Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00915.jsonl.gz/38

كان من تداعيات أكبر حادث مميت شهدته مصانع الملابس في التاريخ، بروز أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه المستثمرون في تطوير الممارسات التجارية. كما تصاعدت حدة الضغوطات على صناديق التقاعد السويسرية التقليدية تاريخياً من أجل أن يكون لها تأثيرها الخاص على هذه الأحداث.
ففي أبريل 2013، توفي أكثر من 1000 عامل في حادث انهيار مجمّع مصانع للملابس في رانا بلازا في بنغلاديش. وبعد هذه المأساة، دعا ائتلاف يضم مائتين من المستثمرين مؤسسي العلامات التجارية للأزياء، بما في ذلك Tally Weijl التي يقع مقرها في مدينة بازل السويسرية، للتوقيع على معاهدة بنغلاديش بشأن الحرائق وسلامة المبانيرابط خارجي وهي معاهدة ملزمة قانونياً لمعالجة حقوق العمال في سلسلة توريد الملابس.
وبيّنت معظم التقارير، أن الجهود المبذولة في هذا الصدد كانت ناجحة. حيث أدت إلى زيادة كبيرة في عمليات التفتيش، وتدريب العاملين، واتخاذ تدابير السلامة في المباني.
وفي عام 2017، وبعد فترة طويلة من تلاشي غضب المستهلكين وانصراف الاهتمام الإعلامي، نجح المستثمرون في طلب تمديد المعاهدة بمزيد من البنود التي تضمن حماية أكبر للعمال.
وكان من بين هؤلاء المستثمرين بعض صناديق التقاعد السويسرية مثل صندوق التقاعد الحكومي بفينترتور Pensionskasse der Stadt Winterthur، وصندوق التقاعد في كانتون نيوشاتيل، وصندوق الإدخار الصحي بكانتون فاليه Prévoyance Santé Valais، وكلها جزء من برنامج ينضوي تحت لواء Ethos، وهي مؤسسة مكونة من 230 صندوقاً سويسرياً للمعاشات التقاعدية والمنظمات المعفية من الضرائب.
وكان ذلك بمثابة تغيّر ملحوظ بالنسبة للمستثمرين السويسريين في صناديق التقاعد، الذين كانوا قد تنحوا جانباً بعيداً عما يحدث، في الوقت الذي قامت فيه العديد من الصناديق الكبيرة في أمريكا الشمالية وأوروبا بتحولات جريئة نحو الاستثمار المسؤول، على مدى العقد الماضي.
تقول سابين دوبيلي، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة السويسرية للتمويل المستدام (SSF)، إن الشركات السويسرية كانت من الشركات الرائدة في تطوير مؤشرات الاستثمار المسؤول والاستثمار الفاعل، ولكن منذ ذلك الحين تم تخطيها في هذا القطاع من قبل بلدان أخرى.
وتعلق قائلة: "إن المستثمرين السويسريين لم يعودوا في الطليعة"، وتضيف " ينطبق هذا بشكل خاص على صناديق التقاعد".
محاولة اللحاق
ويبدو أن ذلك قد أخذ مسار التغيير، ولو ببطء. فقد وجدت دراسة السوق التي أجراها صندوق الضمان الاجتماعي في 2018رابط خارجي، والتي صدرت في شهر مايو الماضي، أن إجمالي حجم الاستثمارات المستدامة في سويسرا ارتفع بنسبة 82% في العام الماضي. وحالياً، يشكل حجم الاستثمار في صناديق التقاعد من قبل المؤسسين المستثمرين 40% من إجمالي 363.3 مليار فرنك سويسري (أي ما قيمته 333.6 مليار دولار).
وكان التغير المناخي والمخاطر المالية المرتبطة به محركاً رئيسياً لهذا النمو. فمن مصلحة صناديق المعاشات التقاعدية، بصفتها مستثمرة على المدى الطويل، تجنب أية مخاطر مالية قد تؤثر على أصولها من التغيرات المناخية الهائلة أو من تغيّر القوانين أو التغير المستمر في أذواق المستهلكين.
يقول ستيفان باينر، مدير إدارة الأصول في صندوق التقاعد الحكومي السويسري Publica، إن "المزيد من المستفيدين يطرحون أسئلة حول كيفية التخفيف من مخاطر الاستثمار المرتبطة بتغير المناخ" في استثمارات الصندوق. وفي أغسطس، قام باحثون وأساتذة من المعهد الفدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ (ETH زيورخ) بدعوة Publica إلى التخلص من استثماراتها في الوقود الأحفوري.
وتستثمر Publica حوالي 2% من ميزانيتها العمومية، أي ما قيمته 800 مليون فرنك سويسري، في الشركات العاملة في قطاع الوقود الأحفوري.
