Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/97

هل سيكون "المحافظون الجدد" الجمهوريون، الذين سيطروا على البيت الأبيض منذ عام 2000، مجرد ظاهرة عابرة في السياسة الأمريكية؟
كل الدلائل تشي بأن شمس المحافظين الجدد الغاربة في الحزب الجمهوري، تستعد للشروق في ولادة جديدة من داخل الحزب الديمقراطي.
هل سيكون "المحافظون الجدد" الجمهوريون، الذين سيطروا على البيت الأبيض منذ عام 2000، ظاهرة عابرة في السياسة الأمريكية؟
وهل سيؤدي تعثّر مشروعهم في العراق، الذي أرادوا منه أن يكون منصّـة انطلاق للسيطرة المباشرة على كل الشرق الأوسط الكبير عبر بوابتي طهران ودمشق، إلى بداية النهاية للفكر "المثالي" الأمريكي الداعي إلى إعادة صياغة العالم على الصورة الأمريكية؟
هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، تطرح نفسها الآن، ليس فقط في أوساط القوى الديمقراطية والتقدمية الأمريكية المعادية لفكر المحافظين الجدد بوصفه "إمبريالية جديدة"، بل حتى في صفوف الحزب الجمهوري الذي بدأ يشعر بالقلق من تراجع شعبيته بسبب مغامرات المحافظين الجدد في الشرق الأوسط وبقية أنحاء العالم.
لكن، وفيما الكثيرون ينهمكون بسعادة هذه الأيام في التحضير لجنازة "عصابة المحافظين الجدد" الجمهوريين (كما يطلق عليهم في واشنطن)، يبدو أن مفاجأة غير سارّة تنتظر هؤلاء في مكان لم يتوقعوه أبداً: الحزب الديمقراطي الأمريكي.
فكل الدلائل تشي بأن شمس المحافظين الجدد الغاربة في الحزب الجمهوري، تستعد للشروق في ولادة جديدة لدى الحزب الديمقراطي، وهذه الشمس تنشر "أشعتها الحارة" الآن في مواقع عدة مثل "مؤسسة السياسة التقدمية"، التي أصدر رئيسها مؤخراً كتاباً يُـعرف مضمونه من عنوانه: "بكل طاقتنا: إستراتيجية تقدمية لهزيمة الجهادية والدفاع عن الحرية".
في حين، كان محافظ جديد ديمقراطي آخر هو بيتر بينارت، رئيس تحرير "نيو ربابليك"، يحشد حوله مروحة من خبراء الأمن الشبان في الحزب الديمقراطي، ويبشّـر بالعودة إلى مبادئ الحرب الباردة التي وضعها الرئيس ترومان، بهدف توسيع الحرب ضد الإرهاب، وهذا أيضاً ما تدعو إليه منظمة "جيل 11 سبتمبر" الديمقراطية التي ترفع شعار "مشروع ترومان للأمن القومي"، وحركة المثقفين بقيادة لاري دايموند ومايكل ماكفول، التي تقترح زرع اتفاقات هلسنكي، التي ألزمت دول حلف وارسو بشرعية حقوق الإنسان، في الشرق الأوسط.
وتوضح "فاينانشال تايمز" أن هذه الرّزمة من الصقور الليبراليين، تدعو إلى تصعيد الحرب ضد الإرهاب، وتعزيز المؤسسة العسكرية، ونشر الديمقراطية في كل أنحاء العالم، وهذا بالطبع مُـطابق تماماً لما يدعو إليه زملاؤهم الجمهوريون، لكن مع الفارق أن الأوائل يشددون على ضرورة حماية الحريات المدنية في الداخل الأمريكي، وينتقدون تجاوزات الأخيرين في هذا الشأن.
قد يتبادر إلى الذهن هنا، أن هذه المجموعات الجديدة لن تكون قادرة على السيطرة على الحزب الديمقراطي كما سيطر زملاؤهم الجمهوريون على حزبهم. ففي النهاية، الحزب الديمقراطي هو عرين التيارات الليبرالية والمعتدلة، وحتى اليسارية، لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة تاريخًا وحاضراً.
فالحرب في فيتنام وبقية أنحاء الهند الصينية، كانت في الأساس مشروعاً ديمقراطياً ليبرالياً، لا جمهورياً محافظاً، ثم أن التيارات اليمينية المتطرّفة ظهرت في الحزب الديمقراطي قبل وقت طويل من اجتياحها الحزب الجمهوري، وهذا تمثل في تيار جين كيرباتريك ونورمان بودهوريتز، اللذين قادا في السبعينات حملة عنيفة ضد "الماكفارنية" التقدمية.
وحاضراً، بدأ المحافظون الجدد الديمقراطيون يستقطبون أعداداً متزايدة من القيادات السياسية الديمقراطية، وعلى رأسهم مرشحة الرئاسة هيلاري كلينتن، التي تصنّـف نفسها الآن على أنها "صقر عسكري"، والسيناتور تشارلز شومر، الداعي لتقسيم العراق إلى ثلاث دول، وغيرهم.
ماذا يعني هذا الانبعاث الجديد للمحافظين الجدد؟
ليس هناك في الواقع سوى تفسير وحيد: حاجة الرأسمالية الأمريكية في طورها الجديد المتعولم، لشن الحروب العسكرية وغير العسكرية في شتى أنحاء العالم، بهدف فرض قوانين السوق الحرة الملائمة للشركات الكبرى متعدّدة الجنسيات، والسيطرة على موارد الطاقة والموارد الطبيعية الجديدة في كل أنحاء العالم.
ولأن "الحاجة أم الاختراع"، تنبت كالفطر في القرن الحادي والعشرين تيارات من هذا النوع في الحزب الديمقراطي، شبيهة بتلك التي نبتت على جلد الحزب الجمهوري في تسعينات القرن العشرين، والتي كانت في أساس كل الحروب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة راهناً، وهي حاجة ستزداد بعد قليل أضعافاً مضاعفة، بسبب الوهن الذي أصاب الحزب الجمهوري، وبروز الحاجة إلى ضخ دماء جديدة لمفهوم حروب العولمة، عبر الحزب الديمقراطي.
رمزان
ماذا سيعني هذا التطور في الداخل الأمريكي بالنسبة للشرق الأوسط؟ الكثير. كيف؟ للمحافظين الجدد الديمقراطيين الأمريكيين بطلان رمزيان: الجنرال اللبناني الأصل جون أبي زيد، قائد القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي (سينتكوم)، والمحلل العسكري الإستراتيجي توماس بارنيت.
اختيار المحافظين لهاتين الشخصيتين لم يكن اعتباطياً، فكلاهما يعتبر أن المهمة الأولى للقوات المسلحة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، هي دمج العالم الثالث بالعولمة الأمريكية، وبالقوة إذا اقتضى الأمر، وكلاهما يعتبر الشرق الأوسط الكبير الساحة الأبرز لهذه المهمة الجديدة.
الجنرال أبي زيد، أو "العربي المجنون"، كما يطلقون عليه في البنتاغون، كان صريحاً في التعبير عن هذه التوجّـهات، حين أعلن قبل أيام أن حرب العراق "هي أولى حروب العولمة الدائرة الآن بين المجتمعات المنفتحة والمغلقة"، في حين أن بارنيت، الذي سبق له أن وضع كتاباً شهيراً عام 2004 بعنوان "خريطة البنتاغون الجديدة"، أصدر قبل أيام أيضاً كتاباً جديداً ضمّـنه الأفكار الرئيسة الآتية:
1- منذ نهاية الحرب الباردة، باتت الأخطار الأكبر على الولايات المتحدة وحلفائها تأتي من المناطق الفوضوية والمتخلفة في العالم الثالث.
2- يطلق بارنيت على هذه المناطق تعبير "الفجوة"، ويحدّدها بأنها تلك المنفصلة عن الإنجازات التكنولوجية والاقتصادية للعولمة.
3- لسد هذه "الفجوة"، يتعيّـن على الولايات المتحدة وحلفائها في النواة الصّـلبة للعالم المتطور، القيام بأدوار أكثر طموحاً لبناء الأمم في هذه المناطق، وهذا سيتطلب من القوات الأمريكية الانفصال إلى مجموعتين: قوات عسكرية ذات تكنولوجيا متطورة قادرة على إطاحة "الأنظمة المتشردة"، وقوات عسكرية متخصصة في بناء الأمم، وهو يصف الجيش الأمريكي بأنه "قوة الخير العالمية، التي ستحقق أكثر حقبات التاريخ البشري سلاماً".
ساحة الصراع
الديمقراطيون الأمريكيون الجدد يتبنّـون أفكار أبي زيد وخرائط بارنيت بالكامل، وهم يشاطرونهما أيضاً الرأي بأن الشرق الأوسط الكبير، ومن ورائه العالم الإسلامي، سيكون الساحة الرئيسية لهذا التمدّد الجديد للعولمة. وبالتالي، وإذا ما سيطر هؤلاء، كما هو محتمل، على جدول أعمال مرشحي الرئاسة الديمقراطيين، وعلى رأسهم هيلاري كلينتن، فسيكون في الوسع توقّـع توجّـهات أمريكية في الشرق الأوسط، ربما تكون أكثر عنفاً من تلك التي تبنّـاها المحافظون الجدد الجمهوريون.
وعلى أي حال، لم يكن صدفة، أن يتّـفق مُـعظم المحللين الغربيين على القول أن هيلاري أو أية شخصية ديمقراطية قد تصل إلى البيت الأبيض عام 2008، ستكون هي الرئيس الذي سيعمد إلى غزو إيران.
كما لم يكن صدفة أيضاً، أن قلة ضئيلة من قادة الحزب الديمقراطي تحبّـذ انسحابا سريعاً من العراق، فيما الكثرة الساحقة تؤيّـد فكرة إقامة قواعد عسكرية دائمة فيه.
كل هذا يجعل الأجواء مؤاتية، كي يرث المحافظون الجدد الديمقراطيون زملاءهم في المهنة، المحافظين الجمهوريين، وهذا، في حال حدوثه، سيعني الكثير في المنطقة العربية. فنظرية "التدمير الخلاق" ستستمر، وإن بوسائل أخرى، والعبث بخرائط الجغرافيا والسياسة سيتواصل، وجيوش العولمة العسكرية وغير العسكرية ستتابع التدفق بكثافة على المنطقة.
لقد قيل الكثير عن الحقيقة بأن نصف القوات المسلحة الأمريكية باتت موجودة في الشرق الأوسط. لكن القليل يُـقال عما هو أهم: جيوش الشركات الأمريكية الـ 150 التي اجتاحت العراق خلال السنوات الثلاث الماضية، واقتنصت عقوداً بأكثر من 70 مليار دولار، وكتائب الشركات الأخرى التي "تعسكر" في كل مكان تدخله القوات الأمريكية، من جمهوريات آسيا الوسطى - قزوين إلى أفغانستان وباكستان، مروراً بالطبع بالقرن الإفريقي وغرب القارة السمراء.
إنها العولمة المتعسكرة قيد التنفيذ. وما فشل المحافظون الجدد الجمهوريين في تحقيقه من برامجها، سيتناطح المحافظون الجدد الديمقراطيون الآن لإنجازه. ولا عجب، فالقابلة القانونية، لكلا الطرفين، واحدة.
سعد محيو – بيروت