Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/32

في الماضي، كان البلاشفة واليهود، ثم جاء العمال من الجنوب، بينما برزت في السنوات الأخيرة قضايا تتعلّق بالوافدين من بلاد البلقان وبالمسلمين وبالأشخاص القادمين من البلاد البعيدة.
لطالما عزفت اللاّفتات والمُلصقات السياسية في سويسرا على أنغام موضوعات وقضايا تختصّ بالأجانب، مثلما يوضح معرض يتتبّع هذا المسار تاريخيا، تقيمه حاليا مدينة نوشاتيل.
في الواجهة، رسمٌ لرجل مغوار يُذكّر بويليام تيل، يمتشق سيفه ويقف على أهْبَـة الاستعداد لتوجيه ضربة قاضية لتنين فظيع يهدِّده، أحمر اللون، كالخطر الذي يُمثله، ويظهر في المقام الثاني، رسم يُطِلّ فيه الصليب السويسري، وفي الخلفية رجل يحرث بالحصان حقلا، ومدينة تشتعل نيرانا... إنه إنذار بالمصير المأساوي الذي ينتظر البلاد، إنْ هي لم تنتبِه من غفْلتها. وبعد ذلك، يجيء مُلصق من مُلصقات عام 1919 ليقول: "اطردوا الأوغاد، سويسرا للسويسريين".
ملف الأجانب.. موضوع متكرِّر
في الواقع، يتجدّد موضوع الأجانب بانتظام في النِّقاشات والحوارات السياسية على الساحة السويسرية، وعندما جرى في عام 1866 التصويت الثاني على المستوى الوطني منذ إنشاء الدولة الفدرالية في عام 1848، كان من بين القضايا المعروضة على النّاخبين، موضوع المساواة بين اليهود والمواطنين المُتجنِّسين.
في عام 1922، تمّ رفض مبادرتيْن شعبيتيْن حول التجنيس وإبعاد الأشخاص الذين يرتكِبون أفعالا تُعدّ خطرا على أمْن البلاد. لكن، عاد الجدل ليحتَـدِم بشكل جدّي، خاصة مع وصول الأعداد الكبيرة من العمّال من بلدان جنوب أوروبا في بدايات الستينات، وأطلقت بين عامي 1966 و1977 أربع مبادرات شعبية للتصدّي لِما أطلِق عليه ظاهِرة تمازُج الأجناس وفقدان الهُوية الوطنية الأصلية، وكان المُروِّج الرئيسي لها، جيمس شفارزنباخ، العُضو البرلماني عن الحركة الوطنية، التي هي أحد أحزاب أقصى اليمين.
كانت مبادرة عام 1970، السّبب الأكبر في حدوث الصّدمة القوية، حيث دعَت إلى تحديد سقْفٍ لأعداد الأجانب في البلاد، بحيث لا يزيد عن نسبة 10٪ من السكان، وهو ما كان سيُسْفِـر عن طرد 300 ألف شخص. ورغم أن المبادرة تمّ رفضها بنسبة 54٪ من الناخبين، إلا أن التصويت بـ "نعم" من قِبل أكثر من 50٪ من الناخبين في ثمانية كانتونات، له دلالته.
فيما بعد، طُـرِحت للتّصويت الشعبي مبادرتان أخريان، دعتا للحدّ من أعداد الأجانب في البلاد، الأولى، في ديسمبر عام 1988، والثانية، في سبتمبر عام 2000، غير أنه تمّ رفضهما. ثم كثيرة هي المبادرات والإستفتاءات التي تخُص قضايا تتعلّق بحقّ اللجوء، وفي ذات الشأن، تمّ استدعاء المواطنين السويسريين إلى صناديق الإقتراع في 9 يونيو 2013.
في السنوات الأخيرة، أثارت عِدّة قضايا من هذا القبيل جدَلا كبيرا، ناهِيك عن المبادرة الرّامية إلى طرْد الأجانب الذين يرتكِبون جرائم، والأخرى الرامية إلى حظر بناء مآذن جديدة (وقد نجحت كِلاهما) والإستفتاءات بشأن قضية التجنّس المُيسّر للأجانب من الجيل الثاني والثالث (لكنها رُفِضت).
