Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00863.jsonl.gz/27

اليوم، أنا في طريقي لزيارة ركن هاديء في مبنى قصر الأمم بجنيف، والذي أخجل أن أعترف بِعَدَم زيارتي له من قبل.
تحتل مكتبة الأمم المتحدةرابط خارجي في جنيف المبنى (B) من قصر الأمم، وهو الجناح الشرقي للمبنى الأصلي الرائع لعُصبة الأمم [التي تعد سلَف منظمة الأمم المتحدة]. وَرُغم عملي هنا لأكثر من عشرة أعوام، لكن كل يوم يُذكرني بأن الطموحات التي أدت إلى إنشاء العصبة إنما تنعكس في حجمها: فهذا القصر ضخم جداً، وهو أكبر من قصر فرساي، مع أميال من الممرات، وآلاف المكاتب، ومجموعة من الإلتواءات والمُنعطفات التي يمكن أن تصبح مُحيّرة تماما. وكما قال لي أحد الزملاء مُمازحا مرة: "لا تدخلي هنا من دون بوصلة، وكيس نوم، وإمدادات غذائية وفيرة".
هذه الأفكار تراودني وأنا أتوجه إلى المكتبة. لكن، وكما بات واضحاً، فإن هذا "التوجه" الذي يفترض أن ينطوي على وجهة وهدف مُعينين هو ما أفتقر إليه اليوم. فقد أدركت للتو، ليس بأني أضَعْتُ طريقي فَحَسب، لكني أجهل كيفية العودة إلى حيث بدأت أيضاً.
ولِحُسن الحظ، جاءَت النَجدة سريعاً، عندما سألني رجل مُهذب عمّا إذا كنت ذاهبة لرؤية أماندا. ‘نعم’، أومأت له بامتنان، وبعد إجتياز عدد من الأبواب الرائعة المُصَمَّمة وفق طراز "آرت ديكو" وبعض المَمَرات، وصلت إلى وُجهتي، لأجد كل من أمينة المكتبة أماندا هولاند ومدير المحفوظات كولين ويلّز في إنتظاري.
واحة من الهدوء
الآن أجد نفسي في واحة مَهيبة من الهدوء الأنيق. ولو رَغِبْتَ يوماً بمشاهدة تحول رُؤْيَة عصبة الأمم إلى واقع راسخ في أعوام الثلاثينيات، فهذا هو المكان المناسب لتحقيق ذلك. المدخل لوحده يَحبس الأنفاس، الأبواب تمتد للأعلى على إرتفاع طابقين كاملين، والأرضيات مَكسوة ببلاطات من الرُخام العاجي والأخضر المَصقول. وفي الوقت الذي تظهر فيه آثار البلي والاستعمال على أجزاء أخرى من المبنى الأصلي لعصبة الأمم هذه الأيام، فإن كل شيء في هذه المكتبة يُومض بالحب.
الشيء الأول الذي يُطلعني أماندا وكولين عليه، هو نُبذة تاريخية عن المَبنى نفسه. ففي داخل مكتبة الأمم المتحدة، يوجد متحف صغير يتيح لك الإطلاع على الأحلام عندما كانت مُجرد حبر على ورق، والتي تحولَت إلى كيانٍ راسخ في نهاية المطاف. فلأجل تصميم المَقَر الجديد للمنظمة الأممية الشجاعة التي كان من المُفترض أن تُسدل الستار على الحرب وتجعلها من مخلفات الماضي، تم تنظيم مسابقة تَنافَسَ فيها أفضل المهندسين المعماريين في القرن العشرين.
وكانت المشاريع الهندسية المُقَدَّمة من الجودة بحيث تم تكليف خمسة مهندسين معماريين للعمل على المشروع بشكل مشترك. وهؤلاء المهندسين هم: جوليان فليغينهايمَررابط خارجي (من سويسرا)، وكاميلّ ليفيفررابط خارجي (من فرنسا)، وهنري بول نينورابط خارجي (من فرنسا أيضاً)، والمهندس المعماري الإيطالي كارلو بروغّيرابط خارجي، وجوزيف فاغو (من هنغاريا).
ولسوء حظ المعماري السويسري لو كوربوزييه - الذي كان المُرَشَح الأوفر حظاً للفوز في المناقصة على ما يبدو - لَم يُسمَح لمخططاته الطموحة بالإشتراك في المسابقة، بسبب تقديمه نُسخة مطبوعة منها، بدلاً من الرسومات الأصلية. وقد يَستَمد المعماري الشهير بعض العزاء من حقيقة أن الإفكار التي كان يأمل بتنفيذها معروضة في داخل المبنى على الأقل.
لكن، وكما في أي مكتبة، يتعلَّق الأمر بالدرجة الأولى بالكُتُب والوثائق بالطبع. وفي هذه المكتبة ليس هناك ثَمّة نقص بهذه المواد بالتأكيد. فهناك عشرة طوابق مليئة بها، إبتداءً من المدونة القانونية الكاملة لفرنسا التي تعود إلى عهد الثورة الفرنسية، وحتى آلاف الوثائق المُتعلِّقة بعمل عصبة الأمم. ولو صُفَّت هذه الوثائق من بدايتها وحتى نهايتها، فسوف تمتد وثائق العصبة لوحدها إلى مسافة ثلاثة كيلومترات.
وفي الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن الأمم المتحدة تنتج كمّاً كبيراً من الوثائق، يُمكن العثور هنا على بعض الكنوز الحقيقية، مثل معاهدة لوكارنو [المُبرَمة بين حكومات دول ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا بمدينة لوكارنو في 16 أكتوبر 1925]، التي تحمل التوقيعات الأصلية لمُمَثلي القوى الخمسة المُوَقِّعة، أو الخطاب المشوب بالعاطفة الذي ألقاه هيلاسيلاسي [آخر أباطرة إثيوپيا] أمام العصبة الدولية، بعد الغزو الإيطالي لبلاده في عام 1936.
في هذا الخطاب، وبعد استعراضه لإجراءات ايطاليا فى بلاده، حَذَّر هيلاسيلاسي الدول المُجتمعة من القضايا الموضوعة على المَحَك: "إنه الأمن الجماعى: إنه المعنى من وجود عُصبة الامم. إنها الثقة التي ينبغي أن تضعها كل دولة في المعاهدات الدولية. إنها قيمة الوعود التي قُطِعَت على الدول الصغيرة باحترام وضمان سلامتها واستقلالها. إنه مبدأ المساواة بين الدول من جهة، أو بخلاف ذلك، استجابة الدول الصغيرة للإلتزامات المفروضة عليها لقبول قيود التبعية. وبعبارة واحدة، فإن الأخلاق الدولية هي ما بات على المحك".
ولم تمضِ سوى ثلاثة أعوام، حتى وقعت الحرب العالمية الثانية، ليصبح وجود عصبة الأمم في غير محله على أحسن تقدير. وما أن وضعت هذه الحرب أوزارها حتى تمّ حل العصبة، لتخلفها في عام 1946 هيئة جديدة هي منظمة الأمم المتحدة.
إتاحة المعلومات للجمهور
إحدى أفضل الأشياء بشأن هذه المكتبة - والتي قد لا تكون معروفة جيداً كما يجب - هي انها مفتوحة للجمهور عند الطلب، وكل ما هو مخزون في هذه المكتبة من كتب ووثائق مُتاح لكل فرد.
علاوة على ذلك، يَضم المكان وُفرة من القاعات التي يمكن المُطالعة فيها، كل واحدة منها تفوق التي سبقتها أناقة. فهناك القاعة المُخصصة لقراءة المواد القانونية، وقاعة مُخصصة لقراءة المواد الإقتصادية والإجتماعية، وقاعة قراءة المحفوظات، وحتى قاعة للقراءة الدورية، إكتمل بهاؤها بثُرَيَّتين رائعتين تعودان لخمسينيات القرن الماضي، تَبَرَّعت بها حكومة تشيكوسلوفاكيا آنذاك.
مع ذلك، لا تتخيل أن مكتبة الأمم المتحدة تكتفي ببساطة بِعَرض مجلداتها البالغ عددها مليون ونصف مجلَّد، فهذا غير صحيح بالمرة.
شفافية وتنوع
بالإضافة إلى خطة طموحة لرقمنة محفوظات عُصبة الأمم بأكملها، تقوم المكتبة أيضاً بتنظيم عشرات المحادثات والمناسبات الثقافية سنوياً.
"المكتبات هي مراكز ثقافية"، كما تشير سيغرون هابرمانّ. وتتخذ السيدة التي تتولى مسؤولية إدارة الأحداث الثقافية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحوار بين الحضارات دليلاً لعملها، وتقول إن "التنوع والشفافية" هي شعارها الأساسي.
وفي شهر نوفمبر 2017 وحده، كان بإمكان موظفي الأمم المتحدة وزائريها الاستمتاع بعرض "أنا أرقص"، وهو أداء تم تصميمه بهدف تعزيز حقوق المُعاقين، رَقَص خلاله أشخاص من ذوي الإعاقات. كما كان بوسعهم التوجّه إلى معرض "ألوان التنوع" ومشاهدة لوحات ومنحوتات لفنانين ينحدرون من الأقليات الإثنية في رومانيا.
فضلاً عن ذلك، كان هناك معرض للصور الفوتوغرافية يحمل اسم "روسيا الخلّابة" (Breathtaking Russia)، يُنسيك تلك الصور الرمادية المُمِلّة للمجموعات السكنية العائدة للحقبة السوفياتية، أو قباب الكرملين الشبيهة بالبصل. ففي هذا المعرض كان بإمكان الجمهور مشاهدة بعض العجائب الطبيعية لأكبر دولة في العالم.
بدوره، سوف يكون العام الجديد 2018 مُحَمَّلاً بالكثير من الأحداث. لذا أختتم زيارتي بتقديم الشكر إلى جميع العاملين في مكتبة الأمم المتحدة. لا أعرف لمِ َلم آتي إلى هنا من قبل، ولكني أعلم جيّداً أنني سأعود إلى هنا مرة أخرى.