Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/10

جيريمي سالافا حلواني وخباز في ربيعه السابع والعشرين. يدير محليّن و15 شخصا في مدينة فريبورغ. يعشق هذه "المهنة غير المُجزية أحيانا"، ويتفانى في عمله دون احتساب الساعات، كما يلتزم بقدر كبير من الصرامة والدقة بحيث يرفض استخدام الملونات، والمنكهات، وغيرها من المُضافات الغذائية، لكي تقول الطبيعة كلمتها!
تحيط بساحة "Petit-Saint-Jean" في البلدة القديمة، بنايات قوطية من الحجر الرملي الأصفر والرمادي. هناك مقهيان، وبعض الشرفات، ومصنع شوكولاته صغير، ومصنع جعّة تقليدي، وجزّارة، ثم محل "L'Ecureuil" (السّنجاب) الذي يشتمل على مخبز، ودكان حلويات، وبقالة، وصالون شاي.
عندما تفتح الباب، يرنّ جرسٌ بال شيئا ما. جدرانُ المحل مطلية باللون البرتقالي. سرعان ما تقع عين الناظر على رفوف البقالة وثلاجات المشروبات. وفي الخلفية، واجهات عرض خشبية مُزينة بأنواع مختلفة من الخبز والأرغفة، وواجهة عرض زجاجية خاصة بالسندويشات والفطائر والكعكات ذات ألوان فريدة من نوعها.
أما قاعة تحضير المعجنات فتتواجد في الخلف. تنبعث منها روائح طيبة. "لقد أحرقتُ الزبدة فأعطت رائحة الكراميل!". قالها مازحا شاب بشعر طويل مربوط في قفا عنقه. نلمحُ بعيدا عنه امرأة شابة تُخْرج الكعكات من قوالبها. وها هو سيّد المحل قد وصل، مرتديا قميصا برتقاليا. لديه لحية صغيرة على الذقن، ونظارات، وشعره معقود في هيئة ذيل حصان، وقبعة باناما مُثبّـتة على رأسه المجعد: إنه جيريمي سالافا.
حرص مبكر على الاستقلالية
ابن فريبورغ افتتح مؤخرا ثاني محلّ له. ويقوم حاليا بتجديد صالون الشاي المجاور. يقول: "لقد عشت كامل طفولتي في هذا الحي، ووددتُ من صميم قلبي أن أكون حاضرا فيه أيضا. تمكّـنت من تحقيق حلمي من خلال إحياء هذا المخبر. الناس سعداء به، وخاصة كبار السن لأن وسط المدينة بعيد، ولا توجد محلات كثيرة هنا".
بعد فترة تدرب على مهنة صناعة الحلويات استمرت ثلاث سنوات، تخلّى جيريمي سالافا عن متابعة تكوين في مجال الخبازة. صبره كان قد نفّذ لفتح شركته الخاصة، فهو كان يريد قبل كل شيء أن يصبح سيّد نفسه. وذلك ما فعله في سن التاسعة عشرة، عندما أصبح أصغر ربّ عمل في المدينة، بفضل نصائح ومساعدة والده الذي يتملك عددا من قاعات السينما. فهل كان نموذجا لرجل الأعمال الناجح بالنسبة له؟ يجيب: "نعم، ولئن كُـنت أعتبر نفسي كحرفي ومبدع بالأحرى. ولكن صحيح أنه يتعين عليك، بحكم الضرورة، تسيير الموظفين، وضبط الأمور الإدارية. هذا جزء من عملي كربّ عمل، ووالدي ساعدني على الشّروع في تحمّل مسؤولية هذه المهام".
من بائع متجول إلى صاحب محلّين
تعرّف الزبائن على الشاب سالافــا في الأسواق الأسبوعية حيث كان يبيع المنتجات المُبتكرة التي كان يصنعها في المنزل. في بداية الأمر، كان ينقل بضاعته على متن عربة تقليدية تُجرُّ يدويا، على طريقة الأجداد والأسلاف، ثم على متن سيارة أجرة أو سيارة والده. ويقول بعفوية: "قبل أربعة أعوام، اضطررت لشراء سيارة ولتوظيف ناقـل للبضائع لأنني لا أعرف السياقة!".
وفي ظرف عام ونصف، ارتفع حجم مبيعاته. ويستذكر تلك الفترة فيضيف: "شيئا فشيئا، أًصبح الناس يُقدّرون عملي، وهذا سمح لي بأن أُثبت لأبي أنني أمتلك مؤهلات في هذا المجال، ما منحه الثقة في قُدراتي ثم حفّزه على إقراضي بعض المال لشراء فُـرن وبعض الآلات الضرورية لفتح مشروعي التجاري الخاص".
اشتغل جيريمي سالافا لوحده لمدة خمسة أعوام في مخبزه الأول. كان يقضي ليله في قاعة تحضير المعجنات، ويومه في المحل. والآن، بات يُوظف متجراه 15 شخصا، أي ما يُعادل ست أو سبع وظائف بدوام كامل. ويشرح قائلا: "فريقي يبدأ العمل في منتصف الليل، وأنا في حدود الساعة السابعة أو الثامنة صباحا. الآن، يمكن أن ينوب عني زملائي، وهذا شيء مُريح!". ربّ العمل الشاب هو الآن بصدد القيام بالخطوات اللازمة لتوظيف مُتدرّب لأنه يحرص على نقل خبراته ومعارفه.
مُعارض شرس للمضافات الغذائية!
لا يستخدم مخبز "L’Ecureuil" سوى المنتجات الطبيعية والتقليدية. ويفضل البحث عن كافة المُكونات في ضواحي تبعد عنه بأقل من 30 كيلومترا. ويوضح سالافا بفخر: "كل ما أصنعه يحتوي على الزبدة الخالصة، بحيث لا أستخدم قطرة من زيت النخيل، وإن استعملت الزيت فيكون من نبات السلجم السويسري". ويذكر أن سعر الزبدة (10 فرنكات للكيلوغرام الواحد) يفوق بمرتين أو ثلاث ثمن الزيوت، ومع ذلك، يستحيل تحصيل نفس هامش الربح الذي يحققه المنافسون الذين يميل بعضهم إلى الاستعانة بالمنتجات نصف المصنعة والمكونات الأساسية الجاهزة.
ويضيف سالافا: "أنا مُضطر لإنفاق المزيد من أجل الطّعم والألوان. أفضّل أن يكون هامش مكسبي أٌقل، ولكن أن يكون لديّ منتوج يُرضيني وأستمتع ببيعه، وأن يكون الناس الذين يهتمون بتركيبة الأغذية التي يتناولونها سُعداء بما أقدم لهم. بهذا المنطق، أنا لست برجل أعمال، ولكن ليست لديّ احتياجات كبيرة، ولم أنجز هذا المشروع لكي أصبح غنيا. فهدفي هو أن أعيش حياة مستقرة وهنيئة وأن أستمتع بهواياتي".
تجد في محل سالافا خبزا بمختلف الأشكال والألوان: بالدقيق الأسود، والأبيض، وبالحنطة، والبندق، والجوز، والكتان، وبذور القرع (اليقطين)... وسندويشات، ومربيات، وفطائر مبتكرة. كل هذه المنتجات ثمرة إبداعات وأفكار نمت ونضجت في رأس "السنجاب". لا وجود للمنتجات الثانوية (مثل مسحوق الخبز)، ما يعطي "منتجات ثقيلة نسبيا وذات طابع فلاحي، بحيث تتبع تسلسل المواسم". وماذا عن الإبتكارات التي تلقى أكبر قدر من الإقبال؟ يجيب سالافا: "فندان الشوكولاته والفستق، والفطائر باليقطين أو بالنبيذ المغلي!"
عمل حظي بالاعتراف
وأصدقاء جيريمي، ألا يعتبرون مهنته هذه مبتذلة شيئا ما؟ "لا، على العكس، هم ينظرون إليها بشكل إيجابي. معظمهم يمارس مهنا شائعة أكثر، مثل العمل في المكاتب، إلخ. ولكنهم يدركون حجم العمل الذي تتطلبه هذه المهنة غير المُجزية، ويُعبرون عن تضامنهم معي. لقد ارتبطتُ بصديقتي منذ فترة قصيرة، وهي تساندني أيضا".
وكيف يتصور سالافا المستقبل؟ في الوقت الراهن، هو يكتفي بالإستمتاع باللحظة الراهنة، ويقول: "سأرى ما الذي سيجلبه المستقبل. والحظ يمكن أن نخلقه أيضا، أو نجتذبه إلينا، وأن نعمل جاهدين لكي تسير الأمور على ما يُرام!". أما وقت فراغه، فيقضيه في زراعة حديقته، ورعاية الزواحف المُولع بها. ويضيف بابتسامة عريضة: "لديّ اثنين من البواء، وسحلية. الثعابين مخلوقات هادئة ومُريحة، هي جميلة لأنها ساكنة، ثم إنها [أي صديقته] لا تخاف الثعابين".
(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch