Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/98

من بين 32 منتخبا كرويا يشارك في نهائيات كأس العام هذا العام بالبرازيل، يضم المنتخب الوطني السويسري في صفوفه أكبر عددا للاعبين من أصول أجنبية. فهل يعكس وجود أسماء لامعة في صفوف هذا الفريق مثل جيردان شاكيري، وريكاردو رودريغيز، وغرانيت شاكا، نجاح النموذج السويسري في مجال الإندماج أم أن المسألة مجرد انعكاس لرياضة يُمارسها الأجانب في المقام الأوّل؟
حارث سيفيروفيتش، هذا الإسم ذو الإيحاء البلقاني، والهدّاف الذي بعثته العناية الإلهية، لإنقاذ الفريق السويسري ومنحه نصرا ثمينا أمام منتخب الإيكوادور (2- 1) في أوّل منافسة تخوضها سويسرا ضمن نهائيات كأس العالم هذا العام، بات يحوز على تقدير عال في قلوب كل المشجعين. وفي عام 2009 أيضا، كان هو نفسه من سجّل الهدف الوحيد في نهائيات بطولة العالم لكرة القدم للناشئين (ما دون 17 عاما) في نيجيريا، ما جعل سويسرا تتوّج في تلك البطولة ويتأّلق إسمها في سماء كرة القدم العالمية.
سيفيروفيتش، الذي ولد في سويسرا لأب وأم غادرا البوسنة والهرسك في نهاية الثمانينات، هو واحد من بين عدّة لاعبين آخرين من أصول أجنبية (15 من مجموع 23) الذين يوجدون ضمن تشكيلة المنتخب السويسري لكرة القدم. بل تُعدّ هذه التشكيلة الأكثر تنوعا من حيث أصول اللاعبين بالمقارنة مع بقية المنتخبات المشاركة في الأدوار النهائية لكأس العالم بالبرازيل، وذلك بحسب جيمس أوفّر، المصنّف الأسترالي في مجال المعلومات، الذي استند في حكمه ومقارناته إلى عناصر محددة (مكان الولادة، و أصول الوالديْن أو الجديْن) لكل لاعب في الخارج.
أغلبية عناصر المنتخب السويسري هم من "الجيل الثاني" (secondos)، أي أن أصول أحد الوالديْن على الأقل تعود إلى بلد أجنبي. وليس من الغريب أن يكون مزدوج الجنسية، كما هو الحال مثلا بالنسبة لفيليب ساندروز الإسباني – السويسري، إذ تعود أصول والديْه إلى صربيا وإسبانيا.
"دليلٌ على التسامح"
الأمر لا يتوقّف عند هذا الحد، ذلك أن غوكهان اينلر، قائد المنتخب الوطني مُزدوج الجنسية هو الآخر. وفي سياق تقرير بثته قناة "كنال بلوس" الفرنسية مؤخرا حول هذا "الفريق الذي يفتقر إلى الحياد نوعا ما"، قال المدرب أوتمار هيتسفلد: "لقد منحتُ مهمة قيادة الفريق إلى غوكهان إينلر، المهاجر التركي، لأنني أردت أن أعطي أهمية أكبر للاعبين الأجانب. نحن فخورون بإظهار أن سويسرا بمقدورها النجاح في إدماج الأجانب المقيمين فوق أراضيها".
العديد من اللاعبين في التشكيلة الوطنية وُلدوا خارج سويسرا. وينطبق هذا بالخصوص على جيردان شاكيري، نجم المنتخب، الذي وُلد في كوسوفو، والذي لا يتردد في إظهار أصوله المتعددة. وسبق لشاكيري الذي سجّل هدفا في شباك ألبانيا العام الماضي في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم، عدم إظهار فرحته بإنجازه احتراما لأصوله الألبانية.
لا مفر من الإشارة إلى أن هذا التنوّع حديث نسبيا. فقبل عشرين عاما، وخلال نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي انتظمت في الولايات المتحدة، كان نيستور سوبيات، الأرجنتيني الأصل اللاعب السويسري الوحيد المتجنّس. أما في مونديال 2006، فكان هناك ثمانية لاعبين من أصول أجنبية في التشكيلة التي اختارها المدرّب كوبي كوهين.
رياضة أكثر انفتاحا
في الأثناء، هل يصل الأمر إلى حد الحديث عن استثناء سويسري، وعن نموذج ناجح في مجال الإندماج؟ هذا هو على ما يبدو اعتقاد بيتر غيليورون، رئيس الإتحاد السويسري لكرة القدم، الذي قال بعد انتصار فريق الناشئين لما دون 17 عاما في نيجيريا متحدثا إلى swissinfo.ch: "ليس هناك في رأيي محفّز أهم من كرة القدم في سويسرا في مجال الإندماج. في العقود الأخيرة، ومن خلال ممارسة هذه الرياضة، اقترب الأجانب أكثر من سويسرا ومن السويسريين".
أما فابيان أوهل، الخبير في علم الإجتماع في المجال الرياضي فينحو منحى أكثر واقعية. ومن وجهة نظره، فإنه بالإمكان فهم هذه الظاهرة في المقام الأوّل "من خلال العودة إلى الأصول الإجتماعية للمهاجرين والرياضات التي تتميّز بها سويسرا". ويضيف هذا الخبير: "في الكثير من البلدان الأخرى، تظل كرة القدم هي الرياضة المميّزة. أما في سويسرا فهذه الرياضة تنافسها رياضة الهوكي على الجليد، والتزلّج الجبلي، وكرة المضرب. هذه الرياضات أكثر تكلفة، ولها تجذّر قوي في الهوية السويسرية. وليس من السهل على الأجانب الإنخراط فيها مما يجعلهم يميلون بسهولة نحو كرة القدم".
السبب الآخر الذي لا يقل أهمية بحسب هذا الخبير الإجتماعي هو أن العديد من الشبان من أصول مهاجرة يعتبرون كرة القدم أفضل وسيلة لتحقيق النجاح والحصول على الإعتراف الإجتماعي. ويشير أوهل إلى أن "العوامل المحددة للهوية غالبا ما تكون مرتبطة بالهجرة. وهذا ما سيدفع في النهاية أطفال المهاجرين إلى ممارسة هذه الرياضة". وفي الوقت الحالي، لا يحمل قرابة ثلث المسجلين في نوادي كرة القدم في سويسرا البالغ عددهم 250.000، لا يحملون الجنسية السويسرية.
ولا يتردد اللاعبون من أصول اجنبية من التعبير عن طموحاتهم وتطلعاتهم لربح المال والنجاح السريع في مجال كرة القدم، في المقابل نجد أن الكثير من الشبان السويسريين، وكذلك أولياؤهم، يحبّذون خلال فترة المراهقة تركيز الجهد على الدراسة والمستقبل المهني.
نتيجة "الهجرة الجماعية"
ما يفسّر كذلك وإلى حد بعيد هذا النجاح، الأهمية التي يوليها الإتحاد السويسري لكرة القدم لمزدوجي الجنسية، والذين، يكلّفون بمسؤوليات ضمن المنتخب الوطني بسرعة، بالإضافة إلى نظام التدريب الذي يحظى بالاعتراف والتقدير في جميع أنحاء العالم.
يبقى أن منتخبا سويسريا هذه مواصفاته يدعو إلى طرح أكثر من سؤال عقب تصويت الشعب السويسري في 9 فبراير 2014 لصالح الحد من هجرة الأجانب إلى البلاد. ويشير العديد من المراقبين هنا إلى وجود مفارقة، حيث نقرأ مثلا على موقع "جورنال21" (journal21) الإخباري أنه "لا ينبغي أن ننسى أن كل هؤلاء اللاعبين هم نتاج "الهجرة الجماعية". لقد هاجر آباؤهم إلى سويسرا قادمين من بلدان من خارج الإتحاد الأوروبي، وأنه أمكن لهم لحسن الحظ جلب عائلاتهم معهم. لو لم يحصل ذلك، ما كان بإمكان هؤلاء الصبية، وقد ولد بعضهم في سويسرا، أن يجلبوا الأنظار إليهم في أندية كرة القدم المحلية في بلدانهم الأصلية".
خلال زيارته للبرازيل لتقديم الدعم لمنتخب بلاده، جُـوبه أولي ماورر، وزير الدفاع والرياضة (من حزب الشعب اليميني المحافظ) بالعديد من أسئلة الصحافيين حول هذا الموضوع، على غرار سؤال أسبوعية "لوماتان ديمانش" الصادرة بلوزان، التي توجّهت إليه بالقول: "كيف تنظر إلى هذا المنتخب متعدد الثقافات الذي هو أبعد ما يكون عن الأفكار النمطية التي يروّج لها حزبك؟"، فكان رد الوزير: "أنا لا أتفق معكم. حزب الشعب كان مرحبا على الدوام بالأجانب المندمجين والذين يعملون من أجل مصلحة سويسرا".
لاعب كرة القدم.. هذا "المُهاجر الجيّد"
هذا الخطاب لا يثير استغراب فابيان أوهل، الخبير الإجتماعي في المجال الرياضي، الذي يُشير إلى أنه "يُنظر إلى لاعب كرة القدم على أنه المهاجر الجيّد لأنه يقدّم خدمة إلى البلاد، ومحل فخر بالنسبة لسكان البلد المضيف. في المقابل، يُمثل المهاجر الذي يرتكب مخالفات أو الذي يعتقد في نمط ثقافي يختلف عن النمط السائد الشريحة المُبعدة. أما حضور الأجانب العاديين، الذين لا يحظون بإشعاع خاص كما لا يمثلون أي تهديد، فيظلّ في الواقع ضعيفا جدا".
في المقابل، يُحذر الخبير الإجتماعي من رد الفعل العنيف ويقول: "عندما يحقق الفريق متعدد الثقافات نجاحات، يُشيد الجميع بالتنوّع والتعدد. ولكن، بمجرّد ما يُرتكب خطأ أو يحصل أداء ضعيف أو يُثار جدل، يعود التركيز على الإختلافات إلى صدارة المشهد. ويقدّم المنتخب الفرنسي المثال الأبرز على ما سبق حيث تم التنويه والإشادة بهذا الفريق في عام 1998 (عندما تمكن من الفوز بكأس العالم)، ثم ألقي عليه باللوم والتوبيخ عندما أقدم على شن إضراب في جنوب إفريقيا سنة 2010".
فالون بهرامي.. الشقيق الأكبر للفريق
يُعدّ فالون بهرامي، الذي التحق بتشكيلة المنتخب الوطني السويسري لكرة القدم منذ عام 2005، لاعبا رئيسيا في تشكيلة المدرّب أوتمار هيتسفيلد. وفي مؤتمر صحفي عُقد مؤخرا، تحدّث بهرامي بوضوح عن أصوله الكوسوفية. وهذه مقتطفات من أبرز تصريحاته:
"يتميّز المنتخب السويسري عن بقية المنتخبات بسبب اختلاف أصول عناصره والعقليات التي تميّزهم. أبذل جهدا لكي أقدّم المثال الجيّد، وأن أكون النموذج لكل هؤلاء السويسريين التي تعود أصولهم إلى بلدان أخرى. أريد أن أقنعهم بأنه علينا أن نقدم خدمة لهذا البلد لما منحنا إياه.
أنا اليوم لاعب كرة قدم محترف، وأدين في ذلك إلى التكوين والتدريب الذي حصلت عليه في سويسرا. عليّ أن أعترف بما قدمته لي سويسرا. المسألة لا تتعلّق بترديد النشيد الوطني أم لا. والطريقة الوحيدة لردّ هذا الجميل هو بذل الجهد 100% على أرضية الميدان. هذا هو السلوك الذي علّي أن ألتزم به طوال الوقت. أما لو كان سلوكي غير ذلك، أخشى أن يكون أيضا سلوك الشبان الذين ينظرون إليّ بإعجاب ويسعون إلى الإقتداء بي.
هذا البلد هو الذي وفّر لنا هذه الفرصة لكي نحقق ما حققناه. ولكن هناك لحظات في المباراة يطلق فيها العنان إلى القلب لكي يُخرج مكنوناته. وتتولى روح الأرض التي ولدت عليها وثقافتها زمام الأمر".
(المصدر: وكالة الأنباء السويسرية SDA-ATS)نهاية الإطار التوضيحي
(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch