Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/17

عندما نجحوا في الوصول إلى قمة جبل إيفرست في عام 1956، لم يُسطَّر متسلقو الجبال السويسريون التاريخ في هذا المجال فَحَسب، لكنّهم جسّدوا أيضا تطلُّع بلادهم إلى لعب دور قيادي في التقدّم التكنولوجي الذي حدث في سنوات ما بعد الحرب. فضلاً عن ذلك، كان هؤلاء "الأبطال" رواداً لدولة سويسرية أكثر إنفتاحاً، وجدت نفسها مُضطرة الى صقل سمعتها على المسرح العالمي بعد تعاونها الوثيق مع ألمانيا النازية.
في 23 مايو من عام 1956، وصل متسلقا الجبال أرنست شميد ويورغ مارميت تربطهما حبال تسلق خاصة إلى قمة جبل إيفرست، ليصبحا الشخصين الثالث والرابع (والمجموعة الثانية) اللذين يتسلقان هذه القمة، بعد الإنجليزي إدموند هيلاري والنيبالي شيربا تينزينغ، اللذين إستطاعا قهر القمة التي ترتفع عن سطح الأرض بـ 8848 متراً في 29 مايو من عام 1953. وكان كل من شميد ومارميد قد فازا بفارق ضئيل على الفريق السويسري الثاني المكون من دولف رايست وهانزروَدي فون غونتَن، اللذين نجحا في اليوم التالي (24 مايو 1956) في الوصول إلى "أعلى قمّة على وجه الأرض".
وقبل بضعة أيام من هذا الحدث التاريخي، نجحت بعثة إستكشافية سويسرية مكونة في فريتس لوخسينغَر وأرنست رايس في الوقوف لأول مرة على قمة جبل لوتسي المجاور، الذي يُعتبر رابع أعلى جبل في العالم مع إرتفاعه البالغ 8516 متر فوق مستوى سطح البحر.
"السويسريون يتسلقون قمة جبل إيفرست مرتين ويهزمون قمة وستو"، كما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" من موقع الحدث. ومع تسلقهم لجبل وستو، نجح الثنائي لوخسينغَر وريس في إرتقاء "ما يعتبره الكثيرون إختباراً أكثر مشقة في التسلق من جبل إيفرست".
من جهتها، هللت صحيفة "شفايتسر الوستريرتَ" الأسبوعية الصادرة بالألمانية في زيورخ بـ "الإنتصار السويسري في جبال الهيمالايا"، وكرست العديد من التقارير المصورة لأبطال المرتفعات على مدى الأسابيع اللاحقة.
وبغية تسليط الضوء على هذين المشروعين الكبيرين، يقدم معرض "تقرير هيمالايا. تسلق الجبال في عصر وسائل الإعلام"رابط خارجي، المُقام في المتحف السويسري لجبال الألبرابط خارجي في برن، مجموعة كبيرة من الفاكسات، والصور الأصلية، والأفلام، والتسجيلات الصوتية والقطع الأثرية. ويستمر المعرض الذي إفتُتِح يوم 25 أبريل من العام الجاري حتى 26 يوليو من عام 2015.
"كنا نقف على قمة إيفرست"!
"يوضح المعرض من خلال مقطع طولي، كيفية إيصال المُتسلقين لما إختبروه من أحداث منذ بداية القرن التاسع عشر. وبالمقارنة، يُمثل كبار متسلقي الجبال اليوم سلعة تجارية متكاملة للغاية، بل وعلامة تجارية حتى، ونحن نرغب بِتَتَبُّع مسار هذا التطور"، كما يقول بيات هيخلَر، مدير المتحف السويسري لجبال الألب.
ويعتبر هيخلَر البعثات الإستكشافية السويسرية إلى قمة إيفرست كنوع من "البديل لعالم إستعماري مشحون بالوطنية. وكان متسلقوا الجبال "رواد الفضاء السويسريين" الذين أيقظوا "الشعور بالتضامن" في الكنفدرالية.
هذا الأمر، أشارت إليه أيضاً باتريشيا بورتشيرترابط خارجي. "لقد إستُحضِر الشعور بأننا قد فعلنا وحققنا شيئاً مُميزاً هنا". وقد دَرَسَت العالمة في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ المولعة بتسلق الجبال، موضوع البعثات الإستكشافية السويسرية إلى قمة إيفرست من وجهة إنهاء الإستعمار.رابط خارجي
وكما تشرح بورتشيرت، لم يكد ينقضي على أهوال الحرب العالمية الثانية عقد من الزمن، إلّا وتعلَّق الأمر بشئ مُختلف تماماً. "كانت أنيليس سوتر لوهنَر، التي تسنّى لي مقابلتها قُبيل وفاتها بوقت قصير، إحدى النساء القليلاترابط خارجي اللواتي شاركن في البعثات السويسرية الى جبال الهمالايا، في عامي 1947 و1949. وكما أخبرتني، كان الناس بعد الحرب العالمية الثانية يتوقون بالمعنى الحرفي للكلمة إلى الخروج لمثل هذه الرحلات. وحيث كان الدمار ما زال يُغلف أوروبا، كان للقصص المُرتبطة بالمغامرات في المناطق البرية النائية و‘العالم المثالي’ أثرها السحري".
الحصن - تبنّي الرموز
وفقاً لـبورتشيرت، حقق أبطال البعثات السويسرية إلى جبال الهمالايا المُحتفى بهم أكثر بكثير من إشباع روح المغامرة لمواطنيهم داخل سويسرا. "لقد مثَّلوا بشكل بارع للغاية وسيلة للتواصل" بين سويسرا التي حصنت نفسها خلال الحرب العالمية الثانية - وكان عليها لاحقاً تلقي صفعات دولية عنيفة بسبب تعاونها الوثيق مع ألمانيا النازية- وبين سويسرا المُنفتحة، التي توجب عليها تحسين سمعتها الدولية بشكل عاجل.
المعرض
يمكن الإطلاع على معرض"تقرير هيمالايا. تسلق الجبال في عصر وسائل الإعلام 1902 - 2015" في المتحف السويسري لجبال الألب في برن حتى يوم 26 يوليو 2015.
وتمتد الفترة الزمنية التي يستعرضها المعرض من أول صورة فوتوغرافية إلتُقِطَت على الإطلاق لجبل كي 2 (ثاني أعلى جبال العالم وأصعبها تسلقاً لوعورته وانحداره الشديد) في عام 1902 من قِبَل جولز جاكو غيارمود، الطبيب، والمصور ومُتسلق الجبال السويسري من كانتون نوشاتيل، وحتى أول فيلم صوره غونتر أوسكار ديرنفورث في عام 1934عن تسلق الجبال مع مُتسلقين سويسريين على قمة جبل "كاشر برم 1"Gasherbrum I على إرتفاع أكثر من 7000 متر، وانتهاءاً بالأحداث التي تناقلتها وسائل الإعلام المتعددة، لمُتسلقين من أمثال أوَلي شتيك وستيفان سيغريست.
وفي مركز المعرض، تظهر إلى جانب العديد من القطع الأثرية التي وفرتها الحملات الإستكشافية إلى الهيمالايا، مجموعة من الصور الفوتوغرافية، والأفلام، والتسجيلات الصوتية، مثل تلك الخاصة بـأليستر كراولي، غونتر أوسكار ديرنفورث، جول جاكو غيارمود، غيرليندة كالتينبرونر، راينهولد ميسنر، ستيفان سيغريست وأولي شتيك، على سبيل الذكر لا الحصر.
وبمناسبة قيام المعرض، أطلق المتحف مدونة مفتوحة رابط خارجيمن موقعه على الإنترنت بعنوان (Himalay Report) أو "تقرير الهمالايا".
وفي يوم 24 أكتوبر 2014، ستنتظم عملية تسليم تركة متسلق الجبال السويسري ايرهارد لوريتان (الذي كثيراً ما يوصف بكونه أحد أكبر المتسلقين في جميع العصور) إلى المتحف السويسري لجبال الألب. وسوف يقدم دانيال لوريتان إلى المتحف تسجيلات صوتية لشقيقه الذي قتل في عام 2011 على جبل "غروس غرونهورن" (في كانتون فالي). وكان ايرهارد لوريتان ثالث متسلق جبال إستطاع هَزم جميع القمم الجبلية الـ 14 المتعارف عليها التي يزيد إرتفاعها عن 8000 متر فوق مستوى سطح البحر.نهاية الإطار التوضيحي
وتابعت قائلة: "أدى السفر إلى دول غريبة غير معروفة في آسيا، والسباق المحموم مع الدول الكبيرة في تسلق الجبال، ومَن يصل أولاً إلى قمة أعلى جبل في العالم، إلى تقديم مزيج جذاب للغاية إلى الناس في الوطن".
نقل الحداثة...
في نفس الوقت، استخدم السويسريون قمة إيفرست كمختبر في المرتفعات الجليدية. ففي منطقة الموت الأسطورية هذه، إستطاعت سويسرا أن تضع التطورات التكنولوجية التي كانت ستُبهِر بها العالم في الواجهة العالمية.
أجهزة الأوكسجين، الخيام والحبال، الملابس العازلة، الأحذية المُسننة الخاصة والساعات، فضلاً عن توظيف الراديو: بهذه المعدات، أثرت الحملات السويسرية على حدوث تطور تكنولوجي سريع في تسلق الجبال، وفقاً لـبورتشيرت. "قامت وسائل الإعلام بتناقل هذه التجهيزات، حيث أصبح المتسلقون المرتدون للملابس الدافئة، والذين يذكرون مشاهديهم برواد الفضاء، مثالاً للتقدم التكنولوجي. وفي عام 1960، خطى ماكس أيزَلين خطوة أخرى نحو الأمام، بأن إستخدم طائرة صغيرة من نوع "بيلاتوس بورتر" Pilatus Porter في أول تسلّق لجبل دالجيري (الذي يعلو 8167 مترا فوق مستوى سطح البحر) - وهو ما مثَّل حدثاً جديداً في حينه في تسلق الجبال في الهيمالايا".
لكن التكنلوجيا أيضاً هي التي أدت الى الإخفاق في عام 1952رابط خارجي، حين أثبتت معدات الأوكسجين السويسرية عدم صلاحيتها.
ووفقاً لأستنتاج بورتشيرت، كانت المشاريع السويسرية في جبال الهيمالايا ستُتيح لها تناول مفهوم الحصن المُنعزل وإعادة تشكيله، وربطه بالإنفتاح الدولي التي كانت بأمس الحاجة اليه، دون خَلق أي نوع من المعارضة.
...ولكن بدون النزعة القومية
وبحسب العالمة في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، توقف الخطاب القومي الذي ميَّز عمليات تسلق الجبال سابقاً في الوقت الراهن تقريباً.
"مؤخراً على سبيل المثال، إعتبر أحد أنصار المؤسسة السويسرية لبحوث جبال الألب (التي نظمت ومَوَّلت وسوَّقت للبعثات الإستكشافية) الصليب السويسري في شعار المؤسسة بمثابة علامة في إطار معنى الصليب الأحمر، الذي يرمز إلى الإندماج الدولي"، كما أوضحت.
وقد نُسِبَ الطابع الدولي المؤكد لتسلق الجبال إلى نهاية حقبة الاستعمار، مع استقلال الهند وفتح النيبال. "أدى إنهاء الإستعمار إلى أن تدرك سويسرا أيضاً بأن عليها أن تَعُد نفسها بشكل مختلف" كما تقول بورتشيرت. وليس من قبيل الصدفة أن أصبحت النيبال الدولة ذات الأولوية الرئيسية في مساعدات التنمية السويسرية.
لكن بورتشيرت تشير بنبرة ناقدة أيضاً إلى تجسيد مُتسلقي الجبال لقيم تقليدية للغاية، ولا سيما تلك المتعلقة بالشواغل الجنسانية، "كانت النساء تُصَوَّر على الدوام وهن يلوحن في المطار، في حين كان الأبطال الذكور يخرجون لإستكشاف العالم".
1952: "إنجاز رائد عظيم" على قمة إيفرست
يصف أوزوالد أوليزرابط خارجي، الطبيب وُمتسلق الجبال النمساوي الأصل الذي يعيش في سويسرا منذ عام 1968، أول عملية لقهر منحدرات "خومبو" الجليدية (التي توصف بأنها من أخطر النقاط في جبل إيفرست) من قبل الشاب جان جاك أسبير أصيل جنيف، بالإنجاز الرائد العظيم.
"لكن السويسريين فشلوا لاحقاً في أمرين في الحافة الجنوبية الشرقية لجبل إيفرست: أولهما أنهم لم يدركوا الأهمية الفائقة للتزود بالسوائل عند تسلق الجبال المرتفعة. أما الثاني، فقد تمثل بأجهزة الأوكسجين التي فرضها عليهم أحد الأساتذة من زيورخ، والتي لم يستطيعوا إستخدامها إلا في وضع الراحة، أي عند الجلوس أو الوقوف فقط، وليس خلال التسلق، بسبب نظريته الخاطئة حول إمكانية تخزين الجسم للأوكسجين.
ووفقاً لأويلز، نفذ البريطانيون بالتوازي مع البعثات الاستكشافية السويسريةرابط خارجي بعثة إختبارية في جبل تشو أويو في عام 1952. "هناك، قام الطبيب البريطاني غريفيث بيو بإجراء قياسات دقيقة لكميات تناول السوائل ومعدل التدفق من أجهزة الأوكسجين الضرورية لمثل هذه الرحلات. وقد أتاحت هذه الأسس الفزيولوجية للبريطانيين تنفيذ أول عملية تسلق لهم على جبل إيفرست بنجاح في عام 1953".
ويواصل قائلا: "كان نجاح المتسلقين السويسريين في عام 1952 سيمثل كارثة مطلقة بالنسبة للبريطانيين، لذا كانت المشاعر متوترة للغاية بشأن هذا المشروع في نادي جبال الألب في لندن، وفي الجمعية الجغرافية الوطنية".نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch