Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00877.jsonl.gz/10

لعلها مجرد مصادفة أن يصدر أحدث تقرير لمنظمة العفو الدولية عن تونس بالتزامن مع زيارة رئيسة الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في هذا البلد العربي إلى سويسرا. فتونس واحدة من أربع دول عربية وقعت حتى الآن على البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب للأمم المتحدة. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن الواقع يثبت اتساع الفجوة بين النظرية والتنفيذ حتى في هذا البلد الوحيد الذي شهد انتقالا سلميا للسلطة في أعقاب اندلاع موجة الإنتفاضات في بلدان "الربيع العربي".
اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
تندرج اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ضمن مرجعية الأمم المتحدة وهي تهدف إلى منع ممارسة التعذيب في جميع أنحاء العالم.
تم اعتماد نص الإتفاقية من جانب المفوضية السامية للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1984، وبعد تصديق 20 دولة عضو عليها دخلت حيز النفاذ في 26 يونيو 1987.
في عام 2002، تم التوقيع على اتفاقية جديدة إضافية تحت اسم "البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2006.نهاية الإطار التوضيحي
في تقريرهارابط خارجي السنوي، تقول منظمة العفو الدولية إن تعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم بصور أخرى شائع ومنتشر عبر أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث استخدم لانتزاع المعلومات والإعترافات ومعاقبة وترويع الضحايا وتخويف الآخرين. وحسب المنظمة فإن "أولئك الذين يقومون بالتعذيب عادة ما يفلتون من العقاب، فنادرا ما نظرت المحاكم بجدية في مزاعم المتهمين الخاصة بالتعذيب وهم محبوسون على ذمة القضايا، ونادرا ما أجرت الحكومات أي تحقيقات مستقلة في التعذيب أو اتخذت أي تدابير لحماية المعتقلين".
كانت لبنان من أول الدول العربية الموقعة على البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب للأمم المتحدة، ثم تبعتها تونس والمغرب وموريتانيا، لكن التوقيع على الإتفاقية لم يحل دون وقوع حالات تعذيب متكررة حتى في دولة مثل تونس، وهي أول دولة عربية تنشئ آلية وقائية وطنية بموجب البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب رابط خارجيفي منطقة الشرق الأوسط.
فقد تحدث التقرير الصادر يوم 10 فبراير الجاريرابط خارجي عن منظمة العفو الدولية عن "تصاعد كبير لاستخدام أساليب وحشية قديمة في تونس في تذكير بشكل قاتم بنظام زين العابدين بن علي"، كما أشارت المنظمة الحقوقية إلى "تعذيب واعتقالات تعسفية ومداهمات ومضايقات لأقرباء المشتبه بهم". وأكدت العفو الدولية أنها درست العديد من حالات التعذيب "من بينها حالة اغتصاب مزعومة".
وفي أول رد فعل على ما ورد في التقرير، اعتبرت حميدة الدريدي، رئيسة الهيئة الوطنية التونسية للوقاية من التعذيب، أن تقرير منظمة العفو "دقيق"، وأشارت إلى أنها "لاحظت تراجعا في إرادة الحكومة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان وقد تكون قضية الإرهاب السبب في ذلك".
وأضافت حميدة الدريدي في مقابلة مع swissinfo.ch يوم 14 فبراير خلال زيارة رسمية قامت بها إلى الكنفدرالية رفقة عدد من أعضاء الهيئة للإطلاع على التجربة السويسرية: "نشهد عودة لوجوه من الحرس القديم، حيث عاد مسؤولون من الإدارة السابقة ووزراء إلى المشهد السياسي وتولوا مناصب في الدولة. هذا بالإضافة إلى تركة الحكومات السابقة قبل الثورة التي كانت تقيّد حرية الرأي والتعبير والإعلام".
ونوهت الدريدي إلى أن "تغييرات كبيرة، لم يكن المجتمع المدني يحلم بها، حدثت على مستوى التشريع" وإلى أن "القوانين والدستور التونسي الجديد يمنع التعذيب بكل أنواعه، لكن المشكلة في الحكومة الحالية التي تعطل عمل الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب مثل عدم إصدار أمر لتخصيص مبلغ لرواتب العاملين فيها"، على حد قولها.
ثقافة الإفلات من العقاب والمحاسبة
في سياق متصل، أشارت حميدة الدريدي إلى أن "ثقافة الإفلات من العقاب هي أكبر العقبات"، واعتبرت أنها "تشجع على ممارسة التعذيب"، ولفتت إلى أن "القضاء التونسي لم يصدر حكما إلا في حالتين فقط على الأكثر رغم إبلاغ منظمات المجتمع المدني عن المئات من حالات التعذيب". لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى "التعاون الكامل لإدارة السجون مع مسؤولي الهيئة أثناء زيارتهم لأماكن الإحتجاز بصورة مفاجئة".
من جهتها، أكدت ياسمين شمس، مسؤولة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى جمعية الوقاية من التعذيبرابط خارجي، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من جنيف مقرا لها، أن النتائج التي توصل إليها تقرير منظمة العفو الدولية "تدل على ضرورة الإسراع في تنفيذ القوانين ومن بينها تمكين الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب من القيام بدورها ولا سيما فيما يتعلق بتحسين الأوضاع الإنسانية في السجون وحماية المحتجزين من أي ممارسات سوء معاملة".
ياسمين شمس لفتت أيضا إلى أن تونس "دولة في طور التحول الديمقراطي، وبالتالي تواجه صعوبات في تنفيذ البروتوكول ومنها عودة وجوه من النظام السابق أو الروتين المؤسساتي، لكن الإرادة السياسية في تونس لا تمنع تنفيذ بنود الإتفاقية"، كما تقول.
في الواقع، حظي إنشاء تونس لهيئة وطنية للوقاية من التعذيب بأهمية خاصة لأنها كانت الأولى من نوعها في المنطقة، ووصفها مارك طومسون، الأمين العام لجمعية الوقاية من التعذيب بـ "الخطوة الهامة لمنطقة الشرق الأوسط."، ومن هذا المنطلق، تؤكد حميدة الدريدي أن "فشل أول هيئة للوقاية من التعذيب في المنطقة يعني فشل أي تجربة أخرى في العالم العربي".
مكافحة الإرهاب على حساب الحريات
تعاون سويسري - عربي لمقاومة التعذيب
في شمال افريقيا، تتعاون وزارة الخارجية السويسرية مع كل من تونس ومصر والمغرب وحتى ليبيا رغم تدهور الوضع الأمني والسياسي في السنوات الأخيرة.
تركز الوزارة في عملها مع تونس على سبيل المثال على "تقديم الدعم لضحايا التعذيب" وعلى التعاون مع الحكومة من أجل "القضاء على هذه الظاهرة".نهاية الإطار التوضيحي
ياسمين شمس، مسؤولة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى جمعية الوقاية من التعذيب ذكّرت بأن "لبنان كانت أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تصدّق على البروتوكول الإختياري في 2008، حتى قبل "الربيع العربي" ولكن الوضع السياسي لم يكن مستقرا لفترة طويلة وكانت هناك صعوبات في اتخاذ القرارات، لذلك لم يقم لبنان بإصدار القانون المنشئ للهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب إلا العام الماضي، أي بعد ثمان سنوات من التصديق على البروتوكول".
وحسب رأي شمس، فإن السبب وراء عدم تصديق أغلبية الدول العربية على البروتوكول يكمُن في عدم المعرفة الكافية بالإلتزامات المرتبطة به، وأضافت أن "التهديدات الأمنية جعلت مكافحة الإرهاب تتصدر أولويات الدول، وهو ما أثّـر على ملف حقوق الإنسان بصورة عامة. وهنا يأتي دور مؤسسات المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني التي تلعب دورا هاما في التعريف بأهمية البروتوكول والآليات الوقائية لمنع ظاهرة الإرهاب"، على حد قولها.
من جهتها، أكدت كلوديا مارتي، المسؤولة عن المكتب المعني بسياسات السلام في قسم الأمن الإنساني بوزارة الخارجية السويسريةرابط خارجي أن "منع ممارسات التعذيب عملية طويلة المدى، لأنها مترسخة في بعض الأنظمة"، كما أن "تغيير ممارسات الشرطة بشكل جذري تتطلب بعض الوقت"، على حد تعبيرها.
منعُ ممارسات التعذيب عملية طويلة المدى لأنها مترسّخة في بعض الأنظمة
كلوديا مارتي، وزارة الخارجية السويسريةنهاية الإقتباس
السيدة مارتي أشارت أيضا إلى أنه "في كل الدول التي تشهد صراعات توجد صعوبات مُعيّنة في مجال ضمان احترام حقوق الإنسان ولكننا نعمل في مجال دعم السلام ونرى بضرورة دعم مثل هذه المشاريع لأن السلام لا يتحقق إلا بضمان احترام حقوق الإنسان والعكس صحيح".
رغم ذلك، تؤكد العديد من المنظمات الحقوقية أن التوترات السياسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تجعل ملف الحريات والحقوق قضايا هامشية، حيث تبقى سياسات الحرب على الإرهاب وحماية الأمن القومي واستمرار الصراعات المسلحة عقبات تحول دون حماية حقوق الإنسان أو حتى مجرد الحديث عنها ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمعتقلين أو الموقوفين في انتظار المحاكمة.