Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00892.jsonl.gz/61

في الفاتح من يوليو 2013، ستنضم كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي بجمالها الطبيعي وغناها الثقافي، وأيضا بجِراحها التي لم تلتئِم تماما، رغم مرور عشرين عاما على حرب استقلالها.
موفد swissinfo.ch جال بين رُبوعها لمدة أسبوع، قطع خلاله ألف كيلومتر.. وانتقل من سِحر دوبروفنيك إلى صدع فوكوفار.
عندما تطأ قدَماك دوبروفنيك، تُدرك مُقلَتاك لِمَ لُقّبت هذه المدينة السياحية بـ "لؤلؤة البحر الأدرياتيكي". فهي تقف على نهاية برزخ صخري يُطلّ على المياه الخضراء والفيروزية لساحل دالماسيا. وسرعان ما تستوعب أيضا، لمَ كتب المؤلف الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو عام 1929: "من يبحث عن الجنة على الأرض، عليه أن يأتي إلى دوبروفنيك".
تلك الجنّة ترتدي حُلّة صخرية في المقام الأول. حجرٌ استخرجه الإنسان وشكّله ونحثَه وجمَّعه على مرّ القرون. الحجارةُ المُربعة حاضرة ببساطتها وبقُوتها، تعتلي واجهات الكنائس والقصورِ المُزخرفة، والتماثيل القوطية والباروكية. أما أرضيةُ الشوارع، فهي مكسُوةٌ ببلاط يلمعُ نتيجة التّطواف البشري المستمِر فوقه منذ 1400 عام، وحذاري، فنعلُك قد ينزلق بسهولة على حين غفلة.
راغوزا، جمهورية ضاربة في القدم
"الحرية لا تُباع حتّى مقابل ذهب العالم كله"، هذا هو شعار جمهورية راغوزا القديمة (دوبروفنيك اليوم)، التي تأسست بعد 120 عاما على سقوط روما. وللحفاظ على حُريتها الثّمينة، شيَّدت المدينة أروع التحصينات التي لا يزال يمكنُ رؤيتها إلى اليوم في منطقة البحر الأبيض المتوسط: مُربّع تمتدّ أضلاعه على مسافة 400 متر، وآلاف الأطنان من الحجر.
المنظر مُذهل! راغوزا كانت الجمهورية التي استمرت لأطول فترة في أوروبا؛ أكثر من البندقية التي كانت أكبر منافسة لها. فهي صَمدت بوجه كافة الغُزاة وقاومتهم، إلى أن سقطت بين يديْ الاحتلال النابوليوني، ثُمّ النمساوي، وهي اليوم مُدرجةٌ ضمن قائمة الإرث العالمي لمنظمة التربية والعلم والثقافة "يونسكو".
"نحن لا شيء هنا من دون السياحة"، يقول بيرو، أحد مؤجري السيارات في المطار. "في فصل الشتاء، لا يتجاوز عدد الرحلات الجوية ثلاثا في اليوم، كلُّها داخلية، بينما يصل إلى خمسين أو حتى ستين من كافة أنحاء أوروبا في الصيف".
لكُــل هؤلاء الزّوار، الذين قدْ يُحَوّلون الشارع الرئيسي خلال الموسم الحار إلى ما يُشبه منصةَ مترو مُزدحمة في ساعة الذّروة، لا تُهدي راغوزا- دُوبروفنيك روائعَها فحسب، فالمدينة لا تـُـريد أن ننسى حجم المعاناة التي تكبّدتها؛ عناء وألم على مَـر القرون طبعا، وهذا أحد فصول تاريخ الإنسانية، ولكن ما لا يزال طريّا وراسخا في الذاكرة الجماعية، هي وحشية حرب الاستقلال التي واجهت فيها كرواتيا ما بين 1991 و1995 ما تبقّى من يوغوسلافيا الكبرى آنذاك.
من أول محطة في الجولة السياحية حول أسوار المدينة، يُذَكِّرُنا الدّليلُ الصوتي بـ "العدوان الهمجي على يد القوات الموالية لصربيا والجبل الأسود". هجومٌ سيثيره الصوتُ المرافق لنا في مناسبات عديدة. فأنت تجدُ في كافة مداخل المدينة خريطةً مُفَصّلة تُوضح تأثير كلِّ قذيفة وكلِّ حريق وكلِّ سقف تحطّم. ناهيك عن الشهداء الـ 114 الذين عُلّقت صورُهم في معرض خاص والنُّصب التذكارية وأكاليل الزهور والشُّموع والمُلصقات والمعارض.
