Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00886.jsonl.gz/106

"سوريا تخطّت الأزمة والعمليات الأمنية الأخيرة نجحت، ليس فقط في وقف الإضطرابات، بل أيضاً في الإثبات بأن النظام ثابت ومتماسك"..
هذه كانت الخلاصة الجازمة التي خرج بها قيادي سياسي لبناني مقرّب من دمشق يوم الخميس 2 يونيو، لكن في اليوم التالي، انفجرت "جمعة أطفال الحرية" التي كانت، وِفق كل المعايير، الأضخم من حيث أعداد المتظاهرين والضحايا على حدّ السواء (أكثر من 70 قتيلاً ومئات الجرحى والمعتقلين) منذ اندلاع الإنتفاضة في 15 مارس الماضي. هذه الجمعة أثبتت أن الإنتفاضة الشعبية مُـتماسكة بقدر تماسُـك النظام على الأقل، وأن الدّم الذي أُرِيق مدرارا لم يستق الحلول والاستقرار، بل المزيد من الدّم.
وهكذا، وبعد ثلاثة أشهر من تغلّب رأي الجناح في النُّـخبة الحاكمة السورية (بقيادة ماهر الأسد على ما يُقال) الدّاعي إلى القمع أولاً ثم الحوار المشروط ثانياً على الجناح (بقيادة الرئيس بشار الأسد)، الذي اقترح الحوار ثم القمع، إذا ما فشل الحوار، يبدو واضحاً أن الحلّ الأمني وصَـل إلى طريق مسدود خطِـر وباتت الأمور تقترب من فقدان السيطرة.
وهذا ما دفع الخبير الروسي يوري شيغلوفين، من معهد الشرق الأوسط الروسي، إلى الإستنتاج بأن "الإضطرابات في سوريا تقترب، على ما يبدو، من "نقطة اللاعودة"، وأضاف في مقال نشره في موسكو، أن "رُقعة التمرّد تتنامى باطِّـراد، إذ عمَّـت الاضطرابات نحو مائة مدينة وبلدة وقرية في أنحاء سوريا، وخصوصا في الشمال وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط"، مشيراً إلى أن التظاهرات تجري في بعض المناطق في الليل والنهار وأن وصول الأمور إلى "نقطة اللاعودة"، تعني تطوُّرها بالشكل الذي لا يتسنَّـى وقفها بالإصلاحات".
ثلاثة حلول
ما الحل؟ بالنسبة إلى المعارضة السورية، في الخارج والداخل، الصورة تبدو واضحة. فهي طالبت في مؤتمريْ أنطاليا وبروكسل، اللذين عُـقدا قبل أيام، بتنحي الرئيس الأسد وتسليم السلطة إلى نائبه فاروق الشرع، كخطوة أولى في عملية انتقال إلى الديمقراطية، وهي في الداخل ترفع أيضاً شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ولا تزال عصيَّـة على قطع الرأس، لأنها أساساً جسَـد بلا رأس، تماماً كما كان الوضع في ثورات مصر وتونس وليبيا واليمن.
هذا التطور أو بالأحرى النُّـضج النسبي في مواقف المعارضة، ليس حدثاً عابراً، لأنه يحدث في إطار بيئة إقليمية ودولية مؤاتية للمعارضة ومُـؤذِية للنظام الذي يُواجه الآن خيارات عدّة، أحلاها مُـرّ.
أول هذه الخيارات هي "الحل التركي". فأنقرة التي رعَـت مؤتمر أنطاليا وأيضاً التظاهرات المؤيِّـدة للأسد في تلك المدينة، تَـدّعي أن المفتاح الرئيسي للحل في يدها، وهي تتصرّف بالفعل على هذا الأساس. فهي أوضحت على لسان وزير خارجيتها أحمد أوغلو، أنها "تمحض قلبها لانتفاضة الشعب السوري وثقتها للنظام". وهدف هذه الإزدواجية، هو الخروج بإصلاحات ديمقراطية لا تقتل الرّاعي (النظام) ولا تُفني الغَـنم (الشعب السوري).
لكن كيف؟
مدير المخابرات التركية الذي زار دمشق مرّات عدة خلال شهر واحد، اقترح، وِفق مصادر دبلوماسية عربية مطُـَّـلعة، على الرئيس الأسد "حلاً مبتكراً": الإنتقال ليس من السلطوية إلى الديمقراطية، بل إلى شِـبه السلطوية. وهذه الأخيرة تعني، كما في تعريفات عِـلم السياسة، نظاماً يُطلق التعدّدية الحزبية والحريات الإعلامية والانتخابات شِـبه الحرّة، لكن من دون منح المعارضة حقّ تشكيل أغلبية حاكمة. فالمعارضة تبقى حرّة إلى أن يصل الأمر إلى مسألة تداوُل السلطة، إذ حينها تفقد هذه الحرية.
هذه الصيغة طُـبِّقت بنجاح طيلة 40 عاماً في مصر وأيضاً في المغرب والأردن والكويت، ونسبياً في الجزائر. بيد أن النظام السوري لا يبدو أنه اقتنع بها، حتى الآن على الأقل.
"الحل الأمريكي - السعودي"
إلى جانب "الحل التركي"، هناك "الحل الأمريكي - السعودي"، الذي يقبل بتعديلات طفيفة وشكلية على النظام السياسي السوري، في مقابل تغييرات شاملة في سياساته الخارجية إزاء إيران وحزب الله وحماس.
لوهلة، قد يبدو هذا مخرَجاً مُغرياً للغاية، لكنه في الواقع ليس كذلك بسبب أثمانه الباهظة للنظام، على المستوييْـن الإستراتيجي والمالي. فعلى المستوى الأول، هذا الحل يُفقد النظام كل/وأيّ قدرة على تصدير أزماته إلى الخارج وأيضاً على توفير شرعية أيديولوجية لسُـلطته (شعار المقاومة والممانعة). وعلى المستوى الثاني، قد يخسر مساعدات نفطية ومالية إيرانية يُقدّرها البعض بالمليارات.
ثمَّـة مخرج ثالث، هو تفجير الجَـبهات مع إسرائيل، بهدف توجيه طاقات المُنتفضِـين من الداخل إلى الخارج، وهذا بالتحديد ما حاوله النظام يوم الأحد 5 يونيو، حين فتح "جبهة الجولان" أمام الشبان الفلسطينيين الذين خاضوا مجابهات غيْـر متكافِـئة مع القوات الإسرائيلية، أدّت إلى سقوط 23 قتيلاً ونحو 600 جريح في صفوفهم.
جاك غولدستون، أستاذ السياسة العامة في جامعة جورج ماسون، لا يستبعد أن تلجأ دمشق إلى مثل هذا الخيار في إطار "سياسة توريط" تنحُـو إلى تحقيق هدفيْـن: مواصلة الصِّـراع (جنباً إلى جنب مع إيران) من أجل الهيمنة الإقليمية من جهة، وصرْف أنظار الشعب السوري عن الداخل، من جهة أخرى، وهذا يمكن أن يتِـم برأيه، إما بفتح جبهة أو جبهتيْـن مع إسرائيل أو باستخدام ورقة "سلطة الشعب" في مصر لزعزعة سلامها مع إسرائيل ومعه كل صرْح الباكس أمريكانا (السلام الأمريكي) في الشرق الأوسط.
بيد أن هذا خيار خطِـر للغاية، لأنه قد يدفع إسرائيل إلى رفع الغطاء عن النظام السوري في كلٍّ من الكونغرس والإدارة الأمريكيتيْـن، ما يؤدّي بالتالي إلى انكشافه دوليا، ناهيك عن أن إسرائيل قد تجِـد الفرصة سانحة لإعادة فرْض قواعد جديدة للُـعبة في لبنان وسوريا، بهدف الانتقام من نتائج حرب يوليو 2006 في لبنان.
هذه إذن، هي الخيارات الثلاثة المطروحة على النظام السوري، وهي، كما يبدو واضحاً، كلّـها غيْـر جذّابة، الأمر الذي يترك الأوضاع في بلاد الشام أسيرة التطورات الداخلية، التي كانت ولا تزال تتأرجح بين "انقلاب قصر" يغيّـر سلوك النظام من داخله قبل فَـوات الأوان، وبين الحرب الأهلية التي قد تترافق مع حدوث صدوع كبيرة في مؤسسة الجيش السوري.
أي الخيارين الأقرب إلى التحقيق؟ لا أحد يستطيع الجزْم من الآن، لكن، ثمة أمر واحد مؤكَّـد: الزمن لم يعُـد (كما كان في السابق) يلعَـب لصالح النظام، بل العكس هو الصحيح.
منظمات سورية تطلب من المحكمة الجنائية التحقيق في أعمال قتل
لاهاي (رويترز) - حثت منظمات سورية ودولية لحقوق الإنسان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يوم الثلاثاء 7 يونيو على التحقيق في مقتل أكثر من 1000 مدني أثناء الاحتجاجات المناهضة للرئيس السوري بشار الاسد. وقال مكتب المدعي العام إنه تلقى الطلب لكن اختصاصه لا يُغطي إلا الجرائم التي يرتكبها في سوريا رعايا دول أعضاء في المحكمة الجنائية.
وقال المحامي ياسر طبارة المقيم في الولايات المتحدة: "وثقنا عددا كبيرا من حالات الوفاة والإصابة والاختفاء القسري والإحتجاز التعسفي". وأضاف "هذه الجرائم تعد جرائم ضد الإنسانية لانها كانت سياسة دولة وتنفذ على نطاق واسع وبطريقة منهجية".
وتقول المنظمات الحقوقية السورية والدولية إنها استمدت الأمل من السرعة التي دعا بها مدعي المحكمة الجنائية الدولية الى اعتقال الزعيم الليبي معمر القذافي وآخرين بشأن أحداث العنف في ليبيا والإستعداد للتحقيق في أحداث ساحل العاج وكينيا.
ولم توقع دمشق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما عام 2002 والذي تم بموجبه إنشاء المحكمة وهو ما يعني أنه لا ولاية للمحكمة في سوريا ما لم يُحلها اليها مجلس الامن الدولي.
ودعت منظمة العفو الدولية مجلس الامن الى إحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقال فيليب لوثر من منظمة العفو الدولية: "في ضوء العنف الذي وقع في ليبيا في ذلك الوقت والأدلة المتعلقة بارتكاب جرائم في سوريا أعتقد أن الوضع في سوريا على نفس القدر من الخطورة إن لم يكن أخطر".
وتعثرت النداءات الأوروبية لاستصدار إدانة رسمية من مجلس الامن لسوريا في مايو الماضي عندما بات واضحا ان روسيا ستستخدم حق النقض (الفيتو) لكن فرنسا تقول إنها مستعدة لأن تطلب مسودة قرار رغم التهديد الروسي (باستخدام حق النقض).
وقام الاسد ببعض المبادرات الإصلاحية مثل إصدار عفو عام عن سجناء سياسيين وإطلاق حوار وطني لكن المنظمات غير الحكومية تحمّله المسؤولية هو وشقيقه ماهر الاسد ومدير المخابرات علي مملوك عن أعمال القتل.
وقال ابراهيم عكاري الذي كان ضمن مجموعة صغيرة من المحتجين رافقوا طبارة إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لتقديم الطلب: "هربتُ من سوريا في عام 1981 عندما كان عمري 17 عاما. ولي الآن 30 عاما في بلد أجنبي والنظام في سوريا على حاله". وأضاف "لقد نال شعبنا منه ما يكفي".
(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 7 يونيو 2011)نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch