Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00867.jsonl.gz/104

تطالب الحركة الشعبية التي وُلدت منذ شهر ونيف في فرنسا المجاورة بإقرار استفتاء المبادرة المواطنية. المثال المطروح هو النموذج السويسري، لكن الصيغ المُقترحة تبتعد عنه. في الأثناء، يسعى المسؤولون السياسيون، من أحزاب اليمين واليسار، إلى ابتكار أنواع من الإستفتاءات تتماشى مع النظام الجمهوري.
ثلاثة أحرف مكتوبة على ظهور الحاملين لـ «السترات الصفراء»، التي قلبت فرنسا رأساً على عقب منذ شهر ونيف، تلخص معركتها: (RIC)، أي استفتاء المبادرة المواطنية. ويقول أحد «السترات الصفراء» في فيديو شاهده حوالي مليون مشاهد عبر الإنترنت: «ليس هناك ما نُفاوض عليه. لكي نستعيد السلطة، علينا أن نطالب باستفتاء المبادرة المواطنية».
بعد عدة أسابيع من إقامة الحواجز في الطرق العامة في جميع أنحاء فرنسا، وبعد خمس حركات تعبئة في المدن وخاصة في باريس، وجدت «السترات الصفراء» قاسماً مشتركاً لها. ولأنَّ شعار «ارحل يا ماكرون» هو عبارة عن تعبير سلبي محض، كان من الضروري الإتفاق على قاعدة مشتركة تجمع بين هؤلاء المواطنين الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، والأهم من ذلك أنَّ لهم توجُّهات سياسية متضاربة في بعض الأحيان.
يعرض موقع السترات الصفراء، التنسيقية الوطنيةرابط خارجي رسماً بيانياً يشرح مزايا هذه «الكأس المقدسة» التي تُعتبر العلاج المعجزة لجميع مشاكل الفرنسيين تقريباً وخاصة لرغبتهم في استعادة سيادتهم الشعبية. ويقوم استفتاء المبادرة المواطنية بعدة وظائف. فهو كالسكين السويسرية في متناول جميع المواطنين. وسيسمح للفرنسيين باقتراح قانون، وإلغاء آخر، وطلب تعديل الدستور أو حتى إقالة شخص مُنتَخَب.
وقد يكون هذا الشخص المُنتخب إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الذي لا يحظى هذه الأيام بشعبية كبيرة، والمكروه من قبل غالبية «السترات الصفراء». أو أي نائب، أو مُنتخب محلي أو إقليمي. وفي هذا الصدد، تُشير ماريون باوليتي، المُدَرِّسة والباحثة في العلوم السياسية في جامعة بوردو (غرب فرنسا)، إلى أنَّ: «لدى السترات الصفراء نوع من عدم الثقة تجاه المُنتَخَبين، رغم صدور القانون الجديد بشأن عدم تراكم الصلاحيات».
نائب يقدم نفسه كمثال
«ليس لدى الفرنسيين تجربة كبيرة في مجال الإستفتاء الشعبي»
ماريون باوليتي، باحثة في العلوم السياسية في جامعة بوردونهاية الإقتباس
إنَّ فكرة «إقالة شخص مُنتَخَب» مستوحاة على الأغلب من اليسار الراديكالي. وكان جان ـ لوك ميلانشون، مرشح حزب "فرنسا الأبيّة" في الإنتخابات الرئاسية لعام 2017، قد أدرجها في برنامجه الرئاسي. ويقدم فرانسوا روفان، النائب عن "فرنسا الأبية" والناشط جداً في حركة السترات الصفراء، نفسه كمثال على صفحته التي كتب عليها: «من وجهة نظركم أنا لا أقوم بمهمتي؟ أمضي وقتي بالنوم في البرلمان؟ أو على العكس، أثير الكثير من الضجيج وعليَّ أن أترك الآخرين ينامون، وأدع ماكرون يحكم في سلام؟ كما وعدت، يمكنكم إقالتي». ويضيف النائب أنه لو وقَّع رُبُع الناخبين في دائرته الإنتخابية على عريضة ضده، فإنه سيستقيل على الفور.
ومن خلال الإستفتاء (الذي يُرمز إليه اختصارا بـ RIC) الذي تُطالب به السترات الصفراء، يجب على المواطن جمع 700000 توقيع كي يحق له اقتراح إقالة مُنتَخَب، أو أي تعديل تشريعي أو دستوري. بعد ذلك، يقرر الفرنسيون عبر التصويت. وكمرجعية، تشير «السترات الصفراء» عادة إلى الجارة الصغيرة سويسرا حيث «تسير الأمور على هذا النحو بشكل جيّد منذ عدة قرون».
هذا صحيح، غير أنَّ السويسريين لا يستطيعون إقالة نائب منتخب، بالإضافة إلى أنَّ إطلاق مبادرة شعبية يخضع لكثير من الضوابط. وتعليقاً على ذلك، تقول ماريون باوليتي: «ليس لدى الفرنسيين تجربة كبيرة في مجال الإستفتاء الشعبي. فتتميز ممارستهم بانتخابات على الطريقة الملكية، البعيدة كل البعد عن الديمقراطية المباشرة»: سواء الإستفتاءات المنظمة من قبل نابليون وابن أخيه نابليون الثالث من بعده، أو حتى استفتاءات الجنرال ديغول.
استفتاء ساركوزي غير المُجدي
مع ذلك، تطورت الخبرة قليلاً في مجال الديمقراطية المباشرة على المستوى المحلي منذ عشرين عاماً. وتنوِّه ماريون باوليتي إلى أن فرنسا شهدت تنظيم 233 استفتاء محلي بين عاميْ 1995 و2009. وهذا الرقم متواضع جداً بالمقارنة مع 36000 بلدية فرنسية. خاصةً، وأنَّ معظم هذه الإقتراعات كانت ذات طابع استشاري بحت. وبالتالي، لا مجال للمقارنة مع سويسرا.
«الإستفتاء يُمكن أن يكون أداة جيّدة في الديمقراطية، ولكن ليس بشأن أيّ موضوع ولا في جميع الظروف»
إيدوار فيليب، رئيس الوزراء الفرنسينهاية الإقتباس
وعادةً ما يكون السياسي الفرنسي شديد الحذر تجاه أية فكرة للإستفتاء والديمقراطية المباشرة. ففي عام 2008، أطلق نيكولا ساركوزي وأغلبيته اليمينية "استفتاء المبادرة المشتركة". هذا الإستفتاء الذي ينطلق من الأعلى نحو الأسفل، يتطلب موافقة خُمُس البرلمانيين ودعم عُشُر الناخبين المُسجَّلين على الأقل، أي حوالي 4,7 مليون مواطن فرنسي! ولم يستخدمه أحد على الإطلاق.
ولشعورهم بأن موازين القوى آخذة بالتغيير، وأنَّ استفتاء المبادرة المواطنية صار يحظى بشعبية كبيرة، بدأ المسؤولون السياسيون في الإهتمام به ولكن بحذر. ولذا، يرى رئيس الوزراء إيدوار فيليب أنَّ: «الإستفتاء يُمكن أن يكون أداة جيدة في الديمقراطية، ولكن ليس بشأن أي موضوع ولا في جميع الظروف». وتلبيةً لمطالب «السترات الصفراء»، سيتم تنظيم حوار وطني مُوسّع في بداية العام المقبل.
وفي الأسبوع الأول من شهر ديسمبر الجاري، تقدَّم جوليان أوبير، النائب الجمهوري (يمين معتدل)، باقتراح قانون دستوري يهدف إلى جعل استفتاء المبادرة المشتركة التي أطلقها ساركوزي أكثر ديمقراطية. بحيث يُخفَّض عدد الموقعين إلى مليون ونصف، ويضاف إلى ذلك دعم المبادرة من قبل أربعة برلمانيين ينتمون إلى أربع مجموعات برلمانية مختلفة.
فهل من شأن ذلك أخيراً الإستجابة للمادة 3 من الدستور الفرنسي التي تنص على أنَّ «السيادة الوطنية تعود إلى الشعب الذي يُمارسها من خلال ممثليه وعن طريق الإستفتاء»؟
أزمة «السترات الصفراء»
18 أكتوبر 2018: نُشر مقطع فيديو على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك سرعان ما انتشر كالفيروس، تتوجَّه فيه جاكلين مورو، وهي امرأة غير معروفة، إلى السيد ماكرون مستنكرةً «مُطاردة السائقين». ومن ثم أطلقت امرأة أخرى، بريسيليا لودوسكي، عريضةً بعنوان «من أجل تخفيض أسعار الوقود»رابط خارجي فلاقت نجاحاً واسعاً عبر شبكة الإنترنت.
17 نوفمبر 2018: حشد اليوم الأول لتعطيل حركة السيررابط خارجي في فرنسا حوالي 290000 متظاهراً يرتدون سترات صفراء بألوان مُشعّة. وتمَّ تنظيم حركة «السترات الصفراء» خارج نطاق أي حزب سياسي أو اتحاد عمالي. ولكن عندما شعروا بعمق هذه الحركة، أعلن زعماء المُعارضة السياسية عن دعمهم لها، لا بل حتى عن وقوفهم إلى جانب «السترات الصفراء»رابط خارجي.
1 ديسمبر 2018: شهد يوم السبت الثالث للتعبئة وقوع أعمال عنف وشغب متعددةرابط خارجي، خاصة في باريس، حيث عاش قوس النصر والعديد من الأحياء الراقية الأخرى مشاهد من حرب العصابات في المدن.
10 ديسمبر 2018: في خطاب تلفزيوني، أعلن إيمانويل ماكرون عن زيادة 100 يورو شهرياًرابط خارجي للعاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور ـ على حساب الدولة ـ وساعات عمل إضافية «بدون ضرائب أو رسوم» وعن إعفاء جزء كبير من المتقاعدين من الزيادات الضريبية المفروضة على المعاشات التقاعدية. وتُقدَّر تكلفة التدابير المعلن عنها من السلطة التنفيذية منذ بداية الحركة بنحو 10 مليارات يورو.نهاية الإطار التوضيحي