جمال لا يزال برّيا
من دوبروفنيك نتّجه إلى أقصى جنوب البلاد عبْر سواحلها التي تزخر بـ 1165 جزيرة. العيون "تُصدَم" مُجدّدا بجمال أخّاذ! ولكن الطبيعة هنا لا تزال عذراء تقريبا، إذ لم تشهد زحف البنايات الفُندقية الذي ألحقه المستثمرون الرّوس بالجبل الأسود المجاور. السائحُ هنا يحُلّ بالأحرى "ضيفا" على السكان، بحيث تنتشِر في كلّ مكان لوحاتٌ إعلانية كُتب عليها "شقة" و"Sobe" (غُرف) للتأجير.
"كُنا محظوظين بافتقارنا للمال". قالها بلهجة ساخرة زيليكو جيمبري (Zeljko Jembrih)، المهندس الذي عمل لحساب الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون. وبلُغة أكثر دبلوماسية، قال دوني كنوبل، سفير سويسرا لدى زغرب: "إن الحرب أبطأت عملية التطوُّر السياحي". أما بيرو، فيأمل أن يعمل الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي على جذب المستثمرين، وبالتالي، خلق فرص عمل جديدة، وربما تحسين الأجور، فهو يتقاضى حاليا راتبا شهريا لا يتجاوز 700 يورو.
وعلى أيّ مستثمر مستقبلي أن يتعامل بجدِّية مع الوعْي البيئي الذي يتمتع به السكان المحليّون. فقد شهدت آخر عطلة نهاية أسبوع في شهر أبريل 2013، إجراء استفتاء ضد مشروع إقامة ملعب غولف ومُركّب مباني فاخِرة بميزانية قدرها مليار يورو في منطقة دوبروفنيك. هذا "الحدث النادر بالنسبة لمنطقة البلقان، نُظّم بعد مقاومة شرِسة"، كما يشرح السفير كنوبل. ولكن نسبة المواطنين الذين توجّهوا إلى صناديق الاقتراع، لم تتجاوز 31,5% في حين يشترط القانون نسبة 50% على الأقل. وبالتالي، سيتمكن المقاولون الإسرائيليون من بناء "غيتو الميليونيرات"، على حدّ تعبير زيليكو.
كنين، القلعة المفقودة
عندما تغادر الخطّ الساحلي لتَـغُوص في الأراضي الداخلية، تستعيدُ الطبيعةُ كامل حقوقها. تجد نفسك بين أحضان مساحات شاسعة من الحصى، تتخلَّلُها بساطاتٌ نباتية زيَّنها لونٌ أخضرٌ ناعم، وتنتصبُ فوقها، بمسافات متباعدة، كتلٌ حجريةٌ ضخمة. القُـرى بدورها تنفصلُ أكثر فأكثر عن بعضها البعض، ولا تعدُو أن تصير مُجرَّد مجموعات من منزلين أو ثلاثة، مهجُورة في غالب الأحيان، وقد أُشير إلى تواجدها مُسبَقا على بُعد كيلومترات بعلامات طُرقية صفراء، تُذكِّرك بشكل فريد ولافت للنظر بوجود البشرية بعيدا عن كلِّ شيء، وكأنك وسط لا شيء. حتى خطّ السكك الحديدية تراه مُتّجها إلى ما لا نهاية...
في سفح الجبال، على الطريق المُؤدِّية إلى البوسنة، تعيش قصبة "كنين" (Knin) الكبيرة، في ظلّ حصن يُغطّي تلَّ البلدة منذ ما لا يقل عن ألف عام. قبل الحرب، كانت غالبية السكان هنا صربية. كنين، التي كانت في السابق مدينة مَلكية كرواتية، أصبحت عاصمة لجمهورية كراجينا، التي لم تدُم طويلا. وبعد استردادها من يد القوات المُحتلّة، لم يعُد إليها كافةُ الصّرب الذين كانوا قد لاذوا بالفرار، ليحُل محلّهم كرواتيون من البوسنة. وتتكرّرُ القصةُ نفسُها في كل مكان؛ في كرواتيا وفي البوسنة وفي كوسوفو. الحربُ تطرد السكان من الجانبين، وعندما تصمت المدافع وترتسم الحدود مُجدّدا، لا يعبُرها الكثيرون للعودة إلى جوار عدُوّ الأمس. ليس من السهل في هذه الظروف إعادة إسنادِ المساكن.
في وسط المدينة، تبدو الأجواء كئيبة بالأحرى. ماريا، النادلة الشابة في مقهى يُطِل على إحدى شوارع المحطّة التي تتوغل فيها أشغال البناء، تنطقُ بكلمة واحدة، لا غير، عندما نسألها عمّا تنتظره من الإتحاد الأوروبي: "لا شيء!". والاستثمارات؟ "نحن نعرف إلى أيّ جيوب تذهب...". وهل تعرف أن المنزل الواقع على بُعد بنايتين من شُرفتها، والذي يكاد يبدو أنيقا بلونه البرتقالي وسط المباني المتهدّمة، قد أعيد بناؤه بأموال سويسرية؟
فقد أنفقت الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون بالفعل 24 مليون فرنك في هذه المنطقة بعد الحرب، بهدف إعادة بناء المنازل وحفر قنوات الرّي ودعم تعاونيات زراعية، أو شراء سيارات الإسعاف. لكن زيليكو، الذي أصبح لديه مكتب استشارات في زغرب مع صديقه إيغو سوستيتش، الكيميائي المُتخصّص في المواد المضافة للإسمنت، يتساءل عمّا إذا كانت بعض الأولويات التي اعتُمدت، الأصحَّ والأنسب لفترة ما بعد الحرب.
ويقول: "كان الأجدَر إعادة بناء المعامل أوّلا، لأن الناس كانوا يتوفّرون على مأوى، كان من الأفضل منح السكان وظيفة جديدة، بدل سقف جديد"، لأن الآفاق المستقبلية هنا تبدو مسدودة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن كنين هي المدينة الكرواتية التي تضمّ أكبر نسبة من الشباب والأطفال. "هذا أمر طبيعي، الناس عاطلون عن العمل، وإن كان لديك أربعة أطفال، فيمكن أن تعيش بالإعانات الحكومية المُقدّمة للأسَـر"، مثلما يشرح إيغور. وتلمح الكثير من أولئك الأطفال وهم يلعبون بالكرة تحت قوس النصب التذكاري لشهداء الاستقلال، وهو المَعلَمة البرّاقة الوحيدة وسط كل هذه الأجواء الرّمادية.. مَعلَمة تُحارب النسيان...
أنتِه غوتوفينا - البطل!
كرواتيا لا تنسى أيضا جنرالها، بحيث من المستحيل أن لا تلمَح صُورَه على جوانب الطرق وعلى الجدران، وحتى على أكواب القهوة التي تبيعُها لاَنَا في محلّها الخاص بالهدايا التذكارية في زغرب. بالنسبة لها، ذلك يعود لسبب بسيط: أنتِه غوتوفينا"حرَّر البلاد. إنه فارس".
حياتُه تُشبه إلى حدّ كبير سيناريوهات أفلام الحركة والإثارة. فهو "عضوٌ سابق في الفيلق الأجنبي وعميل سري سابق في اليمين الفرنسي المُتطرّف ومُدرّب شبه عسكري في أمريكيا اللاتينية. أنتيه غوتوفينا له سجلّ جنائي من العيار الثقيل: عمليات سطو مسلح، واحتجاز رهائن وابتزاز الأموال. وتمّت إدانته لهذه الأسباب من قِبل المحاكم الفرنسية"، مثلما جاء في "Le Courrier des Balkans"، البوابة الإفتراضية الفرنكفونية لمنطقة البلقان.
بدأ غوتوفينا يصعد درجات سلَّم الجيش الكرواتي الجديد منذ عام 1991. وأصبح بطلا بفضل عملية استعادة الأراضي التي أطلق عليها اسم "العاصفة" سنة 1995. ولكن، لا توجد حروب نظيفة. في أبريل عام 2011، أصدرت بحقِّه المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حُكما بالسجن لمدة 24 عاما بتُهمة ارتكاب جرائم حرب. وفي شهر نوفمبر من العام الموالي، برّأته المحكمة نفسها من جميع التُّهم الموجَّهة إليه بعد البتّ في عريضة طعن.
الحُكم أثار موجة من الحنق والغضب في بلغراد، حتى في أوساط مُعادية للقومية. أما السويسرية كارلا ديل بونتي، المدَّعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، فذهبت إلى حد الإعتقاد بأن مِصداقية المحكمة أصبحت موضِع تساؤل. وصحيح أن المحكمة لم تكُن قد أدانت لحدّ تلك اللحظة، سوى الصرب تقريبا.
غير أن القضية لم تنته بعد، ففي بداية شهر يونيو 2013، أعرب قاض في محكمة العدل الدولية ليوغوسلافيا السابقة عن "خيبة أمله" إثر صدور سلسلة من أحكام البراءة. من جانبه، أقرّ المدعي العام الصربي سيرج براميرتس بوقوع "أخطاء جسيمة" وتعهد بإعادة فتح بعض الملفات. وهو يدرس بالخصوص إمكانية المطالبة بمراجعة محاكمة غوتوفينا.
دوني كنوبل يذكر ضمن هذا السياق أن "أشغال العدالة الدولية لازالت جارية، وسيتعين على المؤرخين أيضا الحُكم على ما حدث". ولكن، ألا تُثير هذه القومية الهائجة قشعريرة سعادة السفير؟ يجيب قائلا: "عندما تزور البلاد، تعتقد أنك في أوروبا، ولكن لا يجب أن ننسى أن الشيء الذي يستغرق أطول فترة لتغييره، هو العقليات".
فوكوفار، مدينة الشهداء
سلكْنا طريقا أخرى تعبُر جبال الألب الدينارية الصغيرة، انطلاقا من الساحل، قبل وصولها إلى سهل سلافونيا الشاسع. تحت سماء واسعة – كما هي دائما في البلدان المنخفِضة، يبدو الريف وكأنه بستان فرنسي تمتد فيه القرى المُلتفة حول شارع واحد على أميال مستقيمة – كما هي دائما أيضا في البلدان المُنخفضة.
في نهاية هذا الطريق، توجد فوكوفار على ضفاف نهر الدانوب، الذي بات يرسم الحدود مع صربيا. فوكوفار التي عاشت في صيف 1991، أي أربعة أعوام قبل مذبحة سريبرينيتسا، أسوأ الفظائع التي ارتُكبت على التراب الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية: حصار دام ثلاثة أشهر، كان خلاله عدد المُحاصِرين يفوق عشرين مرّة عدد المُحاصَرين، قرابة 1100 قتيل من الجانب الصربي و5000 من الجانب الكرواتي، وتطهير عِرقي مخيف وعشرات الآلاف من اللاجئين وسحق المعالم الباروكية لمدينة كانت ذات يوم متعددة الثقافات.
اليوم، نلمس أن أموال إعادة الإعمار تدفّقت بغزارة. فالمعالم الأثرية تبدو وكأنها جديدة، ولكن الواجهات المُلوّنة لا تكاد تقوى على إخفاء آثار جِراح الماضي. العَبَّارة التي كانت تربط بين ضفَّتي الدانوب، لم يُعَد تشغيلها إلاّ مرة واحدة في شهر نوفمبر من عام 2010، من أجل نقل الرئيس الصربي بوريس تاديتش، الذي جاء لتقديم اعتذار بلاده عن الجرائم التي ارتُكبت قبل عشرين عاما.
في بداية السنة، احتجّ عشرات الآلاف من الكروات في فوكوفار وزغرب ضدّ إعادة استخدام الأبجدية السيريلية على اللافتات في الشوارع. فالمدينة لا زالت تضُمُّ ما يقارب 35% من الصرب، والقانون يفرض ازدواجية اللّغة بمجرّد تجاوز إحدى الأقليات لـنسبة 33%. ويطالبُ تحالف يضمّ قـُـدامى المحاربين وأحزابا يمينية بوقف العمل بهذا القانون لمدة تتراوح بين 30 و50 عاما. حتى رئيسُ أساقِفة زغرب الكاردينال جوزيب بوزانيتش، تحوّل يوم 29 أبريل 2013 إلى فوكوفار لدعم مطلبهم قائلا: "فوكوفار تستحق [التعامل معها] بحساسية خاصة، ينبغي التعبير عنها بقواعد خاصة حول بعض المواضيع الحساسة".
في الأثناء، يظل النّصب التذكاري الذي شيّدته فوكوفار تكريما لأرواح "ضحايا كرواتيا الحرة"، ثنائي اللّغة، إلا أن الكتابة الثانية ليست بالسيريلية، بل بالغلاغوليستية (أبجدية سلافية عتيقة)، وهي اللغة الكرواتية القديمة التي كان يستخدمها كهَـَنة العصور الوسطى في قـُدّاساتهم، بدلا من اللاتينية، بتصريح خاص من الفاتيكان.
اقتصاد في حالة خراب
حول فوكوفار، لا تزال آثار الجِراح واضحة للعِيان. المزارع ومصانع التحويل مُخرّبة، والحقولُ غير مزروعة والقُرى مهجورة. وسلوفانيا، التي كانت مخزن يوغوسلافيا الغذائي، تعيش اليوم دون المستوى المتوسط لكرواتيا. ما يجعل زيليكو جيمبري يتنهّد ويقول: "إنها كارثة. فمنطقة سلوفانيا قد ماتت تقريبا. المزارعون يشيخون فيها والشباب يغادرونها، في حين يُمكننا إنتاج خمسة أضعاف ما تحتاجه البلاد من الغذاء، ولكن لدينا جماعات ضغط قوية في مجال الإستيراد والتصدير، تشتري المُنتجات المحلية ثم تبيعها بتكلفة عالية جدا للإتحاد الأوروبي".
وماذا ستُغير العضوية إذن؟ يُجيب المهندس الذي صوّت ضد الإلتحاق بالرّكب الأوروبي عام 2012: "سوف نخسِر أكثر. الإتحاد يقوم بابتزازنا. شاهدُوا ما حلّ بالمجر، لقد تحوّلوا إلى نوع من العبيد. وبلغاريا التي كانت تُنتج فواكه ممتازة، أصبحت اليوم تستوردها".
ولئن كان السفير كنوبل أقل تشاؤما، فإنه أشار إلى أن الإقتصاد الكرواتي، الذي فقد السوق الداخلية اليوغوسلافية على إثر الإستقلال، "يظل عُرضة للصّدمات الخارجية. والبلاد اتّخذت تدابير إصلاحية ويجب عليها أن تعزِّز بسرعة قدرتها التنافسية. الحكومة تتوقّع انتعاشا في عام 2014 بفضل صندوق دعم تماسك الإتحاد الأوروبي [الذي تُشارك فيه سويسرا]".
"لكن كيف سنستفيد من استثمارات تذهب أرباحها إلى الخارج؟". هذا السؤال الصريح جاء على لسان زيليكو، الذي يتوقّع أن يؤدّي فتح الحدود إلى هِجرة الكروات الأكثر تأهيلا. أما هو، فلا ينوي مغادرة بلاده، شأنه شأن زميله إيغور سوستيتش. فهما يتّفقان على القول: "نحن لسْنا متفائلين، ولكننا نواصل عملنا".
هذا الشعور يُشاطره الكثيرون معهم، وعلى نِطاق واسع، سواء كان اسمهم نيفينكا أو زدرافكو أو أنا أو رومان أو بويكا أو برانكو... خلال سبعة أيام، لم أصادِف أبدا نادلة أو طالبا أو تاجرا أو موظف استقبال يحلُم بإيلدورادو أوروبي أو سويسري. والشباب الذين يُبدون شكوكهم بشأن جدوى الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي، أو حتى يُعبِّرون عن عدائهم له، هم أولا كروات، والكروات يُحبّون بلدهم، وعاصمتهم.
زغرب، مدينة الفن
"فلاحة جميلة ثقّفت نفسها". هذه العِبارة التي وصف بها المؤلف والشاعر السويسري شارل - فيردينان رامو مدينة لوزان، تليق تماما بزغرب. حول الكاتدرائية المُمتلئة بالمُصلّين الراكعين في وقت القُداس، لا زالت الشوارعُ المتعرِّجة والمنازل ذات العُلو المنخفض أصيلة قرية يعود تأسيها إلى القرون الوسطى. وعند سفح التّل، تشبه زغرب أحياءَ فيينا في القرن التاسع عشر، مع تفضيل للواجهات الصفراء ولمنتزهات لا تُعدُّ ولا تُحصى، حيث يلعب كلاب يحظون بمعزة خاصة في البلدان التي تضم نسبة كبيرة من كبار السن.
ألمَحُ في ساعة الغسق من نافذة فندقي واجهةً زجاجية كبيرة لأستوديو رقص، حيث تتدرَّب مجموعة من الفتيات على باليه جاز. يتمتّعن بمهارة عالية جدا وحيوية فائقة للغاية. زغرب هي أيضا مدينة الفن، إذ تزخر بالمسارح وقاعات الحفلات الموسيقية والمتاحف والمعارض ومدارس الموسيقى، حتى رئيس البلاد إيفو جوسيبوفيتش مُلحن كلاسيكي يحظى بالإعتراف. موسيقيو الشوارع يُحبُّون الأغنية المحلية، ولكن يمكنهم أيضا أداء قطع لعازف الساكسوفون الأمريكي تشاري باركر أو الموسيقي البريطاني مارك كنوبفلر. في مساء مُغادرتي للمدينة، كان مؤسسُ مجموعة الروك البريطانية "داير ستريتس" يستعد لإحياء سهرة في "أرينا زغرب".
ويظل الموضوع المُشترَك الذي يبعث على الفخر بين غالبية الناس هنا، هو كرة القدم. فكرواتيا تحتلّ الصف الرابع في الترتيب العالمي للإتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وفريقُها الذي يرتدي الأقمصة المُزيَّنة بالمُربعات الحمراء والبيضاء، هو الأفضل بين فرق بلدان يوغوسلافيا السابقة. ونجومُه يلعبون في أندِية مرموقة مثل "ريال مدريد" الإسباني أو "أولمبيك ليون" الفرنسي أو "بايرن ميونخ" الألماني.
عظمة روما
"كرة القدم هي الشيء الجيّد الوحيد في هذا البلد". هذا ما قاله لي إيغور وزيليكو اليوم السابق. أصحيح هذا الأمر؟ كرةُ القدم التي يُؤدّونها، جميلة بالتأكيد، ولكن قيمة كرواتيا كبلد، لا تنحصِر فقط في ميادين تلك اللّعبة الشعبية، حتى إن تأملنا أبسط التفاصيل وأصغرها.
شوارع البلد الذي اخترع ربطة العُنق، نظيفة بشكل لافت للنظر، ورغوة قهوة الكابوتشينو والمُثلجات التي تتذوّقها في مقاهيها ومطاعمها، تضاهي نظيراتها الإيطالية بدَسَمِيَتها ولذّتها، والمصابيح الكهربائية المُوفِّرة للطاقة وخدمة "الواي فاي" المجانية، توجد في كل مكان تقريبا. ناهيك عن حقول الطاحونات الهوائية الشاسعة وعن شرائح لحم البقر التي تذُوب في الفم ولا تَقل جوْدة وإتقانا عمّا تقدمه المطاعم الباريسية، دون إغفال السائقين الذين يُوقِفُون محركات سياراتهم أمام إشارة الضوء الأحمر، وذلك الشعب الوَدود والرّصين والمُثقف للغاية، كما هي دائما شعوب بلدان الكُتلة الشيوعية السابقة.
وفي سبليت (Split)، اللؤلؤة الأخرى التي تُـزيِّن ساحل دالماسيا، يُعانق قلب المدينة العتيقة جوانب القصر الذي شيَّده في بداية القرن الرابع ديوكلتيانوس، إمبراطور روما وابن البلد، لقضاء سنوات عمره الأخيرة. روما، التي كانت أول اتحاد أوروبي والتي ضمِنت للقارة العجوز العيش بسلام لمدة 500 عام. واليوم، لم تشهد بعدُ أوروبا فترة 15 عاما خالية من تأجّج الأوضاع في هذه المنطقة أو تلك. ولكن أوروبا تواصل مسيرتها. وسواء شاءت كرواتيا أم أبت، فإنها باتت جزءا من أوروبا.
"لدينا بلد، وماذا بعد ذلك؟"
زغرب هي أيضا المدينة التي سألتقي فيها مُجددا بعد فراق طويل بماريو، أحد قُدامى المحاربين في فوكوفار.
إليكم هذا "الفلاش باك": في عام 1974، عندما كان لا يزال بلدٌ اسمه يوغوسلافيا، كان ماريو أول من جعلني أُدرك وجود "برميل بارود البلقان" تحت الغطاء الفدرالي. كان عمره 23 عاما وأنا 15.
تَحوّل إلى سويسرا للعمل في مقلع حجارة بمنطقة سهل الرون، حيث استأجر غرفة في منزلنا العائلي. كان قد تخرّج للتّو من كلية الحقوق، ويتحدث الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والروسية، وجاء ليُكسر الحجر في سويسرا!
عَلَّمنا تِنس الطاولة والاستماع لمجموعة الروك البريطانية رولينغ ستونز. ولكن لدى الحديث عن بلاده، كانت عيناه اللتان يميل لونهما الأزرق إلى الرمادي تلمعان، وكأن أسهم البرق تنبعث منها. لا مجال للمزاح واللّهو.
على مدى الأمسيات الطويلة التي قضيناها معه، كان يُهدينا دروسا لتدارك ما أغفلناه في التاريخ والجغرافيا، ولكن على النمط الكرواتي القومي، فهو كرواتي وليس يوغوسلافيا! وهو فخور بذلك وعلى استعداد لحمل السلاح من أجل وطنه.
وهذه ليست كلمات جوفاء. ففي عام 1991، عندما أعلنت كرواتيا استقلالها، تجنّد ماريو في صفوف قواتها المُدرعة، وصعد سلم الجيش إلى أن حصل على رتبة عقيد، من أجل خوض حرب لم يُرد أبدا أن يحكي لي تفاصيلها.
هذا المساء، ينتظرني ماريو في الطابق الثاني من البناية الأرستقراطية المهيبة التي وُلد فيها. يعود تشييدها لأواسط القرن التاسع عشر، وتقع بمحاذاة منتزه زغرب الرئيسي. في نهاية ممر طويل كل أبوابه مغلقة، قادتني زوجتُه إلى مكتبه؛ غرفة واسعة وعالية السقف، ولكن مُظلمة، مثل الشقة بأكملها التي تمتد على مساحة 150 متر مربع وحيث يبدو لك أن الوقت قد توقَف.
كم تغيّر ماريو! ما لحق به يفوق آثار الزمن التي لا ترحم ملامحنا جميعا. يقول معتذرا عن فرنسيّتِه التي أصبحت مُتعثرة: "إن رأسي صغير جدا لتخزين كل هذه اللغات".
