Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00884.jsonl.gz/22

تعيش الساحة السياسية السويسرية هذه الأيام مخاضا قد يؤدي إلى إعادة تشكلها من جديد. ففي الوقت الذي تتوالى فيه الإنقسامات في صفوف حزب الشعب السويسري، قرر الليبراليون والراديكاليون توحيد صفوفهم.
وتهدف عملية التوحيد إلى اكتساب المزيد من الثقل والحضور على الساحة وإلى العمل على إعادة بوصلة السياسة السويسرية إلى الوسط.
يرغب الليبراليون والرديكاليون السويسريون المنتمون إلى نفس العائلة السياسية في هذه المرحلة توحيد مصائرهم أقله على المستوى الوطني. وقد تم بعدُ طرح خطة الإندماج بين الحزبين - التي عُرضت على وسائل الإعلام يوم الثلاثاء 15 يوليو في العاصمة الفدرالية برن - للإستشارة داخل الحزبين إلى يوم 29 أغسطس القادم.
وستكون قواعد الحزب الراديكالي (ويسمى أيضا الحزب الليبرالي الراديكالي) والحزب الليبرالي السويسري مدعوة بالخصوص لاتخاذ موقف من مشروع القانون الأساسي المقترح وتسمية التشكيلة المقبلة. كما تم تحديد يوم 25 أكتوبر المقبل موعدا لعقد مؤتمرات حلّ الحزبين الحاليين وتأسيس الحزب الجديد الذي سيتمخض تاليا عن اندماجهما.
ثالث أكبر حزب في سويسرا
وإذا ما سارت الأمور مثلما تم التخطيط لها من طرف قيادتي الحزبي،ن فإن التشكيلة الجديدة ستبدأ في النشاط في يناير 2009. وعندها سيظهر للوجود حزب يمثل "17،7% من أصوات الناخبين في الإنتخابات الفدرالية الأخيرة (أكتوبر 2007) وسيكون بذلك ثالث أكبر حزب في سويسرا"، على حد قول فولفيو بيللي، رئيس الحزب الراديكالي.
مع ذلك، يبدو أن طموحات القادة الليبراليين والراديكاليين تتجاوز هذا الهدف إذ أنه "في سويسرا، يشعر حوالي 35% من السكان ويتصرفون باعتبارهم ليبراليين، لكنهم لا يُصوتون في معظم الأحيان كليبراليين"، مثلما يقول بيللي الذي عزا ضعف التيار الليبرالي اليوم في سويسرا إلى تشتته وتفرقه.
في هذا السياق، تندرج عملية توحيد قوى الحزبين في سياق السعي إلى "إقناع جميع الليبراليين بالنضال المشترك من أجل ضمان إنجاز نجاح مماثل في المستقبل للنجاح الذي حققة الليبراليون لسويسرا في السابق"، مثلما أوضح زعيم الراديكاليين.
بيت مشترك كبير ومفتوح
من جهة أخرى، يريد الحزبان من خلال الإقدام على هذه الخطوة توجيه رسالة واضحة مفادها أن الأبواب مُشرعة بوجه جميع التشكيلات السياسية الأخرى ذات الطابع الليبرالي المستعدة للتعاون، مثلما أوضحت غابي هوبر، رئيسة الفريق النيابي الليبرالي - الراديكالي (المشترك) في البرلمان الفدرالي.
هذه الرسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى المنشقين عن حزب الشعب السويسري (يمين متشدد) الذي أسسوا مؤخرا الحزب البورجوازي الديمقراطي لكنها لا تستبعد أيضا الخضر الليبراليين الذين سجلوا حضورا ملفتا في زيورخ بالخصوص خلال الإنتخابات العامة الأخيرة.
في المقابل، يبدو التقارب مع الحزب الديمقراطي المسيحي، حزب الوسط الآخر المشارك في الإئتلاف الحكومي الحالي أكثر صعوبة. ويُلاحظ فولفيو بيللي أن هذا الحزب أظهر في الفترة الأخيرة "توجها لتشكيل تحالفات مع اليسار والمدافعين عن البيئة. أما نحن فلدينا آراء أخرى".
ترحيب لا يصل إلى حد الغزل
الحزب الجديد الذي لم يتردد في توجيه رسائل إيجابية إلى التشكيلات السياسية الأخرى التي تعتنق المبادئ الليبرالية، لا يريد ممارسة ضغوط على الأطراف الأخرى المعنية بإنشاء "بيت كبير مشترك" يشمل الجميع، لذلك حرصت غابي هوبر على توضيح الأمر: "نحن مستعدون لكن يتعين عليهم القيام بالخطوة الأولى".
ومن جانبه، دعّـم فولفيو بيللي زميلته البرلمانية قائلا: "نحن متعودون على القيام بخطوة تلو الأخرى. حاليا نواصل عملية التعاون التي أطلقناها قبل خمسة أعوام بتشكيل مجموعة برلمانية واحدة تضم الحزبين. لا نريد استعجال الأمور ولكن ترك الوقت للآخرين كي يقرروا ما الذي يفعلونه".
وفي الوقت الحاضر، يتمثل الإنشغال الرئيسي للقادة الليبراليين والراديكاليين في أن ينجحوا العام المقبل في إطلاق "أكبر حزب شاب لسويسرا، متحفز للتعاطي مع التحديات الكبرى للقرن الحادي والعشرين، والذي سيكون في الوقت نفسه الحزب المتوفر على أعرق تقليد سياسي في جيناته"، على حد تعبير بيللي.
وسيتمثل هدف الحزب الجديد في "إقناع المواطنين في هذا البلد بأن العقل يجب أن يتغلب مجددا على العواطف"، حسب تأكيد بيار فايس، رئيس الحزب الليبرالي.
بعض خبراء السياسة.. متشائمون!
وفي معرض الرد على التساؤلات المطروحة حول الإحتمالات الحقيقية لنجاح الحزب الجديد في تجميع كافة القوى الليبرالية المتواجدة على الساحة السياسية، أقر رئيس الحزب الليبرالي بأنه "من العسير التكهن بذلك".
في الأثناء، لا يخفي عدد من المراقبين تشاؤمهم بإمكانية نجاح العملية. وفي تصريح لسويس انفو، قال الخبير السياسي ميكائيل هيرمان من جامعة زيورخ "الحزب الليبرالي والحزب الراديكالي يُحاولان إنقاذ ما يُمكن إنقاذه"، وذكّر بأن الحزبين شهدا تراجعا ملموسا في شعبيتهما على مدى السنوات الأخيرة.
من جانبه، اعتبر جورج لوتس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لوزان أن "الإندماج المرتقب له قيمة رمزية بالخصوص لكنه لن ينجح في حل مشاكل الحزب الراديكالي". ولا يرى الخبير السياسي "في الوقت الحاضر" على الأقل أن بإمكان الخط السياسي للحزب الرديكالي استقطاب المزيد من المؤيدين ويضيف قائلا: "السؤال الحقيقي بالنسبة للراديكاليين ولأحزاب وسط اليمين الأخرى يتمثل في كيفية وإمكانية عقد تحالفات فيما بينها".
سويس إنفو - سونيا فيناتسي
(نقله إلى العربية وعالجه: كمال الضيف)
تاريخ حركة سياسية عريقة
تطور التيار الليبرالي في سويسرا منذ بداية القرن التاسع عشر، وعلى المستوى السياسي، فرضت الحركة الليبرالية نفسها في العديد من الكانتونات بحلول عام 1830 تقريبا.
إثر ذلك، لعب الراديكاليون (يتموقعون على يسار الليبراليين) دورا محوريا في تأسيس الدولة الفدرالية الحديثة في سويسرا عام 1848 التي بسطوا هيمنتهم عليها بدون منازع تقريبا حتى عام 1918.
تعود جذور حزب الشعب السويسري أيضا إلى الحركة الليبرالية الكبرى في سويسرا. فقد ظهر للوجود نتيجة انشقاق بعض الأوساط الزراعية التي لم تكن تشعر أنها ممثلة بالقدر الكافي في صفوف الحزب الراديكالي.
في الأعوام الأخيرة، اختفى الحزب الليبرالي تقريبا من الساحة الوطنية لكنه لا زال يتمتع بحضور لا بأس به في الكانتونات البروتستانتية في سويسرا الروماندية (المتحدثة بالفرنسية) وفي بازل المدينة.
في العشريات الماضية، سجل الحزب الراديكالي تراجعا مستمرا في عدد الأصوات المتحصل عليها. وفي الوقت الحاضر، لا يزيد حجمه عن 15% ونيف ما يجعله ملاحقا عن قرب من طرف الحزب الديمقراطي المسيحي. ويتوفر الحزبان في الوقت الحاضر على نفس عدد المقاعد (31) في مجلس النواب (الغرفة السقلى للبرلمان الفدرالي).
على العكس من ذلك، سجل حزب الشعب السويسري (يمين متشدد) صعودا قويا في العشرية الأخيرة وأصبح في أعقاب الإنتخابات البرلمانية الأخيرة (أكتوبر 2007) الحزب الأول في سويسرا بحصوله على حوالي 30% من أصوات الناخبين.