Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/35

مرة أخرى، لم يحصل الاتفاق المرتقب بين المسؤولين عن التربية والتعليم في الكانتونات السويسرية حول توصية ملزمة تحدد اللغة الأجنبية الأولى التي يتوجب تعليمها للطلبة في المدارس. ويبدو أن الجدل حول القضية مرشح للخروج من دائرة المسؤولين على القطاع التربوي ليطرح بقوة على الساحة الوطنية والسياسية في الفترة المقبلة
لا بد في البداية من التذكير بطبيعة الخارطة اللغوية المعقدة في سويسرا. فعلى الرغم من أن الألمانية تمثل اللغة الأم لأكثر من سبعين في المائة من السكان إلا أن الدستور الفيدرالي ينص بكل وضوح على اعتبار الفرنسية والايطالية والرومانش (التي لا يتحدث بها أكثر من أربعين ألف شخص) لغات وطنية ورسمية.
ضمن هذه الخارطة، تتميز بعض الكانتونات، لأسباب تاريخية وديموغرافية، بازدواجية لغوية مقننة في الوثائق الرسمية والمعاملات اليومية والصفوف الدراسية مثل فريبورغ الذي تتكلم الغالبية فيه الفرنسية في ظل تواجد قوي وبارز للأقلية الألمانية غير المستعدة للتفريط في ذرة من حقوقها.
وبما أن النظام الكونفيدرالي السويسري يمنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة في مجالات عديدة مثل التعليم والأمن والقضاء فان "الندوة السويسرية لمدراء التعليم العمومي في الكانتونات" تعتبر المرجع الرئيسي في تحديد الخطوط العريضة للسياسات التربوية وخاصة في القضايا الخلافية.
الأقلية ترفض
من هنا، جاء الترقب الذي رافق أشغال الاجتماع الأخير للندوة يوم الاثنين التي عرض فيها على تصويت المشاركين نص يتضمن مقترحات محددة حول تعلم اللغات الأجنبية، تمنح اولوية خاصة للوضعية الجغرافية للكانتونات. فقد تضمن النص توصية بمنح الأولوية لتعلم اللغة الإنجليزية في الكانتونات المتحدثة بالألمانية غير المحاذية للحدود مع ألمانيا أو النمسا مقابل منح الاولوية لتعليم اللغة الفرنسية في الكانتونات الحدودية الأخرى.
هذا المقترح لم يتحصل على موافقة ثلثي الأعضاء. لذلك لم يتحول إلى توصية شبه ملزمة بسبب رفض عدد من ممثلي الكانتونات المتحدثة باللغات اللاتينية (الفرنسية والإيطالية) والثنائية اللغة أو لاحتفاظهم بأصواتهم عند التصويت، في خطوة فسرت على أنها رفض مقنع للمقترحات.
أسباب الرفض متنوعة في الواقع، لكنها تصب في خانة حرص الأقليات على عدم التخلي عن خصوصياتها ومشمولاتها الحالية مقابل الالتزام بتوصية وطنية. فعلى الرغم من موافقة ممثلي خمسة عشر كانتونا ناطقا بالألمانية على مقترحات "الندوة السويسرية لمدراء التعليم العمومي في الكانتونات" جاء موقف المتحدثين بالفرنسية والايطالية ليعطل المسار برمته.
قد يبدو هذا التصرف غريبا أو مستهجنا من الناحية الديموقراطية الصرف، لكن خصوصيات الواقع السويسري، لا سيما فيما يتعلق باللغات والبرامج التعليمية، تساعد الأقليات على التمسك بخصوصياتها بل الحصول على أقصى قدر ممكن من التنازلات من طرف الأغلبية إن أمكن.
الساسة مدعوون للحسم
فعلى سبيل المثال أعربت السيدة مارتين برونشفيغ(Martine Brunschwig) وزيرة التعليم في كانتون جينيف عن الأمل في أن يثير موضوع اختيار اللغات الأجنبية في المدارس السويسرية نقاشا وطنيا حقيقيا، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد إشكالية بيداغوجية لغوية بل بمسألة ترتبط حقيقة بجوهر التماسك الوطني على حد قولها. لذا تتجه الأنظار الان إلى الأطراف السياسية وإلى البرلمان تحديدا.
فبعد أن وافق أعضاء مجلس النواب الخريف الماضي على مبادرة برلمانية تقدم بها النائب ديدياي بربيرا ( Didier Berberat)، وهو اشتراكي من كانتون نيوشاتيل، تدعو إلى اعتماد فصل دستوري جديد ينص على إجبارية تدريس إحدى اللغات الوطنية الثلاث، كلغة ثانية في المدارس السويسرية، ينتظر أن يثور جدل واسع حول المشروع قريبا داخل مجلس الشيوخ.
لذا يبدو أن الموقف الرافض أو المتحفظ لممثلي الكانتونات اللاتينية ( أي المتحدثة بالفرنسية والايطالية والرومانش) بخصوص هذه القضية في اجتماع الاثنين، جاء على خلفية ترقب ما ستسفر عنه المداولات البرلمانية المقبلة.
ذلك أن اعتماد التحوير الدستوري المقترح سيضع الكانتونات المتحدثة بالألمانية، التي فجرت القضية باختيارها مؤخرا تدريس اللغة الانجليزية لطلابها بدلا عن الفرنسية والايطالية (الوطنيتين والرسميتين)، في موقع سياسي وقانوني هش بل مخالف للدستور، وهو ما يعني أن القضية اللغوية في سويسرا لا زالت بعيدة عن الحسم بل ومقبلة على جدل وطني حاد في الفترة المقبلة.
كمال الضيف.