Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00920.jsonl.gz/6

أعلنت الكنيسة الكاثوليكية السبت تطويب 19 "شهيدا" قتلوا خلال الحرب الأهلية الجزائرية بينهم رهبان تبحيرين السبعة، وذلك في احتفال أقيم في وهران الواقعة على بعد 400 كلم غرب الجزائر، هو الأول من نوعه في بلد مسلم.
وخلال احتفال ديني ترأسه الكاردينال أنجيلو بيتشو، الموفد الخاص للبابا فرنسيس، في باحة مزار سيدة النجاة في "سانتا كروز"، أعلن 15 فرنسياً وإسبانيتان وبلجيكي ومالطية من ثماني رهبانيّات كاثوليكية مختلفة "طوباويين"، وقد قتلوا بين العامين 1994 و1996.
وقال بيتشو خلال تلاوته مرسوم التطويب "ليُدعَ المونسنيور بيار كلافري (...) ورفاقه ال18، رسل الإنجيل الأوفياء، وصانعو السلام المتواضعون، (...) منذ الآن، طوباويين".
وانطلقت على الأثر الزغاريد والتصفيق.
وحضر الاحتفال أفراد من عائلات الطوباويين وحجاج ورجال دين كاثوليك مستقرون في الجزائر وأئمة مسلمون. كما حضر وزير الخارجية الجزائري محمد عيسى وممثل وزارة الخارجية الفرنسية جان باتيست لوموين.
وقُتل المونسنيور بيار كلافري، أسقف مدينة وهران الذي كان ينتمي إلى رهبنة الدومينيكان، مع سائقه الجزائري في غرب الجزائر، في الأول من آب/أغسطس 1996 في تفجير قنبلة عن بُعد. وكان كلافري (58 عاما عندما قتل) يحمل الجنسيتين الفرنسية والجزائرية، ومن أشد المدافعين عن التقارب الإسلامي المسيحي والجزائري الفرنسي ومناهضا للتعصب.
وليل السادس والعشرين إلى السابع والعشرين من آذار/مارس 1996، خُطف سبعة رهبان فرنسيين من ديرهم "سيدة الأطلس" في تبحيرين على مرتفعات المدية، على بعد ثمانين كيلومترا جنوب غرب العاصمة الجزائرية. وأعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة في 23 أيار/مايو 1996 أنها قتلتهم. وعثر الجيش الجزائري في 30 أيار/مايو على رؤوس الرهبان من دون جثثهم.
وفي وقت لاحق، أثارت شهادات شكوكا في الرواية الرسمية الجزائرية بشأن ارتكاب الإسلاميين للجريمة. وبحسب تلك الشهادات، هناك روايات أخرى تحمل على الاعتقاد بخطأ ارتكبه الجيش الجزائري، أو تلاعب من جانب الأجهزة العسكرية لتشويه سمعة الإسلاميين.
وأقيم الاحتفال في باحة مزار سيدة النجاة في "سانتا كروز"، وهو عبارة عن كنيسة صغيرة تقع على تلة تطلّ على وهران.
ويعرف رجال الدين والراهبات الذين تم تطويبهم ب"شهداء الجزائر الـ19".
وبالإضافة الى كلافري ورهبان تبحيرين، هناك أربعة رهبان من جمعية الآباء البيض قتلوا في نهاية 1994 في هجوم مسلح استهدف ديرهم في تيزي وزو (100 كلم شرق الجزائر) بمنطقة القبائل في الجزائر، وراهب من الإخوة الماريست وراهبة من راهبات الصعود وراهبتان إسبانيتان مرسلتان واثنتان من راهبات سيدة الرسل وراهبة من رهبنة القلب الأقدس، وقد قتل هؤلاء جميعاً بالرصاص في عامي 1994 و1995.
- تطويب في بلد مسلم -
ورغم الأخطار التي كانت تحدق بهم خلال "العشرية السوداء" (الحرب الأهلية الجزائرية)، فقد رفض هؤلاء جميعاً مغادرة الجزائر وآثروا البقاء إلى جانب السكان الذين كانوا مرتبطين بهم ارتباطاً وثيقاً، ولا سيما الفقراء منهم.
من هنا، علّقت الكنيسة الكاثوليكية أهمية كبيرة على أن تجري مراسم التطويب داخل الجزائر.
وهذا أول حفل تطويب ينظمه الفاتيكان في بلد مسلم، بحسب ما أعلن في روما طالب دعوى التطويب الأب توما جورجون.
ولدى بدء الاحتفال، حيا أسقف الجزائر المونسنيور بول ديفارج "آلاف وآلاف الضحايا في الحرب الأهلية الجزائرية"، واصفا إياهم بأنهم "الأبطال المجهولون".
وعبر البابا فرنسيس في رسالة تليت خلال الاحتفال، عن أمله في "أن يساعد هذا الاحتفال على تضميد جراح الماضي وإيجاد دينامية جديدة للالتقاء والعيش معا على خطى طوباويينا".
وقال "عبر تخليد ذكرى هؤلاء الضحايا المسيحيين ال19، يريد الكاثوليك في الجزائر والعالم تكريم وفاء هؤلاء الشهداء لمشروع السلام الذي يلهمه الله لكل البشر". وتابع "كما يريدون في الوقت نفسه، أن يشملوا بصلاتهم كل أبناء وبنات الجزائر الذين عانوا من العنف نفسه".
وخلال صلاته العلنية ظهر السبت، تحدث البابا في الفاتيكان أيضا عن حفل التطويب في الجزائر، وقال إن "المونسنيور بيار كلافري ورفاقه 18 قتلوا نتيجة كراهية الدين".
وتم احتفال التطويب في ظلّ إجراءات أمنية مشدّدة.
وكان ديفارج قال في وقت سابق لفرانس برس "لم نرد تطويباً وسط مسيحيين، لأن هؤلاء الإخوة والأخوات قتلوا وسط عشرات وعشرات الآلاف من الجزائريين" المسلمين الذين سقطوا خلال الحرب الأهلية (1992-2002).
وخدم الاحتفال بالموسيقى والتراتيل جوقة من الطلاب الأفارقة. ويشكل الأفارقة غالبية الكاثوليك في الجزائر. وأدى الأب تييري بيكر خلال الاحتفال ترتيلة بالعربية.
واستقبل رجال الدين المسلمون في مدينة وهران بعد الاحتفال عائلات الطوباويين.
وقال الإمام مصطفى جابر في المسجد الكبير في المدينة "نحن نشارك كمسلمين بفرح كبير في هذا الحدث"، مضيفا أن هؤلاء المسيحيين الذين قتلوا "خلال المأساة الوطنية كانوا (...) رجالا يحملون رسالة محددة، رسالة نشر السلام".
وقالت الأخت بنيديكت الصليب وهي راهبة سيسترية تنتمي إلى الرهبنة نفسها التي كان ينتمي إليها رهبان تبحيرين وقد أتت إلى الجزائر من فرنسا، إنّ الطوباويين "بذلوا أرواحهم عن كامل وعي في سبيل الشعب الجزائري".
وأضافت "من خلالهم، نحن نفكّر بكل الذين خسروا حياتهم" خلال الحرب الأهلية الجزائرية التي أوقعت نحو 200 ألف قتيل، بينهم عدد كبير من المدنيين الذي سقطوا في تفجيرات أو مجازر تبنّتها جماعات إسلامية مسلحة أو نسبتها السلطات إلى هذه الجماعات.