وإن كانت رأسك صغيرة جدا بالأحرى لتخزين كل هذه الأهوال صديقي العزيز؟
نقول دائما: "نعم أنا أفهم ما تعني"، ولكن، كيف لشخص لم يعش أيَّ حرب في حياته أن يفهم معنى الحرب؟ يُردد ماريو وعيناه تجولان في الفراغ: "لماذا خُضنا هذه الحرب؟ قبل ألف عام، كان لدينا ملك. الآن، لدينا وطن، وماذا بعد ذلك؟".
بلادٌ مبتورة الأطراف: "البوسنة هي ملكنا". البوسنة، تلك البلاد التي تشبه على الخريطة جوزا كبيرا محصورا في المشبك الذي يُمثله شكل الأراضي الكرواتية الحالية.
ماريو لن يتحدث عن فوكوفار. وماذا عن غوتوفينا؟ إنه يعرفه شخصيا، حتى أن لديهما سلف مشترك بالعودة إلى خمسة أجيال؟؟ غوتوفينا كان قائدَه في الجيش، وهو بطل في نظره بطبيعة الحال.
"لم يكن على الميدان عندما حدثت الفظائع، بل كان في البوسنة. أتتذكر سريبرينتسا؟ في بيهاتش، أنقذ المدينة المحاصرة من قبل الصرب، وإن لم يكن هناك، كان سيسقط 30000 قتيل بدل 7000".
وماذا عن أوروبا؟ هو صوَّت ضدها، "أنتم على حق في سويسرا لأنكم قررتم البقاء خارجها". والمستقبل؟ أحدُ ابنيه أستاذ جامعي، والآخر مهندس، ولكنهما يعيشان بالقليل وليس لديهم أطفال حتى الآن.
وبينما يبدي انزعاجه من الشباب الذين يصرخون في الشارع مساء ذلك السبت، يُنهي ماريو قارورة الجعة الرخيصة التي يتناولها بيد مرتعشة. ويقول بابتسامة مريرة: "كما ترى، انتهى بي الأمر إلى شرب بيرة صربية"، لكن ابتسامته تلك سرعان ما تتحوّل إلى ضحكة عالية وجنونية نوعا ما عندما يسمع هطول الأمطار فجأة على الرصيف. "لقد حل الربيعّ!".نهاية الإطار التوضيحي
بإمكان كرواتيا تحسين سجلها في مجال الفساد
يُذكِّر السفير السويسري لدى زغرب أن "كرواتيا خاضت أصعب المفاوضات التي فُرضت حتى الآن على بلد مُرشح [لعضوية الاتحاد الأوروبي]، بحيث استغرقت أكثر من ست سنوات. وقد أضافت المفوضية الأوروبية فصولا مثل العدالة ودولة القانون ومحاربة الفساد، وهذه المجالات تحديدا هي التي أحرزت البلاد فيها تقدما كبيرا.
فقد سُجن جيل من السياسيين وفئة كاملة من القادة الاقتصاديين. وهذا بطبيعة الحال ليس سوى غيْض من فيْض، بحيث لا تزال مشاكل على مستوى قاعدة الهرم والنسيج الاقتصادي، ولكن العملية غير قابلة للإصلاح، حسب المفوضية الأوروبية؟؟؟؟
وتلاحظ المفوضية فعلا في تقريرها النهائي حول رصد الأوضاع في كرواتيا (أكتوبر 2012)، أن الإطار القانوني موجود وأن "الهيئات المكلّفة بالسَّهر على تطبيق القانوني، لا تزال نشطة، خاصة فيما يتعلّق بالقضايا رفيعة المستوى؟؟؟؟".
أما المواطن العادي في الشارع، فما زال ينتظر تطبيقا أكثر صرامة لقوانين البلاد، والتي هي منقولة إلى حدٍّ كبير عن القانون الأوروبي. وغالبا ما نسمع لدى إثارة الحديث عن هذا الموضوع: "لدينا قوانين ممتازة، ولكنها لا تُطبّق".
حسب مؤشر إدراك الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2012، تحتلّ كرواتيا المرتبة 62 على قائمة البلدان الأقل فسادا (من أصل الـ 174 التي شملتها الدراسة) بمؤشر 46 (علما أن السلم يتراوح من 0 بالنسبة للنتيجة الأسوأ إلى 100 بالنسبة للأفضل).
وتصنيف كرواتيا كان أسوأ من جارتها سلوفينيا (المرتبة 37، ومؤشر 61)، ولكن أفضل من باقي بلدان يوغوسلافيا السابقة، وحتى أفضل من جارتها إيطاليا، الشريك التجاري الرئيسي لكرواتيا (المرتبة 72، مؤشر 42).نهاية الإطار التوضيحي
أوروبا.. ليست خيارا حظي بالإجماع
يقول أندري ليبيش، الأستاذ في معهد الدراسات الدولية العليا في جنيف: "حتى في وقت الاستفتاء على الانضمام [إلى الاتحاد الأوروبي والذي تمّت المصادقة عليه بنسبة 66% في يناير 2012]، لم يكن هنالك إجماع بين الكروات. أما اليوم، نظرا لحالة الاتحاد الأوروبي، فهُم بطبيعة الحال غير متحمسين جدا للارتباط بقارب تسيل منه المياه من كل ناحية".
ويضيف هذا المتخصص في شؤون أوروبا الوسطى والشرقية: "لكن المشكلة بالنسبة لكرواتيا، كغيرها من البلدان الشيوعية السابقة، تكمن في عدم وجود حلٍّ آخر، فليس هنالك مسلَك منفرد بالنسبة لكرواتيا، وبالتالي، فهم يقولون إنه علينا المُضي قُدما وأن الأوضاع لن تكون خارج الاتحاد أسوأ من التواجد بداخله".
ويتابع قائلا: "وفيما يتعلق بالمنافع الملموسة، فإن كرواتيا قد تصبح ما يُشبه قليلا إسبانيا قبل 30 عاما: أي شاطئا بالنسبة لأثرياء أوروبا الشمالية. فالانضمام سيشجِّع بالتأكيد الاستثمارات، ولكن هل هذا هو المصير الذي تريده البلاد لنفسها؟ ماذا سيحلّ بسكانها النشيطين؟ هل سيعمل جميعهم في قطاعيْ الفندقة والسياحة؟ فهذا ليس بالحلّ العملي عندما نريد تطوير بلد حديث يتمتع باقتصاد متنوع".
ويلاحظ أندري ليبيش بنفس القدر القليل من التفاؤل أن سلوفينيا، وهي البلاد الوحيدة المنبثقة عن جمهورية يوغوسلافيا السابقة التي انضمت حتى الآن إلى الاتحاد الأوروبي، تمثل "نموذجا حقيقيا. فتقاليدها جِرمانية وتبدو مُحصّنة ضدّ التيارات السيِّئة، ولكن يبدو أنها ستكون المرشّح المقبل لتلقّي مساعدات استثنائية، وبالتالي، إذا ما لم تنجح سلوفينيا، فأي مستقبل لكرواتيا؟".نهاية الإطار التوضيحي
سويسرا وكرواتيا
العلاقات الاقتصادية: حجم التبادل التجاري متواضع ويميل إلى التراجع، وناهز 300 مليون فرنك في عام 2011. تُصدِّر سويسرا لكرواتيا أساسا، المستحضرات الصيدلانية والآلات، وتستورد منها الآلات والمُنتجات الخشبية.
دعم تماسك الاتحاد الأوروبي: ستقترح الحكومة السويسرية على البرلمان الفدرالي مساهمة قدرها 45 مليون فرنك، وهو مبلغ يتناسب مع ما رصدته للبلدان الإثني عشر الجديدة التي التحقت بالاتحاد منذ عام 2004.
الهجرة: يعيش حوالي 40000 كرواتي في سويسرا، حيث يندمجون عموما بشكل جيد جدا. ويُقيم أكثر من 1300 سويسري في كرواتيا، من بينهم العديد من الرجال الذين تزوّجوا من كرواتيات.
لا غزو في الأفق: حسب السفير السويسري لدى زغرب، دونيس كنوبل، "مُعظم الخُبراء لا يتوقّعون موجات هِجرة كبيرة انطلاقا من كرواتيا بعد انضمامها"، ولئن كان هنالك "استعداد كامن بين السكان، وخاصة في أوساط الشباب"، كما يعتقدون أن "يلعب الشتات الكرواتي [في سويسرا] دورا في الاتجاهيْن، بما أن عدد الكروات الذين غادروا سويسرا مؤخّرا يفوق عدد المهاجرين الكروات الجدد إلى سويسرا".
أطراف حذرة، رغم كل شيء: حرية التنقل مع سويسرا، غير العضو في أوروبا، ليست تِلقائية، فهي تنبثِق عن الاتفاقيات الثنائية بين برن وبروكسل، التي ينبغي تكييفها مع كل عضوية جديدة. وفيما يتعلق بكرواتيا، فقد هدّد بعدُ حزبُ الشعب السويسري (يمين شعبوي) وأوساط قومية أخرى، بإطلاق استفتاء شعبي ضد تمديد الاتفاق ليشمل كرواتيا [بعد أن أطلقا في السابق استفتاء شعبيا ضد رومانيا وبلغاريا (والتي صادق عليها الناخبون السويسريون في نهاية المطاف بقرابة 60%).نهاية الإطار التوضيحي
(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch