Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/158

تُعد المبادرات الشعبية، وسيلة الناخبين السويسريين الفعالة لإحداث تغيير، انطلاقا من أسفل الهرم، وبما يخالف رغبة البرلمان والحكومة في أغلب الأحيان. وعلى الرغم من فشل معظمها، إلا أنها غالبا ما تترك أثرا حاسما على الحياة السياسية في الكنفدرالية.
هذه المقالة هي جزء من "DearDemocracyرابط خارجي"، منصة swissinfo.ch للديمقراطية المباشرة، التي لا تقتصر على ما تعدّه هيئة التحرير، وإنما تتلقى أيضا مساهمات لكتاب آخرين، قد تكون لهم آراء ومواقف مُغايرة.نهاية الإطار التوضيحي
كانت الأوساط السياسية السويسرية يوم 26 نوفمبر 1989 في حالة ذهول، إذ شهدت سويسرا في ذلك اليوم التصويت على مبادرة تطالب بإلغاء الجيش. وبطبيعة الحال، رُفضت المبادرة التي أطلقها تجمع "من أجل سويسرا بدون جيش"، ولم يؤيدها سوى نحو 36٪ من الناخبين، واعتبر ذلك، في بادئ الأمر، نصرا للنخب العسكرية والسياسية في البلاد.
لكن سرعان ما تحوّل هذا النصر إلى هزيمة، فالنتيجة التي حققتها المبادرة، بمحتواها الراديكالي، صادمة، ولا يمكن الإستهانة بها، ولا مفر من أن تخلف عواقب، إذ من حينها تغيرت النظرة للجيش السويسري، ولم يعد بمثابة "البقرة المقدسة" كما كان إبان الحرب الباردة، ولم يعد يحظى بنفس المعاملة.
لذلك، عندما قدم التجمع مبادرة أخرى تطالب بحظر تصدير المواد الحربية في منتصف التسعينات، جاء رد فعل الحكومة والبرلمان الفدراليين فوريا من خلال توطيد الأسس القانونية لتصدير الأسلحة، من أجل قطع الطريق على أصحاب المبادرة، وقد آتت هذه الإستراتيجية أكلها، وتم رفض المبادرة بأغلبية ساحقة، ولم يؤيدها سوى عدد يزيد قليلا عن 20٪ من مجموع الأصوات.
سلسلة "صندوق الأدوات"
تعتبر السياسة السويسرية مزيجاً من الديمقراطية غير المباشرة والمباشرة. وقد توسعت هذه الأخيرة بصورة لم يعرفها بلد آخر. ويتضح هذا من خلال عدة مظاهر، منها إجراء 620 اقتراع فدرالي، وهو "رقم قياسي عالمي".
في هذه السلسلة التي تُنشر على منصة #DearDemocracy يقوم لوكاس لويتسينغر بتسليط الضوء على أهم وأقدم الأدوات والآليات والعمليات التي تتكون منها الديمقراطية المباشرة في سويسرا.
درس الكاتب العلوم السياسية بجامعة زيورخ. وعمل كصحافي ومدير مشارك للمدونة السياسية "Napoleon's Nightmareرابط خارجي" أو "كابوس نابوليون".نهاية الإطار التوضيحي
أداة جذرية
لا مفر من التذكير هنا أنه بموجب المبادرة الشعبية، يمكن لمائة ألف ناخب، بواسطة استفتاء شعبي، أن يجروا تعديلا على الدستور الفدرالي، ومنذ أن بدأ العمل بهذه الآلية، في عام 1891، تم إطلاق أكثر من 400 مبادرة شعبية، غير أن الكثير منها لم يفلح في الوصول إلى صناديق الإقتراع، إما لفشل أصحابها في جمع التوقيعات اللازمة، أو لسحبهم لها قبل التصويت، ولغاية الآن، أمكن للناخبين السويسريين التصويت على 209 مبادرة، وتم رفض ما يقرب من 90٪ منها.
من المؤكد أن مبادرة إلغاء الجيش، ومبادرة حظر صادرات المواد والأسلحة الحربية، قد تركتا أثرا ملموسا، ونفس الشيء يندرج على كافة المبادرات التي تُرفض من قبل الناخبين، فهي قد تكون سببا في طرح البرلمان لمبادرة مضادة مباشِرة تضع الناخب أمام خيارين ليرجّح أحدهما (أو يرفضهما معا ويُبقي الحال على ما هو عليه)، أو طرح مبادرة غير مباشرة في صورة تعديل قانوني، أو قد تستوجب، على أقل تقدير، نقاشا عاما وتوعية جماهيرية.
على سبيل المثال، أطلق اتحاد المزارعين السويسريين مبادرة "الأمن الغذائي"، بهدف تضمين الدستور الفدرالي نصا يُجبر الحكومة على تعزيز الإمدادات الغذائية المحلية، هذا الأمر، استدعى أن يقوم البرلمان بوضع مقترح مضاد، هو أقرب إلى التوجيه منه إلى الإلزام، يطالب الحكومة بتوطيد أسس الإنتاج الزراعي، وتشجيع الزراعة ذات التوجه السوقي والكفاءة في استخدام الموارد.
والآن يُنتظر معرفة ما إذا كانت لهذا التعديل الدستوري، الذي اعتمده الناخبون في سبتمبر 2017، جدوى عملية ملموسة، وعلى كل حال، نجح اتحاد المزارعين السويسريين، من خلال مبادرته الشعبية، بوضع مسألة السيادة الغذائية، على مدى سنوات، في صدارة النقاش السياسي الوطني.
ما من شك، في أن الهيئات الأخرى التي أطلقت مبادرات خاصة سعت من جانبها إلى تحقيق أهداف مماثلة، كما على سبيل المثال، مبادرة "الإعتناء بالتمريض"، التي أطلقها الاتحاد السويسري للممرضين والممرضات، والداعية إلى تشجيع وتطوير مهنة التمريض، أو مبادرة "برو فيلو" التي تهدف إلى تعزيز استخدام الدراجة الهوائية وإلزام الحكومة بتطوير شبكة مسارات خاصة بها.
ولعلّه من نافل القول، أن المبادرة الشعبية، بالمقارنة مع الأدوات الدستورية المماثلة في معظم الديمقراطيات الغربية، هي أداة جذرية، والمقصود بذلك أنها تتيح التغيير من الأسفل أي من القاعدة الشعبية، وأن حدودها واسعة، بل إنها غالبا ما تهدف إلى احداث تغييرات جوهرية في القوانين القائمة، مما يجعل سويسرا مسرحا لثورة صغيرة من النقاشات كل ثلاثة أشهر.
على عكس إرادة السلطات
بحكم طبيعتها، تتعارض المبادرات الشعبية مع إرادة الأغلبية في الحكومة وفي البرلمان، ولذلك فهم لا يرحّبون بها، ودوما ما يتوجّسون منها، بسبب ما تنضوي عليه من احتمالية قبول الشعب لتغيير دستوري قد يُفسد عليهم خططهم، فهم بالتالي، غالبا ما يحتفون بالشبهات التي تحوم حول المبادرة ويحاولون اعتراضها بطرح مقترحات تخفف من وطأتها.
من خلال دراسة قامت بها المحامية غابرييلا روهنر لجميع المبادرات الشعبية التي تم إطلاقها في سويسرا من عام 1891 وحتى سنة 2010، تبيّن بأن هذه المبادرات نادرا ما تم قُبولها ولكنها مع ذلك، غالبا ما حققت نجاحا ولو جزئيا على الأقل، وأن ما يقرب من نصف المبادرات، التي قُدمت معززة بالعدد المطلوب من التوقيعات، قادت إلى تعديل في النظام القانوني، إما مباشرة من خلال إجازة الشعب لها وهو الغالب، وإما بشكل غير مباشر من خلال تغليب اقتراح مضاد. ولو أخذنا بعين الإعتبار التعديلات التشريعية التي لم ترتبط بالمبادرات الشعبية ولكنها كانت من وحيها، لوجدنا بأن معدل النجاح أكثر من ذلك بكثير.
الإنتقاد منذ النشأة
يستوجب تسمية هذه الآلية بالمبادرة الشعبية، كونها تستخدم من قبل "الشعب"، أي من طرف المواطنين العاديين من غير انتداب سياسي. وبالفعل، يمكن لأي مجموعة أن تطلق مبادرة شعبية وتصل بها إلى صناديق الإقتراع، بل وتُنجّحها أيضا، دونما دعم من أي حزب سياسي أو أي منظمة كبيرة، بشرط أن تطرح موضوعا جماهيريا وأن تكافح من أجله. ومن الأمثلة على ذلك، مبادرة "لا تقادم في الجرائم الجنسية والإباحية المرتكبة ضد أطفال"، التي أطلقتها مجموعة من المواطنين، واعتُمدت في التصويت الشعبي الذي أجري يوم 30 نوفمبر 2008.
مع ذلك، يتم إطلاق أغلب المبادرات الشعبية من طرف جماعات الضغط والمصالح المنظمة، أو من جانب أحزاب سياسية، أو غيرها من منظمات المجتمع المدني، ومنذ وقت قريب، وُجّهت انتقادات متكررة للأحزاب السياسية لإساءة استخدامها للمبادرات الشعبية كوسيلة للدعاية الإنتخابية، وبشكل عام، تعالت مؤخرا الكثير من الأصوات التي تشتكي من الإفراط في إطلاق المبادرات وتطالب بفرض قيود أكثر صرامة للحد منها (كزيادة عدد التوقيعات اللازمة، التي هي حاليا 100 ألف توقيع).
في حقيقة الأمر، رافق الإنتقاد المبادرة الشعبية منذ إنشائها، ومن الطبيعي أن لا يُعجِب رجال السياسة أن تُتّخذ القرارات السياسية بدونهم. فالمبادرة الشعبية تحدّ من تأثير النواب المنتخبين وجماعات الضغط على حدّ سواء، وتشكل قناة إضافية لتزويد العملية السياسية بمقترحات واهتمامات جديدة لولا هي لطواها النسيان. وبناء عليه، فإن المبادرة الشعبية لا تتيح الفرصة أمام الأفكار الجديدة لاختراق تحصينات القوى المتراصة فحسب، وإنما هي أيضا وسيلة هامة للتكامل السياسي في البلاد.