Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/85

أدى الإرتفاع المطرد في عدد المبادرات الشعبية في سويسرا خلال السنوات الأخيرة الى إندلاع سجالات ساخنة حول ما قد يُفرض من عقبات مُحتملة. وفيما تحظى فكرة الترفيع في عدد التوقيعات المطلوبة من أجل قبول مبادرة ما بالشعبية الأكبر، تكشف إطلالة على الأوضاع في الكانتونات أن زيادة العقبات لا تسفر بالضرورة عن تراجع عدد المبادرات الشعبية.
بعد ظهيرة يوم سبت في ساحة الدببة "بيرين بلاتس" Bärenplatz وسط العاصمة برن.. في هذا المكان الأكثر ازدحاماً في العاصمة السويسرية، يتوقع القائمون على تنظيم المبادرات الشعبية المختلفة الحصول على أفضل فرص النجاح. وبالفعل، شهدت هذه الساحة الواقعة على مرمي البصر من مبنى البرلمان الفدرالي على مر الأعوام جمع أعداد من التوقيعات لمطالب شديدة التنوع.
أحد الذين ألِفوا هذا المشهد جيداً هو اندي تشومبيرلين، عضو مجلس النواب (عن الحزب الإشتراكي)، الذي كثيراً ما جَمَع مثل هذه التوقيعات بنفسه. "هكذا كانت بداية إنخراطي في عالم السياسة بالأصل: من خلال مبادرة شعبية في بلدتي"، كما يقول، مضيفاً "ينتمي جمعُ التوقيعات إلى عملي السياسي".
في الواقع، تشكل المبادرة الشعبية ركيزة أساسية للديمقراطية المباشرة في سويسرا. وهي أداة تُمَكِّن المواطنين من جلب إحدى القضايا الى صناديق الإقتراع بشكل أسرع وبدون المرور عبر البرلمان الفدرالي. ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الأطراف ذات المصلحة إقناع أعداد كافية من الأشخاص الآخرين أولاً، وهو ما يعني جمع مائة ألف (100,000) توقيع صحيح ومطابق للشروط القانونية في غضون 18 شهراً.
المبادرة الشعبية
تتيح المبادرة الشعبية لكل مواطن سويسري إمكانية التقدم بإقتراح لإدخال إصلاحات على الدستور الفدرالي.
لكي تحظى المبادرة بالقبول من الناحية القانونية، ينبغي جمع 100,000 توقيع صحيح للناخبين السويسريين وتسليمها إلى المستشارية الفدرالية في ظرف لا يتجاوز 18 شهراً من تاريخ إطلاقها.
بعد ذلك، تُناقش المبادرة في البرلمان الفدرالي، الذي يمكن أن يوافق عليها مباشرة، أو يرفضها، أو أن يقدم مقترحاً بديلاً لها في صيغة مشروع مضاد. وتُعرَض المبادرة على الإستفتاء الشعبي في جميع الأحوال.
لكي يتم اعتماد المبادرة الشعبية، ينبغي أن تتحصل على غالبية أصوات الناخبين على المستوى الوطني، وأن تحظى أيضا بموافقة أغلبية الكانتونات الست والعشرين (26).نهاية الإطار التوضيحي
فيض من المبادرات
في الأثناء، شهدت الآونة الخيرة ارتفاعا ملحوظاً في عدد المبادرات الشعبية على نحو سنوي تقريباً، ولا يبدو أن تكاليف هذه المبادرات التي تصل إلى نحو 200,000 فرنك سويسري تشكل عائقاً أمام مناصريها من جماعات الضغط والتأثير والمصالح بشتى أصنافها.
في سياق متصل، يُذكّــر برونو هوفنر، مؤلف كتاب "المبادرات الشعبية في سويسرا من 1891 حتى 2012" بأن "إطلاق أول 250 مبادرة للتصويت الشعبي استغرق ما يُقارب المائة (100) عام. وها نحن اليوم نقف أمام أكثر من 400 مبادرة مُقَدَّمة بالفعل"، ثم يضيف "لقد أصبحت المبادرة الشعبية اليوم إجراءاً إضافياً داعماً للعملية السياسية".
ومثلما ورد في مقدمة كتاب هوفر، فقد "أصبح واضحاً لجميع الأطراف الآن، وبضمنها تلك المُمَثّلة في الحكومة الفدرالية، أن إرسال استمارات التوقيع إلى أعضاء الأحزاب صار جزءاً من الكياسة العامة المرافقة للعمل السياسي، بغية الإحتفال بالديمقراطية الحية".
في سياق متصل، تذهب مؤسسة "المستقبل السويسري" الليبرالية للبحوث والخبرة والتفكير إلى أن "عدداً أقل من الإقتراعات سيكون أكثر تأثيراً"، كما تعزو الفائض المسجل في المبادرات الشعبية إلى النمو السكاني، وترى بالتالي أن "مُواجهة هذه الظاهرة قد يكون بمُضاعفة عقبة التوقيعات أو جعلها ثلاثة أضعاف حتى" مقارنة بما هي عليه الآن.