قريبا، ستُطرَح للتصويت الشعبي مُبادرتان ترمِيان مُجددا إلى الحدّ من الهجرة. الأولى منهما تحمِل عنوان "التصدّي للهجرة الجماعية"، ويقِف وراءها حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي)، بينما تحمِل الثانية عنوان "إيقاف الإكتِظاظ السكّاني"، وقد أطلقتها إحدى منظمات البيئة، وتُدعى "إيكوبوب Ecopop".نهاية الإطار التوضيحي
من البلشفي إلى المُسلم
إذا كان هناك ثابِت في تاريخ السياسة السويسرية، فهو بلا شكٍّ إعادة قضية "الأجانب" إلى واجهة الأحداث، بمجرد أن تكاد تخبو. ويوضِّح فرانشيسكو غاروفو قائلا: "كان الجدل الخاص بقضايا الهجرة، يركِّـز في فترة ما بين الحربيْن العالميتيْن على شخص البلشفي أو اليهودي بمعنى آخر، أما في فترة الستينات من القرن الماضي، أي في زمن مبادرة شفارزنباخ، فقد تركّزت السجالات السياسية حول مناهضة المهاجرين من العمال الأجانب القادمين من جنوب أوروبا، بينما أصبحت تتقصّد في السنوات الأخيرة، المهاجرين من بلدان وثقافات بعيدة، كالمسلمين".
هذه الأحداث في سياق مسيرتها التاريخية، هي التي قصد أستاذ التاريخ في جامعة نوشاتيل فرانشيسكو غاروفو ومعه كريستيل مير، من المنتدى السويسري للهجرة والسكان، تتبّعها من خلال المعرض الوثائقي، الذي يحمل اسم: «الأجنبي في لوحة: الآخر والهوية في الملصقات السياسية السويسرية بين عامي 1918و2010"، وهو يُقام على شاطئ بُحيرة مدينة نوشاتيل، وليس في متحف، رغبة من القائمين عليه في استقطاب أكبر عدد من الجمهور، فضلا على تقديم اللّوحات وعرضها في سِياقها الطبيعي.
يُشار إلى أن الفكرة وُلِدت في أعقاب الجدل الذي فجّره المُلصق الشهير لحزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) ضد بناء مآذن جديدة، في إطار المبادرة التي جرى إقرارها من قِبل الناخبين في استفاء 29 نوفمبر 2009، والذي كان يحمِل صورة امرأة ترتدي بُرقُعا ومن خلفِها العلم السويسري، تخترقه مجموعة مآذن على شكل صواريخ، "قد سبقته، نقاشات أخرى ساخِنة حول مُلصق لنفس الحزب، يُصوِّر نعاجا بيضاء يطرُدْن نعجة سمراء رفسا، لكن، في هذه المرة، زادت حدّة الجدل وكان أن اتّخذت بعض المُدن، ولأول مرة، مواقِفا ضد الملصقات الإعلانية وقرر بعضهم حظر تعليقها"، كما تقول كريستيل مير.
في بلد يُمارس الديمقراطية المباشرة، إذ يُدعى مواطنوه في العادة، أربع مرات في العام للتصويت على قضايا في غاية التفاوت، وغالبا ما تكون خاصة بقضايا ذات صِلة بالأجانب، وجد منظمو المعرض أنفُسَهم أمام خِيارات مُحرجة. فمن بين نحو 300 مُلصق إعلاني، وقع اختيارهم على 52 منها، تتوزّع في المجمل على أربعة محاور رئيسية وهي: (الإفتتاح والإختتام، الإقتصاد والديموغرافيا، التنوع الثقافي، حقوق الإنسان)، وتحافظ على نوْع من التوازُن بين التيارات السياسية المُختلفة، سواء أكانت مؤيدة للجرة أو معارضة لها.
استمرارية الرموز
لا شك بأن تلك المُلصقات تعكِس الواقِع الذي نشأت فيه، كما أن رسومها تتغيّر تبَعها لأزْمانها، لكن، وأكثر ما يُلفت الانتباه، هو تعاقُب بعض الرموز على مدى قرْن من الزمان، حيث اللّون الأحمر هو السائد في الغالب والصليب الأبيض يتعاقَب بانتظام والمناظر الطبيعية الجبلية وشخصية الراعي التقليدية بملابسه المميّزة التي تعبّـر عن الرجل السويسري... والأجنبي ذو البشرة السمراء والملامح المحدّدة والشوارب، بينما هو بحسب أيام الستينات، يأكل "السْباغيتّي" ويشرب من قارورةِ نبيذٍ إيطالي.
وعلى حدّ قول فرانشيسكو غاروفو: "هذا النّمط من التصوير، مُشترك بين مُختلف الحساسيات السياسية"، وكأن ثمّة اتِّفاق على الرموز، حتى بين الأطراف المُتعارضة، ويكفي كمثال على ذلك، مجرّد إلقاء نظرة على مُلصق صادر في عام 1970 عن لجنة تتصدّى لبعض قضايا تضمّنتها المبادرة، التي عُرِفت باسم "شفارزنباخ Schwarzenbach" – كانت تقضي بتشديد القبضة على الهجرة – أبرز شخصية عامِل له شوارب ويرتدي قُـبّعة، وهي صورة طِبق الأصل لمُلصق آخر صدر في نفس الفترة ويحمِل الشعار "أوقفوا الغزْو الثقافي".
وفي بعض الأحيان، يتِم اقتباس التصوير النمطي ليكون أدعى في دحضه. فمثلا، تقرأ في إحدى اليافِطات لعام 2003 والصادرة عن الحملة ضد العُنصرية، إشهارا يقول: "كيف يكسب اليهود أموالهم؟"، وقد بدت صورة رجُل ذو أنفٍ بارز وشعرٍ أسود وفمٍ عريض، وقد شُفعت بإجابة تقول: "بالعمل، شأنهم شأن الآخرين".
في أحيان أخرى، وُجد بأن الرسوم التعبيرية اتّفقت، رغم وجود التباعُد الزمني، كما هو الحال في الإشهار الصادر عام 1999 عن حزب الشعب والذي يدعَم المبادرة ضدّ التجاوزات في حق اللجوء، فقد حوى رسْم شخص غامض بقفّازات ونظّارات داكِنة، يخرق العلم السويسري. ومنذ أكثر من ثلاثين عاما، كان الذي يخرق الرّاية الوطنية مُهاجِر من أهل الجنوب، يضع حقيبة على كتفه، إلا أن ثمّة تغيير بحسب كريستيل مير، التي تقول: "يسعى حزب الشعب من خلال منشوراته، إلى تجريم الأجانب، بينما لم يكُن يتجرّأ على مثل ذلك في الستينات".
ومن خلال تفحّص المُلصقات الإنتخابية المُؤيِّـدة للأجانب، حيث يتركّـز الخطاب أساسا، إما على التكافل الطبقي (كما في بعض لافتات الحزب الإشتراكي وأقصى اليسار)، وإما على أهمية الأجانب من الناحية الإقتصادية (وهو الوتَـر الذي كثيرا ما تعزف عليه الأحزاب البورجوازية وأرباب العمل)، نُلاحظ في مُلصق صادر في عام 1970، كجُزء من حملة التصدّي لبعض الجوانب الواردة في مبادرة "شفارزنباخ Schwarzenbach"، تصويرا لأحد الرُّعاة وهو يقوم بنشر فرْع شجرة الرّخاء الذي يجلس فوقه.
لُـعبة المرايا
لا تكمُن المصلحة من معرِض اللافتات السياسية بشأن الأجانب، في مجرد بيان التصوير المتعاقَب للآخر على مدى القرن الماضي، وإنما أيضا في استشفاف الصورة الواضحة حول الهُوية الوطنية. ولعلّ من المُفارقات في هذا السياق، ما يُمكن تشبيهه بلُعبة المرايا.
ومن وجهة نظر فرانشيسكو غاروفو "يتِم تصوير الآخر بالقول: ليست هكذا سويسرا"، لاسيما عندما يكون هناك تأكيد بأن "الوطني الحقيقي، هو الذي يشتري من التاجر ابن بلده أو ابن جنسه"، كما ورد في مُلصق لعام 1936، الذي بعث برسالة مَفادُها بأن سويسرا "ليست بلدا يهودِيا"، أو في مُلصق آخر يقول بأن "الشيوعي هو دُمية في يَـد ستالين" أو ما نقرأه في الملصقات مؤخّرا من أن سويسرا "ليست بلدا مُسلما".
في هذا الصدد، يجدر التساؤل عن مدى صحة ما تقوله جمعية "اي جي سيكونداس IG secondas"، التي تمثل الجيل الثاني من الأجانب، من أن سويسرا قد أصبحت الآن أشبَه ما تكون بقِـدْر "فوندو" (أكلة شعبية تعتمد على الجبنة والخبز)، استُبدِلت فيه الجبنة بالسباغيتي، وهي الآن مزيجٌ ثقافي، بحُكم الواقع.
swissinfo.ch