Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00892.jsonl.gz/136

مع اقتراب دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي بروسيا، أُعيد افتتاح المتحف الأولمبي في لوزان بعد خمس سنوات كاملة من أشغال الصيانة والترميم. ومن خلال عروضه المُذهلة المستفيدة من قمة البراعة التكنولوجية، يحتفي المتحف الشهير بدون خجل بأمجاد الألعاب في مسعى واضح لوضع حد للجدل القائم بشأنها. ومع أن التسمية ظلت "المتحف"، فإن البناية الإستثنائية الواقعة على ضفاف بحيرة ليمان، تحولت بعد ترميمها إلى ما يشبه "المعبد" المُخصّص لتشريف الألعاب الأولمبية التي تم تجسيمها بواسطة حديقة رقمية على غِرار ما يُوجد في "ديزني لاند".
في البداية، كان هذا المتحف الذي بُني في عام 1992، مُخصّصا لتقديم سلسلة عروض تُخلِّـد تاريخ الألعاب الأولمبية. وبعد إغلاقه في السنتين الماضيتين للقيام بالترميمات التي كلفت حوالي 55 مليون فرنك سويسري، ها هو اليوم ينبعث من جديد بشكل معاصر، محتويا على كل المعدّات الإلكترونية والتجهيزات التكنولوجية للقرن الحادي والعشرين.
ففي ركن من البناية، تسمح صور ثلاثية الأبعاد للزوار باكتشاف الألعاب الأولمبية الأصلية، مثلما كانت تُمارَس في مدينة أولامب باليونان القديم. وفي ركن آخر، عرض للأفكار التي جسّمت الألعاب الأولمبية المُعاصِرة، انطلاقا من أفكار مؤسسها الفرنسي بيار دو كوبيرتان.
هناك أيضا هيمنة للتعبير بالصور، إلى حدِّ أن الأمر يبدو في بعض الأحيان مُبالَـغا فيه مثلما هو الحال مع تجسيم تساقط المطر فوق نافذة مكتب بيار دو كوبيرتان، ويبدو أن المقصود بذلك يتمثل في إحداث تأثير نفسي على الزائر والمشاهد.
اللجنة الأولمبية الدولية
افتتح المقر الرسمي للجنة الأولمبية الدولية في مدينة لوزان الواقعة على ضفاف بحيرة ليمان منذ عام 1915، بعد أن قرر مؤسس الألعاب الأولمبية المعاصرة الفرنسي بيار دو كوبيرتان نقل المقر إليها من باريس.
ترمز ألوان الدوائر الخمس التي تمثل الشعار الأولمبي ألوان أعلام الدول الأصلية التي أسست الحركة الأولمبية الحديثة في عام 1914.
اليوم، بلغ عدد الأعضاء في الحركة الأولمبية 204 دولة ومملكة ومنطقة، أي أكثر من العدد الحالي للبلدان الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.نهاية الإطار التوضيحي
انغماس كلي
في قاعة نصف دائرية في قلب البناية، توجد فسيفساء عملاقة مكونة من شاشات عرض تعكِس حصيلة مجهود الرياضيين وهم يهمّون بتنفيذ مهامهم، ويشرح فريديريك جامولي، المسؤول عن المعرض ذلك بقوله: "بهذا الإنغماس التقني الكلي، نتسلل الى داخل ذهن الرياضيين، وندعو الزوار لمحاولة تجربة ما يدور بخاطرهم من مشاعر"، وهذا في الوقت الذي يتم فيه عرض عبارات متتالية مثل "الرغبة"، "العزيمة"، "هذه هي فرصتي"، وسط موسيقى صاخبة وكأنها دوي محرّك سيارة من طراز "بورش".
في حديث إلى swissinfo.ch، اعتبر فرانسيس غابت، مدير المتحف أن ذلك كان "خيارا تحريريا"، وقال: "مَـن يأتي إلى هناك، يأتي ليعيش الأحاسيس والمشاعر". ولدى سؤاله عما إذا كان لا يخشى أن تطغى الجوانب التكنولوجية وتحتل الصدارة في العرض، أجاب بالإشارة إلى أن "الصور قوية بما فيه الكفاية لكي تتحدّث عن نفسها. إننا نرغب في أن يستشعر الزائر الأرض والعشب والإثارة"، على حد قوله.
عرض مصور
تنطلق الزيارة من الجزء العلوي للبناية وتنحدر عبر الطوابق الثلاثة، إذ يقول المدير "لقد تصوّرنا ذلك على شكل عرض سينمائي بسيناريو وصور مخصّصة لكل موضوع". وهناك موضوع رئيسي في كل طابق.
الطابق الأول مخصّص "لعالم الألعاب الأولمبية" (الجانب التاريخي)، أي لما بدأت الألعاب تتطوّر بشكل واضح كأحسن فكرة تحدث في تاريخ الإنسانية. ثم نصل إلى الرجال العظماء الذين ساهموا في تجسيد الألعاب الأولمبية القديمة منها والحديثة، ثم نعود للاستمتاع بالماضي عند رؤية المشاعل التي رفعت في كل دورة منذ عام 1936 وحيث يتم استعراض الطريقة التي تمّت بها مواجهة الأوضاع الصّعبة التي نظمت فيها الألعاب بكل نجاعة وأناقة. وكما قال فريديريك جامولي "لقد كنا في حاجة للتوضيح بأن المغامرة الأولمبية هي من صنع الرياضيين، ولكن ليس لوحدهم".
وهذا الجانب من العرض، هو موجّه أيضا لتوضيح براعة المهندسين المعماريين والساهرين على الديكور والفنانين الذين ساهموا في تصميم الألعاب. ولكن ليس في ذلك أي تذكير بالحالات السلبية الكثيرة التي وجدت فيها المدن المخصّصة لاحتضان الألعاب نفسها غير قادرة على الحفاظ على المباني الأنيقة التي أقامتها على عجل أو المشاكل المالية التي عانت منها هذه البلدان لفترة من الزمن، بسبب تلك الألعاب.
الطابق الثاني مخصّص لرحلة عبْر مختلف "دورات الألعاب الأولمبية" ولتخلد الرياضي وحده الذي بدونه لم يكن ممكنا للألعاب أن ترى النور. وفي المعدّات التي كان يستعملها الرياضيون، احسن سرد لقصّتهم. أما الأفلام، فتعبِّر عن لحظات الفوز التي عاشوها. ويقول مدير المعرض "هنا يمكن أخذ نظرة واقعية عن حقيقة المنافسة".
والطابق الثالث يحمل شعار "الروح الأولمبية"، وفيه استعراض للمكوِّنات الضرورية لخلق بطل، ولكن مع تركيز على المعايير الأخلاقية التي عليهم مواجهتها، إذ يقول فريديريك جامولي "ما نحاول شرحه هو أن الحركة الأولمبية ليست مجرّد تنظيم ألعاب اولمبية، بل تهدف أيضا لعكس صورة عن المجتمع".
إنه تسلل الى داخل كواليس الألعاب الأولمبية، حيث يتلقى الرياضيون تحضيراتهم الجسدية والنفسية والغذائية. هناك عروض لبعض الماركات مثل "فاندوس" و"تيسكو"، إلى جانب معدّات حديثة تساعد على تقوية المجهود الرياضي، مثل بعض المكوِّنات المختلطة التي بدأت تعوِّض قصَب البامبو المُستعمَل من قِبل رياضيي القفز أو أحذية مستخدمة لتكنولوجيا متقدّمة جدا.
وعن سؤال لـ swissinfo.ch بخصوص ما يمكن قوله عن تلك المنشطات غير الشرعية التي تؤثر في أداء الرياضيين، والتي أصبحت من الأسئلة المطروحة بكثرة، أجاب كل من مدير المعرض ومدير المتحف، بأنه مشكل مطروح ولم يحاول المتحف تجنّبه، إذ يقول السيد جامولي "عندما نتحدث عن تناول هذه المكوِّنات المساعدة، لا نرغب من وراء ذلك التشهير بالرياضي، بل لشرح طريقة عمل الوكالة الدولية لمحاربة تعاطي المنشِّطات ولإظهار كيفية إيجاد الحلول البديلة وكيف يمكن محاربة ظاهرة تعاطي المنشِّطات". وعلى إحدى الشاشات، يتم عرض بعض المحاليل الكيماوية. ويرى فرانسيس غابت "بأننا في الطريق من أجل كسب المعركة، وليس الحرب".
عمليات الترميم
تم تصميم المتحف الأولمبي في صيغته الأولى من طرف المهندس المعماري المكسيكي بيدرو راميريز فاسكيز، الذي كان عضوا في اللجنة الأولمبية الدولية، ومن قبل المهندس المعماري السويسري جون بيار كاهين.
افتتح المتحف الأولمبي أبوابه في عام 1993، وتم اختياره كمتحف على المستوى الأوروبي في عام 1995.
أعاد المتحف فتح أبوابه بوجه الجمهور في 21 ديسمبر 2013 بعد 23 شهرا من أعمال الترميم والصيانة، سهرت عليها شركة براون وفيلشي السويسرية المشهورة في الأعمال المعمارية.
تمت مضاعفة الحيّز المخصص للعروض في المتحف، بما في ذلك الفضاء المخصص لإقامة معرضين مؤقتين في السنة. ويضم الحيز المخصص للمعرض الدائم، حوالي 300 شاشة عرض وأكثر من 1500 موضوع مجسم.
تم إطلاق شعار « TOM » على المتحف بعد ترميمه، أي ما يعني باللغة الانجليزية "المتحف الأولمبي". ويُوجد في العالم أكثر من 60 متحفا أولمبيا.
يضم المُجمّع الأولمبي، مركز الدراسات الأولمبية وقاعات محاضرات وأقساما لتعليم الأطفال.نهاية الإطار التوضيحي
تسليم المشعل
في تنظيم محكم، تم اختيار يوم إعادة افتتاح المتحف الأولمبي في نفس يوم اختتام رئيس الإتحاد الأولمبي جاك روغ لفترة رئاسة استمرت لمدة 12 عاما، وتسليمه المفتاح الأولمبي لخلفه توماس باخ، الذي شغل منصب نائب الرئيس لأكثر من عشر سنوات.
فقد تم مؤخرا انتخاب توماس باخ، الألماني الأصل، والحاصل على ميدالية أولمبية في المبارزة والمزاول لمهنة المحاماة، لتولّي منصب رئيس اللجنة الدولية الأولمبية، وسط ادِّعاءات مفادها أن قُربه من عالم الشركات ومن الأوساط العربية، قد يُعيق استقلاليته. في الأثناء، أعلن توماس باخ بأن "إحدى ركائز الألعاب الأولمبية، هو هذا المتحف الأولمبي"، لدى صعوده لأول مرة على المنصّة من أجل قصّ شريط الإفتتاح كرئيس جديد.
في الوقت الحاضر، لا تُوجد مؤشرات في هذه الواجهة الجميلة بلوزان على المشاكل الآنية التي تنتظر الرئيس الجديد، من بينها، القانون الروسي الجديد المناهِض للمثليين والإضطرابات الإجتماعية التي اندلعت في البرازيل بسبب المصاريف الباهظة التي أثارها تنظيم الألعاب الأولمبية لعام 2016 وكأس العالم لكرة القدم في عام 2014، وتورّط بعض الحكّام الأولمبيين ووفاة عدد من العمّال المشاركين في بناء متسرّع لبعض المنشآت الأولمبية والسرعة الكبيرة لتدخل وسائط التواصل الإجتماعي، الأمر الذي أدى إلى إقصاء اثنين من الرياضيين بسبب تدوين تغريدات غير مقبولة...
(نقله من الإنجليزية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch