Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00890.jsonl.gz/16

كامب ديفيد، إيران، الأرجنتين، بنما: هذه مجرد أمثلة قليلة على كيفية توجيه الولايات المتحدة لمُجريات السياسة العالمية من خلال رسائل فُككت شيفرتها "بعد أن تمت مُعالجتها" بواسطة أجهزة مصنوعة في سويسرا.
يثبت ملف استخباراتي سري مكون من 280 صفحة تم إعداده من قِبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) و دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية (BND) أنه كان هناك تجسس على مدى عقود من خلال أجهزة تشفير من صنع شركة "كريبتو آي جي" Crypto AG السويسرية تم التلاعب بها. فقد اشترت أكثر من مائة دولة من شتى أنحاء العالم أجهزة التشفير هذه من الشركة التي يُوجد مقرها في تسوغ (Zug)، والتي مارست أعمالها تحت ستار الحياد السويسري، لكنها كانت مملوكة في الواقع من طرف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ودائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية.
وبفضل الاتصالات والرسائل المتبادلة في العديد من الدول التي تم اعتراضها وتفكيكها – والتي كان يُفترض أن تكون مُشفّرة وغير قابلة للاختراق – تم التأثير على السياسة العالمية. فيما يلي أربعة أمثلة تاريخية.
كامب ديفيد
سبتمبر 1978. بعد مرور عشر سنوات ونيف على حرب الأيام الستة، التي عانت فيها مصر وسوريا والأردن من هزيمة فادحة وخسائر في الأراضي ضد إسرائيل، أطلق الرئيس الأمريكي جيمي كارتر مبادرة سلام في الشرق الأوسط. كان يُفترض أن تُسفر عن إحلال السلام بين إسرائيل ومصر، وكانت هناك عدم ثقة كبيرة بين الأطراف المعنية.
استدعى كارتر كلا من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن إلى كامب ديفيد، منتجع الترفيه الرئاسي في ولاية ماريلاند الأمريكية. في البداية، تم إجراء المفاوضات بشكل سري. وبعد اثني عشر يوما من المفاوضات، قدمت الأطراف المنخرطة فيها خطة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل ومصر وجلب الهدوء إلى الشرق الأوسط.
وفقًا لوثائق المخابرات المركزية الأمريكية، أصبح من الواضح الآن أن المصريين تم التنصت عليهم أثناء اجتماعاتهم مع الدول العربية المتحالفة أثناء المفاوضات - بفضل أجهزة التشفير المُتلاعب بها المُقتناة من شركة "كريبتو". ويقول ريتشارد ألدريتش، الخبير في مجال الاستخبارات: "هذا يعني أن جيمي كارتر كان يلعب البوكر، لكن بإمكانه رؤية كل الأوراق".
في الواقع، نجح الرئيس الأمريكي في تحقيق اختراق طال انتظاره في الشرق الأوسط، وبدا كارتر كالبطل. "كم كانت قيمة ومفيدة قراءة المراسلات الدبلوماسية لمصر خلال مفاوضات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر عام 1979؟ إنها لا تقدر بثمن"، كما تقول وثائق الـ "سي آي أي".
إيران
أوائل عام 1979. في منتصف يناير، غادر الشاه رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة إيران إلى الولايات المتحدة بعد أشهر من الاحتجاجات الجماهيرية وتعرض الاقتصاد الإيراني للشلل. في 4 نوفمبر 1979، احتل طلاب إيرانيون غاضبون محتجون على لجوء الشاه إلى الولايات المتحدة مقر السفارة الأمريكية في طهران حيث تم احتجاز اثنين وخمسين أمريكيًا كرهائن.
نظرًا لعدم تمكن الرئيس الأمريكي كارتر من التوصل إلى اتفاق مع الزعيم الثوري الإيراني آية الله الخميني الحاكم في البلاد، تصرفت الجزائر كوسيط محايد في المفاوضات من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين. في 20 يناير 1981، تم الإفراج عن 52 أمريكيًا، بعد 444 يومًا من احتجازهم كرهائن داخل السفارة الأمريكية. استنادًا إلى وثائق وكالة المخابرات المركزية، يبدو أن واشنطن كانت تتمتع بميزة واضحة خلال المفاوضات بفضل اطلاعها على مضمون الاتصالات التي كان يُفترض أنها مُشفرة.
في السياق، صرح ممثل رفيع المستوى عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لغريغ ميلّر، الصحفي في الواشنطن بوست أن الرئيس كارتر تحصل على معلومات مفيدة في ذلك الوقت بفضل أجهزة تشفير "كريبتو" التي تمت مُعالجتها. "قال لي أنه تلقى خلال أزمة إيران مكالمات من الرئيس الأمريكي بشكل شبه يومي. كان كارتر يسأل: "ما الذي يحدث؟ ما الذي نعرفه؟". بفضل آلات التشفير التي تم التلاعب بها، تمكّن مندوب وكالة المخابرات المركزية من تزويد كارتر بمعلومات حول ما كان يفعله الإيرانيون وما قرروه.
تؤكد وثائق وكالة الاستخبارات المركزية أيضًا على هذه الحقيقة: "لقد كانت إحدى أهم المزايا تتمثل في القدرة على قراءة الاتصالات الجزائرية خلال سير المفاوضات، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين المحتجزين في سفارة طهران في يناير 1981"، كما ورد فيها حرفيا.
وفي مؤتمر إعلامي عُقد بعد إطلاق سراح الرهائن، التفت كارتر شخصيا إلى الوسيط الجزائري، وقال علنا: "أود بشكل خاص أن أعرب عن شكري الخاص للجزائريين الذين قاموا بعمل رائع وأنجزوا وساطة نزيهة بيننا وبين السلطات الإيرانية".
وبما أننا نعرف اليوم أن كارتر كان على اطلاع مستمر على نوايا الإيرانيين، فإن هذا التصريح يكتسي أبعادا جديدة تماما.
الأرجنتين
كان النظام العسكري الذي حكم البلاد من 1976 إلى 1983 زبونا لدى شركة "كريبتو" أيضا. تبعا لذلك، مكنت أجهزة التشفير التي تم التلاعب بها دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية من الاطلاع بشكل مباشر على الطريقة التي تعاملت بها الطغمة العسكرية الأرجنتينية مع معارضي النظام: كيف اختطفت، وأساءت معاملة وقتلت أعدادا لا تُحصى من البشر.
يقول خبير الاستخبارات ألدريتش: "ربما تكشف وثائق وكالة المخابرات المركزية على أكثر مما نعرفه (حتى الآن) عندما يتعلق الأمر بالاعتراف بمدى معرفة الحكومات الغربية بهذه الفظائع". ويقول إنه من المدهش أنه لم تكن هناك مقاومة أكبر للأحداث التي شهدتها الأرجنتين من طرف الأوروبيين والأمريكيين.
في واقع الأمر، تم خلال ديكتاتورية فيديلا، أسبوعًا بعد أسبوع، حشر السجناء في الطائرات والإلقاء بهم أحياء فوق البحر. في المجموع، فاق عدد ضحايا النظام العسكري عن ثلاثين ألف شخص خلال فترة حكمه التي استمرت ثمانية أعوام تقريبًا.
بنما
أكتوبر 1989. كانت شوارع بنما، البلد الكائن في أمريكا الوسطى في حالة من الفوضى. حاولت قوات عسكرية القيام بانقلاب ضد مانويل نورييغا. كان معروفا بتعاونه مع مُبيّضي الأموال وتجار المخدرات. كما كان لا يزال بإمكانه إفشال الانقلاب، ولكن الولايات المتحدة تدخلت إذّاك ونفّذت أكبر عملية محمولة جواً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
شارك ما مجموعه عشرون ألف جندي أمريكي في عملية الغزو، وبعد أربعة أيام بالضبط انتهت كل العمليات القتالية. هرب نورييغا إلى سفارة الفاتيكان. وبعد عشرة أيام، استسلم الحاكم السابق للقوات الأمريكية وتم نقله جواً إلى ميامي، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة أربعين عامًا بتهمة تهريب المخدرات، وتم تخفيض الحكم لاحقًا إلى ثلاثين عامًا.
وفقا لوثائق وكالة المخابرات المركزية، "عندما غزت الولايات المتحدة بنما في عام 1989 لاعتقال مانويل نورييغا، تلقت إشارة أولى تُفيد بأنه كان موجودا في سفارة الفاتيكان، وذلك بفضل شبكة اتصالات "مينيرفا" التابعة للفاتيكان". بعبارة أخرى، كان الفاتيكان يتواصل مع سفارته في بنما باستخدام جهاز تشفير مُتلاعب به، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بصدد الاستماع إليه.
عشرات الدول المعنية
تشير الوثائق التي تمكن فريق التحقيق الاستقصائي من الاطلاع عليها إلى أن أكثر من 120 بلدا استخدم تجهيزات تشفير مصنوعة من طرف شركة "كريبتو" آي جي من خمسينيات القرن العشرين إلى بداية الألفية الثالثة. ومع أن الوثائق تخلو من قائمة كاملة للدول المعنية لكنها أوردت أسماء 62 عميلا على الأقل شملت معظم دول أمريكا اللاتينية ودولا آسيوية (الهند، باكستان، اليابان، ماليزيا، اندونيسيا، كوريا الجنوبية..) وافريقية (أنغولا، الغابون، نيجيريا، جنوب افريقيا، الكونغو..) والعديد من البلدان العربية ومن دول الشرق الأوسط من بينها:
تركيا، الجزائر، مصر، ليبيا، المغرب، تونس، السودان، إيران، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات.
(المصدر: جريدة واشنطن بوسترابط خارجي الأمريكية الصادرة بتاريخ 11 فبراير 2020)
(نقله إلى العربية وعالجه: كمال الضيف)