Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/0

في الآونة الأخيرة، أصبح المتدرِّبون الوجه الجديد للعمالة غيْر المُستقرة: خرّيجون شباب بمؤهِّلات عالية ينتقلون من وظيفة متدرِّب إلى أخرى - بدون أجْر في الغالب - أملا بتأمين أول وظيفة نظامية بدوامٍ كامل. وقد يكون من المُستغرب شيوع هذه المشكلة الخطيرة فيما يسمّى بـ "جنيف الدولية"، على وجه الخصوص.
أحد هؤلاء المتدرِّبين هو براين* الذي يُعَبِّر عن ضجره الشديد بالقول: "هذا يُشبه شكلاً جديداً من العبودية!". وبعد سنوات طويلة من العمل في وظائف تدريبية متعدّدة، لا يزال الشاب الحامل لدرجة الماجستير في العلوم السياسية، يحلم بوظيفة بدوام كامل في مجال حقوق الإنسان الدولية. وهو يوازن بين عمله كمتدرِّب بدوام جزئي في إحدى المنظمات غير الحكومية، وتحضيره لشهادة الدكتوراه، وشغله في إحدى البارات من أجل تدبير تكاليف معيشته في جنيف - إحدى أغلى المدن في العالم.
وسبق لبريان العمل في مختلف منظمات الأمم المتحدة في جنيف، مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومكتب المفوِّض السامي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المزيد من المنظمات غير الرِّبحية - بدون استلام أجْر في الغالب.
"أنت تُنجِز عملاً مثيراً للإهتمام في هذه المنظمات، ولكنهم لا يدفعون لك فِلساً واحداً في معظم الأحيان. ستّة أشهر هنا وستة أشهر أخرى هناك، تتبعها أشهر ثلاث في مكان آخر. لقد خابت آمالي حقّـاً وصِرت أدور في حلقة مُفْـرغة"، على حد تعبيره.
المتدرِّبون في دراسة استطلاعية
وجَد استطلاع "يوروباروميتر" (وهي سلسلة من الدراسات الاستقصائية التي تجري بانتظام، نيابة عن المفوضية الأوروبية حول بعض المسائل المتعلّقة بالاتحاد الأوروبي)، الذي أجري في عام 2013، أن 46% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، كانوا قد عملوا كمتدرِّبين مرة واحدة على الأقل في حياتهم، وأن 2 من أصل 5 كانوا يعملون بدون أجر. كما قال نحو 50% من الذين استلموا أجوراً مقابل عملهم، بأن ما كان يأتيهم من دخل لم يكن كافياً لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية.
وفي سويسرا، يصعُب العثور على إحصاءات بشأن عدد المتدرِّبين. ووفقاً لكتابة الدولة للشؤون الاقتصادية (سيكو)، تمّ استحداث 13,000 موقع شغل للمتدرِّبين في الأعوام بين 2004 و2010.
ووفقا لمقال نُشِر مؤخراً في صحيفة "لوتون" اليومية الناطقة بالفرنسية، عُرِضَت 661 وظيفة لمتدرِّبين على منصّة البحث عن الوظائف عبْر الإنترنت Uni-emploi (المخصّصة لطلاب الجامعات) في عام 2014، بالمقارنة مع 357 وظيفة نظامية. ولم يستلِم سوى 19% من المتدرِّبين أجوراً على عملهم. كما انخفض متوسّط الرواتب الشهرية المدفوعة - عندما كان يُعلَن عنها - من حوالي 2,000 فرنك في الأعوام السابقة إلى 1,600 فرنك.
وليس بريان الشخص الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة. ففي الأول من مايو الماضي، تحدّى نحو 50 متدرباً من الشباب الأجواء المُمطرة للمشاركة في المسيرة السنوية ليوم العمّال العالمي، التي اخترقت مركز مدينة جنيف. ومع شعورهم بالإحباط وبلوغهم أقصى حدود القُدرة على التحمّل، قرّرت مجموعة من المتدرِّبين والطلاب والمِهنيين الشباب هذا العام، تشكيل حركة "إدفع أجورا لمتدرِّبيك"، التي استطاعت جمْع حوالي 700 مؤيِّـد على موقع فايسبوك حتى الآن.
وتُدين هذه الحركة "الواقِع التمييزي للمتدرِّبين غير مدفوعي الأجْر في منظومة الأمم المتحدة وفي منظمات أخرى. وفي حين تدفع قلّة قليلة من وكالات الأمم المتحدة في جنيف، مثل منظمة العمل الدولية 1,850 فرنكاً (1950 دولاراً) للمتدرِّبين شهرياً منذ عام 2011، إلا أن هؤلاء ليسوا سِوى قلّة قليلة. وقد استنتجت دراسة استقصائية نفّذتها رابطة المتدرِّبين في جنيف أن 68% من المتدرِّبين لا يتلقَّـون أيّ أجْـر على الإطلاق.
"الحِرمان من الأجر غيْر مقبول!"، كما صاح المتظاهرون وهُـم يَعْبرون جِسر "مونت بلان" وسط مدينة كالفان، وهم يقولون إن هذا النظام بعيد عن العدالة، كما أنه غيْر تمثيلي، حيث لا يستطيع سوى الخرِّيجين المنتمين لأسَر ثرية العيْش كمُتدرِّبين بدون رواتب لفترات طويلة.
بدورها، كانت كامي، التي تحمل درجة الماجستير في العلاقات الدولية، تُكافِح للعثور على وظيفة مدفوعة الأجْر في جنيف، بعد أن قضَّت 12 شهراً وهي تعمل كمتدرِّبة بدون أجر، مما إضطرها للعوْدة إلى العيش مع أهلها بالنتيجة.
ويتّهم المنتقدون هذه المنظمات باستِغلال ظروف سوق العمل وما يسودها من منافسة شديدة، لأنها تُدرك أن بوِسعها الإستفادة من خدمات هؤلاء المتدرِّبين، بدلاً من تقديمها وظائف على مستوى المبتدئين في الخِدمة، كتلك المخصّصة للفنيين الشباب، الأمر الذي يُمكِّنها بالتالي من خفض تكاليف الموظفين كثيراً.
"في آخر منظمة كُنت أعمل بها، كان المتدرِّبون إلى حدٍّ بعيد هم الفِئة التي تعمل لساعات أطول. وفي مجال الخِدمة التي كُنا نعمل بها، كان هناك نحو 20 - 30 متدرِّباً يجيبون على الرسائل ويكتبون التقارير وينجزون العمل الأساسي للمنظمة"، كما قال شون*.
على صعيد آخر، ينفي المسؤولون في منظمة الأمم المتحدة فِكرة توفير المتدرِّبين لأيْدي عاملة رخيصة، ويقولون إنهم يفعلون الكثير لمساعدة الشباب، وبأن المتدرِّبين يستفيدون من خلال تعلّم الكيفية التي تعمل بها منظومة الأمم المتحدة، مُضيفين أن هذه التجربة التي لا تُقدّر بثمن، تعزِّز سيرتهم الذاتية وتدعم فُرص حصولهم على وظائف في المستقبل.
وفي فيلم وثائقي عُرِض مؤخراً في التلفزيون السويسري الرّسمي، قالت كورين موميال – فانيان، المديرة السابقة لدائرة الإعلام في مكتب الأمم المتحدة في جنيف: "نحن نقدِّم تدريباً بدون أجر"، وأضافت: "هذا توجيه من الجمعية العامة، ولا يحق لنا دفع أجور للمتدرِّبين. آمل أن يتغيّر هذا في يوم ما، لأن تبرير وجود هؤلاء الشباب من ذوي الكفاءات العالية والذين غالِبا ما يُؤدون عملاً جيداً جداً، بات أكثر صعوبة".
بدوره أكّد مايكل مولر، رئيس مكتب الأمم المتحدة في جنيف بالإنابة في العام الماضي، من خلال أسئلة وأجوبة على "تويتر"، بأن أيْدي الأمم المتحدة مُكبَّلة، لأنها مرتبطة بقرار اتّخذته الدول الأعضاء في الجمعية العامة قبل بِضع سنوات مضت، مضيفاً أن منظمات الأمم المتحدة، ليست جميعها متشابهة.
وفي نفس السياق، يقول المتظاهرون إن الميزانيات قد تكون ضيِّقة، ولكن إعادة توزيع المال ليست بالعملية المستحيلة. كما أعرب البعض عن صَدمتهم بشأن إدّعاء أخير صادر عن الإتحاد العمالي حول قرار لجنة الخِدمة المدنية الدولية في الأمم المتحدة (ICSC) زيادة مرتّبات كبار الموظفين وتمويل هذه الزيادة من خلال خفْض أجور صغار الموظفين وموظفي الفِئة المتوسطة.
"بإمكان موظفي الأمم المتحدة أن يقرِّروا ببساطة أيضاً الإستغناء عن بطاقة سفرهم بالدرجة الأولى، مما قد يوفّر مُرتّب مُتدرّب لخمسة أو ستة أشهر"، كما قال أحد المتظاهرين ساخِراً.
أمّا ايان ريتشاردز، رئيس اتحاد موظفي الأمم المتحدة فيقول إن المشكلة هي أن الهيْكل الهرمي التقليدي في الأمم المتحدة، آخذ في التغير. "هناك زيادة تدريجية في المناصِب المُحدَّدة لكبار موظفي الأمم المتحدة، في حين لا تشكّل نسبة الوظائف المخصّصة للمبتدئين الجُدد سوى 3%، وهذا لا شيء، كما أن 0,3% من الوظائف فقط مُعيَّنة للأعمار التي تقِل عن 25 عاماً. وكلّما ظهرت هناك حاجة إلى إجراء تخفيضات الميزانية، فإنهم يقللون من الوظائف الصغيرة، عوضاً عن العليا، وعندما يقومون باستِحداث كِيانات جديدة، فإنهم يخلقون المزيد من المناصِب العليا"، كما أوضح. "لكن المدراء ما زالوا بحاجة إلى توظيف خرِّيجي الجامعة الشباب الحامِلين لأفكار جديدة".
ويرى ريتشاردز أن الحلّ يكون إما بمنح المتدرِّبين أجوراً لائقة بشكل شامل، أو بخلْق المزيد من الوظائف للمبتدِئين.
جنيف الدولية
تستضيف جنيف 32 مقرّاً لمنظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وبالنسبة لكانتون جنيف، تُقدَّر قيمة "جنيف الدولية" كما تُعرَف، بنحو 3 مليار فرنك سنوياً.
وبالمُجمل، يُقيم نحو 40,000 دبلوماسي دولي وموظّف خِدمة، في مدنية في جنيف. بالإضافة إلى ذلك، هناك حوالي 2,400 موظف يعملون في250 منظمة غيْر حكومية. ويعمل نحو 8,500 موظف في أسْرة الأمم المتحدة في جنيف، التي تمثل أكبر تجمّع لموظّفي الأمم المتحدة في العالم. وهناك أيضاً 168 بِعثة دبلوماسية دائمة لدى الأمم المتحدة. علاوة على ذلك، تحتضِن جنيف ما يزيد عن 900 شركة متعدِّدة الجنسيات توفِّر أكثر من 76,000 فرصة عمل.
دعم قانوني؟
في هذه الأثناء، استحوذت مِحنة المتدرّبين على اهتمام بعض السياسيين المحليّين ومسؤولي التوظيف.
وكما أخبر فرانسوا ليفور، عضو حزب الخُضر في جنيف، التلفزيون السويسري الرّسمي مؤخراً "نحن نخلق نظاماً يؤدّي إلى إفقار جِيل كامل من الشباب، من خلال تأخير دخولهم إلى سوق العمل قَدْر الإمكان، بعد حصولهم على الكثير من المؤهِّلات التي تفقِد قيمتها".
وقد عرض حزبه اقتراحاً برلمانياً محلياً يدعو إلى وضع حدٍّ لسوء إستغلال المُتدرّبين. ويلقى هذا الإقتراح دعماً من قِبل الفرع المحلّي لحزب الشباب الخُضر في كانتون فو المجاوِر، والذي أطلق بدوره إلتماساً يُطالب بدفع أجور شهرية مناسبة لجميع المتدرِّبين تعادل 1,100 فرنك للحاصلين على درجة البكالوريوس، و2,200 فرنك لمن يحمل درجة الماجستير فما فوق.
بدوره، عبَّر مكتب توظيف كانتون جنيف عن قلقه الشديد ومراقبته لما يحدث عن كثَب، وحثَّ المتدرِّبين على الإبلاغ عن ظروف العمل غير الموائمة.
مع ذلك، لا تنطبِق هذه المبادرات إلا على المتدرِّبين العاملين في المنظمات غيْر الحكومية التي تتّخذ من سويسرا مقرّاً لها، والتي تخضع للقانون السويسري. وفي العادة، تقدِّم هذه المنظمات ظروف عمل أكثر عدلاً.
على الجانب الآخر، لا تخضع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الواقعة في بلاد جبال الألب، لتنظيم قوانين العمل السويسرية، ولكنها تتمتّع بولاية قضائية خارِج الإقليم، خاصّة بها، مما يجعل تدخّل مكاتب التوظيف في الكانتون، أمراً مستحيلاً. وفي العادة، يتِم التعامُل مع القضايا والمنازعات القانونية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية داخلياً.
ويرى أحمد فوزي، المتحدث باسم الأمم المتحدة أن الوقت ربّما يكون قد حان للتغيير: "أودّ أن أشجِّع الجمعية العامة على إعادة النظر في هذه المسألة. وقد يكون بإمكان إحدى الدول الأعضاء، تقديم قرار جديد لتغيير هذه القواعد".
مع ذلك، لا تشعر تايلور بالكثير من التفاؤل، وهي تعمل الآن للحصول على درجة الماجستير في دراسات التنمية في معهد الدراسات العليا والتنمية في جنيف، كما استطاعت أخيرا تأمين وظيفة كمتدرِّبة براتب جيِّد نسبياً، بعد أعوام طويلة من العمل في وظائف غيْر مدفوعة الأجر غالباً.
"إنه نظام بيروقراطي بطِيء وضخْم، وسوف يستغرق تغييره أعواماً عديدة"، كما قالت. "الناس في بلدي يقولون ’أنتِ تعملين في الأمم المتحدة، لابد أن يكون هذا أكثر شيء مُدهِش‘، لكنه ليس كذلك في الواقع. أنا مُستاءة بالتأكيد من الكيفية التي تعمل منظومة الأمم المتحدة وِفقها، وأتطلّع للعمل في القِطاع الخاص للحصول على نوْع من الأمن الوظيفي".
* تم حجب الأسماء
swissinfo.ch