Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/58

كل الأطراف السورية والعربية والدولية تقريبا، (ماعدا إيران وربما روسيا)، استقبلت القرار بإجراء الإنتخابات الرئاسية السورية في 3 يونيو المقبل، بالكثير من الدّهشة والإستغراب وبالقليل من الإهتمام، إذ أي انتخابات يمكن أن تُـجرى، فيما الدّماء تجري مدراراً في كل أنحاء سوريا، وفيما نحو نصف الشعب (11 مليونا) بات، إما صريعاً أو جريحاً أو مُهجّرا، و60% من المنازل والبنى التحتية بات مدمّرا؟
بيْد أن أيّـاً من ردود الفعل، بما في ذلك ردود الفعل قِوى المعارضة السورية، لم تلحظ الحقيقة بأن الحرب في سوريا لم تعد لا شأناً سياسياً ولا صراعاً على السلطة ولا نزاعاً بين الدول الإقليمية والدولية على أرض الشام، ولا حتى حروباً بين الهويات الطائفية والمذهبية القاتلة. إنها باتت حدثاً كونياً ضخماً، أشبَه بمعركة "الأرماديغون" بين الخير والشرّ، يتراقَـص على ألحان الجنون المرضي.
كيف ذلك؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة أمام طبيعة هذا الجنون.
السايكوباث
يمكن القول أن ثمّة تاريخاً لم يُكتب بعدُ في العالم، كما في المنطقة العربية. تاريخ يرتبِط بالعلاقة الوثيقة والغريبة، بين عِلم النفس وبين السياسة.
عما نتحدث هنا؟ عن الأوضاع النفسية لبعض أصحاب القرار، والتي تلعَب دوراً حاسِماً في رسم السياسات في دُولهم، خاصة إذا ما كانت هذه الأخيرة سلطوية أو أوتوقراطية (حُكم الفرد المُستبِد) أو ديكتاتورية.
السِّمَـتان الأساسيتان لهذه الحالات النفسية هُما: السايكوباث (Psychopath) وجنون العظمة (Megalomania). السايكوباث، تعريفاً، هو الشخص المُضطّرب عقليا، ذو الشخصية غير الاجتماعية التي تتّسم بالعُنف والسلوك الإجرامي، والذي يبدو وكأنه يحظى بشخصية طبيعية في المجتمع. يستمتِع السايكوباث بإخضاع الآخرين بالقوة والعنف أو بممارسة القتل ولا يشعر بأي شعور بالذّنب أو العيب أو تأنيب الضمير لِما يفعله للآخرين، لا بل هو يُبرِّر جرائمه بإنحاء اللائمة على ضحاياه، سواء أكانوا أفراداً أو حتى جماعات وشعوباً، ولا يتوانى عن ممارسة الكذب باستمرار.
ويوضِّح الباحث في عِلم النفس روبرت هير، أن السايكوباث له صورة مشوّهة عن الواقع ولا يحسب مضاعفات أعماله، لا على الآخرين ولا على نفسه، أي أنه غيْر قادِر على إدراك مخاطِر أعماله، ولذلك، هو أقرب ما يكون إلى "الوحوش المُمتعضة"، أي التي تعيش على افتراس غيرها.
المصاب بجنون العظمة، هو سايكوباث بدوره، لكن "الأنا" لديه تتضخّم إلى درجة أنه يختصِر في شخصه الشعب والأمّة، وحتى الكون برمّته. إنه متألِّـه يعبُد نفسه ويريد من المواطنين أن يعبُدوه على هذا الأساس.
ويُفسّر الفيلسوف بيرتران راسل ظاهرة الميغالومانيا كالتالي: "يختلف الشخص المصاب بمرض العظمة عن الشخص النرجسي (الذي يعبُد ذاته)، بأنه يرغب أن يكون قوياً لا فاتِنا، وهو يسعى لأن يخاف منه الناس، لا أن يحبّوه. ولهذه الفِئة ينتمي المجانين والعديد من الرِّجال العظام في التاريخ".
الإسكندر الأكبر وهتلر وموسوليني وستالين وبول بوت (كمبوديا) وصدّام حسين، كانوا سايكوباث وميغالومانيا في آن. ممارساتهم الجنونية أدّت إلى إبادة الملايين من دون أن يرف لهم جفن، وهم تمكّنوا من اقتِراف جرائمهم، لأنهم كانوا يتسيَّـدون على أنظمة لا ديمقراطية ولا قانون فيها يردعهم، ولا شعب يُسائِلهم ولا محكمة تُـلاحقهم.
المنطقة العربية قبل ثورتيْ الياسمين والنيل، كانت مَرْتعاً خصْباً لهذه الأمراض النفسية – السياسية، ولذا، أفرزت طيلة العقود الخمسة الماضية ما شهدنا من قمْع واضطِهاد وقتل وتشريد وسرقات ونهب، بقيادة "فراعِنة" لا يقبلون بأقلّ من جبل الأولمبوس، حيث تقطن آلهة الإغريق، مقرّاً لعروش سُلطتهم.
وعلى المستوى العالمي، كان هتلر هو النموذج الأبْرز لمرضى العظمة السايكوباثيّين. فقد أعلن هذا الزعيم النازي مِراراً وتِكراراً قبل الحرب العالمية الثانية، أنه لا يمانع في مصرع الملايين من مواطنيه (وهذا ما حدث بالفعل، حين كان يموت كل شهر 500 ألف ألماني في عام 1945) في سبيل "الأمّة الألمانية". وحين قيل له أن 33 ألف جندي وضابط في عُمر الزهور قُتلوا خلال أسبوع واحد وهُم يدافعون عن بِرلين ردّ سريعا: "أليس من أجل هذا يُخلق الشباب؟ كي يموتوا من أجل ألمانيا والفوهرر Führer؟".
وفي عام 1996، صدر في فرنسا كتاب يحمل عنوان ”هؤلاء المرضى الذين يحكموننا” بقلم بيار أكوس وبيتر ونتشنيك، تحدّث عن عدد من الزعماء، من بينهم جمال عبد الناصر وأنطونى أيدن وجورج بومبيدو وديغول وستالين وصدّام حسين. وقد فجّر الكاتبان آنذاك أسئلة عدّة خطيرة، تتضمّن: هل من حقّ رئيس أية دولة إذا أصابه مرض (نفسي أو عضوي)، أن يظل في الحُكم؟ ألا تُعتَبر قراراته مُخاطرة بمصير الملايين من البشر؟ وهل من حقه أن يُخفي حقيقة مرضه عن شعبه؟
تدمير سوريا
لكن مثل هذه الأسئلة لا تزال تنتظر إجابات، خاصة في سوريا، التي تعاني الآن من مُضاعفات هذه الأمراض النفسية - السياسية على كلّ الأصعدة. فـ "رئيس البلاد" بشار الأسد يريد الآن من مواطنيه الإقتراع في يونيو المقبل للمرة الثالثة، بعد أن تم "اصطياد" 150 ألف قتيل منهم وأكثر من مليون جريح وتشرّد 7 ملايين، ودمَّر 60% من البلاد، وهو بالطبع واثق من الفوز، إذا ما قرّر الترشّح.
لقد ارتكب قادة المعارضة، من أحمد الجربا إلى جورج صبرا خطأً فادحاً حين أطلقوا على هذه الإنتخابات نعت "المهزلة" أو "القرار المثير للسخرية". الأمر أخطر من ذلك بكثير. فما نحن بصدده، هو جنون مرضي وإجرامي جماعي أفلت من عقاله، كذلك الذي حدث على وجه التحديد في كمبوديا التي أباد فيها بول بوت رُبع السكان بحافز "أيديولوجي".
ولو أردنا تلخيص تاريخ البشرية راهناً بتاريخ الحالة السريرية لنُخبة واحدة بعيْنها، هي أعضاء القيادة السورية الحالية (وقبلهم بقية سرب القادة المرضى في الماضي)، لجاء التشخيص كالتالي: توهيمات ارتيابية حادّة ونزعة اضطراب عقلي (سايكوباثي) لارتكاب الجرائم وأعمال العنف الفظيعة، وقسوة ضدّ مَن يعتبرونهم "أعداء"، بينما هم في الواقع انعِكاس خارجي لوعيِهم الباطِن. ما نحن بصدده هنا، هو جنون إجرامي وقد أفلت من عقاله.
ما الحل؟
كيف السبيل إلى مواجهة هذا الوضع، الذي وصفته كلّ من الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي بأنه "أضخم كارثة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية"؟
ليس بالتأكيد من خلال ما يفعله قادة المعارضة السورية الآن، أي الإطلالة على هذه الكارثة من منظور سياسي، ولا بدعوتهم الدول الكبرى إلى رفض "مهزلة الإنتخابات الرئاسية"، بل بوضع الأمور الحقيقية في نِصابها الحقيقي، وهي أن الشعب السوري واقِع بين براثِن مرضى جنونيّين (بما في ذلك بعض قوى المعارضة المسلحة)، تدعمهم قِوى روسية وإيرانية وعربية، لا أخلاق لها ولا مبادئ إنسانية، وأن الإنقاذ الوحيد المُمكن هو التعبِئة العامة في كل المنطقة العربية وعرضها، وفي طول العالم وعرْضه، لتعبِئة الضمير البشري (أو ما تبقى منه) من أجل التحرك.
بتحديده موعد الإنتخابات، نسَف الأسد عملياً أي فُرصة لنجاح سلسلة مؤتمرات جنيف، وهو لم يكن ليفعل ذلك من دون دعْم إيران أو ربما روسيا، التي ربما قرّرت الإنتقام من "المُؤامرة" الغربية ضدها في أوكرانيا عبْر التصعيد أكثر في سوريا. بقي أن تستيْقِظ قِوى المعارضة السورية وأيضاً "القوة الثالثة" في البلاد، من غفْوتها السياسية وتتحرك انطلاقا من واقع أنها لا تحارب انحرافاً سياسياً، بل جنوناً مرضياً يتطلّب وضع القيادة السورية، ومعها بعض قادة المعارضة المرْضى مثلهم في مستشفيات الأمراض العقلية، على مَقرُبة من مقرّ محكمة الجنايات الدولية.
هل يُعقل أن يواصل قادة المعارضة والقوة الثالثة إغفال هذه الحقيقة، وبالتالي، إغفال وضع الخطط والبرامج الشاملة لمُجابهتها؟ ماذا يحتاجون لإدراكها أكثر من تشريد نِصف شعبهم وقتل وجرح قسم كبير منه، وتدمير مُعظم البلاد ونسف كل مقوِّمات البيئة وتوازناتها بالبراميل المتفجّرة والأسلحة الكيميائية؟
المطلوب في مثل هذه الحالة واضح ويتلخص حسب عدد من المتابعين في التالي:
أولا، إعادة رسم أولويات المعارضة والقوة الثالثة، عبْر التحوّل من المطالبة بتغيير النظام السياسي، إلى مطالبة الأسرتيْن، الدولية والعربية، بالعمل على وقف مسلسل الجنون السايكوباثي.
وثانياً، وضع "الجِنس البشري" أمام مسؤولياته: إما مُجابهة عرْبدة الجنون هذه أو الإعتراف بأنه جنس غير جدير بهذه الحياة على كوكب الأرض!
وثالثاً، وقْف الرهان على دعم الدول الغربية والعربية وأموالها ونفوذها، والعمل بدلاً من ذلك على خلق مدٍّ جماهيري عربي ودولي، يستطيع وحده أن يقلب المَوازين بين الجنون وبين العقلانية في سوريا.
أخيرا، يؤكد المتابعون أن هذه ليست دعوة مِثالية ولا حتى أخلاقية - إنسانية، إنها دعوة عقلانية، إذ هل من سبيل آخر غيْر العقلانية لمواجهة جنون مرضي؟
سفراء غربيون يبدون شكوكا في أن سوريا لم تعلن عن كل أسلحتها الكيماوية
الأمم المتحدة (رويترز) - قال دبلوماسيون إن أعضاء مجلس الأمن الغربيين عبروا يوم الخميس 8 مايو 2014 عن مخاوفهم من الغموض والتناقض في الإعلان الأصلي الذي قدمته دمشق العام الماضي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية عن ترسانتها من الغازات السامة.
وظهرت هذه المخاوف خلال اجتماع مغلق لمجلس الأمن الذي يضم 15 دولة عضو وبين سيغريد كاج رئيسة البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية التي تشرف على تدمير مخزون سوريا من الأسلحة السامة. وقال دبلوماسي في مجلس الأمن لرويترز: "بعض أعضاء المجلس أبدوا قلقا من الأسئلة التي لم يرد عليها في الإعلان (عن الأسلحة الكيماوية) وأكدوا الحاجة إلى الوصول إلى جذر التناقضات".
وقال دبلوماسيون إن من بين السفراء الذين أثاروا تلك الشكوك أثناء الإجتماع سفراء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة التي تعتقد أن الرئيس السوري بشار الأسد لم يقل الحقيقة قط بشأن الحجم الكامل لترسانته الكيماوية بالرغم من وعوده بتدمير البرنامج كله. وأضاف الدبلوماسيون أن المبعوثين عبّروا أيضا عن عدم ارتياحهم لأن سوريا لم تُدمّر إلى الآن 12 منشأة كانت تستخدم في السابق لإنتاج أسلحة كيماوية.
وقال دبلوماسيون إن السفير الروسي فيتالي تشوركين أشاد أثناء الإجتماع بتعاون حكومة الأسد مع البعثة التي ترأسها كاج بينما ندد السفير الفرنسي جيرار آرو والبريطاني بيتر ويلسون والأمريكية سامانثا باور بهجمات وقعت في الآونة الأخيرة واستخدم فيها غاز الكلور. ويُحمّل الغرب مسؤولية الهجوم على القوات الحكومية السورية. وأعلن السفراء الغربيون الثلاثة تأييدهم للتحقيق الذي تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في الهجمات بغاز الكلور.
بينما قال مسؤول عسكري إسرائيلي كبير للصحفيين في القدس يوم الخميس 8 مايو إن إسرائيل تتفق مع تقييم أجهزة مخابرات غربية بأن سوريا تحتفظ بكميات صغيرة من الأسلحة الكيماوية لم تصرح بها للمنظمة المعنية بمراقبة الأسلحة الكيماوية. وقال: "لا أريد أن أتحدث عن نسب مائوية ولكن... تقييمنا هو أن السوريين سيحتفظون بقدر ضئيل. تقديري أن هذا يتركز في مجال واحد هو غاز الأعصاب".
وفيما يتعلق بالتناقضات التي يُشتبه في وجودها في الإعلان السوري قالت كاج للصحفيين إن عددا من أعضاء المجلس أوضحوا أنهم سيطلبون من بعثة الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الاستمرار في العمل حتى بعد أن تنقل حكومة الأسد كل الأسلحة والمواد الكيماوية التي أعلنت وجودها إلى خارج البلاد. وقالت كاج عند سؤالها عما إذا كانت تريد أن تواصل البعثة عملها "ذلك سؤال يجيب عليه مجلس الأمن". ومضت تقول "أوضح عدد من الدول الأعضاء في المجلس أنهم يرون أن التخلص الكامل من البرنامج كله (ضروري).. حتى ينتهي عمل اللجنة".
(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 8 مايو 2014)
swissinfo.ch