Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/143

قصة نجاح سويسرية ليس لها مثيل ـ فالـ "بِرشر موِسلي" هي الوصفة الوحيدة التي شقت طريقها من بلد جبال الألب إلى مطابخ العالم. أما "مخترعها"، الطبيب والرائد في الإصلاح الغذائي ماكسيميليان بِرشر ـ بينر فقد ولد قبل 150 عاماً في آراو.
وتبدأ القصة حين أصيب الكاتب الألماني الكبير توماس مان (مدينة ميونخ) بمشكلات في الجهاز الهضمي. فكتب لأخيه هاينريش يقول: "إنني لست على ما يرام، لهذا قررت أن أترك كل شيء وخاصة الحياة الرغدة لمدة 3 أو 4 أسابيع وأن أتوجه إلى بِرشر بينر في زيورخ، فقد ذاعت أخبار نجاحه حالياً". وكانت وجهته هي مصحة "ليبيندغه كرافت" (أو القوة الحيوية)، والتي كان يديرها الطبيب ورائد الإصلاح الغذائي والطبيب الروحي ماكسيمليان بِرشر ـ بينر منذ عام 1904 وكان الإقبال عليها يتزايد باطراد.
إلا أن "العلاج التنظيمي" الذي وصفه بِرشر ـ بينر لمرضاه فوق جبل زيورخ لم يَرُق بتاتاً للأديب الصاعد والحاصل لاحقاً على جائزة نوبل في الأدب. فقد اشتكى المثقف توماس مان أنه كان عليه "الإستيقاظ في الساعة السادسة واطفاء الأنوار في التاسعة مساء وتمضية يومه بين حمامات الشمس والهواء والماء والعمل في الحديقة": "إنه شيء شديد الصعوبة، ففي البداية وعلى مدى الخمسة أيام الأولى كنت استيقظ دائماً وأنا عاقد العزم (على الرحيل) ومقاوماً حزم حقائبي".
لقد بدت له المصحة بقواعدها الصارمة واجهادها البدني والروحي مثل "سجن صحي"، يشعر داخله وكأنه "الملك البابلي نبوخذ نصر، لكنه آكلاً للحشائش"، و"ماشياً على رجليه الأربع في حماماتِ الهواء".
أما "هضمه العنيد" والذي جاء به إلى هذا المكان فقد برء خلال الأربعة أسابيع التي أقامها هناك، بل أنه "تغير للأفضل بصورة مذهلة، وكأنه لم يعانِ منه من قبل مطلقاً". لقد أخذ توماس مان معه من زيورخ نجاح علاجه وكذلك تعرفه المدهش على أحد النزلاء وهو الناشر باولو إنريكو زيندريني ابن مدينة ميلانو، والذي كان ملهماً له في تصويره لشخصية "الأديب الحر" لودوفيكو ستيمبريني في رواية "دير تساوبربرغ Der Zauberberg" (أو جبل السحر).
الطبيب الشهير
كانت مصحة "ليبينِدغه كرافت" ومبدأ العلاج الذي يتم تنفيذه هناك هما آخر صيحة في علاج المرضى أو المتوعكين من أبناء الطبقة البرجوازية الكبيرة. أما مدير المصحة بِرشر ـ بينر، والذي قام لاحقاً بعلاج قائد الأوركسترا فيلهلم فورتفينغلر وعازفة البيانو إيلي نيي أو ملك سيام فقد قفز إلى الشهرة وأصبح هو المقصد الأول لكل من تثور معدته أو تصاب أمعاؤه بالإمساك.
لقد ولد بِرشر ـ بينر في مثل هذا اليوم قبل 150 عاماً كإبن لأحد موثقي العقود في آراو ثم تخرج من كلية الطب في كل من زيورخ وبرلين وفي الأول من ديسمبر 1891 استقر به المقام كطبيب شاب في الحي الصناعي زيورخ ـ آوسرزيل.
وبينما عايش هناك مع مرضاه من الطبقات الفقيرة العوز وسوء التغذية المهلك، فقد قابل في مصحته التي أسسها بمساعدة أموال زوجته إليزابيت بينر في شارع كيلتن شتراسه 8، أناساً يعانون من التخمة ـ فقد أساءوا إلى أجسادهم من خلال تناولهم للحوم والدهون، والصلصات القوية والتوابل الحريفة والقهوة والكحول ومنتجات التبغ. كثير، كثير! كل هذه الأشياء الشيطانية كانت موضوعة على قائمة السموم في مصحة "ليبيندغه كرافت".
ففي نظر بِرشر ـ بينر كان الناس في مطلع القرن العشرين يعانون من مرض التحضر والذي تمثل في نمط غير منظم للحياة ـ لهذا السبب طبق نظاماً صارماً في الحياة اليومية داخل المصحة.
وكان هذا النظام يضم حمامات ضوء وتمسيد وصبات باردة وعلاج بالهواء بالإضافة إلى المضغ البطيء على المائدة والذي يساعد على إفراز اللعاب جيداً، فضلاً عن الأمر بعدم الحديث عن الحالة الصحية الخاصة بكل مريض أثناء تناول الوجبات. "التفكير الإيجابي"، هذا كان شعار أخصائي الصحة بِرشر بينر. والعودة إلى أصول الطعام المغذي، الأخرى.
إنه شيء شديد الصعوبة، ففي البداية وعلى مدى الخمسة أيام الأولى كنت استيقظ دائماً وأنا عاقد العزم (على الرحيل) ومقاوماً حزم حقائبي
توماس مان حول "العلاج التنظيمي" لبرشر ـ بينر.نهاية الإقتباس
كما وضع نظاماً غذائياً غير مطهي (وجربه بنجاح على نفسه، حينما مرض بالصفراء) والذي كان يناقض بشدة التصور السائد حينها بشأن التغذية الغنية.
وكان أساس نظريته يتمثّل في أنها ليست القيمة الغذائية لطعام ما، أي الدهون والبروتينات والنشويات هي ما تشكل ماهيته وإنما ما خزن فيه من طاقة الشمس.
لهذا لم يكن اللحم والبيض والجبن هي عناصر التغذية الصحية لديه، وإنما الطعام النباتي النيء ـ وخاصة الأطعمة الخضراء ـ ذلك لإنها قد غذيت بقوة حيوية من الشمس مباشرة. وقد أطلق عليها اسم "الغذاء الضوئي".
طعام فلاحي الألب
ويتذكر بِرشر ـ بينر بسعادة العادات الغذائية للرعاة ولسكان جبال الألب الريفيين في الأزمنة الماضية. فقد كتب: "لقد كان غذائهم اليومي بسيط للغاية وكان يتكون من طبق واحد يمثل الوجبة كلها... فالغذاء اليومي كان يتكون أساساً من: عصيدة من الحبوب (الشوفان والدخن والشعير)، والخضر (خاصة السلق والقرنبيط)، والجزر والخضر الجذرية، والبقول والحليب (الطازج والرائب) والفاكهة (الطازجة والمجففة). أما اللحم فقلما وُجِد على المائدة، وذلك إذا كان هناك ضرورة للتخلص من حيوان مُسن أو إذا ما عاد أحدهم بغنيمة صيد إلى البيت. لكنه كان حدثاً نادراً في أغلب الأحيان".
وبهذا المفهوم كانت الوجبات في مصحة "ليبيندغه كرافت" غالباً ما تكون متواضعة، فاللحم والطعام الدسم والمقلي كان غير موجوداً بالمرة. وكانت الحياة البرجوازية التي تشمل النقانق ودهن الخنزير وبطنه، حيث كان الأب يحصل يوم الأحد على أول قطعة من اللحم المحمّر، غير واردة البتة. أما موِسلي بِرشر الذي حمل اسم بِرشر ـ بينر إلى العالم فكان هو أساس كل شيء وكان يقدم في الصباح والمساء مع الخبز الكامل والزبد وشاي الأعشاب.
كما كانت التقليعة الغذائية "د شبيس " ـ مثلما أطلق بِرشر ـ بينر عليها ـ تتكون من ملعقة طعام ممسوحة من رقائق الشوفان (على الأكثر! وتكون قد نقعت سابقاً لمدة 12 ساعة في ثلاثة ملاعق من المياه)، وعصير نصف ليمونة وملعقة طعام من الحليب المكثف المحلى بالسكر. أما المكون الأساسي فكان يتمثل في اثنين إلى ثلاثة تفاحات صغيرة بالقشرة ومكان البذور، مقطعة إلى مكعبات ومنثور فوقها ملعقة صغيرة من المكسرات. انتهت بهذا الوصفة. وقد أشار بِرشر ـ بينر بكل فخر أن هذه الوجبة جيدة ومفيدة ومتوازنة كلبن الأم.
محتقرو الطعام النيء
وكان رد فعل الأطباء المخضرمون على هذه النظم الغذائية القاسية التي نشر بِرشر ـ بينر أبحاثاً جادة حولها هو الاستياء. ذلك أن هؤلاء الأطباء قد رأوا أن ثقة الإنسان في أول مصدر للقوة وهو اللحم قد تزعزعت بفعل هذه الأبحاث.
وقد أدى هذا في عام 1900 إلى استدعاء رائد الثورة الغذائية بِرشر ـ بينر للمثول للتحقيق أمام الجمعية الطبية القوية بزيورخ وذلك في مبنى اتحاد الأطباء المسمى "تسور زافران Zur Saffran" (أو "إلى حيث الزعفران")، مما انتهى بطرده من هذه الجمعية. كما صرح رئيس اتحاد الفلاحين آنذاك، إرنست لاور معترضاً: "من يضع اللحم والجبن على قائمة الأطعمة الممنوعة على الأصحاء، فإننا نعتبره عدونا. وسوف نحارب مثل هذا الشخص ولن نتحالف معه!".
رسول الصحة
كان بِرشر ـ بينر هو في الحقيقة أول من تناول العلاقة بين التغذية والصحة بالدراسة المدققة، لكنه أيضاً نظر إلى خارج حدود الغذاء وتأمل نظام حياة مرضاه بنظرة شاملة. وكان من ضمن جهوده الطبية قيامه بمحادثات متفهمة تعلمها من العلاج النفسي الناشيء، للتعرف من خلالها على الحالة النفسية للمريض عن قرب.
"إن التغذية الحالية تدمر الصحة الجسمانية والروحية كالسم البطيء.(...) لقد تسلل الاعتلال إلى البيت السويسري".
ماكسيميليان بِرشر ـ بينرنهاية الإقتباس
وكان هناك مؤشرات على أنه قد حاول حث مرضاه على ما يفعله الناس اليوم في نوادي اللياقة البدنية، ألا وهو الشعور بالسعادة أثناء الحركة. وكان يحلو لبِرشر ـ بينر الذي كان يخطو في بدلته مرتدياً صندلاً طبياً (بدون جوارب) داخل مصحته العلاجية، أن يتبختر أحياناً حافياً فوق العشب الندي.
أما مرضاه ومنهم توماس مان فقد استفادوا بصورة واضحة من هذا العلاج المتطرف، وإن لم يحصلوا على الطعام الذي يتمنون وإن كانت نظرتهم إلى الطبيعة غير واثقة. لقد كان بِرشر ـ بينر رسولاً للصحة من الدرجة الأولى، وكان يحث الناس على تحمل المسئولية الذاتية عن فعل ما يفيد أجسامهم وأرواحهم.
وبعد مرور عقدين من الزمان، وتحديداً في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، أكد بيأسٍ في محاضرة ألقاها بعنوان "الصحة في البيت السويسري المعاصر" على أن أغلب الناس لا يريدون الاستماع إليه. "إن التغذية الحالية تدمر الصحة الجسدية والروحية كسم بطيء... ويمكننا الاعتماد على بعض الإشارات السائدة في شعبنا، كما هو الحال في الأمم المتحضرة، ألا وهي تساقط الأسنان، بطء الأمعاء، الروماتيزم، وأمراض المعدة والأمعاء والكبد والقلب والأوعية الدموية، واضطرابات الغدد والخصوبة والاكتئاب والعصبية. أما معدل الوفيات بالسرطان فإننا نتفوق فيه على غيرنا من الشعوب. لقد تسلل الاعتلال إلى البيت السويسري".
وهو الأمر الذي لم يغادر هذا البيت حتى اليوم. مع وجود فارق واحد: فاليوم يصبح الفقراء أكثر سمنة، أما الأثرياء فيعذبون أنفسهم في برامج اللياقة البدنية كي يحصلوا على أجساد مثالية. لكن الأمعاء الغليظة لم تفرغ حتى الآن بحق.
ازدهار الموِسلي
في عام 1939 توفى بِرشر ـ بينر إثر سكتة قلبية. وقد خلف وراءه ثلاثة أشياء. أولها: تذكِرة للأطباء لا تزال سارية حتى اليوم: "إن الطبيب في رأي لا يتعامل فقط مع المعدة والكبد والقلب وهكذا وإنما مع الإنسان الذي يأتي إليه مريضاً، ومع تكوين شخصيته، وعدم نضجه، وعلاقته الفاشلة مع جسمه أو مع روحه أو مع نفسه أو مع العالم المحيط به..." أما إذا لم يرصد الطبيب الحالة الروحية لمريضه، فإنه يكاد ينخفض إلى درجة معالج فقط.
ثانياً: مصحة كَرَّست نفسها لعلم التغذية وهذا بمشاركة ثلاثة من أبنائه، وقد استمرت هذه المصحة في العمل حتى عام 1994 ثم أغلقت بسبب قلة الإشغال، واليوم تستخدم كمقر لـ "مركز زيورخ للتطوير" الخاص بشركة تأمين زيورخ.
ثالثاً: "ديه شبيس". ذلك لإنه حتى وإن لم يرد العالم تقبل تعاليم ماكسيميليان بِرشر ـ بينر كليةً كما اقترحها، فإن شيئاً واحداً بقي في كل فم: "الموِسلي" الخاص به، والذي يحظى بإقبال عالمي تحت مسمى موِسلي، أو موسلي. وحتى إن تم خلطه ـ بخلاف الوصفة الأصلية ـ بالعسل أو بالقشدة المخفوقة أو بسلطة الفاكهة أوبرقائق الشيكولاتة، فإنه سيظل منتجاً سويسرياً رائداً في مجال التغذية.
نشرت هذه المقالة في صحيفة "بازلر تسايتونغ" (تصدر بالألمانية في مدينة بازل) يوم 22 أغسطس 2017.