Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00907.jsonl.gz/2

شرعت السلطات السويسرية في عام أربعة وتسعين باختبار كان فريدا من نوعه في العالم حينذاك، ويتمثل في توزيع مخدر الهيروين على عدد محدد من المدمنين تحت الرقابة الطبية.
وقد تطور هذا المشروع كأحد مشاريع معالجة الإدمان على المخدرات الشديدة تحت العيون الطبية والعِلمية الساهرة التي نشرت حديثا نتائج هذه التجربة السويسرية التي تبناها في وقت لاحق عدد من البلدان الأخرى، خاصة ألمانيا وهولندا.
نشأت فكرة هذه التجربة على خلفية القلق الشعبي إزاء الأعداد المتصاعد من المدمنين على المخدرات الشديدة في سويسرا في الثمانينات والتسعينات، حينما وجدت السلطات المعنية بالأمر نفسها ملزمة على اتخاذ بعض التدابير لمكافحة هذه الظاهرة بطريقة أو بأخرى.
وعلى إثر الجدل الشعبي الواسع النطاق حول وسائل التصدّي لهذه الظاهرة، رجحت حينذاك كفة تلك الأوساط الداعية لاعتبار المدمنين كالمرضى العاديين المحتاجين للعناية والمساعدة، وليس كأناس هامشيين أو مجرمين يستحقون القمع والعقاب.
وحظيت هذه الأوساط بالتأييد تلك الجهات التي تخشى أن يساهم المدمنون المعزولون عن المجتمع في نشر مرض نقص المناعة المكتسبة "ايدز" أو "سيدا" عن طريق تبادل حقن الهيروين أو غيره دون وقاية أو عناية، أو عن طريق اللجوء إلى الدعارة لتمويل الاحتياجات اليومية من المخدرات.
التوزيع بحساب يفوز بالتأييد الشعبي
وشرعت التجربة في عام أربعة وتسعين بالتركيز عدد محدد من المدمنين حتى وافق الشعب السويسري بأغلبية واضحة في عام تسعة وتسعين على تعميم هذه التجربة لعلاج الإدمان على المخدرات الشديدة والخطيرة التي تفتك سنويا بمئات الأحداث والشباب في هذا البلد.
وتقول مصادر الدائرة الفدرالية السويسرية للشؤون الصحية: إن ما يقرب من ألف وخمس مائة شخص من الأشخاص الثلاثين ألف المعروفين بتعاطي مختلف أنواع المخدرات في سويسرا، يستفيدون حاليا من هذا العلاج بالهيروين تحت الرقابة، بعد فشل علاجهم بوسائل أخرى كمركب "الميتادون" .
ويقول الباحثون والأخصائيون الستة الذين رافقوا حوالي ألف وتسعمائة وسبعين شخصا من هؤلاء المدمنين خلال العلاج بالهيروين تحت الرقابة الصحية منذ مطلع عام أربعة وتسعين حتى أواخر عام ألفين: إن النتائج الإجمالية تعتبر إيجابية ومشجعة على وجه العموم.
لكن الأهم من ذلك كما يقول الباحثون الذين يرأسهم الأستاذ الدكتور يورغين ريم المسؤول عن المعهد الفيدرالي للأبحاث على المخدرات والإدمان في زيوريخ، هو أن النتائج لا تبرر المخاوف القائلة بأن طول فترة العلاج بالهيروين يترك التأثيرات السلبية على عزيمة أو إرادة التخلّص من الإدمان.
وتبين الأبحاث على المدمنين الذين تعاطى بعضهم الهيروين فترات تصل عشر سنوات قبل بدء العلاج والذين كانت أغلبيتهم من الذكور وفي أواخر العشرينات من العمر، أن أقلية قاطعت المعالجة بسبب حمل فيروس نقص المناعة المكتسبة وفقدان الأمل في حياة أفضل.
نجاح إستراتيجي في الكفاح ضد الإدمان
لكن البعض قاطع هذا المشروع لأسباب أخرى، كالشعور بالميز الاجتماعي وعدم الحصول على عمل، أو لتفضيل العلاج بالميتادون، أو لعدم الرضى عن النُظم والتوجيهات الصادرة عن مراكز العلاج الواحد والعشرين في مختلف أنحاء سويسرا.
وعلى الرغم من ذلك واصل أكثر من نصف المدمنين المعالجة حوالي عامين ونصف العام ليرجع لعد ذلك للعلاج بالميتادون أو بالهيروين والميتادون معا. لكن الثُلث عاود مراكز المعالجة بالهيروين تحت الرقابة الطبية لمدة خمس سنوات أو أكثر.
وعلى ضوء النتائج ذات الأبعاد الاستراتيجية الإيجابية على حد وصف العلماء السويسريين الستة، توصي الدراسة مراكز المعالجة بالمزيد من المرونة في التعامل مع المدمنين في بادئ الأمر، لتشجيعهم في بحر العام الأول أو الثاني على التخلص تدريجيا وبصفة نهائية من الإدمان.
ويقول الباحثون: إن توزيع الهيروين تحت الرقابة الصحية له أيضا إيجابيات اقتصادية واجتماعية لأن بعض قدامى المدمنين تمكن من الاندماج النسبي في الحياة الاجتماعية، ولأن النفقات الاجتماعية على طالب العلاج لا تزيد على ستين فرنكا سويسريا، عوضا عن مائة فرنك يكلفها المدمن المنعزل في اليوم الواحد.
هذا ويعلق الباحثون السويسريون الآن الكثير من الأهمية على استكمال هذه الأبحاث والتجارب، بالخبرات والتجارب الأجنبية في هذه المجالات، خاصة بعد تبنّي هولندا وألمانيا حديثا، مشاريع مماثلة لتوزيع الهيروين على المدمنين تحت الرقابة الطبية.
جورج انضوني