الأقل هو الأكثر
لكن معظم صناديق التقاعد السويسرية كانت بطيئة في تبني مسار مسؤول في استثماراتها مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. يقول ماتياس نار، كبير مديري الالتزامات في مؤسسة إيثوس:"تاريخياً، كانت صناديق المعاشات التقاعدية في سويسرا محافظة جدا، وكانت تستثمر بشكل رئيسي في العقارات والسندات" ويضيف "لم يكن هناك سوى عدد قليل من صناديق المعاشات التقاعدية التي وضعت الاستدامة هدفاً نصب أعينها ".
ويوضح ماتياس نار أن ذلك يرجع إلى حد ما، إلى الطبيعة المجزأة للسوق السويسرية. فلدى العديد من صناديق التقاعد السويسرية عدد قليل من الموظفين، والعديد منهم لا يملكون حتى مواقع إلكترونية. وبحسب رأيه فهم ليس لديهم القدرة أو الخبرة اللازمة للتعامل مع القضايا البيئية أو الاجتماعية أو الحوكمة (ESG) وبالتالي فقد ظلوا إلى حد كبير مستثمرين سلبيين.
وتدير CALPERS، وهي واحدة من أكبر صناديق التقاعد في الولايات المتحدة، أصولاً بقيمة 350 مليار دولار مقارنة بـ40 مليار فرنك سويسري تديرها شركة Publica، أكبر صندوق للمعاشات التقاعدية في سويسرا.
ويساعد المزيد من دمج الأصول في هذا القطاع على معالجة هذه الفجوات. فهناك اليوم حوالي 1650 من صناديق التقاعدرابط خارجي التي تشكل جزءا من نظام المعاشات في أماكن العمل في سويسرا مقارنة بـ 2950 في عام 2004. وهناك أيضًا حوالي 100 مؤسسة جماعية، تُعرف باسم "Sammelstiftungen" باللغة الألمانية، تجمع أصول التقاعد. هذه الصناديق مجتمعةً تشكّل أكبر مجموعة مستثمرة في البلاد حيث تبلغ قيمة استثماراتها حوالي 900 مليار فرنك سويسري أي أكثر من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
التنظيم كحليف
كما تحركت بلدان أخرى بشكل أسرع من سويسرا لأن حكوماتها قامت بدور أكثر نشاطاً في تشجيع الاستثمار المسؤول. فعلى سبيل المثال، أصبحت فرنسا أول دولة تجبر المستثمرين المؤسسين على ادراج تقارير متعلقة بتغير المناخ في عام 2015.
ومنذ عام 2014، تلزم قوانين صناديق التقاعد الهولندية مجالس الأمناء، بالعمل على التأكد من أن سياساتهم الاستثمارية تتضمن شرحاً وافياً لكيفية أخذ الاستثمارات للمسائل المتعلقة بالبيئة وبحقوق الإنسان بعين الاعتبار.
إن النموذج الجديد الذي طوره الاتحاد الأوروبي لمؤسسات التقاعد المهنيرابط خارجي، والذي سيدخل حيز التنفيذ عام 2019، سيكلف وللمرة الأولى أنظمة المعاشات التقاعدية بتقييم وكشف المخاطر للمستثمرين، كتغير المناخ وندرة الموارد.
ويشير نار إلى أنه لا يوجد حالياً في سويسرا، أي قانون متعلّق بكيفية إدارة الاستدامة من قِبَل صناديق التقاعد. لكن هذا لا يعفي المستثمرين من واجبهم في الاستثمار المستدام. ففي 21 أكتوبر، كشف تحالف المناخ السويسري عن رأي قانونيرابط خارجي يؤكد على ضرورة إدراج المخاطر المناخية في السياسة الاستثمارية لصناديق التقاعد.
ويعزي نار تراجع القطاع الاستثماري السويسري تحديداً إلى عدم وجود كيان مدعوم من الحكومة لتعزيز الاستدامة في القطاع المالي. فعلى سبيل المثال، تقوم إنجلترا بلعب مثل هذا الدور في المملكة المتحدة. أما المصرف الوطني السويسري، والذي يمكن أن يكون كياناً على هذا الغرار، فهو يتعرض لانتقادات بسبب استثماراته في الصناعات عالية التلوث.
كانت مبادرة توماس ميندر "للحد من الأجور المفرطة لأصحاب المناصب العليا" التي اعتمدها الناخبون السويسريون في 2013 هي الالتزام الوحيد المتعلق بقضايا الإستدامة في المجال المالي والذي تم فرضه على صناديق التقاعد. وتمنح هذه المبادرة المساهمين في الشركات المدرجة أسهمها في البورصة، حق التصويت على أجور المسؤولين التنفيذيين، كما تحظر المبادرة عدة أنواع من التعويضات، وتطالب صناديق المعاشات التقاعدية بالتصويت مباشرة على أسهمها السويسرية.
صفحة من الدبلوماسية
كلود أمستوتس هو مستشار كبير في الصندوق العالمي لحماية الطبيعة (WWF) في سويسرا، ويعمل هذا الصندوق حالياً على الطبعة الثانية من تقرير تقييم ممارسات الاستثمار المسؤولرابط خارجي لأكبر 20 صندوق تقاعد.
وقد أعلن هذا المستشار أن لدى صناديق التقاعد "نفوذاً ضخماً لتوجيه الأصول بعيداً عن الأنشطة الضارة بيئياً واجتماعياً، نحو مستقبل أكثر استدامة". ومع استمرار المناقشات في البرلمان السويسري حول اقتراح مضاد لمبادرة الأعمال المسؤولة ، قد تصبح صناديق المعاشات حليفاً قوياً في جدول أعمال هذه المبادرة.
ومن الاستراتيجيات الأساسية المستخدمة لتوجيه الأصول بعيداً عن الأنشطة الضارة بيئياً واجتماعياً، عملية سحب الاستثمارات. فقد انسحبت Publica والعديد من صناديق التقاعد الأخرى من مجال العمل بالفحم. كما أنشأت الرابطة السويسرية للاستثمارات المسؤولة (SVVK) قائمة سوداء تستبعد بموجبها الشركات المصنّعة للأسلحة المثيرة للجدل.
وتتحولّ صناديق المعاشات التقاعدية بشكل متزايد إلى نهج أكثر ديبلوماسية في مجال الاستثمار المسؤول، تسعى من خلاله إلى الحوار مع الشركات. فعلى سبيل المثال، تولت مؤسسة إيثوس رابط خارجي Ethos Foundationرابط خارجي مهمة الالتزام مع أكبر 150 شركة في سويسرا نيابة عن 130 صندوقاً سويسرياً للمعاشات التقاعدية. ودفع برنامج الالتزام هذا الشركات السويسرية إلى وضع مدونات لقواعد السلوك بالإضافة إلى وضع تقارير عن تغير المناخ، وهي تقارير أصبحت منتشرة على نطاق واسع.
ويعترف بينر بأن "الالتزام ليس النهج الأسرع". "فالأمر يستغرق بعض الوقت، لكنه يساعد مثلاً على زيادة الشفافية وتشجيع الممارسات الأمثل".
ما وراء المناخ
في سويسرا كما في العالم أجمع، كان موضوعا تغير المناخ وممارسة الحكم يغطيان تماما على القضايا الاجتماعية كقضية حقوق الإنسان. ولا يزال معظم المستثمرين حتى الآن لا يرون أن حقوق الإنسان تشكل جزءا من المخاطر المالية.
ويشرح باينر أن "التحدي الحقيقي هو في توفر البيانات الجيدة".. وفي العام الماضي، دفع مستثمرون يمتلكون أصولاً بقيمة 5.3 تريليون دولار في اتجاه إنشاء مؤشر مرجعي لحقوق الإنسانرابط خارجي في محاولة لمعالجة فجوة البيانات.
في سبتمبر من هذا العام، وقّعت عدة صناديق تقاعد سويسرية بياناًرابط خارجي خارجياً دعت فيه شركات المجوهرات والساعات، بما في ذلك شركة IWC التي يقع مقرها في شافهاوزن وشركة Hublot، لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في سلاسل التوريد الخاصة بها.
الوقت فقط هو من سيحدد ما إذا كانت ممارسات المشاركة في سياق اتفاق بنغلاديش ستؤدي إلى تغييرات أم لا. وحتى الآن، لم يقدّم أي من صناع الساعات السويسريين رداً، بحسب ما ورد على لسان بالوما كويك مونوز، التي تنتمي إلى تحالف المستثمرين من أجل حقوق الإنسان.
نظام صندوق التقاعد السويسري
يعتمد نظام الضمان الاجتماعي السويسري على ثلاثة أعمدة:
العمود أو الركيزة الأولى: المعاش الحكومي الإلزامي. وهو نظام التأمين ضد الشيخوخة وتأمين الباقين على قيد الحياة (AHV/AVS) . ويمنح نوعين أساسيين من المعاشات: معاشات الشيخوخة لمن هم في سن التقاعد، ومعاشات الباقين على قيد الحياة لأزواج المؤمن المتوفى أو أطفاله المعالين.
العمود أو الركيزة الثانية: نظام التقاعد المهني. وهي المعاشات المهنية لكل موظف يحصل على دخل لا يقل عن 21060 فرنك سويسري. ويعتبر التأمين بموجب الركن الثاني شرطاً إلزامياً. وتركز معظم المناقشات المتعلقة بالاستثمار المسؤول، على صناديق المعاشات التقاعدية التي تشكل جزءًا من هذه الركيزة.
العمود أو الركيزة الثالثة: نظام الادخار الخاص، وهو تأمين اختياري يُمكن أن يكون في شكل تأمين خاص أو ادخار عبر حسابات مصرفية.نهاية الإطار التوضيحي