Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/4

هل أقفل الربيع العربي، بعد نحو ثلاث سنوات من اندلاعه، على خريف وربما شتاء قارس؟ الإجابة ستكون نعم سريعة، إذا ما نحن قارنّا هذا الربيع بالفصول المماثلة التي مرّت بها أوروبا الجنوبية ثم الشرقية في النصف الثاني من القرن العشرين، أو أمريكا اللاتينية وبعض البلدان الإفريقية في التسعينيات.
ففي معظم هذه المناطق، نجحت المراحل الإنتقالية أو ما أطلق عليه صاموئيل هانتينغتون، "الموجة الديمقراطية الثالثة"، في نقْل أنظمة البلدان فيها من الأنظمة الإستبدادية والسُّلطوية إلى الأنظمة الديمقراطية بطريقة سِلمية وسلِسة.
بيد أن الصورة لم تكن على هذا النحو البتّة في المنطقة العربية، إذ بدلاً من عمليات الإنتقال الهادِئة والمتوازنة، انفجرت العديد من المجتمعات العربية، إما في حروب أهلية طاحنة أو سادت الفوضى أو اضطرب الوضع الأمني فيها على نحوٍ خطير.
الربيع المصري
الأمور تباينت بالطبع بين دولة وأخرى، ومنطقة وأخرى. ففي مصر، على سبيل المثال، أسفر الربيع عن تقوية وتعزيز جهاز الدولة (المستند إلى مؤسستيْ الجيش والمخابرات)، بدل أن يُضعفه أو على الأقل يجعله أكثر استِجابة للمطالِب الديمقراطية التي رُفِعت في ثورة 25 يناير.
وهكذا تبلور في مصر صراعٌ من نوعٍ جديد بين مفاهيم عدّة مُتضارِبة، تتمحور كلّها تقريباً حول مسألة الدولة: الأمة الإسلامية في مواجهة الأمة الوطنية أو المدنية؛ الإسلام السياسي "العالمي" في مقابل الإسلامات الأزهرية والليبرالية والسلفية والصوفية، لصيقة الصّلة بالدولة. الأصولية الدينية في مواجهة العلمانية (في طبعتها المصرية الملّونة بـ "الإيمان الإسلامي").. إلخ.
خلال العام اليتيم الذي قضته في السلطة، فشلت جماعة الإخوان المسلمين في حلّ هذه الإشكالات العميقة، إلى درجة دفعت بالبعض إلى وصف السلوك التصعيدي الرّاهن للجماعة على أنه "جنون مُطبَـق". هذا البعض كان على حقّ، ولكن؟..
حقائق وأوهام
فلنبدأ أولاً بـ لماذا هُم على "حقّ" ثم بـالـ "لكن!". أول ما سيتبادر إلى الذّهن هنا حول "الجنون"، هو احتمال اعتقاد القيادة الرّاهنة للإخوان بأنها قادرة على شنّ ثورة طويلة الأمد لإعادة الرئيس مرسي إلى الرئاسة أو على الأقل فرض موازين قوى على الأرض، تجعلها متوازنة مع قوة الجيش والقِوى المدنية الدّاعمة له.
الإعتقاد الأول وهْـم، لأن حركة 30 يونيو أثبتت أن السلطوية العسكرية - المخابراتية الجديدة التي ترعرعت في حُضن الفشل النِّسبي (السياسي كما الفكري والإقتصادي) للإخوان في الحُكم، تتمتّع بزخم شعبي يُشبّهه البعض بذلك الذي حظِيت به السلطوية الناصرية السابقة في الخميسنيات والستينيات من القرن الماضي، وهذا سيُمكِّـنها - حسب نفس الرأي - من تحويل أيّ ثورة شعبية إخوانية، إلى حرب أهلية بينها وبين قطاعات واسعة من الشعب المصري.
علاوة على ذلك، من المُفترَض أن تكون قيادة الإخوان قد فهمت الآن أن الظروف الدولية التي سهّلت وصولها إلى السلطة، وهي الصفقة التي يُزعم أنها تمّت بينها وبين واشنطن عام 2005، قد سقطت بالضربة القاضية، إذ حين وُضِعت الولايات المتحدة في خِيار حقيقي بين حليف مدني لها وصل إلى السلطة ديمقراطياً، وبين حليف عسكري كان لستّة عقود، ركيزة كل "الباكس أمريكانا" في الشرق الأوسط، لم تتردّد في الإنحياز إلى الثاني. وحينها، لم يرفّ للوزير كيري جفن وهو يعلن أن الإنقلاب العسكري المصري هو "في صُلب العملية الديمقراطية".
أما الخطوة الأمريكية الأخيرة بتقليص المساعدات العسكرية لمصر، فهي لن تؤدّي على الأرجح إلى أي تغيير في سلوكيات الجيش/المخابرات، لأنها جاءت متأخّرة كثيراً وستكون مؤقّتة، ويكفي لرفعها أن تدعو المؤسسة العسكرية الحاكِمة إلى انتخابات جديدة.
أما الإعتقاد الثاني، بأنه في وُسع الإخوان تعديل موازين القِوى، فهو كان يُمكن أن يكون صحيحاً، لو أن الحركة الإحتجاجية الإخوانية كانت سِلمية حقا. لكن تصاعُد وتائر العُنف الإرهابي من أقاصي سيناء إلى قلب القاهرة مُروراً بالإسكندرية والإسماعيلية، سيُسقِط هذا الإحتمال وسيجعل الجيش المصري قادراً على تحويل معركته ضد الإخوان إلى حرب ضدّ الإرهاب (كما فعل الرئيس بشار الأسد في سوريا، حين أطلق العِنان بنفسه للجماعات التكفيرية وسهّل صعود نجمها بكل الوسائل، وكما فعلت أيضاً أجهزة المخابرات الجزائرية خلال الحرب الأهلية في التسعينات).
ضارة نافعة
الآن، وطالما أن استراتيجية الإخوان تبدو خاسرة على الأقل في المدى المنظور، فلماذا إذن الحديث عن هذه الـ "لكن"، التي أشرنا إليها في البداية؟ لأن رُبّ ضارّة نافعة، كما يُقال.
فخروج الإخوان إلى الشوارع على هذا النحو العلني، هي ظاهرة لم تحدُث على هذا الشكل الجماهيري العريض منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا في 22 مارس 1928. قبل ذلك، وطيلة 85 عاماً، كانت هذه الحركة سرّية إلى حدٍّ كبير، ومُنغلقة على نفسها إلى حدٍّ أكبر، وهذا ما جعلها أشبه بمجتمع مُنفصِل كلياً عن المجتمع المدني الأوسع، الذي اعتبَـرَته كافِراً وجاهلياً حيناً (كما مع سيد قطب) أو على الأقل "الآخر" الذي يُمكن التصرف معه - حسب بعض الروايات - بـ "لا أخلاقية" أو بـ "لا ِصدق"، حيناً آخـر.
وعلى الصعيد السياسي، كانت الجماعة قد وصلت إلى قناعة عقِب صِدامها العنيف مع كلٍّ من النظام الملكي في الأربعينيات ثم النظام الناصري في الخمسينيات، أن أفضل وسيلة لتجنُّـب قمْع الدولة لها، هي رفع شعار "المشاركة لا المغالبة"، وهو شعار تَطابَق كلياً مع نزعتها إلى الباطنية والعمل السرّي والإنغلاق على الذات، لأنه عنى عملياً أن تُشارك الجماعة في كلّ أنواع العمل السياسي والإجتماعي، من دون أن تكون عملياً جزءاً منه.
بيْد أن الصّفقة المزعومة مع الأمريكيين وما تبعها من وصول الجماعة إلى السلطتيْن، التنفيذية والتشريعية، نسف كل هذه التقاليد الباطنية، لكنه لم يغيّر في الوقت نفسه من طبيعتها الخاصة بالإنغلاق على الذات، فجاءت ممارستها للسلطة على هذا النحو الإستحواذي، الذي سدّد ضربة مُشلّة لتجربة التعدّدية الديمقراطية في بلد بحجم مصر.
قيادة الجماعة لا تزال تتصرّف الآن على هذا النحو غير الباطني عبْر التظاهرات العلنية. وعلى رغم أن مسارا من هذا القبيل قد يدفع بالبلاد إلى شِبه حرب أهلية، إلا أنه قد يكون مُفيداً تاريخياً، لأنه قد يُخرج الجماعة من قوقعتها الإنفصالية عن المجتمع ويجعلها أكثر استعداداً لأن تكون عُضواً "طبيعياً" فيه، بدل أن تفرض نفسها عليه فرضاً من فوق.
ثورة ثقافية
بالطبع، يحتاج تحوّل من هذا القبيل إلى حدوث "ثورة ثقافية" داخل الجماعة، تُصحّح من خلالها قيادة جديدة متحرّرة من باطنية وانغلاقية في الماضي، ومن العلاقة المُختلة راهناً بين ما هو أيديولوجي - ديني وبين ما هو وطني - مصري، وبين مفهومي الأمة الإسلامية والشعب المصري، وبين الشورى السلفية الضيقة التي تؤمن بها قواعد الإخوان وبين الديمقراطية التعدّدية، التي تدّعي قيادات الجماعة الإلتزام بها.
السؤال الآن: هل هذه الثورة الثقافية واردة حقا؟ الكثير من المحللين يعتقدون أن قيادة الإخوان الحالية غير قادرة على القيام بمثل هذه القفزة التاريخية، إذ أن معظم عناصرها تنتمي أساساً إلى التيار القُطبي (من سيد قطب) أو إلى مدارس سلفية ترفض أساساً المُصالحة أو التوفيق بين الدّين والسياسة. لكن، وعلى رغم ذلك، يدعو مراقبون إلى وجوب التوقّف ملياً وبتعمُّق أمام ظاهرة خروج الإخوان من قوقعتهم الإنعزالية، لأن هذا تطوّر تاريخي سيكون له حتماً ما بعده. لماذا؟ لأنه بات متّصلاً بوجود وبقاء الجماعة نفسها: فإما أن تسير الجماعة هذه على هذا الدّرب فتغيِّـر جلدها وسلوكها، أو تتشظى كلياً إما إلى مجموعات تمارس العنف أو إلى أفراد مستقيلين من الحياة والمجتمع والعالم.
ثمة نقطة ثانية لا تقل أهمية، وهي أن الإسلاميين الأتراك مرّوا هم أيضاً بما يمُر به الآن إسلاميو مصر من مِحن. ففي عام 1997، حين وصل الزعيم الإسلامي التركي البارز نجم الدّين أربكان إلى السلطة، استناداً إلى فوز انتخابي كبير، ظنّ أن هذا التفويض الشعبي يُمكِّـنه من فرض أجنْدة إسلامية كاملة، فانطلق لمحاولة تعديل أسُس الدولة الأتاتوركية العِلمانية، وأدار ظهره للغرب، وطرح فكرة السوق الإسلامية المشتركة وحتى القوة العالمية الإسلامية الموحّدة.
أربكان، بهذه الخطوات، كان يفشل في التوفيق في إقامة التوازن الدقيق بين مفهومي الأمة الإسلامية وبين مفهوم الدولة - الأمة التركية، فبادر الجيش التركي إلى التدخّل وأوقف مشروعه ثم استدار نحو الإسلاميين ليُمعن فيهم مُطاردة وحظراً وملاحقة. وقد تطلب الأمر بضع سنوات كي يتحرّك بعض تلامذة أربكان، في مقدمتهم أردوغان وغُـل، للقيام بهذا التوازن، فرفعوا شعار "العمل الإسلامي في إطار الدولة العلمانية".
إخوان مصر يمرون الآن في المرحلة الأربكانية، إذا ما جاز التعبير. لكن، عاجلاً أم آجلاً، ستبرز من صفوفهم شخصيات تدعو إلى النّسج على مِنوال أردوغان – غُـل في مجال التوفيق بين الأمة الإسلامية والأمة الوطنية. هذا بالطبع في حال لم تتغلّب الأطراف الداعية إلى العنف على قِوى الإصلاح داخل الجماعة.
ربيع المَـشرق
ماذا الآن عن مآل الربيع العربي في المَشرق؟ الصورة كانت مقلوبة هنا. فبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية "الدولة الفاشلة".
ففي العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأمريكيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة - الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.
الأمر نفسه يتكرّر الآن في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم هناك منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية الإسلامية والعلوية والمسيحية.
في اليمن (وبعده في ليبيا في شمال إفريقيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.
حصيلة انهيار الدولة في المَشرق كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية "الفاشلة" هو إعادة بناء "الإمبراطوريات" الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.
إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً موسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.
swissinfo.ch