Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/60

يبدأ سيرك كني (Knie)، الذي يُدعى أحياناً بالسيرك الوطني، جولته التقليدية للسنة المائة. ولا يمر هذا الحدث مرور الكرام، فلا يزال السيرك مُحاطاً بهالة خاصة حيث يختلط فيه الحلم بالرهبة. ولكن هل ما زال يثير الشعور بالحلم اليوم كما كان يفعل في عام 1919؟ من الصعب تصديق ذلك، لكثرة ما هشَّمَ تقدّم العادات أجنحة السيرك التقليدي. هذه مقالة رأي مزاجية.
بقي السيرك مرتبطاً بعالم غريب وساحر لمدة طويلة. وغالباً ما كان يتم تقديمه على هذا النحو في الرسم والأدب والسينما. وحتى السبعينات، كان أبطال المسلسلات التلفزيونية للشباب أطفالاً يحلمون بالتخلي عن كل شيء للإلتحاق بفريق السيرك. وهذا النوع من السيناريو خيالي بالنسبة لشباب اليوم، الذي ترعرع في عالم افتراضي منذ نعومة أظفاره.
الرأي المُعبّر عنه في هذه المقالة هي وجهة نظر مؤلفهارابط خارجي ولا تتطابق بالضرورة مع رأي مجمل أقسام التحرير في swissinfo.ch.
والسيرك هو عالم يثير الشعور بالرهبة أيضاً، وذلك بفضل مشاركة الحيوانات البرية. فالجلوس في الصف الأول، على بُعد عشرات السنتيمترات عن الأسود حيث لا يفصلك عنهم سوى حاجز بسيط يُخيَّل إليك أنه يمكن عبوره بقفزة واحدة، يترك لديك تذكاراً يصعب نسيانه. وتثير الرائحة والأصوات المنبعثة من هذه الحيوانات المُفترسة شعوراً لا يمكن أن تنقله لك أي شاشة.
متحف العجائب
إذا كان السيرك في الماضي يبدو حلماً، فلأنه كان بمثابة نافذة على العالم في عصر لم تكن فيه السينما موجودة وكان يبدو فيه برج أجراس الكنيسة في القرية المُجاورة ،بالنسبة لمعظم الناس، أفقاً بعيداً جداً. وكما هو الحال بالنسبة للمعارض العالمية، كان الذهاب إلى السيرك هو الطريقة الوحيدة لرؤية أناس آخرين عن قُرب، أتوا من الطرف الآخر من المعمورة.
وقد أدى التقدم التقني إلى بطلان طريقة الإنفتاح هذه على العالم منذ فترة طويلة. وفي وقتنا الراهن، قد يبدو مشهدٌ من هذا القبيل، بالتأكيد، بالياً وتافهاً.
وكان السيرك في الماضي يتيح الفرصة أيضاً لرؤية عجائب أخرى لا تعتمد على المنشأ الجغرافي وإنما على مواصفات بدنية خاصة. فكانت رؤية الأقزام والعمالقة والنساء الملتحيات والتوائم السيامية تثير دهشة واستغراب الجمهور.
أما اليوم، فلا يُمكن بالتأكيد تصور هذا النوع من الإستعراض. فمن الصعب أن نتخيل سيركاً يقوم بعرض رجل ضخم من زمننا الحالي بهدف كسب المال. ففي عصر الإحترام الكامل لجميع الأقليات المختلفة، قد ينتهي عرض كهذا بقذف السيرك ورجمه إعلامياً، لا بل بمقاضاته أو القيام بأعمال انتقامية ضده.
الحيوانات البرية إلى الخارج
لقد أصبح عرض "وحوش الإستعراض" البشرية هذه، ومنذ وقت طويل، جزءًا من الماضي. ومن الآن فصاعداً، سيكون استخدام الحيوانات البرية مشكلة بحد ذاته.
إنَّ استعراضات القرود المُدَرَّبة، وخدع أسود البحر، وقفزات الحيوانات البرية أو جولات الفيلة في الدوَّارة ستكون قريباً هي الأخرى من ذكريات الماضي. وبالفعل، في زمننا الحالي، الذي أصبحت فيه الخضرية (الفيجن Vegan) ممارسة عصرية والذي تُرمى فيه متاجر بيع اللحوم بالحجارة والذي نجد فيه محامين يدافعون عن الحيوانات، يتم الإعتراض على استعراضات الحيوانات البرية، حتى وإن كانت المخيلة الجماعية تربط دائماً تلك المشاهد بالسيرك.
وتطالب بعض الأوساط الناشطة في مجال الدفاع عن الحيوان بمنعها، احتراماً "لكرامة" الحيوان. ولا تبقى هذه المطالبات حبراً على ورق. فقد منعت أربعون دولة ـ أو ستمنع قريباً ـ العروض التي تستخدم الحيوانات البرية.
أما في سويسرا، فيخضع السيرك، فيما يخص الحيوانات، إلى قوانين صارمة كتلك التي تُطبَّق في حدائق الحيوانات. ولكن خلال العام الجاري، وللرد على مُذكرةرابط خارجي قدَّمتها نائبة صديقة للبيئة، سوف تقرر الحكومة إن كان من الضروري فرض تشديدات إضافية على هذه القوانين.
على أرض الواقع، وتجنباً للجدال، تخلَّت معظم شركات السيرك من تلقاء نفسها عن استعمال الحيوانات البرية. ومع أنَّ سيرك "كني" مشهور، حتى لدى العائلة المالكة في موناكو، بترويض الفيلة فقد استغنى عن هذه الحيوانات منذ عام 2015. وصارت حلبة السيرك الآن، مملكة الخيول والفرس القزم وحتى الماعز في بعض الأحيان.
وبالتالي أضحى السيرك عبارة عن حديقة حيوانات جميلة وتوافقية، ولكن دعونا نقول الحقيقة، إنها أقل روعة من حديقة الحيوانات الكبيرة والغريبة. وبالأحرى، ستكون توافقية ما لم ينفطر قلب النائحين حزناً على ظروف احتجاز الماعز والخراف أو ... البراغيث المُدرَّبة.
مرآة العالم على الدوام
لقد ساهمت روح العصر، التي تحترم الجميع وتحترم كل شيء، بالفعل في انتزاع بريق السيرك التقليدي. وربما لن يتوقف الأمر هنا.
ويمكننا تماماً، وبقليل من التخيُّل، أن نتوقع منع استعراضات القفز البهلواني أو رمي السكاكين في عالم غربي متحضر يزداد عدم تقبله لمجرد فكرة الموت والحادث يوماً بعد يوم. أما بالنسبة للسحرة، الذين تعودوا على اصطحاب مُساعِدات كل واحدة منهن أكثر إغراء من الأخرى لصرف الإنتباه عن ألعاب الخفة التي يقومون بها، فمن المدهش حقاً أنهم لم يتعرضوا للإنتقاد حتى الآن.
باختصار، سوف يصبح السيرك قريباً، وبقليل من الجهود، عرضاً محبوباً وتوافقياً، نقياً ومجرداً من أية ملامح. ومع ذلك، سيحتفظ بمهمته الأساسية: ألا وهي أن يكون مرآة العالم الذي نعيش فيه.