Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00937.jsonl.gz/41

هل انتهى التعهّـد الأمريكي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير كما بدأ: مجرّد وعد داخل وعد؟هذا المحتوى تم نشره يوم 13 سبتمبر 2006 - 22:00 يوليو,
يعتقد كثرة من المحللين الأمريكيين والعرب ذلك، والأسباب عديدة. لكن أهمها وأبرزها أن مشروع الدمقرطة، كان مشروطاُ من البداية بتحقق المصالح والقيم معاً.
يعتقد كثرة من المحللين الأمريكيين والعرب ذلك، والأسباب عديدة. لكن أهمها وأبرزها أن مشروع الدمقرطة، الذي أطلقه الرئيس الأمريكي بوش عام 2002، والذي أعلن فيه التطابق للمرة الأولى بين المصالح القومية وبين القيم الديمقراطية الأمريكية، كان مشروطاُ من البداية بتحقق المصالح والقيم معاً. وحين لم يحدُث ذلك، بات التراجع عن مشروع الدمقرطة أمراً محسوماً.
لماذا لم يتحقق التطابق؟ لأن رياح الانتخابات في فلسطين ومصر، وإلى حدّ ما في لبنان، سارت على عكس ما يشتهي الـسّـفـن الأمريكي. فقد وصل إلى السلطة أو اقترب منها، قوى إسلامية بزعامة الإخوان المسلمين في مصر وفلسطين وحزب الله الشيعي في لبنان، وهذه القوى لم تستطع التأقلم مع الشروط التي وضعتها واشنطن، خاصة فيما يتعلّـق بشروط السلام الإسرائيلية أو مع المشروع الأمريكي العام في الشرق الأوسط.
تناقضت الديمقراطية العربية هنا مع المصالح القومية الأمريكية، فسارعت واشنطن إلى لملمة مشروعها الديمقراطي أو على الأقل علّـقته، ثم أطلقت العِـنان بعد ذلك للأنظمة السلطوية العربية الحليفة لها، لتأخذ بالقمع ما فازت به المعارضة بالحرية.
نقول، إن واشنطن علّـقت مشروعها الديمقراطي، فهي قد تعود إليه في وقت لاحق؟ ربما، ولكن هذه المرة بأشكال جديدة. كيف؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك، إطلالة سريعة على آراء بعض كبار المفكرين والباحثين الأمريكيين حول مآل مشروع الدمقرطة الأمريكي.
"التراجع الديمقراطي"
قال روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: "لا أستطيع القول أن الأجندة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ماتت، لكنها في غرفة العناية الفائقة. أعتقد أن هذه الأجندة ما زالت تمثّل توجّـهاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لكن علينا إعادة التفكير في طريقة نشرها. هناك الآن نقد من قبل البعض لطريقة الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية. فقد تحرّكنا في البداية بسرعة لمساندة الانتخابات في المنطقة، مثل الانتخابات في العراق وفلسطين ومصر، باعتبار أن الانتخابات عنصُـر مهم في إستراتجيتنا، ولكن الواقع أن الانتخابات، وإن كانت عنصرا مهما، إلا أنها ليست الخطوة الأولى في مسألة نشر الديمقراطية. فقبل الذهاب إلى صندوق الانتخابات، علينا أن نبني المؤسسات، وهو ما يستلزم بعض الوقت".
أما إيمي هواثورن، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط فتقول: "يبدو أن الحرب اللبنانية ستكون لها عواقب مركّـبة. أولا، فيما يخص أجندة الرئيس بوش في نشر الديمقراطية، لا أعتقد أن الحرب أثبطت حماسة الرئيس بوش بخصوص دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، ولا هي أحدثت تغييراً جوهرياً في وجهة نظره حول أن الصراع السياسي في المنطقة - كما يراه - هو بين "الإرهاب" و"الديمقراطية". فقد صرح بوش أكثر من مرة أنه ينظر إلى حزب الله باعتباره منظمة إرهابية، وفي المقابل، يصف إسرائيل وأطراف أخرى على الساحة اللبنانية باعتبارها "ديمقراطية"، لذا فالأمر يبدو أن الحرب اللبنانية قد عمّـقت مفهومه بأن "الإرهاب" يجب أن يُـهزم (عن طريق القوة العسكرية في الأساس)، وأن القوى الأخرى "الديمقراطية" يجب أن يتم تقويتها".
ناثان براون، كبير الباحثين في مؤسسة كارنغي للسلام الدولي: "الحقيقة أن الولايات المتحدة حتى الآن لم تضع أصلاً أجندة واضحة المعالم فيما يتعلّـق بديمقراطية الشرق الأوسط، إذا كنا نعنى بالأجندة: الإستراتيجية وتطبيق البرامج. فالإدارة الحالية، بدلا من أن تضع إستراتيجية واضحة المعالم، فأنها طوّرت التزاما بلاغيا قويا، وهذا الالتزام البلاغي - الذي يعتمد على ادّعاءات الرئيس بوش أنه لا يوجد تعارض بين قيمنا ومصالحنا - لم يكن أبدا خطا واضحا للسياسة. والمجموعة المحددة من البرامج، التي تم تطويرها منذ غزو العراق، تبدو نُـسخة طموحة للبرامج القديمة".
ويواصل ناثان براون قائلا: "الأزمة اللبنانية لم تُـعرقل أي من هذه الأشياء. فلا زال المسؤولون الأمريكيون يتحدثون عن الديمقراطية واستمرار البرامج، إلا أنني أعتقد أن الأزمة اللبنانية – مصحوبة بالأحداث الأخرى التي شهدتها المنطقة، مثل الانتخابات في فلسطين والعراق ومصر - جعلت الظروف المحيطة بالادّعاءات الأمريكية أقل تشجيعا للإصلاح السياسي والديمقراطية على مستوى العديد من الأصعدة".
أي بديل؟
كما هو واضح، تشير كل هذه الآراء إلى أن الإدارة الأمريكية غيّـرت توجّـهاتها الفعلية حيال الديمقراطية في الشرق الأوسط، وإن احتفظت (وهذا متوقع) بالأحاديث البلاغية الصّداحة حول التزامها قضية الحرية في المنطقة.
لكنها، في الوقت ذاته، لن تستطيع التخلّـي تماماً عن كل مشروعها لسببين: الأول، أنها ستبقى بحاجة لإطلاق بعض الحريات الإعلامية والليبرالية، التي تساعد على كشف ما يعتمل في أعماق المجتمعات العربية، ما يُـساهم في إحباط الخلايا المتطرفة قبل نزولها إلى العمل. والثاني، أنها غير قادرة على مُـواصلة العمل كالمعتاد مع الديكتاتوريين العرب، فيما هي أعلنت علنا القطيعة مع هذه السياسة التي استمرت نيفاً و60 عاماً.
هذا ما يُـعيدنا إلى سؤالنا الأولي: ما الشكل الجديد المحتمل الذي يمكن أن يرتديه المشروع الديمقراطي الجديد في الشرق الأوسط؟
الأرجح، أن واشنطن ستعود إلى ما اقترحه منذ البداية المفكر الأمريكي فريد زكريا، مدير تحرير "فورين أفيرز"، فور إعلان بوش مشروعه الديمقراطي عام 2002.
كتب زكريا في مقال بعنوان "كيف ننقذ العالم العربي": "إذا ما كان الصحيح أن الأنظمة العربية استبدادية وديكتاتورية، فإن المجتمعات المدنية العربية ليست أفضل من أنظمتها، فهي غير ليبرالية وقد تنحاز في لعبة الانتخابات الحرة إلى الأصوليات المتطرفة، التي لا تؤمن، لا بالديمقراطية ولا بالتداول الديمقراطي للسلطة".
الترياق الذي اقترحه زكريا آنذاك، هو نقل المجتمعات العربية من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية عبر تطبيق القواعد الرأسمالية الخاصة بـ : حكم القانون وحرية السوق والحقوق الفردية وحماية الملكية الخاصة واستقلال القضاء ووفصل الدين عن الدولة"، وهذه كلها برأيه خطوات سابقة لازمة لظهور الديمقراطية.
بعد زكريا بثلاث سنوات، طوّرت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هذه الأفكار ووضعتها في إطار تقرير - مبادرة بعنوان "دعماً للديمقراطية العربية"، وقعت في 80 صفحة وكانت غاية في الشمول لأنها:
1- حدّدت بدقّـة شديدة، الهدف الأبعد والأعمق للولايات المتحدة: إدماج الشرق الأوسط بالكامل في العولمة وقالت: "أحد أهم العوامل المعرقلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي، هو التفكك والحجم الصغير (وفق مقاييس الرسلمة) للسوق الشرق أوسطي، وعلى واشنطن إزالة كل العراقيل من طريق التجارة الداخلية الإقليمية بهدف تعزيز الاندماج الاقتصادي للمنطقة في العولمة".
كما دعت إلى تغيير شامل وكاسح في كل مناحي الحياة العربية:
- الاقتصادية عبر الخصخصة واللامركزية.
- السياسية عبر الحريات.
- التعليمية، من خلال إشراف دولي على المناهج وبرامج التدريب.
- الإستراتيجية عبر مواكبة الديموقراطية بالسلام والعكس بالعكس.
- تحديد شروط القبول الأمريكي لوصول الحركات الإسلامية العربية إلى السلطة
- إستراتيجية إعلامية ودبلوماسية أمريكية جديدة لكسب قلوب العرب وعقولهم.
2- أسندت كل "ثورة التغيير" الأمريكية إلى المصالح لا الأيدولوجيا. فواشنطن تريد الديموقراطية العربية لأهداف الأمن القومي العليا، لا لأهداف القيم والمثل العليا، وهذا ما يُـضفي على المبادرة أهمية مضاعفة.
3- وأخيراً، لأنها رسمت خريطة طريق لتنفيذ هذه الإستراتيجية الشاملة " تستغرق كل جيلنا الحالي وحتى ما بعده".
رب قائل هنا: ليس حتمياً أن يُـصبح تقرير أولبرايت سياسة أمريكية رسمية. فوزيرة الخارجية السابقة ديمقراطية في النهاية، كما أنها الآن ليست في أي موقع مهم من مواقع أصحاب القرار، وهذا صحيح بالطبع.
لكن مشروع الدمقرطة الجمهوري الامريكي في الشرق الأوسط، يمر في أزمة عميقة، وهو لن يتورع (كما فعل الجمهوريون عشرات المرات في التاريخ) عن تبنّـي المشاريع الديمقراطية، إذا ما كانت تخدم مصالحه.
والأرجح، أن هذا ما سيفعلون الآن مع مبادرة أولبرايت، وأيضاً مع مقاربة فريد زكريا. فالخروج من الأزمة الراهنة يتطلّـب ذلك، والشعوب العربية، التي ذاقت طعم الحرية بعد ستة عقود من الاستبداد، لن تقبل بعد أن تبقى تدور في الحلقات المفرغة للسياسة الأمريكية، التي لا تنتهي من إطلاق وعد إلا لتبدأ بالتبشير بوعد آخر بدون أن يبدو أي أفق لوضع هذه الوعود موضع التنفيذ، وإن في حدودها الدنيا المتمثلة في إطلاق الحريات الليبرالية.
إن شعار "دعهم يأكلون الوعود"، لم يعد عُـملة قابلة للصرف في الشرق الأوسط.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>