Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/18

" .. ثم ان العراق، وعلى عكس فيتنام، منقسم إلى سنّة وشيعة، الأمر الذي يخلق ميزان عداوات داخلية لا مقاومة واحدة، و"يغري" أمريكا بمواصلة حسم الوضع هناك بالوسائل الأمنية"..هذا المحتوى تم نشره يوم 07 مارس 2006 - 12:46 يوليو,
هذه كانت "التوصية" التي أطلقها "مجلس العلاقات الخارجية"، أهم مركز أبحاث امريكي، حيال الأزمة العراقية في صيف 2004..
تتمثل التوصية إذن في إستخدام ورقة الإنقسام الشيعي- السنّي لإعادة كتابة كل أوراق التاريخ العراقي الحديث. وهي توصية نفذتها، على ما يبدو، إدارة بوش بحذافيرها.
الكثيرون في الشرق الاوسط سيميلون - بلا شك - إلى وصف هذا التطور بأنه مؤامرة. لكنه في حقيقة الامر من طبائع الأمور السياسية، وسنن الحياة الدولية، وقوانين الاحتلال العسكرية.
فإذا ما أرادت قوة خارجية غزو قوة محلية وضرب جهاز المناعة والممانعة فيها، ليس أمامها سوى خيار من إثنين: إما إلحاق الهزيمة الكاملة والماحقة من الخارج بالمجتمع المعني، وليس فقط بالدولة، ودفعه إلى الإستسلام واليأس (كما فعلت امريكا مع ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية)، أو تفجير هذا المجتمع من الداخل (كما فعلت بريطانيا في شبه القارة الهندية وفلسطين والملايو، وفرنسا في سوريا ولبنان وبلدان المغرب العربي).
وبما أن واشنطن لم تهزم المجتمع العراقي، بديهي أن تعمل على تفجيره. وهذا البديهي هو الذي حدث ، منذ أن نجحت الأدارة الأميركية في إشغال العراقيين بمسائل الدستور ومغانم السلطة السياسية، فنسوا أو كادوا مسائل السيادة والإستقلال ومعارك حق تقرير المصير.
وهكذا، وصل العراق الآن إلى مفترق طرق خطر يسيطر فيه غلاة "الزرقاويين" السنّة (أتباع أبو مصعب الزرقاوي) وغلاة "المهداويين" الشيعة ("جيش المهدي" من أتباع مقتدى الصدر) على جدول الأعمال السياسي والأيديولوجي العراقي، ويدفعونه دفعاً نحو ما أسماه ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأميركي، "حافة الهاوية" وما أطلق عليه عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، نعت "أبواب جهنم".
"حرب المساجد" بين السنّة والشيعة لم تكن بداية هذا الانزلاق نحو الهاوية، بل تتويجاً له. إذ سبقتها خلال السنوات الثلاث الماضية تطورات أمنية وسياسية خطيرة تمثلت في حملات التصفية الجسدية و "التطهير السكاني" المتبادل الذي نفذه الغلاة من كلا الطرفين وراح ضحيته مئات القتلى وعشرات آلاف المهجرين المدنيين العراقيين، إضافة إلى إستكمال الفرز والأستقطاب الطائفيين والمذهبيين في التركيبة السياسية العراقية على حساب النبض الوطني العراقي.
والحصيلة: وصول المجتمع العراقي إلى "يوم الحساب"، إلى لحظة الإنفجار الأهلي الشامل، وإنكشافه التام أمام الصراعات الأقليمية والدولية، خاصة بين إيران وحلفائها السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، من جهة، وامريكا وأصدقائها العرب وغير العرب، من جهة اخرى.
بكلمات أوضح: الأزمة العراقية خرجت كلياً (تقريبا) من أيدي العراقيين، وسقطت كلياً (تقريباً أيضاً) في حضن القوى الخارجية.
التمدد
الآن، باتت الصورة العراقية كالآتي: كل مذبحة تقع، او مسجد ينسف، او زعيم ديني يقتل، ستوجّه أصابع الإتهام فيه إلى قوة إقليمية أو دولية. ولن يكون هذا إفتراء أو إفتئاتاً. فحين تفشل الأطراف الخارجية المنغمسة بالصراع الداخلي العراقي في إيجاد حل سلمي بينها للنزاع هناك (إتفاق طائف آخر مثلاً على النمط اللبناني) لا يكون البديل سوى حروب الواسطة، عبر إستخدام الدم العراقي كوقود لها.
هذا ما جعل الحرب الأهلية اللبنانية تدوم 15 عاماً(1975- 1989)، والحرب الأفغانية 27 عاماً( 1979- )، وحرب الهند الصينية 21 عاماً ( 195- 1975)، وحرب كشمير نحو 60 عاماً( 1948- ) ألخ.
لكن الحرب الأهلية العراقية، وعلى عكس كل هذه الحروب، قد لا تبقى محصورة طويلاً داخل بلاد ما بين الرافدين، بسبب ديناميات الصراعات الخارجية المحّركة لها، والتي قد تدفعها في أي وقت إلى التمدد نحو تسع دول شرق اوسطية أخرى.
بعض سمات هذه الديناميات:
1- المساحة الجغرافية الشاسعة للصراع بين إيران، من جهة، وبين أمريكا والعديد من الدول العربية وغير العربية، من جهة أخرى، والتي تشمل إلى جانب العراق،: لبنان وسوريا وفلسطين في غرب آسيا، وأذربيجان وبعض الدول في وسط آسيا، إضافة إلى منطقة بحر قزوين.
2- المساحة الجغرافية الأوسع للحرب العالمية الاميركية ضد الإرهاب والتي تتضمن، من ضمن ما تتضمن، تفجير الخلافات التاريخية الدموية بين السنّة والشيعة لتسهيل السيطرة على عملية إدارة الصراع. وهذه مسألة ألمح إليها الرئيس الأميركي بوش في أواخر العام 2003 حين تعهد في خطاب له بـ "تقسيم العدو الأصولي إلى معسكرات متناحرة" . كما أنها هدف لطالما بشّر به فؤاد عجمي وصموئيل هانتينغتون وكامل فريق المحافظين الجدد الاميركيين المتحالفين مع المحافظين القدماء الإسرائيليين.
ثم هناك نقطة ثالثة لا تقل أهمية لجعل العراق مجرد نقطة إنطلاق لحريق إقليمي شامل: المخاطر الوجودية المحيقة بالقوى المتصارعة. فهزيمة النظام الأيراني المحتملة في العراق وباقي المشرق العربي، ستكون المسمار الاول وربما الأخير في نعشه. وهزيمة واشنطن فيه يمكن ان توجه لزعامتها العالمية ضربة ماحقة قد لا تستفيق منها لسنوات عدة مقبلة.
لكن، هل وصلنا حقاً إلى مرحلة "أقلمة" (من إقليم) وتدويل النزاع العراقي؟ أليس وارداّ أن تتوصل طهران وواشنطن إلى تفاهمات ما قد تجنبهما الأكلاف الباهظة التي ستسفر عنها المجابهة الشاملة بينهما؟
صفقات جديدة؟
السؤال يبدو مهماً وواقعياً في آن لسبب مقنع: لطهران وواشنطن الآن "تراث" كبير من الصفقات السرية، يثبت أنهما تمتلكان قدراً كبيراً من البراغماتية والواقعية السياسية، برغم كل الغبار الأيديولوجي الذي تثيرانه بين الفينة والاخرى.
فهما أبرتما في عز الحرب الباردة بينهما خلال الثمانينات إتفاق "إيران- كونترا" الذي دخلت فيه إسرائيل طرفاً مباشراً، ثم أتبعتاه بـ "زواج متعة" خلال حرب الكويت العام 1991، وبعده بـ "زواج عرفي" عشية حربي أفغانستان والعراق في 2001 و2003 على التوالي.
خلال كل هذه الصفقات، لم يرف جفن إيديولوجي لطهران، برغم إعتبارها اميركا "الشيطان الاكبر" ووسواساً خناساً يشكل خطراً مباشراً على أمن نظامها الإسلامي. وفي المقابل، لم تستح واشنطن من الدخول في علاقة غرامية مع طرف تعتبره مغتصباً لحقوق الإنسان، ومشوهاً للديمقراطية، وراعياً أول للإرهاب.
وطالما أن الأمر على هذا النحو، لماذا يستبعد الآن أن تتوصل الدولتان إلى صفقة جديدة ما تحت الطاولة، خاصة وأن لهما مصلحة في ذلك بعد إنفجار العراق؟
الإحتمال وارد، لكن فقط في إطار الإتفاقات التكتيكية المحدودة ذات الأمد الزمني المحدود. أما الإتفاقات الإستراتيجية العامة فدونها الإجابة على السؤال الكبير: هل الولايات المتحدة وإسرائيل مستعدتان لقبول بروز إيران نووية والتعايش، بالتالي، مع موازين قوى جديدة في الشرق الأوسط مختلفة كل الإختلاف عن الموازين الراهنة؟
إسرائيل قاطعة في الرد: التعايش مستحيل، وسنفعل كل ما يضمن أمنا ومصالحنا. وأمريكا(البوشية على الأقل) قاطعة أيضاً: حيازة إيران للقنبلة سينسف ركائز السيطرة الأمريكية ليس فقط على منطقة الشرق الاوسط الحيوية، بل أولاً وأساساً على منابع النفط. وهذا من شأنه وضع الزعامة العالمية الامريكية في عنق زجاجة خانق، في عصر سيشهد قريباً ندرة نفطية خطيرة.
إضافة إلى ما سبق، سيطلق إنضمام إيران إلى النادي النووي، سباق تسلح ذريً تتدافع خلاله دول مثل السعودية ومصر وغيرها للحصول على القنبلة.
والنتيجة؟
إنها واضحة: خطط عسكرية أميركية- إسرائيلية لتحييد أو تأجيل البرنامج النووي العسكري الأيراني بالقوة. ويتم إسناد هذه الخطط بعمليات إستخبار وتجسس ضخمة في الأرض كما في السماء: أقمار إصطناعية وطائرات إستطلاع تراقب إيران على مدار الساعة؛ توغل "روتيني" لقوات الكوماندوس في عمق الأراضي الإيرانية لتصوير المنشآت النووية والعسكرية والإقتصادية؛ تجسس كلاسيكي تنفذه "السي. أي. آي" في إيران .. ألخ.
حسناً. إذا ما كانت الخطط موجودة، فمتى التنفيذ؟
العديد من المحللين الغربيين يعتقد ان توقيت الضربة لإيران بات يعتمد على تطورات العراق، او بالأحرى على الوتيرة التي ستنسحب فيها القوات الأمريكية من مستنقع المدن العراقية لتستقر في مناطق آمنة، بعيداً عن ضربات المقاومة وقريباً من ينابيع النفط. وهو إنسحاب يمكن ان يتم بوتائر سريعة إذا ما أمسك السنّة والشيعة بخناق بعضهما البعض.
حينها، ستكون الولايات المتحدة قادرة على خوض حروبها الجوية ضد إيران، بدون تعريض قواتها البرية في العراق إلى خطر ماحق، وشن ما وصفه وزير بريطاني سابق بـ "الغارات على النمط الصربي" التي قد تستمر اكثر من ثلاثة أشهر وتشارك فيها آلاف الطائرات، ومنصات صواريخ كروز العابرة، ومئات عمليات الكوماندوس الخاصة.
حينها أيضاً، ستندفع إسرائيل لاعادة إحتلال جنوب لبنان مؤقتاً لتحييد صواريخ "حزب الله" خلال ضرب إيران.
خطط مجنونة ستشعل المنطقة؟
أجل، بالتأكيد. لكن متى كانت الحروب عاقلة؟ ألم نسمع بالامس أن أميركا خططت في الثلاثينات لغزو جارتها المسالمة كندا، وفكرّت بتسديد ضربات نووية للاتحاد السوفييتي قبل إمتلاكه القنبلة، وإستخدمت كل انواع أسلحة الدمار الشامل في حربي كوريا وفيتنام؟ هل كان ثمة عقلانية في هذه العمليات ؟ ثم ماذا عن حروب إسرائيل المتصلة في المنطقة طيلة 50 عاماً؟
هذه الوقائع يجب وضعها في الإعتبار ونحن نقارب الأزمة العراقية الراهنة في طورها الجديد. وهي وقائع ستكون واجبة الوجود حين تبتعد الصفقات التكتيكية المؤقتة بين طهران وواشنطن، وتقترب لحظة الحقيقة النووية.
وهذه اللحظة لم تعد بعيدة على ما يبدو. تماماً كما أن اللحظة التي "أوصى" فيها "مجلس العلاقات الخارجية" الاميركي بتفجير الوضع السني-الشيعي في العراق لتمكين واشنطن من حسم الامور هناك لصالحها، لم تعد بعيدة البتة هي الأخرى.
سعد محيو- بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>