Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/30

يقترن فصل الشتاء بالنسبة لمُعظم الأشخاص بمُمارسة أنواع الرياضات الثلجية. لكنه يمثل للبعض الآخر أفضل وقت في السنة للغوص في أعماق الأنهار والبحيرات السويسرية.
إنها أمسية شتاء باردة في بلدية "سان بريكس" التابعة لمنطقة "مورج" في كانتون فو. أضواء مدينة لوزان ومُنتجع إيفيان الفرنسي على الضفة الأخرى من بحيرة ليمان، لا تبدو إلّا بشكل خافت بفعل الضباب الخفيف الذي يغلف سواحل البحيرة التي تصعب رؤيتها في هذا الظلام، والتي لا تتعدى درجة حرارة مياهها الرمادية في مثل هذه الأيام من السنة 13 درجة مائوية.
وفي إحدى الحدائق القريبة، يستعد أربعة أعضاء ينتمون إلى نادي الغوص المحلي "إيمرسيون" Immersion للقيام برحلتهم الإستطلاعية الأسبوعية في أعماق مياه البحيرة. ومع ارتدائهم لأقنعتهم، وتثبيتهم لاسطوانات التنفس تحت الماء فوق ظهورهم، سرعان ما تتحول هيئاتهم إلى أشكال أقرب ما تكون إلى الضفادع.
"يقول الناس بأن ما من شئ يستحق المشاهدة في البحيرة، ولكن هذا ليس صحيحاً"، كما يقول كلود، ذو السبعة والأربعين عاماً، وهو يمشي مع زملائه بشكل ثنائي على الشاطئ الذي تكسوه الحصى.
هذه الحماسة لا تقتصر على كلود فحسب، بل تشاطره إياها فلور، شريكته في الغوص التي تصغره بعامٍ واحد. "عندما تغوص في البحيرة، سوف تشعر بمحيطك بشكل أوضح"، كما تقول، ثم تضيف "عندما تغوص في البحر، ينبغي عليك أن تنظر حولك أكثر - إنه ليس نفس الشعور". وجدير بالذكر، أن تسمية "الصديق المقرب" تُطلَق على الشريك في رياضة الغوص.
وبعد انتهاء حديثنا القصير، يرتدي الغواصون زعانفهم ويتهادون إلى الماء البارد. ومع إختفائهم في البحيرة شيئاً فشيئاً، يتحول الضوء الأبيض الساطع المُنبعث من مشاعل الغوص الخاصة بهم إلى اللون الأخضر. وبشكل مائل، تتحرك المجموعة معاً إلى ضفاف البحيرة لتشكِّل نقطة مضيئة فيها، تزداد قتامة ببطء حتى تختفي تماما في النهاية.
الحوادث وإجراءات الوقاية
وفقاً لـ "مكتب الوقاية من حوادث الغوص" رابط خارجي(FTU)، شهدت سويسرا في عام 2013 خمسة (5) حوادث غوص قاتلة، بالإضافة الى 40 حادث آخر، تفاوتت فيها درجات الإصابة والخطورة. ويعمل مكتب الوقاية من حوادث الغوص بالتعاون مع شبكة تنبيه الغواصين رابط خارجي(DAN)، وهي شبكة دولية غير ربحية مكرسة لتحسين إجراءات السلامة لدى الغواصين.
ومنذ أكثر من 25 عاماً، يتوفر خط ساخن خاص بحوادث الغوص، بفضل اتفاق بين الفرع السويسري لشبكة تنبيه الغواصين (DAN)، وحرس الإسعاف الجوي السويسري "ريغا".رابط خارجي
ويتلقى الشخص الذي يتصل بالخط الساخن لـ"ريغا" (رقم 1414) مع ذكر الكلمة الدالة "حادث غوص"، المساعدة الضرورية على الفور. وهنا يقوم الغواصون بإجراء الإسعافات الأولية، في حين يتولى الطبيب تنظيم عملية النقل في سيارات الإسعاف، وتنبيه غرفة الضغط العالي. وإذا لم تكن هناك ضرورة لذلك، فإنه يقدِّم تشخيصاً شاملاً إلى أحد المستشفيات.
للعلم، أصدر مكتب الوقاية من حوادث الغوص (FTU)، بالتعاون مع مكتب المشورة السويسري للوقاية من الحوادث (BFU) عدداً من النصائح المتعلقة بالغوص في سويسرا.
رؤيا جيدة
من جهته، يقدِّر الإتحاد السويسري للرياضة تحت الماءرابط خارجي (SUSV) أن نحو 250,000 شخص في سويسرا يتوفرون على ترخيص للغوص. ويشتمل هذا العدد على 10,000 غواص تقني، وعدد من غواصي الكهوف، و300 شرطي و36 غواص من أفراد الجيش.
ووفقاً لاستطلاعٍ للآراء أجرته مؤسسة أبحاث السوق "إينبوت كونسولتينغ المحدودة"رابط خارجي في عام 2013، يمارس نحو 50,000 شخص رياضة الغوص بما لا يقل عن 10 مرات في العام الواحد. بَيد ان ما يثير الدهشة فعلاً، هو توجه نحو 25,000 شخص للغطس تحت الماء مرة في الأسبوع على الأقل - حتى في فصل الشتاء.
وفي هذا السياق، يوضح كريستوف كوتّينغ، رئيس نادي رئيس نادي "إيميرسيون"رابط خارجي للغوص، بأن المياه السويسرية أكثر صفاءاً في الشتاء منها في الصيف، وهو السبب في تفضيل العديد من الأشخاص ممارسة هذه الرياضة خلال الأشهر الباردة.
ويشير كوتينغ إلى أن "درجة حرارة سطح الماء في الشتاء مُماثلة تقريباُ لدرجة الحرارة في قاع البحيرة، وهذه الحقيقة تجعل مجال الرؤية مثالياً. بينما يمكن أن ترتفع درجة حرارة سطح الماء في فصل الصيف إلى 25 درجة مائوية، وهو ما يؤدي الى تباين كبير في درجات الحرارة إعتماداً على العمق".
وبهذا الصدد، ألَّف كوتّينغ ثلاثة كتب إرشادية حول مواقع الغوص في سويسرا، فضلاً عن إنشاء تطبيق الهواتف الذكية "الغوص في سويسرا"، الذي يوفر معلومات مفصلة عن 600 موقع للغوص في سويسرا.
أحد هذه المواقع يقع في بحيرة "ليوزون"Lac Lioson ، لؤلؤة بحيرات جبال الألب، التي تقع قرب منطقة "لي موس" المخصصة للتزلج في كانتون فو، على ارتفاع 1850 متر فوق مستوى سطح البحر. وبين منتصف شهري يناير ومارس، تكسو هذه البحيرة طبقة من الجليد، قد يصل سمكها الى المتر. وفي كل عام، يغطس حوالي 300 غواص في مياه البحيرة الباردة التي لا تزيد درجة حرارتها عن 3 درجات مئوية، من خلال ثلاثة ثقوب يحفرونها في هذه الطبقة الجليدية.
وكما يقول بول فرانسواز ميرمو، الذي يُدير مطعماً في المنطقة، ويوفر صالات نوم مشتركة يَبيت فيها الغواصون أحياناً :"الأمر المُمتع بالنسبة لهم، هو قدرتهم على النزول والغوص في البحيرة، والمشي فوق السطح السفلي لهذه الطبقة الجليدية التي تغطي رؤوسهم في نفس الوقت".
وفي فصل الشتاء، لا يمكن الوصول الى بحيرة "ليوزون" إلّا باستخدام أحذية الثلج، أو أحذية خاصة بالتزلج على الجبال، وهو ما يحتم على الغواصين الصعود أولاً مدة 40 دقيقة قبل أن يتمكنوا من الغوص. وفي كل عام، تأتي الى ميرمو مجموعات مؤلفة من 20 الى 50 غواص، معظمهم أعضاء في أندية غوص سويسرية، وبلجيكية وفرنسية. وفي شهر نوفمبر المُنصرم، كانت صالات النوم المشتركة المخصصة لموسم الشتاء قد حُجِزَت مُسبقاً بالكامل.
معالم تستحق الرؤية
بدورها، توفر الأنهار والبحيرات في المناطق المنخفضة أيضاً العديد من الفرص للقيام بجولات ومغامرات تحت الماء. "في البحيرات السويسرية، يمكن مشاهدة سمك الكراكي الذي قد يصل طوله الى 1,20 متر، وسمك السلور الذي يصل الى مترين حتى"، كما يقول كوتّينغ. ويضيف "هناك أيضاً أسماك الفرخ، وجراد البحر (الأربيان)، وأسماك البربوط ، والسمك الأبيض والسلمون المرقط (الشار)".
وبالإضافة إلى هذا التنوع الحيواني، يوفر استكشاف حطام العديد من السفن، والقوارب، والطائرات في مياه السويسرية، متعة كبيرة للغواصات والغواصين. ويمثل أحد الأماكن المفضلة لدى كوتّينغ، موقع حطام باخرة مجداف في بلدية في "لا تور دي بي"La Tour-de-Peilz في كانتون فو.
وكانت السفينة التي تحمل اسم "ليرونديل" (L’Hirondelle) قد تعرضت للغرق في عام 1862. وفي ذلك الوقت، تسببت عاصفة في إحباط الجهود الرامية إلى رفعها إلى سطح البحيرة ثانية. وجراء ذلك، هبطت السفينة الى مستويات أعمق لتختفي في نهاية المطاف، حتى تم إكتشافها بمحض الصدفة من قبل عدد من الغواصين في ستينيات القرن الماضي.
وتعرضت سفينة مماثلة حملت إسم "لو جورا" (Le Jura) الى الغرق في بحيرة كونستانس (بودنسي بالألمانية)، بالقرب مدينة "كرويتسلينغن" في كانتون تورغاو في غضون أربع دقائق، بعد إصطدامها بسفينة "مدينة زيورخ" في ليلة ضبابية من عام 1864. ويجتذب هذا الحطام العديد من الغواصين أيضاً.
وفي بعض المناطق القابعة في أعماق هذه البحيرات، وضع الغواصون مسارات تحت الماء و"ملاعب" ثبتوا فيها مجموعة من دمى عرض الملابس والتماثيل. ووفقا ل كوتّينغ، تتمتع هذه المسارات بشعبية لدى الغواصين المبتدئين. "في الكثير من الأحيان، يجب تتبع هذه المسارات باستخدام بوصلة، وهو تمرين جيد جداً"، كما يقول.
وفي بحيرة "لي دوزييه" (Le Duzillet) الإصطناعية في قرية "سان تريفون" (St Triphon ) في كانتون فو، يَعرض مسارٌ تحت الماء للغواصين نموذجاً مقاوماً للصدأ من سيارة "فورمولا 1" لمايكل شوماخر، إلى جانب دمى تمثل السائق وفريق الدعم المرافق. وكانت هذه السيارة هي الهواية المفضلة لإثنين من هواة الغوص ومُشجعي سباق الفورمولا 1، هما جوني ريتنير وماريو فولغيهابَن. وفي عام 2007، وبعد مرور أسبوع على وضع السيارة في الماء، توفي فولغيهابَن في حادث غوص في بحيرة نوشاتيل.
وحول ذلك، يقول فلوريان لابانتي، رئيس نادي الغوص "لا كولي دوس" La Coulée Douce في كانتون فاليه، والذي كان "الصديق المقرّب" لفولغيهابَن في الغوص: "بالنسبة لي، يجلس ماريو في بحيرة "لي دوزييه" في سيارته الفورمولا 1". ثم يضيف:"يرتدي السائق بدلة السباق الخاصة بماريو، وكل مرة أغوص فيها في هذه البحيرة، أقوم بزيارته، وأربت على كتفه، ثم أواصل الغوص".
وفي الأعوام الممتدة بين 1995 و2013، تم تسجيل من 3 الى 6 حوادث غوص قاتلة سنوياً. وكان عام 2003 إستثنائياً بحصيلة 12 قتيل. ويظن دينيس بارات، الخبير الفني ونائب رئيس مكتب الوقاية من حوادث الغوص (FTU)، بأن السبب في ذلك يعود بشكل جزئي الى درجات الحرارة الإستثنائية التي شهدها فصل الصيف حينئذٍ، حيث فاجأت الظروف المظلمة الباردة تحت الماء عدداً من الغواصين الذين يفتقرون إلى الخبرة.
وبهذا الصدد، يشير بارات إلى عدم إرتفاع عدد حوادث الغرق في فصل الشتاء، لأن "الأشخاص الذين يُمارسون الغوص في الشتاء أكثر خبرة وأفضل استعداداً لمواجهة البرد من أولئك الذين يغوصون في فصل الصيف"، كما يقول.
وفي سان بريكس، تظهر بعد نحو 30 دقيقة مرة أخرى بقعة ضوء خضراء باهتة تقترب ببطء من سطح البحر، مع تحرك الغواصين رويداً نحو الشاطئ. وبعد قليل، يمكن رؤية اليد الأولى لأحد الغواصين، تليها ثلاثة أيدي أخرى. وعلى الفور، يبدأ حوار حماسي بهيج حول جولة الغطس الأخيرة هذه.
وفي رحلتهم لهذا اليوم التي قادتهم الى حطام أحد القوارب الخشبية القابع بعمق 19 متر تحت سطح الماء، شاهد الغواصون أسماك البربوط، والشبوط (الكارب)، وجراد البحر (الربيان)، وأسماك الفرخ. ولن يمضي أكثر من أسبوع، حتى تكون لهم عودة ثانية الى الأعماق.
swissinfo.ch