمية المُثبتة للأصل"، أو ما يُعرفُ اختصارا بـ AOC، وهي علامة تُثبت للمستهلكين أصالة المنتوج وخصائصه الأساسية، التي لا يُمكن أن توجد في تين آخر مُشابه له.
وأفاد بوعزيز أن صنف "بوحولي" خاصٌ بتونس، وبالتحديد بقرية دجبّة العتيقة، التي يعود بناؤها إلى عصر الرومان، قبل أن يستوطنها العرب، ويأتي بعدهم المُهجَرون الأندلسيون، الذين جلبوا معهم أساليب متطورة في الزراعة، ومنها تنمية إنتاج التين ومشتقاته.
الحد من هدر المياه
تمتاز دجبّة بغزارة ينابيعها التي كانت مهدورة قبل أن تُبعث جمعيات التنمية الزراعية ومجامع التنمية التي عاودت هيكلة الري في السياق الجبلي. وتم في السنوات الأخيرة تطوير نظام الري بواسطة مد قنوات إسمنتية تحمي الماء من الهدر. وتكتسي المحافظة على المياه أهمية حيوية لدى فلاحي دجبّة، بالنظر لتناقص الموارد المائية وارتفاع الطلب عليها. وتُعتبر منتوجات التين مصدر الدخل الأساسي لنحو 75 في المائة من سكانها.نهاية الإطار التوضيحي
فرص عمل للقرويات
من جهتها، قالت فريدة دجبي التي تقود مُجمَعا مؤلفا من عشرين سيدة، يعملن في جمع التين وتسويقه، تحت راية "الشركة التعاونية للخدمات الزراعية، غلال دجبّة" إنها استفادت وزميلاتها من تجربتها مع التعاونية من أجل تجميع التين وترويجه أو تحويله إلى تين مجفف ومُربَى وحتى إلى نوع من الشيكولاته.
التجربة انطلقت بدفع من "مكتب الاحاطة بالمرأة الريفية" (حكومي) وبدعم مالي من طرف مؤسسة giz الألمانيةرابط خارجي، التي قالت فريدة إنها أمدتهن بالتجهيزات والمعدات اللازمة وأشركتهن في دورات تدريبية في التخطيط والتصور وإدارة المشاريع، قبل أن يحلَ محلَها برنامج "بامباترابط خارجي" المُموَل من سويسرا.
وأوضحت فريدة في تصريح لـ swissinfo.ch على هامش افتتاح مهرجان التين في دجبّة يوم 10 يوليو الجاري، بحضور وزير الزراعة سمير الطيب، أن هذا النشاط "أتاح إيجاد فرص عمل دائمة لسبع وستين عاملة بعدما كُنَ يُعانين من موسمية الأعمال الزراعية" المُتاحة في القرية الصغيرة. وتضافرت جهود السيدات في مُجمَع "كنوز دجبة"، الذي أسسته عاملات غادرن "الشركة التعاونية للخدمات الزراعية"، فاستطعن معا قطع خطوات مهمة منذ تأسيس المُجمَع في عام 2016، من أجل ضمان تسويق المنتوج في السوق المحلية.
إضافة إلى ذلك، طور المُجمَع نشاطات موازية خارج مواسم جني الثمار، منها تقطير أنواع مختلفة من الورود والزهور وتعليب زيت الزيتون وتسويقه في زجاجات. وقالت فريدة دجبي: "إن رئيس "الشركة التعاونية للخدمات الزراعية" فوزي السالمي هو الذي جمعنا تحت خيمة الشركة ما أتاح لي إعطاء دورات تكوين لزميلاتي في عام 2015 هُنا في دجبة، مع دورات أخرى أسداها خبراء في الإدارة والترويج وغيرهما من المجالات".
إمكانات محدودة
مع ذلك، لا زال المُجمّع مهيض الجناح لأنه لا يملك شاحنة مُبردة لترويج المنتوج مثل الشاحنة التي اقتنتها الصيف الماضي "الشركة التعاونية للخدمات الزراعية". وبالرغم من أن فريدة أثنت على المساعدة التي قالت إن المجمع تلقاها من المسؤولين المحليين، وفي مقدمتهم مكتب الإحاطة بالمرأة الريفية في باجة، عاصمة المحافظة و"برنامج الولوج إلى أسواق المنتوجات الزراعية والمحلية" (بامبات) و"منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية" اللتين تحظيان بتمويل سويسري، فإن إحدى العاملات أكدت لـ swissinfo.ch أن ظروف العمل قاسية "لأن القطَار الذي تبرعت به مؤسسة giz الألمانية للمُجمَع هو حاليا خارج نطاق الخدمة، ما يضطر النساء للعودة إلى أساليب التقطير القديمة". كما أن آلة صنع المُربَى وصلت بلا محرك، ما يُجبر العاملات على استخدام أواني من بيوتهن لإعداد المُربَى".
وعزت العاملة، التي طلبت عدم الإفصاح عن اسمها، هذا النقص إلى أن "قسما كبيرا من الدعم يذهب إلى صرف رواتب خبراء المنظمات الداعمة، فلا نتلقى منه سوى النزر القليل"، على ما قالت.
مع ذلك اعتبرت فريدة أن الدعم الذي يتلقاه فلاحو وفلاحات دجبّة يُساهم في بقاء منطقتهم على رأس المناطق المُنتجة للتين ومشتقاته في تونس، إذ هي تستأثر بـحوالي 75 في المائة من منتوج التين التونسي. وحضت على مضاعفة الدعم لهذا المشروع والمشاريع المماثلة في المنطقة، لأنها تؤمِّن فرص عمل جديدة، وتُنمّي مصادر الدخل لسكان القرى الفقراء.
وعُدتُ أسألها: ما هي حاجاتكم بالتحديد؟ فردت: "أولا المال، وثانيا التكوين والتدريب، وثالثا التأطير التطبيقي على الميدان. وهذا يقتضي مراجعة الوضع القانوني للمُجمّع للإنتقال إلى صيغة شركة تعاونية، وهي عملية تتطلب بدورها إيجاد رأس مال، بينما الفلاحات مُعدمات". وختمت فريدة صارخة والغصة في حلقها: "أنا مُختنقة... كُلُنا نشعر بالإختناق".
دعم سويسري للمسار الإنتقالي
يندرج "برنامج الولوج إلى أسواق المنتوجات الزراعية والمحلية" (بامبات) في إطار مواكبة الفلاحين والفلاحات بُغية تحسين أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية وتيسير وصولهم إلى الأسواق.
يشمل البرنامج، الذي تُقدر اعتماداته بـ 12.5 مليون دينار (5 ملايين فرنك سويسري)، ثلاثة مكونات: الأول يتمثل في تين دجبّة، والثاني يخص الصبَار البيولوجي المُنتج في منطقة زلفان بمحافظة القصرين، فيما يتعلق الثالث بإنتاج الهريسة (الشطة) التونسية.
يتنزلُ البرنامج في إطار خطة التعاون التونسية السويسرية، التي تم إرساؤها مع انطلاق تجربة الإنتقال الديمقراطي في تونس عام 2011، وتم تجديدها في إطار استراتيجيا التعاون الجديدة 2017-2020، علما أن إجمالي الدعم الذي قدمته سويسرا لتونس خلال الفترة 2011-2016 بلغ 280 مليون دينار (حوالي 110 ملايين فرنك).نهاية الإطار التوضيحي