ثلاث مقترحات
هذه الأفكار تلقى تأييداً أيضاً من طرف جان دانيال غيربر، كاتب الدولة السابق للشؤون الإقتصادية، الذي اقترح في مقابلة أجرتها معه مع صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" (تصدر بالألمانية في زيورخ)، ثلاث إحتمالات لعقبات قد تُسهم برأيه في مواجهة الأعداد المتزايدة من المبادرات الشعبية.
الإحتمال الأول هو زيادة عدد التوقيعات المطلوبة [التي تحتاجها المبادرة كي تحظى بالقبول من الناحية القانونية] من 100,000 إلى 200,000 توقيع، بالنظر الى الإرتفاع الكبير في عدد السكان منذ الزيادة الأخيرة في عدد التوقيعات التي أقرت في عام 1977. ويطالب الإحتمال الثاني باختصار مدة التحصل على هذه التوقيعات الى النصف، لتصبح 9 أشهر بدلاً عن 18شهراً.
أما الإحتمال الأخير فيدعو إلى تحديد نصاب قانوني في البرلمان، وهنا يقترح غيربر أن يكون شرط وصول المبادرة إلى صناديق الإقتراع مقروناً بنجاح مناصريها في إقناع نسبة مُعيّنة من النواب في البرلمان، لكن نصاباً كهذا لا يلقى حظوة كبيرة عند السياسيين والمراقبين لأنه "يُحَرِّف الطابع الأساسي للمبادرة الشعبية"، مثلما يقول برونو هوفر، الذي يضيف بأن "المسألة تتعلق أصلاً بامتلاك الفرصة لتقديم شيء ما إلى الشعب مباشرة دون المرور بالبرلمان".
هذا الرأي يشاطره مارتن لاندولت، رئيس الحزب البرجوازي الديمقراطي الذي يرى أن "نصاباً كهذا لن يعكس معنى الديمقراطية الشعبية بالضرورة"، لكنه يجد مع ذلك أن "من حق الشعب السويسري أن يكون مشمولاً بهذه العملية من دون عقبات كبيرة". في المقابل، عبّر لاندولت عن خشيته من "إمكانية إجهاد هذه الحقوق الشعبية بشكل مبالغ فيه أيضاً"، لكنه اعترف بأن "في صدره قلبين" نحو هذه المسألة.
في الأثناء، لا يرى لاندولت أي جدوى من مقترح اختصار الفترة الزمنية [المُخصّصة لجمع التوقيعات المطلوبة] حيث أنه "بالإمكان تخطي هذه العقبة بآليات تسويق كبيرة". ومن جهته، يُشير هوفر إلى أن أي مبادرة عادة ما تنخفض فرص نجاحها كثيراً إذا لم يتمكن أصحابها من جمع العدد الأكبر من التوقيعات الضرورية خلال الأشهر الثلاثة الأولى التي تلي إطلاقها.
ضبط الإرتفاع تلقائيا؟
قدر تعلق الأمر بزيادة عدد التوقيعات، يُطالب هوفر باعتماد نفس الآلية التي أدخلها كانتون جنيف في هذا العام، والتي تشترط توفر توقيعات 4% من الناخبين على مبادرة ما لكي تصل إلى مرحلة التصويت. وهو يرى مواءمة نسبة تعادل نحو 2.5%، والتي توافق ما يقرب من 129,000 توقيع. وفي الوقت الحالي، فإن ما يُشار اليه بـ "النصاب" يقل قليلاً عن 2% من مجموع الذين يحق لهم الإنتخاب في سويسرا، والبالغ عددهم نحو 5.2 مليون شخص.
هذا النهج يراه لاندولت جديرا بالدراسة أيضاً، لأنه يكفل التكيُّف مع التطورات السكانية في المستقبل. وهو يشير إلى السجالات الداخلية في حزبه بشأن مسألة الزيادة في عدد التوقيعات في الوقت الحالي، والتي تجعله أحد الأحزاب القليلة التي تجرؤ على الإقتراب من لمس هذا "الحديد الساخن"، وإن كان بحذر شديد.
تأثير مشكوك فيه
على الجانب الآخر، تلقى الزيادة في أعداد التوقيعات معارضة واضحة من طرف أندي تشومبيرلين حيث "لا تفلح حتى الأحزاب الحكومية (أي الممثلة في الحكومة الفدرالية) دائماً بالحصول على التوقيعات اللازمة في الوقت المناسب"، على حد قوله.
لاندولت يُقرّ أيضا بأن الزيادة في عدد التوقيعات المطلوبة "تحمل في طياتها خطر الهدف العكسي"، ويقول: "ستكون لدى تلك القوى بالذات، التي تُسيء - من وجهة نظري - استخدام المبادرات والإستفتاءات الشعبية وتحيلها الى أداة للتسويق، القدرة على الإستمرار بذلك حتى مع زيادة أعداد التوقيعات على الأغلب".
وفي إشارة إلى النقاشات الداخلية الجارية حاليا داخل صفوف الحزب الديمقراطي البرجوازي حول هذه الأسئلة، قال لاندولت: "من ناحية، ندرك الحاجة الى اتخاذ إجراء ما، ومن ناحية أخرى، لسنا على قناعة بأن التأثير الحاصل سيكون ذلك الذي نتأمله".
تباين كبير
على العكس مما سبق، لا يكمُن الحل بالنسبة لمارك بوهلمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برن، والمنشغل بإصدار الكتاب السياسي السنوي لسويسرا، في وضع المزيد من الحواجز والعقبات.
ففي إطار إجراءه لإحدى الدراسات، ألقى هذا الباحث المتخصص في المسائل المرتبطة بالديمقراطية المباشرة نظرة مُعمّقة على المبادرات الشعبية المطروحة على مستوى الكانتونات السويسرية، وأظهرت النتائج التي توصل إليها تبايناً مرتفعاً نسبياً في عدد التوقيعات المطلوبة (من كانتون لاآخر). ووفقا لبوهلمان، فقد تراوحت هذه النسب ما بين 0،8 و 5% من إجمالي عدد الناخبين في الكانتونات ذات الصلة.
مع ذلك، فإن هذا التباين "لا يُفسّر نوعيّة المبادرات الشعبية المقدّمة بالفعل"، بل يوضح بوهلمان أن "بعض الكانتونات لديها حواجز مرتفعة جداً، ولكنها تُصوّت على العديد من المبادرات مع ذلك. وعلى الجانب الآخر، نرى كانتونات بحواجز مُنخفضة جداً، لا تُطلق فيها سوى القليل جداً من المبادرات. هنا لا توجد صلة واضحة".
تشومبيرلين يدعم هذه النظرية بمثال على مستوى البلديات، ويقول: "في البلدية التي أقيم فيها، حيث يبلغ عدد السكان 14,000 نسمة، يتوفر لكل مواطن الحق بإطلاق مبادرة ما، وبالرغم من ذلك، لا تُعرض سوى مبادرات قليلة أمام المواطنين".
من جهته، يشير برونو هوفر الى أن عدد المبادرات الشعبية المقدمة "لا يعتمد على الشروط الإطارية للوسيلة [الأداة] فحسب. إذ تعاني بعض المناطق في سويسرا من ضغوط عالية نتيجة لمشاكلها، وهو ما ينعكس بالمبادرات الشعبية".
تقديرات تقريبية فقط
وفقاً لموقع "ch.ch"، البوابة الرسمية للمعلومات الإدارية على مستوى الفدرالية والكانتونات والبلديات، لا تقل التكاليف التي تتكبدها اللجنة التي تقدم على إطلاق مبادرة شعبية عن 150,000 فرنك.
لا تتوفر دراسة بشأن التكاليف الإقتصادية للمبادرة الشعبية وما يترتب عنها من مُعالجة ومتابعة في غرفتي البرلمان الفدرالي.
تشير التقديرات التقريبية للمستشارية الفدرالية إلى أن تنظيم وتنفيذ الإنتخابات الفدرالية تكلف المالية العمومية ما بين 7 و8 ملايين من الفرنكات.
في سويسرا، يقترع المواطنون بمعدّل أربع مرات في السنة، يُدلون خلالها برأيهم بشأن مقترح فدرالي أو أكثر.
في المقابل، تبدو كلفة الإعدادات البرلمانية (بدءاً بالدراسة الأولية للمبادرة الشعبية، وصياغة الرسائل المتعلقة بها، واجتماعات اللجان ووصولاً إلى المناقشة البرلمانية) متواضعة إلى حد ما، ويمكن تقديرها بحوالي 200,000 فرنك سويسري على الأقل للمبادرة الواحدة. مع ذلك، قد ترتفع هذه التكاليف كثيرا وبسرعة، إذا ما تطلب الأمر صياغة مبادرة مضادة مباشرة أو غير مباشرة.نهاية الإطار التوضيحي
انخفاض النصاب
وُجدت فكرة المبادرة الشعبية بالفعل منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر في بعض دساتير الكانتونات السويسرية.
تم تكريس المبادرة الشعبية الفدرالية كأداة سياسية في الدستور الفدرالي عند تأسيس الدولة السويسرية الحديثة في عام 1848.
كانت المبادرة تتطلب حينئذِ 50,000 توقيع صحيح لكي تحظى بالقبول. وفي ذلك الوقت، كان هذا العدد موافقا لنحو 8% من الرجال الذين يحق لهم التصويت. وعندما قُدِّمت أول مبادرة شعبية في عام 1891، كان النصاب القانوني يقع عند 7.6%.
في عام 1976، وبعد منح المرأة السويسرية الحق في التصويت في عام 1971، انخفضت هذه النسبة لتصبح 1.3% فقط . وأدى ذلك الى مضاعفة عدد التوقيعات إلى 100,000 صوت في عام 1977، وارتفاع النصاب القانوني بالتالي الى 2.6%.
بالنظر الى النمو السكاني الشديد، لم يمثل هذا النصاب في عام 2000 سوى 2,1%. وانخفضت هذه النسبة اليوم الى أقل من 2%.
(المصدر: القاموس التاريخي السويسري)نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch