Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00933.jsonl.gz/45

مرة أخرى، يطرح العالم (خاصة شطره الإسلامي) السؤال الصعب على نفسه: هل الانتخابات الأفغانية فعل تاريخي ناجح، أم تمثيلية تاريخية فاشلة؟هذا المحتوى تم نشره يوم 25 سبتمبر 2005 - 05:01 يوليو,
ومرة أخرى، يأتي الجواب ملتبسا..
التمثيلية موجودة بالفعل، وهي من إنتاج وإخراج قوة خارجية هي أمريكا، تجد من مصلحتها في هذه المرحلة ترك بصمات ديمقراطية ما، ولو شكلية، في دولة محلية، هي أفغانستان.
لكن الفعل موجود أيضاً، وهو يتمثّل في الحراك الإجتماعي والثقافي الذي أثارته الحملة الإنتخابية التشريعية، وقبلها الانتخابات الرئاسية، والذي ذكّـرت الكثيرين بالتراث الليبرالي (وإن المحدود) الذي عاشته بلاد الباشتون والطاجيك والهزارة والأوزبك والسُـنّة والشيعة إباّن العهد الملكي قبل عام 1979.
لكن، إذا ما كان هذان المعطيان المتناقضان يتعايشان تحت سقف واحد، فلأي منهما سيكتب البقاء والاستمرار؟ بكلمات أوضح: هل يؤدي الفعل التاريخي المحدود على المدى البعيد إلى إنضاج تجربة ديمقراطية جديدة في أفغانستان (وعبرها إلى دول إسلامية أخرى)، أم تنتصر التمثيلية فيكون عمر هذه التجربة من عمر الورود؟
لكن قبل ذلك، وقفة أولاً أمام المعطيات التي تملي على المتشائمين والمتفائلين مواقفهم. ولنبدأ مع المتشائمين.
تحفظات موضوعية
يبني هؤلاء تشاؤمهم على ركيزتين رئيسيتين: الأولى موضوعية، والثانية نظرية.
الركيزة الأولى تشدّد على أن الانتخابات الديمقراطية تجري وسط أجواء لاديمقراطية على الإطلاق، وتتمثل بالآتي:
- إفتقاد أفغانستان الشديد للأمن، حيث لا تسيطر القوات الحكومية ومعها قوات حلف الاطلسي، سوى على العاصمة كابول وبعض ضواحيها. اما القوات الأمريكية (التي لا يتجاوز عددها 20 ألف جندي)، فهي تتحصّـن في قواعد عسكرية جنوبي البلاد قرب الحدود الباكستانية، لا تفعل شيئا سوى شن حرب كر وفر ضد تنظيم "القاعدة"، إضافة إلى حمايتها للطريق الذي ستمر فيه أنابيب النفط من حوض بحر قزوين باتجاه المياه الدافئة.
- باقي أفغانستان موزع بالعدل والقسطاس بين أمراء الحرب، وأمراء المخدرات، وأمراء طالبان، وهؤلاء الأخيرون استأنفوا العمل العسكري كالمعتاد تحت سمع القوات الأمريكية - الأطلسية وبصرها وبدعم سري من باكستان.
- الخطر الأكبر على الديمقراطية ليس طالبان، بل الميليشيات القبلية والعرقية التي يقدّر عددها بأكثر من 130 ألف مسلح مدججين بالرشاشات والصواريخ. هذه الميليشيات التي هي بقايا حركات المجاهدين الذين قاتلوا الاتحاد السوفياتي، تعتبر القوة الرئيسية في البلاد، وتقيم تحالفات ظرفية مع الأمريكيين مقابل التعاون معهم في الحرب على "الإرهاب"، كما تتلقى ملايين الدولارات من الحكومة المركزية في كابول لقاء إعلان ولائها الشكلي لها.
- كل عمليات السلب والنهب وسرقة المعونات الدولية الضخمة تتم بإيعاز من الميليشيات، وكل زراعة الخشخاش وتجارة الأفيون تجري تحت إشرافها، وبغض نظر (حتى الآونة الأخيرة على الأقل) من جانب الأمريكيين. وتقدّر الأمم المتحدة بأن 28 من أصل مقاطعات أفغانستان الـ 32 تنتج الأفيون وتوظف أكثر من 1،7 مليون عامل يعملون على أرض مساحتها 200 ألف فدان. وقد وصل إنتاج البلاد من الأفيون عام 2003 إلى 3600 طن، أي ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي.
ويتساءل المتشائمون: كيف يمكن، والحال على ما هو عليه، إجراء إنتحابات ديمقراطية وصّحية ومعقولة؟
.. وأخرى نظرية
من بطن هذه الركيزة الموضوعية، تولد الركيزة النظرية. فالمتشائمون يرون أن ما جرى لم يكن إنتخابات تؤدي الى ديمقراطية، بل هي إنتخابات توضع فقط في خدمة البرامج السياسية المحلية في الولايات المتحدة.
الافغان، برأي هؤلاء، اقترعوا لأن الرئيس الأمريكي بوش أراد إستثمار صورهم وهم يقترعون في صراعاته السياسية مع خصومه الديمقراطيين، وهم اقترعوا برغم أن العديد من الهيئات الدولية حذرّت من أن هذا التطور سيرد سلباً على مستقبل الديمقراطية في البلاد.
كان يفترض أن تكون الانتخابات حصيلة بناء "الدولة – الأمة" الأفغانية، وإنهاء سلطة أمراء الحرب والأفيون ومافيات اللصوص التي تسيطر على كل البلاد عدا العاصمة كابول، فإذا بها تأتي لتكرّس "شرعية" هؤلاء على حساب حكومة "الدولة - الأمة" المركزية.
وبالتالي، واشنطن لم تفعل شيئاً في الواقع سوى وضع عربة الانتخابات قبل حصان مشروع بناء الدولة الأفغانية، وسيكون طبيعيا أن تكون الحصيلة ديمقراطية من فوق لا تملك ولا تحكم إلا النزر القليل، وسلطات ميليشياوية إستبدادية من تحت تملك وتحكم القدر الكبير.
هذه الحقيقة كان يُعتقد قبل الانتخابات الافغانية أنها هي التي تسيّـر صانعي القرار ومنظريه الأمريكيين. ففريد زكريا، مدير تحرير "فورين أفيرز" على سبيل المثال، كتب مباشرة بعد 11 سبتمبر 2001 مقالا بعنوان "كيف ننقذ العالم الإسلامي" قال فيه: "إذا ما كان من الصحيح أن الانظمة الإسلامية إستبدادية وديكتاتورية، فإن المجتمعات المدنية ليست أفضل من أنظمتها. فهي غير ليبرالية، وقد تنحاز في لعبة الانتخابات الحُـرة الى الأصوليات المتطرفة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو بالتداول الديمقراطي للسلطة".
الترياق الذي إقترحه زكريا آنذاك هو نقل المجتمعات الإسلامية من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية عبر تطبيق القواعد الرأسمالية الخاصة بـ : حكم القانون، وحرية السوق، والحقوق الفردية، وحماية الملكية الفردية، وإستقلال القضاء، وفصل الدين عن الدولة، وهذه كلها، برأيه، تمهيدات ضرورية وطبيعية لظهور الديمقراطية.
بكلمات أوضح: هذا الباحث الأمريكي ذو الأصول الهندية، يدعو إلى بناء الدولة الدستورية كتمهيد لإطلاق الدينامية الديمقراطية. بيد أن هذه المقاربة، والتي ترسي العملية الديمقراطية على أسس مؤسساتية سياسية وإقتصادية وفكرية راسخة، لم ترق، على ما يبدو، لبعض أصحاب القرار الأمريكيين لأسباب آنية واضحة، وأخرى بعيدة خفية.
الأسباب الآنية هي إستخدام مبدإ الحرية وشعار الديمقراطية، كسلاح في المعارك السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. أما الأسباب الأبعد، فربما تكمُـن في عدم وجود نية أمريكية حقيقية في إدخال الديمقراطية الحقيقية إلى العالم العربي، خاصة إذا واصلت واشنطن سياستها الراهنة في بناء ديمقراطية بدون أرجل قانونية وحقوقية وإقتصادية وأمنية (كما في أفغانستان والعراق)، والأهم: بدون نخب سياسية وطنية محلية تضع مصالح بلادها وإستقلالها القومي فوق مصالح الهيمنة الأمريكية، ولا تكون "موظّفة" (كما هو الحال الآن في أفغانستان والعراق معا) لدى وكالات إستخبارات أمريكية.
دوافع التفاؤل
هكذا يتحدث المتشائمون. فماذا عن المتفائلين؟ هؤلاء لا ينفون الصعوبات الكبيرة التي تعترض الديمقراطية الأفغانية الناشئة. لكنهم يثيرون في الوقت ذاته النقاط المهمة الآتية:
1- التحفظات على أهميتها، لا تطال من أهمية الحدث الأفغاني ومضامينه وأبعاده. فالمهم ليس الانتخابات بحد ذاتها، بل الفلسفة الكامنة خلفها: الديمقراطية. وعلى أي حال، هل هو هيّـن أن يعمل الأفغان على تسوية خلافاتهم بأقلام الاقتراع بدل أسنة الرماح؟ وهل كان أحد ليتوقع أن تخوض أفغانستان إنتخابات حرة ونزيهة، وهي منغمسة منذ أكثر من 25 عاما في حمأة حروب داخلية وخارجية مدمرّة أسفرت عن مقتل وجرح نصف الشعب الأفغاني، وتهجير النصف الباقي داخل البلاد وخارجها؟
2- كل الديمقراطيات في العالم إحتاجت إلى عشرات، وأحياناً مئات السنين كي تنضخ وتختمر وتستقر. ويكفي أن نعلم هنا، على سبيل المثال، أن المواطنين في بريطانيا التي هي أم الديمقراطية الدستورية في العالم، لم يحصلوا على حق الإقتراع العام غير الطبقي إلا في أوائل القرن العشرين، وأن النسوة في سويسرا لم يمنحوا حق الاقتراع على المستوى الفدرالي إلا في أواخر ستينات القرن العشرين، وأن الأمريكيين الإفريقيين إحتاجوا إلى قرنين كي يحصلوا على حقوقهم المدنية من الديمقراطية الأمريكية.
3- الكاتب البريطاني فيكتور ميليت على حق: التقدم نحو الديمقراطية في أفغانستان، وحتى في الصين وباقي أنحاء العالم، سيعتمد ليس فقط على أقلام الإقتراع، بل أيضاً على مدى الاندماج في العولمة والرأسمالية العالمية. الدول الأسيوية التي حققت هذا الاندماج إقتصادياً، سرعان ما تحولّت سياسياً نحو الديمقراطية.
أما بالنسبة لمسألة فرض الديمقراطية من جانب الخارج الأمريكي، فيرد المتفائلون بالتذكير بأن الديمقراطية في العالم لم تنتصر سلمياً، بل بقوة موازين القوى، وهذا ما حدث في ألمانيا واليابان وروسيا وغيرها بُـعيْـد الحربين العالميتين الثانية والباردة.
محّرك التاريخ
نعود الآن إلى السؤال: أي وجهتي النظر ستسود حيال مستقبل الديمقراطية في أفغانستان، المتشائمة أم المتفائلة؟
الجواب هو: المتفائلة! لماذا؟ لسبب بسيط ولكن جوهري: مخاضات الديمقراطية في أفغانستان والعراق وغيرهما لا تجري في فراغ كوني، بل في إطار حركة تاريخية كبرى باتت فيها الديمقراطية هي المحرك الأول لتاريخ البشرية.
وهنا، لا نتحدث فقط عن العالمين الإسلامي والثالث، بل حتى عن الدول الغربية الغنية التي تتعرض فيها الديمقراطية الآن إلى أقسى التحديات على يد قوى السوق والعولمة التي يسميها المفكر بنجامين باربر "ماك وورلد" أو "الأصولية الرأسمالية".
وهنا على الأقل، كان الرئيس الأفغاني على حق حين قال بعد الإدلاء بصوته: "ما يجري في بلادنا هذه الأيام من تجارب ديمقراطية تاريخية وفق كل المقاييس".
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>