Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00937.jsonl.gz/40

ظلت المسألة الكردية في الشرق الأوسط مثيرة لاهتمام الباحثين والمراقبين، في ظل وجود "بؤر" للنشاط الكردي المركزي في كل من العراق وتركيا وإيران منذ أكثر من 50 عاما.ًهذا المحتوى تم نشره يوم 25 مارس 2004 - 08:25 يوليو,
لكن أحداث القامشلي السورية وما تلاها من صدامات بين العرب والأكراد حظيت باهتمام قلّ نظيره وطرحت الكثير من التساؤلات التي لا تبدو الإجابة عليها سهلة.
ربط معظم المراقبين أحداث القامشلي بتداعيات احتلال العراق. لكن هذا وحده غير كافٍ لتفسير ما جرى في سوريا. فالضغوط الأمريكية على دمشق لامست هذه المرة خطوطاً حـمراء تتعلّـق ببنية الدولة والمجتمع ووحدة التراب. وما كان ذلك ممكناً لولا الجهود المُـضنية التي بذلتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1991 لبلورة واقع جديد للمسألة الكردية في العراق.
بعد أحداث القامشلي، ظهرت ردود فعل كردية هي أقرب إلى "مناخ" منه إلى تحركات احتجاجية. ففي وقت مُـتزامن، كانت التجمعات الكردية تطلق إدانات غير مسبوقة للنظام السوري في كل المدن التركية ومدن أوروبا الغربية وفي موسكو، من قبيل: "أمس حلبجة، واليوم القامشلي"، "الأكراد لم يعودوا كما كانوا، بدون حماية أو دفاع"، "ليسقط النظام السوري"، "أكراد جنوب غربي كردستان، (أي أكراد سوريا) ليسوا وحيدين".
وبموازاة اشتباكات القامشلي، كانت أنباء تتحدث عن اشتباكات بين متظاهرين أكراد وقوات أمن إيرانية في مهاباد ومدن كردية أخرى في إيران. وبلغت ذروة "المناخ" الكردي المستجد برفع صور جورج بوش وحمل العلم الأمريكي أثناء صدامات القامشلي.
"منتصر أكبر"؟!
لا يمكن فصل هذه الأحداث عن مُـجمل مسار القضية الكردية في العراق. فواشنطن أرادت من الصيغة العراقية الجديدة أن تكون "نموذجاً" للمنطقة، وأن يكون موقع الأكراد في هذه الصيغة مثالاً لأكراد المنطقة. لذلك، اشتغلت إدارة المحافظين الجدد في "عمق" البنى السياسية والاجتماعية لشعوب المنطقة، كاسرة أحد المُـحرمات الأكثر خطورة، والتي وصفها أحد الكتّاب الأتراك، أحمد طاش غيتيرين، بأنها تهدف لتخريب "الوحدة التاريخية" لهذه الجغرافيا.
فإذا كان من مُـنتصر أكبر في ذكرى مرور عام على احتلال العراق، فهم بدون أدنى شك أكراد العراق. لم يحصل هؤلاء فقط على فدرالية هي أقرب إلى دولة مستقلة منها إلى حكم ذاتي موسع، بل أصبحت لهم كلمتهم المعطّـلة في شؤون العراق كله وفقاً للمادة 61 من الدستور العراقي المؤقت.
كانت رسالة واشنطن، من خلال الموقع الكردي في الدستور الجديد، واضحة: بإمكان الآخرين (أكراد الدول الأخرى أو أية مجموعات عرقية أو مذهبية) أن يأملوا بمستقبل مختلف، وها هم أكراد العراق دليلٌ حسّي على ذلك.
تتجاوز أحداث القامشلي كونها مجرد ضغوط على دولة لا تزال تُـعاند السياسات الأمريكية لتكون "عدواناً مصغراً" أمريكياً عبر الأكراد، بعدما ثبت فشل الضغوط عبر التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية.
ويقول رئيس تحرير صحيفة "يني شفق" التركية عاكف ايمره، إن "المنطقة على عتبة مرحلة جديدة واليوم صدام كردي ـ عربي، وغدا صدام كردي ـ فارسي"، فيما يضع كاتب آخر، إبراهيم قرة غول، ما جرى، إضافة إلى تظاهرات طلابية مسيحية في لبنان ضد سوريا، والضغوط على إيران في الملف النووي، في سياق إعادة ترتيب أمريكا لخريطة الشرق الأوسط.
أين موقع تركيا مما يجري؟
لا شك أن الدستور العراقي المؤقّـت منح الأتراك سبباً إضافياً لتعزيز هواجسهم. فباستثناء تأجيل البتّ بوضع كركوك وعدم ضمها إلى الفدرالية الكردية، فإن أنقرة تلقّـت بهذا الدستور هزيمة ثقيلة. ومع أحداث القامشلي، يزداد القلق التركي.
فعلى امتداد 15 عاماً من الصدام المسلح بين القوات التركية ومسلحي حزب العمال الكردستاني، لم يحدث ولا لمرة واحدة أن امتدّ هذا الصدام ليكون بين مدنيين أتراك وأكراد، وهذه نقطة إيجابية، يعيد الكاتب في صحيفة "راديكال" مراد يتكين سببها إلى وجود ديمقراطية في تركيا. ولكن السؤال والخوف الآن عما إذا كانت تركيا مرشحة لتكون هدفاً مُـحتملاً للنزاع العرقي المدني، على غرار ما حصل في سوريا وفي العراق.
يربط البعض الجواب على ذلك بمدى تعاون تركيا مع أمريكا في مشروع "الشرق الأوسط الكبير". لكن، إذا كان التعاون هنا قد يجنّـب تركيا نزاعاً عرقياً داخلياً، إلا أنه سيفتح على نزاع من نوع آخر ويضع الأتراك في مواجهة العرب المستهدفين مباشرة في هذه المرحلة من مشروع التفتيت الأمريكي. لذا، لا يتردد الكاتب يوسف قبلان عن اعتبار أحداث القامشلي رسالة إلى تركيا، أولاً لوقف تعاونها مع سوريا، وثانياً للضغط عليها وإشعارها أنها قد تشهد أحداثا مماثلة.
ما العمل؟ يُـجيب قبلان: بدفع تركيا تعاونها وتوسيعها لتكون أكثر شمولية مع كل دول المنطقة، متسائلاً عن معنى وصف بعض الصحف التركية أحداث القامشلي بـ "الانتفاضة الكردية"، وهو ما ينعكس سلباً على تركيا قبل غيرها.
بعد عام على احتلال العراق، تتوالى الإشارات العملية على أن هذا الحدث المفصلي كان مجرد بداية لسلسلة طويلة من الاضطرابات والنزاعات الإقليمية التي تُـغذيها مباشرة وعلناً السياسات الأمريكية، والتي من الممكن إفشالها فقط عبر توسيع جبهة المواجهة لتشمل كل المنطقة والقوى العالمية والدول المتضررة من مخططات "ليكوديي" البيت الأبيض.
د. محمد نورالدين - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>