Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00857.jsonl.gz/70

في مطلع شهر فبراير الحالي، بدا للمحللين أن خطاب الرئيس الاميركي بوش عن "حال الإتحاد" لهذا العام، تضمن مؤشرات ما على إحتمال تراجع "رئيس الحرب" عن نزعة الهجوم الإستراتيجي إلى مواقع الدفاع الإستراتيجي.هذا المحتوى تم نشره يوم 15 فبراير 2006 - 07:01 يوليو,
ومع أن هذا تجلى في نقاط عدة من الخطاب، إلا أن الأمر ليس على مثل هذا القدر من البساطة..
في مطلع الشهر الحالي، بدا للمحللين أن خطاب الرئيس الاميركي بوش عن "حال الإتحاد" لهذا العام، تضمن مؤشرات ما على إحتمال تراجع "رئيس الحرب" (كما يحب هو أن يطلق على نفسه) عن نزعة الهجوم الإستراتيجي إلى مواقع الدفاع الإستراتيجي. وهذا تجلى في نقاط عدة من الخطاب.
فبدل ان يعد بوش بضمان خطوط إمدادات اميركا من الطاقة بالقوة، تحدث عن ضرورة "وقف إدمانها على النفط الشرق اوسطي"، واعداً بخفض هذا الادمان بنسبة 75 في المائة العام 2025، وناثراً في الوقت ذاته تعهدات نظرية بعيدة المدى بتطوير نفط إيثانول المشتق من نبات الذرة، ووقود بقايا حصاد النباتات.
وهو اعترف بأن التفوق الإقتصادي الدولي الأمريكي باتت عرضة للتهديدات، ليس فقط بسبب صعود الصين والهند إلى قلب مسرح التاريخ، بل أيضاً لأن الولايات المتحدة قد تفقد تفوقها في مجال الأبداع العلمي والتكنولوجي "ما لم تستثمر بكثافة في مجالي الرياضيات والعلم والتكنولوجيا".
وهو، أخيراً، وجد نفسه مضطراً للدفاع عن الزعامة الاميركية العالمية "بوصفها الطريقة الوحيدة لحماية أمتنا، وضمان السلام، والسيطرة على مصيرنا. هذا في حين العزلة والحمائية سيقوداننا إلى المخاطر والانحدار".
التراجعات البوشية هنا واضحة شكلياُ. وهي تبدو أكثر وضوحاً حين نقارن خطاب "حال الامة" هذا العام بخطب بوش خلال السنوات الخمس الماضية. فالتشاؤم الحذر حل مكان التفاؤل المفرط. والواقعية بدأت تزحف على معاقل المثالية. وكل هذا كان متوقعاً، بسبب النكسات الكبرى التي حلت بالأدارة .
ففي الخارج، حرب بوش ضد الإرهاب لم تؤد بعد إلى أي مكان. وهي بدلاً من ان تقضي على "الإرهابيين"، بدأت تفرّخ المزيد منهم. والعراق إنقلب من منصة إنطلاق لتغيير الشرق الأوسط الكبير، إلى فخ كبير لمجمل السياسات الخارجية الاميركية. وكذا الأمر بالنسبة لأفغانستان.
ثم ان العام المنصرم شهد اخطر التمردات على الزعامة الأميركية من جانب كل الدول الكبرى تقريباً. فالصين تصرفت على هواها تقريباً في كوريا الشمالية وإيران والسعودية وإفريقيا وحتى في أميركا اللاتينية. وروسيا بدأت للمرة الأولى تستخدم "سلاح النفط" ضد حلفاء واشنطن الجدد في الاتحاد السوفييتي القديم. وأوروبا، وبرغم كونها لا تزال مثخنة بجروح دستورها الأتحادي الفاشل، إستأنفت إعتراضاتها على معظم مفاهيم السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة تلك المتعلقة بطبيعة الحرب على الإرهاب.
وفي الداخل، لا تبدو الصورة أقل سوءاً بالنسبة لبوش: فشعبيته في إستطلاعات الرأي لا تزال في الحضيض. والعجز المالي هذه السنة وصل إلى 400 مليار دولار. وأسعار الطاقة إلى إرتفاع خلال شتاء قارس وإنتخابات تشريعية قريبة. وإعصار كاترينا ما يزال يعصف بصدقية الأداء الأجتماعي والاداري للإدارة. والخسائر البشرية والمادية الامريكية الباهظة في العراق تأكل ما تبقى من الثقة بتوجهات الرئيس.
مؤشرات التصلب
مؤشرات التراجع، إذاً، قوية. لكن، وفي موازاة هذه "اللهجة المعتدلة"، لم يفت المحللين أن بوش لم يقدم أي تنازلات حقيقية في ما يتعلق بـ "الحرب العالمية ضد الإرهاب" ولا أيضاً بحربي العراق وأفغانستان.
هنا بقي التصلب تصلباُ، واستمر العناد عناداً. وهذا ما أوحى للكثيرين وقتها بأن الرئيس الأميركي يتراجع تكتيكياً ليثبت أقدامه إستراتيجياً، وانه ليس البتة في وارد التخلي لا عن حربه العالمية ضد الإرهاب ولا عن صفته كـ "رئيس حرب".
وجاءت وثيقة وزارة الدفاع الاميركية الأربعية، أي التي تصدر كل أربع سنوات، (انظر الوصلة المصاحبة للموضوع) لتحّول هذا الإيحاء إلى حقيقة، حيث اكدت هذه ليس فقط التمسك بالحرب العالمية ضد الأرهاب، بل وسعت أيضاً نطاق عمل القوات الاميركية ليشمل كل انحاء الكرة الأرضية.
لكن، لماذا هذا التمسك المدهش بشن حرب عسكرية عالمية على الإرهاب، فيما كل بقية دول العالم مقتنعة بأن الإرهاب ظاهرة من إختصاص الشرطة والمحاكم الجنائية، لا الجيوش والمعتقلات الغوانتنامية؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك، فلنستعرض معاً أهم ما جاء في وثيقة البنتاغون الجديدة.
تبدأ الوثيقة بالتشديد فوراً على أن الولايات المتحدة "أمة منغمسة في ما سيكون حرباً طويلة" . وبدءاً من هذه الفرضية التي لم يشعر البنتاغون بأي ضرورة لتبريرها أو تفسيرها، تتدفق السياقات والإستهدافات. يقول التقرير:
- منذ إعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، خاضت أمتنا حرباً عالمية ضد متطرفين عنيفين إستخدوا الإرهاب كسلاح إختيار وسعوا لتدمير طريقتنا الحرة في الحياة. أعداؤنا يسعون للحصول على أسلحة الدمار الشامل، وإذا ما نجحوا فمن المحتمل أن يحاولوا استخدامها في نزاعهم مع الاحرار في كل مكان. حالياً، الصراع متركز في العراق وأفغانستان، لكننا سنكون في حاجة لأن نستعد للدفاع بنجاح عن أمتنا ومصالحها حول العالم في الآتي من السنوات .
- إذا ما حاول المرء تحديد كيفية تغيّر وزارة الدفاع بعد 11 سبتمبر وكيف يطل كبار القادة في هذه الوزارة على هذا التحّول، قد يكون مفيداً إعتبار ما جرى تغيراً في أهداف التركيز لمواجهة البيئة الأستراتيجية الجديدة. ففي هذه المرحلة المتميزة باللاّيقين والمفاجآت، يشمل تغير التركيز على الإنتقال من:
1- إيقاع السلام إلى إيقاع الحرب في ما يتعلق بحس الطواريء، ومن مرحلة التوقعات إلى حقبة المفاجآت واللايقين، ومن التركيز على التهديدات الأفرادية إلى التحديات المعقدة، ومن التهديدات المنطلقة من الدول- الامم إلى التهديدات الأتية من شبكات لا مركزية وأعداء لا دولتيين ( أي ليسوا دولاً ).
2- التركيز إنتقل أيضاً من شن الحرب ضد امم إلى شن الحرب في دول لسنا في حال حرب معها(المناطق الآمنة للإرهاب)، ومن الرد على الأزمات حين تبدأ (رد الفعل) إلى الخطوات الوقائية كي لا تتحول المشاكل إلى أزمات، ومن التخطيط المعتمد على المخاطر، إلى التخطيط المستند إلى القدرات، ومن عمليات القرن العشرين إلى مقاربات القرن الحادي والعشرين الإدماجية.
3- وأخيراً، التركيز تحّول من الدفاع الساكن وقوات الثكنات والقواعد، إلى العمليات المتحركة والحملات، ومن القوات المستعدة للقتال (السلام) إلى القوات التي شدت عضدها الحرب، ومن عمليات القتال التقليدية الكبرى إلى العمليات غير المنتظمة المتعددة واللامتماثلة، ومن التركيز على السفن والمدافع والدبابات والطائرات، إلى التركيز على المعلومات والمعرفة والإستخبار العلمي والفوري.
بعدها ينتقل التقرير إلى تحديد الأعداء والأهداف. الأعداء في هذه الحرب الطويلة ليسوا قوات عسكرية تقليدية بل شبكات إرهابية عالمية متناثرة تستخدم الإسلام لتحقيق أهداف سياسية راديكالية. هؤلاء يعملون على حيازة واستخدام الأسلحة النووية والبيولوجية لقتل مئات آلاف الامريكيين وغيرهم في كل أنحاء العالم. إنهم يستخدمون الإرهاب والدعاية والعنف العشوائي في محاولة لإخضاع العالم الإسلامي إلى طغيان ديني راديكالي، فيما يسعون في الوقت ذاته لتأبيد الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.
هذه الحرب تتطلب من القوات المسلحة الاميركية أن تتأقلم مع مقاربات لاتقليدية وغير مباشرة. حالياً، العراق وأفغانستان هما ساحتي الحرب الحاسمتين، لكن الصراع يمتد إلى أبعد بكثير من هاتين الدولتين. والولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها يجب أن تكون مستعدة لشن هذه الحرب في أماكن عديدة في آن لبعض سنوات آتية.
ومن الأعداء إلى الأهداف والأولويات المتمثلة في:
1- إلحاق الهزيمة بشبكات الإرهاب.
2- الدفاع عن عمق الوطن .
3- تشكيل خيارات الدول التي تمر بمفترق طرق إستراتيجي.
4- منع الدول المعادية والممثلين غير الدولتيين من حيازة أو إستخدام أسلحة الدمار الشامل.
5- حددنا في تقرير 2001 بأنه يتعّين على القوات الامريكية أن تكون قادرة على عمليات في أربع مناطق هي أوروبا، الشرق الأوسط، "آسيا الساحلية"، وشمال شرق آسيا. لكن السنوات الأربع الاخيرة أظهرت الحاجة إلى ان تعمل القوات الاميركية في كل أنحاء الكرة الأرضية، وليس فقط في هذه المناطق الأربع.
لماذا ؟
هذه أبرز عنوانين الوثيقة التي جاءت خلاصتها في اكثر من 120 صفحة. وكما هو واضح منها، لا تزال مسألة الإرهاب تشكّل العصب الأول والأخير لإستراتيجية الامن القومي الأمريكي. وهذا ما يعيدنا إلى سؤالنا الاولي: لماذا؟
لا جدال بأن الإرهاب مشكلة عالمية. ولا شك أن "الإرهاب الكارثي"، الذي قد تستخدم فيه أسلحة بيولوجية أو كيماوية، خطر ماحق وحقيقي قد تكون معه أحداث 11 سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك مجرد ألعاب أطفال.
كل هذا صحيح. لكن، هل تستأهل هذه الظاهرة شن حرب عالمية في طول الكرة الأرضية وعرضها ضد حفنة مئات أو آلاف من الشبان؟ ثم، وهنا الاهم، هل بمقدور مثل هذه الحرب إنهاء الأرهاب وإجتثاثه من جذوره؟
في مقال جميل قبل أيام، كتب جيمس كارول في "بوسطن غلوب" : "هل اميركا حقاً في حرب؟ إن لدينا رئيس حرب، وصقور حرب، وطائرات حرب، ومراسلي حرب، وصرخات حرب، وحتى جرائم حرب. لكن هل لدينا حرب؟ وإذا كان الأمر كذلك، من هو العدو؟".
ويضيف كارول: "متمردو العراق ليسوا أعداءنا. إنهم يريدون الإستقلال. وأسامة بن لادن لم يصبح شخصية أسطورية تاريخية، إلا حين جعله جورج بوش مساوياً لاميركا عبر تحديده 11 سبتمبر بأنها حرب يجب أن تجابه بالحرب، لا بأنها جريمة يجب ان تجابه بعدالة القانون".
وقبل جيمس كارول بوقت طويل، كان حلفاء اميركا الاوروبيون الذين أعلنوا "أميركيتهم" غداة 11 سبتمبر (كما أعلنت مانشيت " لوموند") يستغربون كل أحاديث الحرب العالمية التي أعلنتها اميركا ضد شخص واحد او منظمة صغيرة واحدة، ويشتمون منها روائح غير مريحة لا علاقة لها لا بالإرهاب ولا بمن يرهبون: روائح نفطية، وجيو- إستراتيجية، وعسكرية- إقتصادية، وثقافية- تجارية.. ألخ.
هذا في ما يتعلق بطبيعة الحرب. أما نتائج مثل هذه الحرب، فهي باتت واضحة لكل ذي عين. فهي بدل ان تجتث الإرهاب من جذوره، منحته فرصاً ثمينة لمد جذور جديدة في أماكن لم يكن ليحلم بها. وعلى سبيل المثال، هل كان أبو مصعب الزرقاوي يتخّيل في أروع مناماته أنه قد يغادر في يوم ما قوقعته الأردنية ليحكم جزءاً من قلب أراضي الخلافة العباسية؟ وهل كان الاصوليون الإسلاميون يحلمون بأن يقدم لهم الأصوليون الامريكيون، عبر غزوهم العراق وأفغانستان، فرصة خوض الجهاد على رقعة جغرافية شاسعة تمتد من جنوب شرق آسيا إلى جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا؟ وأي نعمة سماوية أفضل من تلك التي قدمها الأميركيون لهم، حين اعتبروهم صنواً للدول الكبرى التي خيضت ضدها في السابق الحروب العالمية؟
هل يعني كل ذلك بأن الأمريكيين ارتكبوا خطأ جسيماً، أملته العواطف المشبوبة بعد 11 سبتمبر، بإعلانهم "حرباً عالمية" ضد الأرهاب؟.
وثيقة البنتاغون لا توحي البتة بذلك. وخطب الرئيس بوش المتلاحقة، وآخرها خطابه حول حال الامة، تشي بأنه كان ولا يزال مقتنعاً بأن الإرهاب يتطلب حرباً برغم كل ما جرى ويجري في العراق وأفعانستان، وان هذه حرب يجب خوضها وربحها. والارجح ألا يكون قادة الحزب الديمقراطي بعيدين هم أيضاً عن هذا المنطق، إذ أن احداً منهم (عدا ربما تيد كينيدي) لم يتبرع بعد للقول بأن الإرهاب مشكلة أمنية تابعة لـ " الأف. بي. أي"، وليس عسكرية تابعة للبنتاغون.
وهذه معطيات خطيرة تقود إلى السؤال الأخطر الذي لم يعد البعض يتردد في طرحه: هل أميركا مستفيدة من الإرهاب، أو على الأقل تستخدمه لأغراض أخرى لا علاقة مباشرة لها به؟ وإذا ما كان هذا صحيحاً، هل ثمة أساس لشكوك الشكاكين بأنه كان لبعض المؤسسات الرسمية الامريكية ضلع تخطيطي (على الأقل!) في أحداث 11 سبتمبر؟ السؤال خطير جدا.. ولن يكون من السهل العثور على إجابة دقيقة ونهائية عليه.
سعد محيو- بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>