Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00871.jsonl.gz/105

المكان ضيّق في غرفة تبديل الملابس ولا عجب.. فهي تكتظ بثلاثي لعزف الموسيقى الشعبية ومغنية جاز وعازف كمان كلاسيكي، يستعدون جميعاً لظهورٍ مُشترك على الركح.
بالنسبة للموسيقى الشعبية المُعاصرة، أصبح وجود مثل هذه الحفلات العابِرة للنوع [الموسيقيّ الواحد] مألوفاً على جدول الأعمال، حالها في ذلك حال حركة العودة إلى الجذور.
في ستانس (كانتون نيدفالدن)، يُزيّن مسرح الحفل الموسيقي، الذي نَفَذت جميع تذاكِره، قوْسان من الأجراس السويسرية، التي تمثل العلامة التجارية للموسيقى الشعبية التقليدية السويسرية منذ قرون. ولكن بدلاً من عزْف ألحان كلاسيكية قديمة، يقدّم هذا التجمّع الموسيقي اليوم، أداءً جديداً للأغاني الشعبية باللغة السويسرية الألمانية والرومانش (اللغة الوطنية الرابعة بعد الألمانية والفرنسية والإيطالية في سويسرا).
يعود أصْل هذه الفكرة إلى كورين كورشيلاز، الممثلة والمغنية ومؤلِّفة الأغاني الكاريزمية، التي اكتشفت جذورها ثانية بعدَ سنوات عدّة قضّتها خارج سويسرا. الفنانة السويسرية نجحت في الإستفادة من أرشيف أحد الأشخاص، الذي تمكَّن من جمْع 2000 أغنية شعبية من قُـرى سويسرا، بعد أن ترك السكان المحليِّين يُغنون، وهي لا تتردد في وصف هذا الأرشيف بكونه "مجموعة مُذهلة من اللآلئ".
بعد ذلك، ومن أجل طرح أداء جديد لـ 22 أغنية تقليدية و"إحيائها ثانية"، طلبت كورشيلاز مساعدة ثلاثي الموسيقى الشعبية الشهير باسم "بفلانتسبلاتس" Pflanzplätz وعازف الكمان أندي غابرييل.
الموسيقى الشعبية السويسرية
تتّسم الموسيقى الشعبية السويسرية اليوم، بكونها واضحة المعالِم ومعروفة كموسيقى تقليدية، يجري تناقلها شفوياً. ووِفقاً لتعريف ديتر رينغلي، عالم الإتنيات الموسيقية ومؤلف كُـتيِّب "الموسيقى الشعبية السويسرية"، الذي يُعتبَـر عملاً قياسياً في الموسيقى الشعبية، فهي موسيقى تُطلِعنا على مصدرها حين سماعِها.
خلال القرن الماضي، انقسم مشهَد الموسيقي الشعبية السويسرية في اتِّجاهات مُختلفة. وقد تمّت هيكلة هذه الموسيقى للمرة الأولى، مع إنشاء الرابطة الفدرالية لغناء اليودل قبل أكثر من مائة عام. وأنتجت هذه الرابطة قِطَعاً موسيقية تقليدية وتركيبات جديدة، كما أدخلت قواعِد صارِمة.
وقد اسْتَخدَمت حكومة الإقليم "موسيقى الرّيف" (الموسيقى التقليدية للبلد) الناجمة، كأداة دِعاية خلال الحرب العالمية الثانية وتنامت شعبِيَتها بشكلٍ كبير، لأن هذا النوع صار أكثر توحّداً باستمرار، كما اعتُبِر وسيلة للحفاظ على التقاليد.
في نفس الوقت، طوّرت الموسيقى الشعبية نفسها في اتِّجاهات أخرى، وهي تنطلق اليوم بدءً من "الأغاني الأكثر مَبيعاً / البوب"، (التي تلاقي شعبية في الجهة الناطقة بالألمانية)، إلى الموسيقى الشعبية التجارية، مثل مجموعة "أوشس الثالث" Oesch's die Dritten (وهي مجموعة عائلية لغناء اليودل الشعبي) أو "نادي فيسنبيرغ لغناء اليودل"Jodlerklub Wiesenberg"، مع مشهد قوي لموسيقى شعبية متقاطِعة، أدخِلت إليها أجهزة وأساليب أخرى، وحتى الموسيقى الشعبية الطليعية.
يعمل عدد متزايِد من الموسيقيين اليوم على إعادة تأدية أساليب قديمة، تعود إلى وقت مبكّر من القرن العشرين.
(المصدر: ديتر رينغلي، مؤسسة بروهلفتسيا الثقافية، Swissworld.org)نهاية الإطار التوضيحي
التقاطع الموسيقي
كما هو الحال مع فرقة "بفلانتسبلاتس"، تعمل غابرييل غالباً بأساليب موسيقية متنوّعة أيضاً. فهي ترتجِل أنواعاً من الموسيقى بدءً بالبوب ووُصولاً إلى الموسيقى الكلاسيكية، في حين يمزج رجال فرقة "بفلانتبليتس" موسيقاهم مع الرّوك والجاز والرّقص من بين أمور أخرى.
السبب؟ "التفاعُل والتبادل والمُداخلات المُثيرة للإهتمام"، كما يقول سيمون ديتفيلر، العُضو الأقدم في "بفلانتسبلاتس"، الذي يضيف "وهي مسألة صوت أيضاً، إذ يختلف السُلّم الموسيقي للأكورديونات السويسرية، مع أن صوتها مشابِه لصوت الأكورديون العادي. وحينما تكون لدينا آلة كمان ومغني وصنج ومزمار، يُصبِح هذا الصّوت أكثر انفتاحا".
وتمثِّل فِرَق التقاطُع (التداخل) الموسيقي، مثل "بفلانتسبلاتس"، إحدى الإتجاهات التي تطوّرت إليها الموسيقى الشعبية السويسرية في السنوات الأخيرة، إلى جانب التقليديين والطليعيّين. ويجتذب هذا التطوّر، الأكثر حداثة، العديد من الموسيقيين الشباب الذين ينظرون إلى الوراء، ليُعيدوا ابتكار أساليب قديمة.
إشتداد المنافسة
مزَجت الموسيقى الشعبية نفسها دائماً مع غيرها من الأساليب، ولكنها المرّة الأولى التي يُرَسَّخ فيها هذا العمل الجماعي "مؤسسياً"، إذ توفّر جامعة لوتسرن وِحدة خاصة للموسيقى الشعبية، لفائدة طلاّب موسيقى الجاز والموسيقى الكلاسيكية.
عن ذلك يقول دانيال هاوسلر، مُنَسّق الدراسة، بأن العامِل المُحفِّـز هو تقديم التّدريب على الآلات الموسيقية التقليدية، مثل أكورديون السُلّـم الموسيقي (الواحد) أو السنطور. لكن الدورة الدراسية، لا تهدف إلى تحويل طلاّب موسيقى الجاز إلى الموسيقى الشعبية.
وحسب هاوسلر، "ينبغي أن يعثُر كل موسيقي على طريقه الخاص. هناك العديد من الموسيقيين الشعبيين العِصاميّين. نحن نقدّم تدريباً شاملاً قدْر الإمكان، يمنح المتقدّمين القُدرة على التعامل الجيِّد مع التحديات، التي قد تُواجههم كموسيقيين شعبيين". وكما يقول، يتِم تدريس مهارات يُمكن لطلَبة موسيقى الجاز والموسيقى الكلاسيكية الإستفادة منها أيضاً، مثل الذّاكرة والإرتجال.
هذه الدورات أثارت الإهتمام في أوساط المشهَد الموسيقى الشعبي، على الرغم من أنها لم تبدأ سوى قبل بِضْع سنوات. وحسب ديتر رينغلي، عالم الإتنيات الموسيقية، فهي ستؤدّي إلى "المزيد من الموسيقيين المُدربين بشكل أفضل". وقد نشر رينغلي في عام 2005 كتيِّب "الموسيقى الشعبية السويسرية"، وهو يُمارس اليوم تدريس أنماطٍ موسيقية مُختلفة، ويقول معلقا: "لا أعرف ما إذا كانت الموسيقى ستصبح أفضل بذلك، سوف نرى!".
من جانب آخر، عبَّـر بعض الموسيقيين الشعبيين من الهُـوّاة عن مخاوِفهم من هذه الدروس، حيث يخشون من عدم قُدرتهم على مواكبة المُحترفين بعد الآن. وحسب هؤلاء، من الصّعب اليوم كسْب القوت اليومي من خلال الموسيقى الشعبية.
ووِفقاً لرينغلي "في الغالب، يعزِف مُعظم هؤلاء الموسيقيين غير المُحترفين موسيقاهم، مقابل الأكل وشيء من الجعة وخمسين (50) فرنكاً أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يكفي للعيْش"، ويضيف "ربّما ستغيّر هذه الدورات المشهَد بأكملِه، ولكن تقْييم ذلك ما زال مُبكّراً جداً".
في مقابل ذلك، هناك الكثير من التوقّعات حول ما يُمكن أن تجلبه مثل هذه الدورات في نفس الوقت أيضاً. وكما تعلق ناديا ريس، التي تُمارس غناء اليودل (نوع من الألحان التي تصدرها الحُنجرة البشرية) "إنه لَـشيء عظيم"، مُضيفة "عندما ننظر إلى الخارج، نلاحِظ وجود الموسيقى الشعبية في الحياة اليومية للنمسا والدول الاسكندنافية بشكل يفوق وجودها هنا كثيراً. كما أن دراسة الموسيقى الشعبية في فنلندا ممكّنة منذ عشرين عاماً. اليوم، لدينا فرصة الدراسة في لوتسرن، ربّما سنصبح مثل فنلندا بعد 20 عاماً".
العودة إلى الجذور
بدورها، تقوم ريس بتقديم بعض الدّورات الخاصة أيضاً، حيث تُعلّـم غناء اليودل للأطفال والمدراء ومدراء الإدارة في مخيّمات أسبوعية "كنوعٍ من الإتصال". ووِفقاً لريس، يُمثِّـل هذا جزءاً من حركةٍ تريد العودة إلى الجذور، وهي ظاهرة - كما تؤكِّـد - لا تشمل مجال الموسيقى فقط.
رينغلي بدوره، لاحظ هذا الإتجاه أيضاً. فقبل ثلاثين (30) عاماً، كما يقول، لم يَستَمِع أحد "على الإطلاق" إلى الموسيقى الشعبية - "حيث كانت أوساط اليسار تعتبِرها مروعة (أو فظيعة)" - ولكن الحال تغيّر خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
ووِفق رينغلي "كان الناس يستمِعون إلى الأغاني الشعبية من جميع أنحاء العالم، ويتساءلون إن لم يكُن هناك شيء مُماثل في سويسرا. وبالإمكان ملاحظة هذا الإتجاه - العودة إلى التقاليد المحلية - في مجالات أخرى أيضاً، كما في شرب البيرة مثلاً. فقبل عشرين عاماً، كان الناس يشربون البيرة من جميع أنحاء العالم. أما اليوم، فتُخمَّر محلياً في كل قرية تقريباً، وهذا الإتجاه موجود في الموسيقى أيضاً".
في بداية القرن العشرين، كان الموسيقيون الشعبيون يعزفون قِطَـعاً موسيقية من سويسرا ومن خارجها أيضاً، ولكن "بأسلوب محلي خاص"، حسب رينغلي. واليوم، يحاول العديد من الشباب إعادة اكتِشاف هذه الأنماط القديمة. ولكنهم مع ذلك، لا يعزفونها وِفق الأسلوب المُتَّبع قبل مائة عام. فالناس اليوم، أكثر مهارة من الناحية الفنية. وفي حين يعزف البعض وِفق الأسلوب القديم، يُحاول البعض الآخر مزج هذا الأسلوب مع أصوات وأساليب العزْف المُعاصرة".
ريس، تعتبر إحدى الموسيقيين الذين يقومون بتدقيق المحفوظات القديمة، وهي تقول: "أنا أستمع إلى التسجيلات القديمة بالكثير من الدقّة. ففي غناء اليودل، نحتاج اليوم في كثير من الأحيان، إلى نوعان من الـ 'يو'، ولكنهم قبل مائة عام، كانوا يستخدمون أصواتاً مُختلفة، مثل "إي" و"إيه" و"آ" و"أوي"، وهي حروف علّة مغايِرة جداً وأكثر إثارة للإهتمام في الغناء. وبالنسبة لي، فهذه المَخارِج الغنائية القديمة - الحديثة مع ذلك - مُمتعة".
اليوم، ينظُر العديد من عازفي الألحان والقطع الشعبية إلى القواعد الصّارمة لمنظّمات الموسيقى الشعبية، باعتبارها قيْداً لإبداعهم. ولكن ريس تقول: "أعتقد بأننا نسير في اتِّجاه جيِّد"، وتضيف "توجد الطريقة التقليدية لعزف الموسيقى الشعبية، فضلاً عن استخدامٍ أكثرَ حرية للموسيقى الشعبية".
من جهته، يرى سيمون ديتويلر من فرقة "بفلانتسبلاتس"، أن "الموسيقى الشعبية في سويسرا، كانت مُمتعة على الدّوام، ومن الطبيعي أن يزداد إهتمام الجمهور بها اليوم. ولكن، هل تثير الإهتمام اليوم أكثر ممّا كانت تفعل قبل مئات السِّنين؟ هذا ما أجهَلُـه".
أدوات تقليدية
يَرتبط تقليد غناء اليودل (أو الموسيقى اليودلية) والنفخ في بوق جبال الألب عادةً، مع سويسرا، ولكن أياً من هذه الوسائل التعبيرية، هي سويسرية حصْرياً.
ويُعتقد بأن اليودل كان موجوداً بالفعل منذ العصر الحجري المبكّر، وبأن لهذا النوع من الغناء، باع طويل خارج سويسرا أيضاً - كما في بولندا مثلاً. ويُقال أن هذا التقليد قد تطوّر من نوْع من الاتصالات عبْر المسافات الطويلة والنداء إلى تجمُّع الأبقار.
أما بوق الألب، فكان أداةَ نداء وإشارة بالأصل. بدأ استِخدامه لعزْف القِطَع الموسيقية لأول مرة في نهاية القرن الثامن عشر (18).
ينتمي جهاز الأكرديون السويسري (وهو جهاز أكورديون يَدَوِي خاص) وجهاز السنطور والقيثارة اليهودية والكلارينيت والكونترباس، إلى أدوات الموسيقى الشعبية التقليدية السويسرية.
(المصدر: Swissworld.org)نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch