Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00856.jsonl.gz/67

هل ضلّت الولايات المتحدة طريقها في الشرق الأوسط؟ وهل هذا الضياع سيُـهدد المصالح النفطية والاستراتيجية الأمريكية الكبرى في المنطقة، وربما أمن الوطن الأمريكي نفسه؟هذا المحتوى تم نشره يوم 29 أغسطس 2005 - 08:01 يوليو,
وهل سيكون ذلك الضياع بمثابة لعبة الحصيلة صفر بالنسبة لأسامة بن لادن وصحبه؟ لا إجابات في واشنطن هذه الأيام على هذه الأسئلة الدقيقة...
حين تكون هناك إجابات عن هذه الأسئلة المطروحة، فهي تتلحف بالشعارات الأيديولوجية البلاغية الطنانة للمحافظين الجُدد، الذين انتقلوا خلال عقدين من الزمن من كونهم ألد أنصار الديكتاتوريات في الشرق الأوسط والعالم إلى أعتى أبطال الديمقراطية والحريات، أو هي تندرج في إطار نظرية "التدمير الخلاق" في إطار مبادرات إدارة بوش لإعادة بناء الشرق الأوسط الكبير.
لكن، وبعد مرور نحو أربع سنوات على أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وعلى بدء الحروب العالمية على الإرهاب، يبدو أكثر من أي وقت مضى أن إدارة بوش لم تفشل فقط في محاصرة الإرهاب أو على الأقل الحد من زخمه، بل هي بحربها غير المبررة على العراق (عدا مبرر السيطرة على النفط) تهدد الآن بتحويل الشرق الأوسط الكبير برمّـته إلى ماكرو أفغانستان بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات كارثية. كيف؟
هنا قد نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام سؤال من نوع آخر: هل نظرية التدمير الخلاق تتضمّـن خلقاً حقاً، أم أنها تقتصر على التدمير؟ ما جرى في أفغانستان، وما يجري الآن في العراق، وما قد يجري غداً في سوريا ولبنان وغيرهما من الدول العربية، يرجِّـح فرضية "التدمير غير الخلاق" أو "التدمير التدميري".
تفكيك دول المنطقة
فأفغانستان لم تنتقل من سلطة طالبان إلى الحكم الديمقراطي، بل سلمت مقادير الأمور فيها، عدا في كابول، إلى أمراء الحرب ومافيات المخدرات والعصبيات العرقية والطائفية، مما يؤهّـلها في أي وقت للعودة إلى ما كانت عليه قبل 2001: مقراً وملجأً ومُـنطلقاً للحركات الإرهابية.
والعراق لم ينتقل من نير ديكتاتورية صدام إلى فيء الدولة الديمقراطية الحديثة، بل هو بات الآن يمتلك كل مقوِّمات وأسُـس "الدولة الفاشلة"، بعد أن عمدت سلطات الاحتلال إلى تغييب دور القوى الحديثة في المجتمع العراقي وإطلاق يد القوى ما قبل الحديثة الطائفية، وهذا ما حوّل الصّـراع السياسي في البلاد، من صراع بين الحداثة والتقليد إلى حرب أهلية بين التقليد والتقليد، ودفع العراق إلى شفير إنفجار شامل.
التوجه السائد الآن للسياسة الأمريكية الشرق أوسطية، هو تفكيك دول المنطقة إلى مكوِّناتها الطائفية والمذهبية والقبلية بحجة أنه سيُـعاد بناؤها لاحقاً مجدّداً على أسًُـس ديمقراطية أو بحجة أخرى أكثر واقعية: التفكيك سيكرّس نجاح سياسة فرِّق تسـُد، وسيسهل على الولايات المتحدة عملية السيطرة على تطورات المنطقة وتفاعلاتها.
هذا التوجه كان مجرد رَجع صَـدى للعديد من الدراسات الإسرائيلية، كان آخرها تقرير مؤسسة الدراسات الإستراتيجية والدولية المتقدمة، الذي قال إن مشروع "الدول - الأمم" في الشرق الأوسط كان فاشلاً، وأن الحل يكمُـن في تفكيك هذه الدول وإقامة دويلات "قبلية – طائفية" في إطار كنفدراليات جديدة.
بيد أن هذه في الواقع وصفة لـ"انفجار عظيم"، سيَـليه دمار شامل يقع على رؤوس الجميع، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. فالتفكيك لن يؤدِّ إلى استقرار، بل إلى حروب أهلية، وهذه ستنسِـف إمكانية قيام دول مركزية ناجحة وقوية، وتمهّـد الطريق بالتالي لاحتضان وترعرع كل أشكال الإرهاب السُـنّي والشيعي والعلوي والدُّرزي والمسيحي، الذي سيكون العديد من الأطراف فيه مهتماً بتوجيه عنفه نحو الغرب بصفته المسؤول عما يجري الآن في الشرق الأوسط، وهذه حصيلة ستكون شِـبه حتمية تقريباً بعد أن دل أسامة بن لادن كل المنظمات الجهادية على الطريق: إلى أمريكا "رأس الأفعى".
بالطبع، لا أحد يقول إن الدول العربية الراهنة، كيانات سياسية ناجحة لا يجب العبث بها. التغيير مطلوب بإلحاح وِفق كل المعايير: متطلبات العولمة، والديموقراطية، والحداثة، وتجفيف مستنقعات الإرهاب من فقر وجهل وتعصب. لكن هذا شيء، ونسف هذه الدول وتفجيرها على أسس طائفية - قبلية شيء آخر مختلف تماماً.
التغيير الأول يقود إلى السلام والاستقرار، فيما التغيير الثاني يقود إلى 11 سبتمبرات جديدة. الدليل؟ العراق، فهذا تحوّل بعد أن دمّـرت سلطات الاحتلال بُـنى الدولة السابقة وحلّـت جيشها إلى دولة فاشلة بطلها تلميذ بن لادن أبو مصعب الزرقاوي، وقاعدتها المنظمات الأصولية المتطرفة السنيّة والشيعية والجهادية الأخرى التي إنتعشت بشكل كاسح حين نفّـذت نظرية التدمير الخلاّق في العراق بدون خلق.
توقعاتٌ مفزعة
الآن، إذا ما إستمر تخثـر العراق على هذا النحو، ثم تمدد هذا التخثر إلى الدول العربية الأخرى، فلن يكون من المبالغة في شيء توقع التطورات الخطيرة الآتية:
1- ولادة العديد من المنظمات الجهادية الجديدة التي ستحذو حذو بن لادن، والتي سيوجّـه بعضها سِـهامه إلى المصالح النفطية الأمريكية في المنطقة، إما بهدف تدمير منشآتها أو لعرقلة تدفق البترول. وفي مرحلة يؤكد فيها مُـعظم الخبراء (عدا خبراء شركات النفط وحكومات اوبك) بأن نظرية الجيوفيزيائي الأمريكي م. كينغ هابرت حول إنحدار النفط بعد وصوله إلى ذروة الإنتاج، تصح الآن على النفط الشرق أوسطي والعالمي، فإن نتائج أية عمليات إرهابية ضد منشآت النفط وممرّاته ستكون كارثة حقيقية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
2- استمرار التخبط الأمريكي، جنباً إلى جنب مع استمرار الانحياز الأمريكي لرؤى إسرائيل في فلسطين، خاصة القدس، سيحقّـق في النهاية نُـبوءة صموئيل هانتيغتن حول صِـدام الحضارات، لكن لغير صالح الحضارة الأمريكية، إذ أن العالم الإسلامي، الذي يُـعتبر جيو - إستراتيجياً في قلب قارة أوراسيا، سينحاز في النهاية إلى الصين وباقي الحضارات الآسيوية الصاعدة إلى قمرة قيادة التاريخ، وسيجد مصالحه في التحالف مع أوروبا وروسيا، وسيكون بيضة القبان في موازين القوى الجديدة التي ستتبلور بعد إنحسار الغبار الراهن عن الصراعات الآسيوية - الأمريكية والأوروبية - الأمريكية.
3- الحريق الكبير الذي ستُـشعله سياسة التدمير الطائفي والقبلي غير الخلاق، سيصل في مرحلة ما إلى إسرائيل، الكنز الثمين الآخر للولايات المتحدة بعد النفط، وهذا أمر يبدو شبه حتمي أيضاً.
4- وبالطبع، حين ينشر الدمار غير الخلاق العنف الطائفي في كل مكان، لن يطول الوقت قبل أن تصل ألسنة اللهب مجدداً إلى الوطن الأمريكي.
خطر داهم
ماذا في وسع واشنطن أن تفعل؟ هل ثمة حلول أخرى؟ أجل. بالتأكيد: التوقف عن تكرار تجربة أفغانستان، التي قامت على دعم قوى أصولية لمحاربة أعداء آخرين، و التي أدى غياب الدولة فيها بعد ذلك إلى ترعرع الحركات الإرهابية، ومكنت من حدوث هجمات 11 سبتمبر المدمرة.
التوقف عن تدمير الأيديولوجيات الحديثة، وفي مقدمتها القومية العربية في طبعتها الديمقراطية والليبرالية الجديدة، والإسلام الليبرالي، والوطنيات الحديثة العابرة للانقسامات الدينية والمذهبية، وضع تصور لنظام إقليمي جديد يجد فيه العرب متنفساً لتطلعاتهم القومية والثقافية المزمنة، ويحقق للجميع (عرباً وإيرانيين وأتراك ويهود) الأمن والاستقرار وسوقاً إقتصادية يناهز حجمها 600 مليون مستهلك، هذه الرؤى غير موجودة الآن.
ولذا، الشرق الأوسط ضائع، وسيكون عما قريب برميل بارود يسبح فوق بحيرة نفط، وأيضا ستبقى الولايات المتحدة ضائعة في مجاهل الشرق الأوسط الذي يجهل محافظوها الجُـدد تضاريسه التاريخية والحضارية إلى أن تولد سياسات وإسترايتجية جديدة تُـعيد إجلاس هرم المنطقة الواقف الآن على رأسه، على قاعدته.
وحتى ذلك الحين، ستبقى مصالح أمريكا النفطية والإستراتيجية والحضارية في الشرق الأوسط في خطر. في خطر داهم.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة