Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00870.jsonl.gz/49

هل صحيح ما يقوله الديمقراطيون الأمريكيون من أن خطاب الرئيس جورج بوش حول العراق أمام الكلية العسكرية الأمريكية قبل أيام، كان هشاً وضعيفاً ولم يأت بجديد؟هذا المحتوى تم نشره يوم 08 ديسمبر 2005 - 10:55 يوليو,
هش وضعيف؟ نعم، قد يكون ذلك ممكنا. أما أنه لم يأت بجديد؟ فذلك غير صحيح.
لقد كان الخطاب بالفعل أشبه بمقالة صحفية كتبها صحفي متمرن، إذ أنها امتلأت بالاستشهادات الضعيفة بعض الأحيان (مثل الاستعانة بفقرات مطولة لجندي عراقي واحد) والفائضة عن الحاجة في كثير من الأحيان (مثل تكرار بعض بيانات كبار الضباط الأمريكيين).
كما أن معظم الخطاب، الذي وقع في ثماني صفحات "فولسكاب"، خصص لتفاصيل مملة وغير "إستراتيجية"، إذا جاز التعبير، حول عمليات تدريب القوات العراقية. بيد أن هذا مع ذلك، لم يعن أن مضمون الخطاب ذاته ليس مهماً أو أنه لم يحتو على جديد.
فبرغم أن بوش حرص على إعلان اللازمة التي لم يمل من تكرارها طيلة السنتين الماضيتين حول "مواصلة المسيرة بقوة وبلا تردد" حتى "تحقيق النصر الكامل"، إلا أنه في الحقيقة كان يشرح بشكل ضمني خريطة الطريق لكيفية إخراج القوات الأمريكية (أو على الأقل قسم كبير منها) من المستنقع العراقي.
صحيح أنه رفض تحديد جدول زمني لذلك، كما طالب الديمقراطيون. لكن الصحيح أيضاً أنه ألمح مرة إلى احتمال سحب جزء من القوات "بعد شهور قليلة"، وأشار مرة أخرى إلى فترة 12 شهراً يمكن خلالها إنهاء تدريب عشرات ألوف القوات العراقية، وبالتالي، سحب عشرات ألوف مماثلة من القوات الأمريكية.
وهنا يكمن جديد بوش، من ناحية، وقوة إستراتيجيته العراقية، من ناحية أخرى، التي تستند إلى نقاط القوة الآتية:
1- أنها (الإستراتيجية) تحظى بشبه إجماع لدى الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، برغم كل الحملات الإعلامية التي يشنها الأول على الثاني. لماذا الإجماع؟ لأن كلا الطرفين يعتبر أن انسحاب القوات الأمريكية كلياً من العراق قبل تحقيق مهامها، سيشكـّل كارثة محققة لأمريكا، ليس فقط في الشرق الأوسط الكبير، بل في كل أنحاء العالم.
2- وبالتالي، لا بديل سوى ذلك الذي اقترحه بوش كشرط لبدء الانسحابات التدريجية من بلاد ما بين النهرين: تدريب ما يكفي من القوات العراقية وتزويدها بكل المعدات والإمدادات اللوجستية خلال سنة من الآن. وحتى بعد ذلك الحين، لن تكون أمريكا، لا الديمقراطية ولا الجمهورية، في وارد الانسحاب التام من العراق، بل هي ستبقي بعضاً من فيالقها الإمبراطورية على مرمى حجر من كل من آبار النفط، ومن خطوط المعركة مع الأصوليين الإسلاميين في آن.
3- وأخيراً، إن بوش قرر في خطابه إدارة الظهر لكل نظريات دونالد رامسفيلد حول إمكانية تحقيق النصر بسواعد الـ 150 ألف جندي أمريكي وحدهم، ولكل أحلام المحافظين الجدد حول "العراق - المستعمرة" الذي لا يمتلك كدولة سوى قوات شرطة محلية وحكماً ذاتياُ محدودا، وهو بات أقرب الآن إلى نظرية ميلين ليرد، وزير الدفاع الأمريكي إبان حرب فيتنام، حول "الفتنمة والعرقنة".
ماذا في جعبة هذه النظرية "الليردية"، التي أوردها وزير الدفاع الأسبق في دراسة نشرتها دورية "فورين أفيرز" في عددها الأخير (نوفمبر/ ديسمبر 2005)؟
سيناريو "الفتنمة"
يورد ميلفين ر. ليرد: النقاط الرئيسة الآتية:
- نسمع هذه الأيام العديد من رجال الكونغرس والصحفيين والأكاديميين وحتى العسكريين السابقين، الذين لا يرفضون مساعدة بقية أجزاء العالم فحسب، بل هم خجلون أيضاً من قدرتنا على فعل ذلك، ويشككون بقيمة نشر الديمقراطية والحرية ذاتها. وهؤلاء يضمون أصواتهم إلى أولئك الذين يدّعون بأن الحرب الراهنة في العراق "لا سبب لها إلا النفط"، وكأن خسارة ذلك النفط ليس كافياً ليشكّـل تهديداً للأمن العالمي، ويستأهل أي تدخل عسكري. إن حرب فيتنام التي رأيت، أولاً من مواقعي في الكونغرس ثم من البنتاغون، لا يمكن تلخيصها ببساطة على أنها مجرد "فكرة سيئة"، إنها كانت أعقد من ذلك بكثير: مزيج من الخير والشر يجب استخلاص العديد من العبر منه، ومع ذلك، يبدو أن الدرس الوحيد الذي بقي هو الذي يبدأ وينتهي بجملة واحدة: لا تذهب هناك".
- الحرب في العراق ليست "فيتنام ثانية"، لكنها قد تصبح كذلك إذا ما واصلنا استخدام فيتنام كفزاعة مع تجاهل دروسها الحقيقية. وأنا هنا لا أستطيع أن أتحدث باسم الموتى أو الغاضبين، فصوتي هو صوت صانع السياسة الذي يجب أن يقرر أسباب الذهاب إلى الحرب، ومدتها، ومتى يجب إنهاؤها. ومن هذا المنظور، أطل على مسألتي فيتنام والعراق وما يجب أن نتعلمه من الأولى في الثانية. إننا في حاجة إلى نظرة موضوعية لتاريخ الحرب في فيتنام، وليس مجرد تشويهات انفعالية تستند إلى مصالح حزبية ضيقة. ورؤيتي لحرب فيتنام ليست وردية، فأنا لا أنفي أنها بشعة، وخيضت بسوء إدارة، وشكّـلت حقبة مأساوية في التاريخ الأمريكي مع خسائر كبيرة بالأرواح للجميع. لكن، ثمة ضرورة لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول هذه الحرب والتخلي عنها في سبيل إعادة الثقة بقدرة الولايات المتحدة على بناء الأمم.
- الحقيقة التي يتناساها مؤرخو حرب فيتنام هي أن الولايات المتحدة لم تخسرها حين غادرت قواتها هذا البلد عام 1973. الواقع هو أننا انتزعنا الهزيمة من بين أنياب النصر بعدها بسنتين، حين أوقف الكونغرس التمويل الذي كان ضرورياً لفيتنام الجنوبية كي تواصل القتال. خلال السنوات الأربع الأولى من حكم نيكسون، قمت بهندسة انسحاب معظم قواتنا، فيما نحن نبني قدرة فيتنام الجنوبية على الدفاع عن نفسها. محادثات السلام استمرت بين شطري فيتنام حتى ذلك اليوم من أيام عام 1975 حين قرر الكونغرس قطع المساعدات والتمويل عن سايغون. وحينها، انسحب الشيوعيون من المحادثات ولم يعودوا إليها أبداً. ومن دون تمويل أمريكي، كان من السهل اجتياح فيتنام الجنوبية بسرعة. لقد وفّـرنا 297 مليون دولار فقط في السنة، لكننا حكمنا بالإعدام على فيتنام الجنوبية التي كانت تقاتل بكفاءة من دون دعم جنودنا منذ عام 1973.
- لقد آمنت، ولا زلت أؤمن، بأن فيتنام الجنوبية، لو امتلكت الموارد الخارجية الكافية، لكانت قادرة على الدفاع عن نفسها، تماماً كما أؤمن بأن العراق يستطيع أن يفعل ذلك الآن. فمن هجوم التيت في رأس السنة عام 1968 إلى حين سقوط سايغون عام 1975، لم تخسر فيتنام الجنوبية معركة كبيرة واحدة. وهجوم التيت ذاته كان نصرا لفيتنام الجنوبية ودماراً لفيتنام الشمالية التي خسرت 289 ألف جندي عام 1968 وحده. بيد أن الإعلام صوّر الأمر على أنه كان هزيمة للولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية، تماماً كما يفعل هذا الإعلام الآن في الحرب العراقية.
- أعطت فيتنام الولايات المتحدة شهرتها بأنها لا تدعم حلفائها. فعار فيتنام لا يكمن في أننا كنا هناك، بل لأننا خُـنّـا حلفاءنا في النهاية. والآن، يجب ألا نفعل الأمر ذاته في العراق. يجب أن نفهم تماماً التزاماتنا هناك كي نفي بها لاحقاً. كل مناوشة في الجبهة الداخلية تعكس وجود نقص في التضامن مع العراق، تعطي المتمردين هناك الأمل، وتعرض للخطر في النهاية الرجال والنساء الذين أرسلناهم إلى العراق لشن هذه الحرب بالنيابة عنا. إننا ملتزمون الآن بتحقيق نتيجة إيجابية في العراق، لكن يجب أن يكون مفهوماً أن هذا سيتطلب مساعدات طويلة الأمد إذا ما كان لجهودنا أن تثمر.
هل تنجح؟
أوردنا هذه الفقرات الطويلة من دراسة ليرد لسبب بسيط، هو أنها قد تصبح بالفعل الإنجيل الجديد الذي ستسير على هديِـه في العراق، ليس الإدارة الجمهورية الحالية، بل أية إدارة أخرى، ديمقراطية كانت أو جمهورية، ستخلف بوش، وحينها لن يكون السؤال "هل تطبق الفتنمة أو العرقنة"، بل هل تنجح؟
النجاح أو الفشل سيعتمد بالطبع على مدى قدرة القوات العراقية على الاعتماد على نفسها. لكن، وحتى لو تمتعت هذه القوات بهذه الجهوزية، فهذا لا يعني أنها ستكون قادرة في أي وقت قريب على وضع حد لما يسميه الأمريكيون "التمرد" العسكري، وما يسميه العديد من العراقيين والعرب "المقاومة".
وقد جاء التقرير الذي نشرته "نيويورك تايمز" يوم الجمعة 2 ديسمبر، والذي تحدث عن استحالة تصفية المقاومة بسبب توزعها على أكثر من 100 تشكيل منفصل عن بعضه البعض، ليؤكد أن الحل الأمني مستحيل هو الأخر.
ما الحل إذن؟ المخرج لا يكمن في الفتنمة، بل في اللبننة التي تعني أن تكون أمريكا جاهزة لتوفير شرطين لا غنى عنهما لإحلال السلام في بلاد العباسيين: مؤتمر دولي – إقليمي على غرار مؤتمر الطائف اللبناني عام 1989، وقبول مشاركة المقاومة العراقية كطرف مباشر في هذا السلام.
لكن هذا المخرج لا يزال يصطدم برفض الإدارة الأمريكية قبول فكرة "نصف الهزيمة - نصف النصر"، وإصرارها على قدرتها المنفردة على تحقيق "النصر الكامل".
وعلى أي حال، لا يجب أن ننسى أن الخطة الليردية لفتنمة حرب العراق وعرقنتها، هي أولاً وأساساً إستراتيجية أمنية – عسكرية، وليست خطة سياسية – دبلوماسية. وعدم النسيان هذا سيذكِـّرنا بأن الصراع في العراق وعليه سيستمر (حتى ولو بدأ الانسحاب العسكري التدريجي الأمريكي من هناك)، إلى حين موافقة أمريكا على إبرام اتفاق طائف عراقي جديد، تكون لكل الأطراف، الإقليمية والدولية، حصص ومصالح فيه.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>