Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00867.jsonl.gz/40

Shaker Laibi
شاكر لعيبي
(هذه المادة نشرت في مجلة أبواب اللندنية سنة 2000)
النقطة
في الفن الإسلامي بصفتها تعبيراً عن الكينونة الطفيفة
ملاحظات ومقاربات عن النقطة فن الفن الإسلامي والنقطة لدى كاندينسكي
إذا كان البصري العربي الإسلامي يقدِّم التجريد نموذجاً، ويطمح الى الشكل الصافي، في نية الابتعاد عن الدنيوي، والاقتراب من الصفاء والاختصار الهندسيين فإن تنظيرات الخطاطين العرب بشأن (النقطة بصفتها وحدة للقياس) وتنظيرات الفلاسفة خاصة إخوان الصفا بشأنها (كجسد بصري مكوِّن للخطوط والسطوح ) يصلحان، متناظرين، أن يكوَّنا برنامجاً كاملاً لمشروعٍ تشكيلي روحي. بدءأ من أبن مقلة، المستند دون شك على المعارف العامة السائدة في علم الهندسة جرى تثبيت النقطة كأساس لبناء الحرف، في خلق توازنه البصري. وإذا ما كان فن الخط هو البحث البصري الممنوح أولوية معينة في الفن التشكيلي العرب الإسلامي، فإن هذه المسألة تستحق التوقف قليلا، بسبب نتائجها المتعلقة بمجالات أخرى.
كانت النقطة إذن وحدة تقاس فيها تناسبات الجمالي الذي كان الحرف يعبر، بدءاً، عنه. كان الأمر يجري على يد ابن مقلة على الشكل التالي : كان "يرسم الحافة الهندسية للحروف ثم كان يصلح أشكالها ومقاساتها على وجه التقريب بواسطة النقطة المعينية، وبواسطة حرف الألف والدائرة المعيارية..". "كانت الألف - المعيارية خطاً مستقيماً عمودياً يقيس عددا مخصوصا من المعينات الموضوعة قمة فوق قمة، وهو عدد يختلف حسب الاسلوب من خمسة الى سبعة. إذ أن إرتفاع الداثرة - المعيار كان مساوياً للألف، والجميع الألف والدائرة كانت أيضاً مستخدمة كشكل هندسي مرجعي". هنالك إذن دائرة أليفها هو القطر ووفق هذا القطر سيجري بناء جميع لحروف : ستَشْغل الراء 1 /4 من الدائرة بينما الباء فستساوي القطر أفقيا...إلخ. في مخطوطة منسوبة الى ابن مقلة، يكتب شارحها في الهامش : "ربع الدائرة (هو) ست نقط وربع النقطة وربع سُبع نقطة (و) لاتمام الدائرة خمس وعشرون نقطة وسبع نقط…".
لكن ما هو شكل النقطة على وجه التحديد، وهل هناك فروقات في طريقة كتابتها؟
التعريف الذي يقدمه المسعودي لها يحدد شكلها بوضوح : "هي سطح مربع يتكون نتيجة جرة قصيرة للقصبة على الورقة، طوله مساو لعرض منقار القصبة". انها إذن "مربع صغير" منحرف قليلا، كما يرسمها المسعودي نفسه (انظر الشكل).
شكل النقطة - المعين لدى الخطاطين
هذا الشكل المربع يجيء نتيجة استخدام القصبة فحسب، لأن ما يعتبر نقطة في الكتابة وعلم الحساب لا يتقيد، ابداً، بهذا الشكل المربع، ويتخذ بالأحرى شكلا دائراً سهلاً لدى الكتابة اليدوية، بل ان منظر هذا المربع سيتخذ هيئة دائرة عند رؤيته من بعيد، وهذه الملاحظة ليست شكلية وتكتسي أهمية بصرية لا ينبغي أن تغيب عن البال. سيتابع إختلاف وتعدد أشكال الخط في النهاية طريقة الترتيب في فضاء الورقة للنقاط المرسومة والمرئية التي ليست سوى نقاط استدلال ، للخطاط نفسه، أو تظهر كعنصر تزييني، يحضر من أجل، كما يقول المسعودي، "إعطاء قيمة للفراغ". ان استخدام النقطة كوحدة قياس يدل على أكثر من أمر واحد: أولا: يلخص هذا المعيار فكرة الفن الاسلامي الذي وهو يهجر التشخيصية اي يهجر رسم الآدمي، فانه يسعى، في الحقيقة، الى قياس المجرد المحض، الكلمة الالهية، السامي والرفيع، الروحي والمقدس لوحدها ويركز عليها لوحدها. يؤكد اليوم المزيد من الباحثين الأوربيين ان دور الخطاط العربي كان يماثل دور الرسام الأوربي ولكن برؤية مختلفة للعالم، وأن هذا الفن كان يناظر في الحقيقة (فن الرسم)، بالمعاني كلها الممنوحة لكلمة رسم في القاموس الغربي. تناظر يمكن إقامته حتى في الأمور التقنية والحرفيات المستخدمة في الضفتين : كان الفنان المسلم يستخدم بدل فرشاة الرسام الأوربي القصبة أو القلم، ومكان الباليته الأوربية كان المسلم يستخدم المحبرة، كما، وبشكل أساسي، مكان الجسد أو الشكل الموضوعي ، كان يستخدم الحرف والشكل الهندسي، وبدلا- من الرؤية الدنيوية المهيمنة على الرسم الغربي (حتى وهو ينشغل بموضوعات دينية وأسطورية وبمجازات أخلاقية مستلهمة من الاغريق والرومان ) كانت ثمة في الفن الاسلامي رؤية قدسية أو دينية بالمعنى العميق للكلمة (لأنه لا يصح ان نتكلم عن فن ديني في الاسلام كما نتكلم عن فن مسيحي). كان ثمة المقدس، من دون شكل. كان التشخيص يهيمن في أوربا بشكل مطلق وكان يهيمن التجريد هنا بشكل شبه مطلق حتى (الفراغ) نفسه في الفن الاسلامي كان ينبغي عليه الامتلاء بحضور المقدس ذاك، إذا لم يكن هو نفسه تعبيرا عن المقدس، وكان يعبر عنه، تجريديا، بتكرارات شكلية لا نهائية تريد التشبه بلانهائية المقدس : الله، القدوس، الحاضر في كل مكان. ورغم ما قد يقال عن خوف سلبي، مرضي، من الفراغ الحاضر في الفن الاسلامي، الذي كان يتوجب عليه، حسب هذا الرأي، أن يطمِّن نفسه بالزخارف، فانه يصير (فراغاً مُزَخْرَفاً ) وممتلئاً إذا صح التعبير ويلعب دوراً في المخطط النظري الأصلي، بل ينبثق عنه. لقد أعيد الاعتبار الى هذا الفراغ في الفن الغربي بعد حين في منظومة معاصرة تقيم له أعتبارا مماثلا من بعيد، ليكون موازيا للكتل الرئيسية نفسها، في توازنات يدعم فيها (الفراغ) (الامتلاء) وبا لعكس.
ماذا تقيس هذه النقطة وتلك الدائرة المعيارية؟
انهما تودان قياس ما لايُقاس، ما هو فرق بشري. . انهما لايقيسان الكتلة الواقعية، بل توازنها الخفي، الخط نفسه، الفكرة الأصلية قبل تحققها، قبل أن تتلبس هيئة رجل أو شجرة أو كرسي. أنهما يقيسان المجرد إذن.
من هذه الزاوية فحسب تختلف وحدة القياس الحرفية هذه مع وحدة قياس دافنشي المعروفة. مقاربة يشير اليها، عرضاً، غي جاكيه وهو يقدم احد كتب المسعودي الخطية، الا انها تستحق أكثر من ذلك. ففي محاولة دافنشي لاقامة نظام يتم عبره ضبط النسب الدتيقة لرسم الهيثة الآدمية يقدِّم حلا يقوم على أساس رياضي متحقق كذلك في ذات دائرة معيارية. حسب مؤرخة الفن كينيث كلارك في كتابها (فن الرسم العاري ) فان دافنشي كان يطرح على نفسه "الكيفية التي يتم بها ربط المربع بالدائرة لخلق الشكل المحكم التكامل". وهي تجيب بان: "على الانسان لكي يوضع في دائرة أن يباعد ما بين ساقيه، لانه يصير أكثر قصرا بنسبة 14 بالمقارنة مع وضعيته بساقين مستقيمين". وعلى ما يبدو فان دافنشي قد أقام مقياسه هذا على اساس اعمال الروماني فيتروف الذي، تضيف كلارك، "مارس تأثيراً حاسماً على عصر النهضة (...) ففي بداية كتابه الثالث وبينما كان يصيغ القواعد المتعلقة بالأضرحة الدينية فانه قد أعلن فجأة بان على تلك الأبنية ان تطابق التناسبات الأدمية. موكّداً، وهو يقدم تناسبات دقيقة، ان الجسد البشري يمثل نموذجاً للقياس، لأنه بذراعين أو ساقين ممدودين يمثل شكلين هندسيين متكاملين وهما المربع والدائرة". المفارقة هنا واضحة للعيان : الرسام يقدِّم الشكل الآدمي والخطاط يقدِّم الحرف في ذات الدائرة المعيارية.
دافنشي : رجل فيتروف دائرة قياس توازنات الحروف العربية
وفي المقاربة بين هاتين المحاولتين (هنا رسم توضيحي لهما) نرى ان الهاجس المهيمن عليهما يظل إقتناص التوازن الخلاق. أهو التوازن الطبيعي؟ نعم. فلدى حديث إخوان الصفا عن النسبة الفضلى، في الفن البصري كما في الموسيقي، تبدو هذه النسبة مستنبطة من تأمل طويل (ورياضي) في عالم الطبيعة والكون وليست محض تخمين مجاني. وفي شرح ابن الوحيد على رسالة ابن البواب الشعرية المعنونة (في علم القلم والحبر والكتابة والورق ) ترد كلمة التصوير نفسها أي الرسم –لكأن الخط هو ضرب من ضروب التصوير- في أحد أبياتها وتـُشْرَح بالشكل التالي :
"التصوير: معناه تصوير الخط وهو إلهام كل صناعة، وغايتها تشبيه فعل الطبيعة، فيجب أن تكون كل كلمة كالصورة متناسبة الأعضاء".
وبذلك فاننا امام نظرية المحاكاة الارسطاطاليسية، المحوَّرة تحويراً جوهرياً لصالح التجريد. ولكن المقياسين ينطلقان من رؤيتين مختلفتين : لاتقيم الأولى، الاسلامية الاعتبار لما هوخارجي، وتنصرف الى الجواني، ملتقية في الهندسي تجلياً له. بينما ينصب الاعتبار الرئيسي لدافنشي، ومثله كل الفن الغربي الى حد الفترة السابقة لظهور الحركات التجريدية، على الموضوع الخارجي المرئي. يطلع المقياس في حالة الفن الاسلامي ويتطابق مع هاجس المقدس، لانه يقيس الروحاني في المقام الأول. يُعرِّف أحدهم فن الخط، والفن الاسلامي بالتالي في تقديرنا، على انه : "فكرة روحانية بآلة بشرية". انه نقطة : عالم طفيف بمعنى من المعاني (يمكن تكبيرها وتصغيرها حسب الرغبة والفضاء المتوفرين ) إزاء رجل دافنشي العاري المحبوس في دائرته، الذي سيرعب منظره فناناً مسلماً (من القرن العاشر الميلادي مثلاً). هذا الأخير سيرى عمل دافنشي انشغالاً على الموضوع الدنيوى، أي على الكائن الفاني. تبرهن المقاربة على ان التجريد القدسي كان، هو بالضبط، فن الرسم العربي الممنوع فقهياً من الاقتراب من الواقع الخارجي. فقهياً أي نظرياً لأن الواقع العملي ما إنفك يبرهن على حضور التشخيصي في أروقة قصور الخلفاء وعلى رق المنمنمات وفي أماكن أخرى، حتى بتعبيرات أيروسية صارخة تشابه ذاك الأدب الجنسي العربي، المكتوب الواصل الينا. اننا نظن ان التطورات الحاصلة في فترة من التاريخ العربي الاسلامي بصدد دراسة البصريات وتقنيات العين والانعكاس والمنظور والتي يبرهن عليها كلها كتاب ابن الهيثم الكبير (كتاب المناظر) مثلا كان بامكانها خلق تشخيصية جد معقولة. لم تتحقق الا قليلا. لم يفعل المنع الفقهي المطالب بلجم التشخيص سوى بدفع عجلة التجريد والانطلاق به الى أقصى نتائجه. هذا المقياس وتلك الدائرة المشابهة بشكل قوي لدائرة دافنشي تقول بإمكانية رسم تشخيصي، دفينة، وخجولة كانت قابعة في ثنايا الوعي الثقافي والفني الاسلامي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقول بانها كانت تشخيصية خاصة من طبيعة متقولبة ومتكيفة مع النزعة التجريدية العامة السائدة فيه والتي يمكن رؤيتها في طريقة عمل رسم رجل مثل الواسطي أو خزاف –رسام كبير مثل ابي زيد السابق على الواسطي. ان رسومهما تظل توحي بما يمكن ان نسميه إجمالية واضحة، بتكرارات تشابه تكرارات التوريق، وبنزعة تزيينية.
يبرهن المقياس - النقطة على الفاعلية النظرية، على الأقل، لهذا الفن، الحبلى بإمكانيات ثرية. لكنه يبرهن بشكل أساسي على فاعلية تصر على التنظير للتجريد قبل غيره، وتذهب الى مكانات أبعد مما توحي به.
ثانيا : أن نظرية النقطة بوصفها مشروعاً لبرنامج تشكيلي واسع، تجريدي وتشخيصي، وملحقاتها : إعادة الاعتبار الى التصوير ولو عبر فن الخط، والبحث بالتالي في الجمالي قد قادت كلها الى تأملات جمالية أكثر مما الى رسم ملموس (ما عدا في الخط.) وقادت الى تشويشات في رؤيته البصري كله. لقد كانت، ثانية، ملجومة ومربكة من قبل الفقه. . هنا واحدة من تناقضات الثقافة الاسلامية القاتلة. فإن نصوص إخوان الصفا التي في الوقت الذي تكشف فيه عن نظرية متماسكة في علم الجمال، وتأملات في الرسم، والرسم التشخيصي نفسه، فانها تفضح في أكثر من مكان هذا التشوش. تنطلق نظريتهم من فكرة (التناسب ) فى الكون عموماً، وفي رسم الرسامين خصوصا، اننا نقرأ في نص مهم لهم :
"ومن أمثال ذلك ايضاً أصباغ المصورين، فانها مختلفة الألوان، متضادة الشعاع، كالسواد والبياض والخضرة والصفرة وما شاكلها من سائر الألوان، فمتى وضعت هذه الأصباغ بعضها على بعض على النسبة، كانت تلك التصاوير براقة حسنة تلمع، ومتى كان وضعها على غير النسبة كانت مظلمة كدرة غير حسنة".
هذا بالنسبة للألوان اما بالنسبة لأجزاء الشكل المُصوَّر فيقولون :
"ومن امثال ذلك ايضاً أعضاء الصور ومفاصلها فانها مختلفة الأشكال، متباينة المقادير، فمتى كانت مقادير بعضها من بعض على النسبة ووضع بعضها من بعض على النسبة كانت الصورة صحيحة محققة القبول".
انهم لا يكفون في طول وعرض رسائلهم عن الحديث عن (النسبة الفضلى) في الرسم أي عن (القاعدة الذهبية) الرياضية لدى الإغريق. نستشهد مرة اخرى بالمتخصصة الكبيرة كينيث كلارك: "في جميع مجالات الفكر الهيليني ظهرت بداهة الاعتقاد بتناسب يمكن قياسه ومن طبيعة سرية تقريباً، منذ عصر فيثاغورس، وارتدى الشكل المرئي للهندسة. كل فن يقوم على الايمان وفن اليونان القائم على الهارمونية بين الأرقام (أي الحسابات الرياضية) كان يعبَّر عن نفسه في الرسم والنحت. ولكن بأية طريقة؟ (مازالت كلارك تتكلم) نحن لا نعرف على وجه الدقة. ان القانون المسمى بقانون بوليكليت غير معروف لنا وان قواعد التناسب التي نقللها لنا بلين هي من العجالة بمكان كبير..". هذا الامر مهم للغاية ذلك اننا بفضل أخوان الصفا فنحن نكتشف هذا المجهول المنسي ونحن نتعمق بتلك القوانين الرياضية، ذلك ان الاخوان الذين كانوا يعرفون الفكر اليوناني قد أحتفظوا وسجلوا لنا تلك القاعدة الذهبية الرياضية في الرسم والنحت. وإذن فان الفصل الضائع في الادبيات الغربية يوجد كاملاً في النص العربي. ألسنا أمام كشف مثير؟ انهم يحددون ما ترجموه بالنِسَب الفاضلة (أي القاعدة الذهبية ) بالتالي:
"النسب الفاضلة هي المِثـْل، والِمثل والنصف، والمثل والثلث، والمثل والربع، والمثل والثمن(..) ومن أمثال ذلك صورة الانسان ونسبة هيكله، وذلك أن الباري، جل جلاله عمل طول قامته مناسباً لعرض جثته، وعرض جثته مناسباً لعنق تجويفه، وطول ذراعيه مناسباً لطول ساقيه، وطول عضديه مناسباً لطول فخذيه، وطول رقبته مناسباً لطول عمود ظهره، وكبر رأسه مناسباً لكبر جثته".
ثم يحددان بدقة في "فصل في تناسب الأعضاء على الأصول الموسيقية" هذه النسبة مطبقة على جسد الطفل :
"فكان طول قامته ثمانية أشبار بشبره سواء (أي بشبر الطفا) فمن رأس ركبتيه الى أسفل قدميه شبران، ومن رأس ركبتيه الى حقويه شبران، ومن حقويه الى رأس فؤاده شبران، ومن رأس فؤاده الى مفرق رأسه شبران . فإذا فتح يديه ومدهما يمنة ويسرة كما يفتح الطائر جناحيه وُجِدَ ما بين رأس أصابع يده اليمنى الى رأس أصابع يده اليسرى ثمانية أشبار".
مستنتجين النتيجة الباهرة التالية :
"وعلى هذا المثال والقياس يعمل الصناع والحذاق مصنوعاتهم، من الأشكال والتماثيل رالصور، مناسبات بعضها لبعغى في التركيب والتأليف والهندام، كل ذلك إقتداء بصنعة الباري..".
(إقتداءً بصنعة الباري) تعني الطبيعة في الفلسفة اليونانية، أي نحن هنا أمام محاكاة الطبيعة ثانية. .
لكن (الاخوان) يضعون مسافة بينة بين التناسبات البصرية الموضوعية، وطريقة ادراكها. انهم يلقون هذه المرة بنظرية بصرية تصلح لأن تكون دليلا للرسامين، متوقفين أمام الخطأ الممكن للبصر، وضرورة إستدراكه. انهم يحاولون تقديم فكرة عن إستحالة عمل بصري موضوعي الى درجة التشديد، أحيانا، على (وهمية) الخارجي، يقولون:
"كلما كثرت الوسائط بينه (أي الشي الـمُبْصَر) وبين النظر كان الخطأ فيه أكثر، واحتاجت الحاسة فيه الى دليل أخر يحقق نظرها ويصدق خبرها . من ذلك السراب فانه أخص من الماء بياضه، ومن الضياء إشراقه، فحار فيه النظر وحال البعد فيما بين النظر وبينه عن الحكم عليه بما هو به، فظنه ماءً، فلما جاءه لم يجده شيئاً، وكالمجذاف الذي هو غائص في الماء، فإن البصر لايدركه الا معوجاً، لأنه قد زاد فيما بينه وبينه واسطة أخرى وهي الماء، وكذلك ما يكون في الماء من الأشياء، فان البصر لايدركها على ما هي به. وكذلك حال الشيء البعيد فإن الرسائط بينه وبين البصر كثيرة وهي الضياء والهواء، وكلما بعد ازداد في الصغر والتلاشي ني البصر الى أن يغيب".
ولو لا الافراط بالاستنتاج لقلنا أنهم يشيرون في الجملة الأخيرة من هذا الاستشهاد الطويل الى فكرة المنظور. اننا معهم أمام إحتراس وحذر من امكانية إدراك موضوعي للعالم عبر البصر. إحتراس غير مستعار من الفكر الأغريقي بالضرورة ولو انه يظل قريبا من نظرية (ناس المغارة) الافلاطونية المعروفة التي لا يرى فيها البشر الا ظل الاشياء منعكسة فحسب على حائط امامهم. هل ذاك الحذر يجيء من هيمنة النص اللاهوتي السائد، المشكك بالبصري أيضاً ؟ ربما. تناقض لن يحله الا اعتبار التجريد تجلياً أخيراً للفن.
يقدم الاخوان مساهمة عميقة في تحليل وفحص هذا التجريد عبر فكرة النقطة بشكل خاص، مستندين على معارف الهندسة الاقليدية، التي تطابق هوىً جذرياً في التجريد الهندسي الاسلامي القائم على النقطة والخط والسطح ا لمستوي..
تمثل النقطة بعداً اساسياً من أبعاد الفن الاسلامي، ومن ثم فن الخط العربي، وتُستخدم بمثابة مقياس لدقة كتابة الحروف، وتشكل من جهة أخرى مقياساً للخطوط في علم الهندسة المحض.. النقطة هي بداية ونهاية الخط المستقيم، وهي بالنسبة للإخوان الشكل الذي "لا جزء له" (وهو تعريف إقليدس) مقارنة بالأشكال الأخرى. النقطة تكوِّن الخط المستقيم الذي يعرِّفه الخرارزمي بأنه: "المقدار ذو البعد الواحد وهو الطول فقط، ولا يمكن رؤيته الا مع البسيط ] ويقصد به السطح[ لأنه نهايته، فأما على الإنفراد فانه يدرك بالوهم فقط، ونهاية الخط نقطتان". تأخذ كلمة (الوهم ) معنى إستثنائياً لأنها ترد بمعنى انها تُدرك بالمخيلة، بانها شيء أثيري، غير مادي، اي بنفس المعنى الذي سنلتقيه في تعريف فنان أوربي معاصر: كاندينسكي. لكن من اجل فهم افضل لفكرة هذا الرسام يتوجب في البدء الإلمام بمفهومة النقطة في المصادر الأغريقية.
بالنسبة لأقليدس "فالنقطة هي ] الشيء[ الذي لا جزء لها" و"حدود خط من الخطوط هي النقاط".
ان مقاربة التعريفات العربية الإسلامية مع التعريفات اليونانية الأصلية تبرهن ان الأولى تتحدث بشكل رئيسي:
عن الطبيعة اللامرئية للنقطة.
عن توهم النقطة أو تـَخـِّيلـِها.
بينما يتحدث اليونان بشكل رئيسين :
عن عدم قدرة النقطة على التجزؤ.
عن (أشارة) وعن (دمغة).
المسألة الأخيرة مهمة من الناحية البصرية، فالكلمة التي تشير الى النقطة في اللغة اليونانية لدى المهندسين اليونان بدءاً من أوتوليكوس وأقليدس، كما يقول بيرنارد فيتراس في تعليقه على كتاب إقليدس (العناصر)، تعني (إشارة) . قبل ذلك كان المصطلح المستخدم للدلالة على النقطة هو (أثر مخرز أو مثقب، أو ما ترجمناه بالدمغة ). وكان ارسطو يستخدم هاتين المفردتين بالتناوب.
يتعلق الامر إذن بتفارق يؤخذ بالحسبان. ان جميع تأويلات الإخوان المتعلقة بالنقطة لا تجد لها نظائر لدى أقليدس. ان تعريفهم من طبيعة تأويلية، لأنهم يمنحون التعريفات السابقة بعداً جديداً ويتجاوزونها.
النقطة الوهمية أي اللامنظورة، انما هي الشكل الخفي، ومن دون المعالم الذي يشيعه الفن الاسلامي. يقول الاخوان: "النقطة وهمية لا تتحقق الا بالبرهان ولا تعرف الا بالخبرة". هذه المقولة لها نتائج على مجالات أخرى. بالنسبة للمجال الفني فاننا امام النتيجة التالةي: طالما ان النقطة خفية وطالما انها الأصل (هي أصل الخط والخط أصل السطح) فهذا يعني ضمن رؤية المسلم للعالم ان ظهور الخفي لن يتحقق للعين الباصرة عبر الواقع الخارجي، الواقعي، وإنما عبر أمر آخر.
مع هنا يلتقي التفكير الاسلامي من أوسع الأبواب ببعض الأفكار التي طرحها كاندينسكي في كتابه (النقطة، الخط، السطح ). تتماس البنية النظرية العامة لهذا الكتاب، على الأقل، مع التفكير النظري العام لمفكرين (كما لفنانين وخطاطين ) مسلمين بهذا الشأن، وبطريقة تثير الحيرة. علينا الانتباه مرة أخرى، الى ان المقاربات الواردة بعد قليل لاتود الزعم بان الايقونية الاسلامية تماثل نظيرتها الغربية المعروفة. هذان الفنّان ينبثقان من رؤيتين مختلفتين. قد تكون هذه المقاربة مفيدة في التعرف عن كثب على الفن إلاسلامي من خلال المصطلحات الغربية المستخدمة بوفرة اليوم. اننا من أنصار المصادفات الخلاتة في الفكر البشري التي بإمكانها إنتاج الأفكار نفسها في حضارات مختلفة، لكننا نظن بأن السبل التي تقود الى ذات النتائج ليست واحدة على الدوام. ان إمكانية لقاء كاندينسكي بالفكر الشرقي، والاسلامي خاصة، ليست معدومة، ويبرهنها هذا الكتاب حتى وإن لم يشر كاندينسكي فيه الى قراءته للشرق. ففي مقدمته يحدد كاندينسكي انه : "ينشغل في هذا الكتاب بعنصرين أساسيين (ويقول:) يجب البدء إذن بالعنصر الأول : النقطة". ويذهب الى تعريف النقطة على أنها : "كائن غير مرئي، وينبغي لذلك تحديدها كشيء غير مادي" وهي إعادة قول تعريف الاخوان والخوارزمي للنقطة.
على ان الاهم في ذلك كله هو قوله :
"ومن وجهة نظر مادية فالنقطة تماثل الصفر"
كيف توصل الى استنتاج كهذا؟ واية علاقة يا ترى توجد بين شكل النقطة (.) البعيد للغاية عن شكل الصفر(0)؟ من السهل على العربي المشرقي أن يقيم هذه المقاربة بين الصفر والنقطة، بينما يمكن ان يعتبرها القاريء الأوربي تأملا خلاقاً من تأملات كاندينسكي الجمالية. موضوع يثير الحيرة مرة أخرى. لان كاندينسكي يتحدث هنا كما لو كان على معرفة وثيقة بطريقة رسم الصفر الهندي عينه الذي إستخدمه العرب، على نطاق واسع، في تطوير علم الحساب. انه يرسم هكذا (.) ويمثل في كتابة الشرق العربي النقطة والصفر في آن واحد. علينا التذكير هنا ان العرب في المشرق قد تخلوا بسبب انهماكهم بعلوم الحساب والجبر عن أرقامهم العربية التي ظلت مستخدمة في المغرب العربي وفي أوربا مع ذلك وفيها يرسم الصفر على شكل بيضوي (0). هذه النقطة الهندية- العربية (.) هي التي يتحدث عنها كاندينسكي، وهي التي يقارنها، في الغالب، بالصفر.
إذا لم تكن اليونان، وهي احد مصادر علوم الهندسة، تَعْرِفُ حسب المتخصصين، الصفر على شكل نقطة صغيرة أو شكل بيضوي، ألا يتوجب البحث إذن في أماكن أخرى عن تفسير اخر لفكرة كاندينسكي اعلاه؟
تلتقي فكرة كاندينسكي بشأن (النقطة كائناً غير مرئي)، لنقل بسبب مصادفة سعيدة، مع أفكار الاخوان، ذلك انهم في فقرة معنونة بـ (فصل في توهم الأبعاد) يقولون ان : "الخط العقلي لا يرى مجرداً الا بين سطحين، وهو مثل الفصل المشترك الذي هو بين الشمس والظل. وإذا لم يكن شمس ولا فيء لم تر خطاً بنقطتين وهميتين. فإذا توهمت أن قد تحركت أحدى النقطتين وسكنت الأخرى، حتى رجعت الى حيث إبتدأت الحركة حدث في فكرك السطح. والسطح عقلي أيضا لا يرى الا بمجرده بين الجسمين، وهو الفصل المشترك بين الماء والدهن. النقطة العقلية لا تُرى أيضا الا حيث ينقسم الجسم بنصفين بالوهم، أي من حيث وقعت للإشارة اليها فهي تنتهي هناك".
هل يمكن ان يكون كاندينسكي قد إستلهم فكرته هذه من هنا؟ هذا ما سنراه بعد قليل. ان النظرات التي يقدمها لاحقا في التنظير للنقطة، خاصة لجهة دلالتها على الصمت : "ان الدرجة اللونية للصمت التي ترافق النقطة عموماً هي من القوة بمكان بحيث انها تهيمن على ما عداها من خصائص النقطة" والعلاقة بين الداخلي والخارجي، والبناء اللاحق بنتائجه كلها يستند على التعريف الأولي المذكور اعلاه للنقطة. انه في تنظيره (لعلم جمال جديد) قائم على رسم المقدس بوسائل تليق بقدسيته، هذا العلم يتواجه وجهاً لوجه مع ما حاوله الفن الاسلامي الذي قام جهده كله على هذا الأساس، كأنه بذلك يعيد قول ما قيل قبل بضعة عشر قرنا في مكان اخر من العالم: "ان علم الجمال الجديد لا يمكن أن يولد الا عندما تغدو الاشارات رموزاً، وعندما تفتح العين والأذن اليقظتان طريق الصمت نحو الكلام". كان طريق الصمت في الحقيقة مسعى الإيقونية الاسلامية عن جدارة. لم يتوقف عمل كاندينسكي مأخوذاً بسحر ما، بروحانية ما، لم تكن على الإطلاق روح البحث الفلسفي والجمالي الغربي، عن استحضار نبرة غير معهودة، تليق بفنون الشرق الموسومة بالروحاني (وبالفقر الروحاني لهذا السبب عينه) حتى انه قد سمى كتابه النظري الرئيسي (حول الروحية في الفن ). ان جميع التنظيرات المقدمة للنقطة لدى كاندينسكي لا تغدو سوى تنويعات على معناها الخطي والهندسي الاسلامي المتجلي بأوضح الصوره في فن الخط الذي هو تقعيد خفي للحروف . انها تقفز فجأة الى مستوى "الكائن الحي" وانها "تنتقل من حالتها العملية، المفيدة الى حالة غير مفيدة، وإذن غير منطقية. ان النقطة المنتقلة من وضعيتها العادية هي بهذه الطريقة خارج إطراد الجمل الجارية...". قبل متابعة هذه الفكرة في السياقات الهندسية التي طلعت منها يتحتم العودة الى الفكر الصوفي الاسلامي الغزير الذي يستجلب هذا المعنى عينه للنقطة. فقد كان بإمكان الحلاج ان يتكلم أيضاً عبر محاججات من نمط هندسي عن النقطة بصفتها إشارة ربانية:
"عن الشيخ أبراهيم بن عمران النيلي قال: سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل الخط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها. وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلي الحق من كل ما يُشاهد وترائيه عن كل ما يُعايَن".
في تاريخ الفن يمكن اللقاء بتعريفات اقليدية للنقطة. يذكـِّر دافنشي بوضعيتها التالية: "نحن نعرف بان الخط ينتهي بالنقطة. النقطة هي ما لا يوجد أي شيء أصغر منه". أما ألبرتي احد أكبر منظري الرسم في عصر النهضة الايطالي فهي بالنسبة اليه "إشارة لا يمكن ان تتجزأ الى أقسام" ويقول بانه "يسمي اشارة كل ما يقع على سطح ما بطريقة تسمح للعين بلمحه"، أما الفيلسوف الفرنسي باسكال فيتناول النقطة بمنظور تأملي ملحاً على ما يسميه بعقل الهندسة. سوى ان الجديد لدى كاندينسكي هو تشديده على النقطة بصفتها "كتابة-نقطة" وهو مقامها تماماً في فن الخط والرقش والتوريق العربيين، ثم الحاحه على خصيصتها كـ "نقطة –تجريد" الذي هو تجريد الفنان المسلم عبرها وليس عبر شيء اخر. أما علاقتها بالفضاء أو المكان وامكانيتها على حد قول كاندينسكي "على غزو أي من السطوح" فانه يتجلى بأعلى الصور على ابواب المدن العربية القديمة (خاصة أبواب المغرب العربي واليمن). تغزو النقطة، ممثلة بالطرف المستدق للمسمار، الباب وتغطيه، تصير كتابة تجريدية، وتشغل سطحه لوحدها، بالتنويعات والحجوم الممكنة التي لا يفوت كاندينسكي الفرصة للإشارة اليها. يشير كاندينسكي مرة واحدة يتيمة الى كتاب رودولف كوخ المعنون (كتاب الإشارات ) كأحد مراجعه الأساسية، وفيه يمكن ان نعرف من أين أستلهم الرسام قواعده الجمالية. هذا الامر لوحده يتطلب دراسة طويلة، لكن كاندينسكي يرمي الينا باشارات مهمة عن الاصول الشرقية لأفكاره، وهو ما يؤكده من جهة اخرى الكاتب الفرنسي فيليب سير في مقدمته لـ (عن الروحي في الفن) قائلاً: "لنثبت انه قد حدث لكاندينسكي اثناء مناقشاته ان الح على اصوله الشرقية: انت غربي وانا رجل شرقي، نحن لا نستطيع التفاهم" كان يقول.
ها هنا بضعة دلائل عن ذلك :
معرفة كاندينسكي العميقة بالفلسفة الثيوسيفية المتأسسة على فكر اشراقي، صوفي، شرقي. ففي الصفحات 59، 60 و 61 من الطبعة الفرنسية من الكتاب فيشرح كانديسكي بحماس الوجهات الاساسية لهذه النظرية ويصفها مرة بانها: "اكبر حركة وستتبقى خميرة روحية. و(انها) صرخة خلاص تمس القلوب اليائسة فريسة الظلمات. انها يد مخلصة تمتد لها وتريها الطريق". الثيوسيفية هي عقيدة صوفية متأثرة بالباطنية البوذية والبرهمية، تسعى الى إغناء الحياة الداخلية التي يشير غالباً اليها كاندينسكي. لقد طور النمساوي رودولف شتاينر (1861-1925) تحت التسمية المذكورة، ثيوسيفية، مجموعة المعتقدات الساعية الى الوصول الى المعرفة التي تقود الروحي في الانسان الى الروحي في الكون. لهذه النظرية الكثير من الأتباع البعض منهم عُرفوا بتوجههم الى الشرق العربي (مثل المصور الفوتغرافي لينيرت).
معرفة كاندينسكي (وها هنا دليل مهم) بالفن الفارسي، يقول : "ان فنونا قديمة مثل الفن الفارسي قد عرفت وطورت تبعية اللون الى الشكل الهندسي". وكما يبدو فان الفن الفارسي يصير هنا رديفاً للفن الاسلامي طالما اننا نعرف ان الكتابات الاوربية حول العالم الاسلامي تخلط منذ وقت طويل بين العرب والفرس والاتراك الذين ساهموا جميعا بتكوين حضارة الاسلام. تستبعد جملة كاندينسكي، حسب قراءتنا، الفن الفارسي ما قبل الاسلامي، الوثني والتشخيصي، لانها تستدعي في الحقيقة الفن التجريدي ذو الاتجاه الهندسي للإسلام. وعندما سيتحدث كاندينسكي عن ما هو (أيقاعي)، فانه سيؤكد في نهاية الكتاب قراءتنا، لأنه يتحدث هذه المرة عن عن فن المنمنمات الإسلامية المعمولة على يد كبار اساتذة الرسم الإيرانيين، بقول: "ان عدداً كبيراً من اللوحات، من المنحوتات ومن منمنمات العصور الماضية انما هي تكوينات معقدة و(ايقاعية) مع اتجاه واضح الى المبدأ السيمفوني. وإذا ما تذكرنا الأساتذة القدامى: الألمان، الفرس، اليابانيين ورسوم الايقونات الروسية وخاصة المخيال الشعبي…الخ".
معرفته بالفن البيزنطي الذي هو جوهرياً فن شرقي (انظر اشارته المهمة لذلك في كتابه نفسه ص123).
زيارته الى معرض الفن الاسلامي في مدينة ميونخ الالمانية سنة 1910. وإذا ما أخذنا بنظر الأعتبار توجهاته التشكيلية الحاسمة بعد هذه السنة نحو فن تجريدي بالمطلق فاننا نستنج ان هذا المعرض قد أثر مباشرة على تلك التوجهات.
وبالطبع فلقد أضاف كاندينسكي إجتهادات شخصية مهمة من أجل تشييد البناء النهائي لكتابه (النقطة، الخط، السطح)، ينبغي عدم إغفالها.
ان اللقاءات لا تتعلق بالنقطة لوحدها بل تمتد الى باقى الموضوعات، لكن النقطة تظل حجر الأساس في البناء التالي جميعه. منها سيطلع بالضبط مفهومه للخط وللسطح. ها هنا تغدو المقاربة مفيدة مرة أخرى، آخذين في المحسبان التفارق الاسلوبي بين لغتين تنتمي أحدهما الى عقلية ومعارف القرن العاشر الميلادي بينما تنتمي الأخرى الى تصورات وتطورات القرن العشرين، بين رسائل الاخوان المعتبرة من طرف بعض معاصريها لغواً وبين تأملات فنان برهن حضوراً طاغياً في حركة القرن التشكيلية الطليعية، وأعتبر عمله النظري جديرا بالاحترام.
وإذن ، يعرِّف إخوان الصفا الخط على النحو التالي : "إن الخط الحسي الذي هو أحد المقادير أصله النقطة (…) وذلك انه إذا إنتظمت النقطة الحسية ظهر الخط لحاسة البصر مثل هذا :
………………………………………………………….."
ويعرف كاندينسكي الخط على الشكل التالي :
"ان الخط الهندسي هو كينونة غير مرئية. . انه أثر نقطة في حركة، إذن نتيجة لها. انه ولد من الحركة مهدماً السكونية الممتازة للنقطة".
أما السطح فان قراءة الفقرة المعنونة لدى كاندينسكي (تشكل سطحٍ ) تحيل فوراً الى تعريفات أخوان الصفا للسطح القائلة: "ان الخط أصل السطح كما أن النقطة أصل الخط (...) ذلك أن الخطوط أذا تجاورت ظهر السطح لحاسة البصر مثل هذا :
أنهم يختارون المربع حقلا لبرهان الفكرة، ماضين في استنتاجهم المنطقي : "ونقول بان السطح اصل الجسم، كما ان الخط اصل السطح، والنقطة اصل الخط (...) وذلك أن السطوح إذا تراكمت بعضها فوق بعض ظهر الجسم لحاسة النظر مثل هذا :
السطح هو إذن تراكم للخطوط، وهو ما يقوله كاندينسكي أيضاً، المتوصِّل الى الإستنتاج التالي: "لنتثبت بهذه المناسبة بان الامر يتعلق هنا بميزة مكانية للخط، ميزة تشكيل سطح مليء" بعد ان تحدث عن "هذه النجمة التي يمكن ان تصير اكثر فاكثر كثافة. ان التقاطعات تشكل في الوسط نقطة تصير أكثر ضخامة. انه المحور الذي تتحرك حوله الخطوط الى ان تصل الى تشكيل سطح متناظر - ان شكلاً جديداً قد ولد: سطح على شكل دائرة (الشكل التوضيحي رقم 17 و 18 )" ذاهبا بإستخراج تأملات شخصية عن الخطوط المنحرفة ، والخطوط المستقيمة الحرة وطبائعها السايكولوجية : الحار والبارد، الأبيض والاسود. يطرح تحديد الاخوان للسطح تلميحاً للبعد الثالث، المنظور الذي سبق لهم التنويه به في نص مستثهد به أعلاه، علما ان هذا البعد لم يكشف عنه صراحة الا في فترات تاريخية لاحقة، وكان تحققه إنجازا ثورياً، كانوا يحدسون بوجوده (بل ان ابن الهيثم كان يعرفه) ولكنهم كانوا مهمومين بالبعد الداخلي إذا صح التعبير. ربما كانت خطوطهم المتراكمة هذه شاخصة في الفن خاصة في تحققات الخط الكوني الهندسي مثلا، غير المبقي سوى على متعة هندسية غير باردة، لكن لعبية، لاتقيم إعتباراً للعمق ولكن للحركة، ليس للمتعدد ولكن للواحد مرة أخرى: النقطة.
عنوان كتاب كاندينسكي ( النقطة، الخط، السطح ) يكشف عن مخططه كله، وعن مصادره أيضاً. لو أراد المرء قراءة الفن الاسلامي على ضوء هذا المخطط لوجد تطابقاً مذهلاً بين السبل والنتائج المستخلصة، ولو أراد، على العكس، قراءة كتاب كاندينسكي على ضوء فلسفة الفن الاسلامي، وتنظيرات الاخوان وأبي حيان التوحيدي والمتصوفة، لأمكنه أن يثير العديد من التساؤلات عن مصادر الكتاب، الاغريقية والاسلامية.
من معالجة الاخوان المتاسسة على النقطة كان يمكن أن تتراكم عناصر بصرية معقدة، ممنوحة في الفن الاسلامي إسم الخطوط المجردة والأشكال الصافية، المهندسة، وعلم الخط والرقش والزخرفة والمتوريق والترصيع. تصير النقطة بعبارة أخرى تعبيراً عن الكائن الصغير المتناهي في الصغر ، المندغم في الفاعلية الكونية الشاملة، في الكائن الكوني . هذا المفهوم الأخير مستعار دون شك من اليونانيين. فالرسالة الثانية عشرة من رسائل الاخوان معنونة (في قول الحكماء ان الانسان عالم صغير) تقول :"اعلم ان الحكماء الأولين لما نظروا الى هذا العالم الجسماني بأبصار عيونهم، وشاهدوا ظواهر اموره بحواسهم (… …) فلم يجدوا جزءاً من جميع اجزائه أتم بنية، ولا أكمل صورة، ولا بجملته أشد تشبيهاً من الانسان...". مفهوم تدخـَّل حثيثاً كما نحسب، بطريقة خلاقة في الفن الاسلامى. . النقطة هي الكائن الطفيف، الانسان الذي لا يستحق أن يـُمـَثـَّل : أن يُرْسَم. الانسان هو نقطة من بين نقاط متشابهة الى ما لانهاية في خطوط ممتدة ومكررة أزلياً في تجريدات الفن العربي الاسلامي.
لماذا لم يطور اليونانيون إستناداً الى فكرة الكائن الطفيف والكائن الكبير مخططاً تشكيلياً تجريدياً ؟ سؤال لا نمتلك الاجابة عنه، ونقرّر فحسب أن المفارقة مهولة بين قانون canon الجمال الكلاسيكي اليوناني، وأساسيات الفن العربي الاسلامي، بل الفنون السامية والمصرية القديمة المعاصرة والسابقة للفن اليوناني، بين دنيوية الأول وقدسية الثاني. من الجلي ان المسلم كان ينهل من الفكر اليوناني من اجل تأسيس فكر آخر، متفارق الى حد واخر ولم يقم بإعادة تكرار. ان الحقلين التشكيلي والشعري برهانان على ذلك. ليس حرف الأليف الذي اختطه أبن مقلة سوى الجسد الذي رسمه دافنشي في الدائرة ذاتها.تقوم الدائرة بوظيفة الضابط للمقياس إذن. الجسد اليوناني العاري يتجرد الى محض نقطة في سلم روحاني، ويستعاظ عن الواقع بظله simulacre.
عودة الى الصفحة الرئيسية
Retour à la page d'accueil