Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00868.jsonl.gz/102

تُواجه التظاهرات الثقافية ومؤسساتها السويسرية معضلة أخلاقية عند قبولها لاتفاقات الرعاية من قبل شركات مثل عملاق السجائر فيليب موريس؛ فلقد أثارت مؤخراً حالة تتعلّق بمتحف كانتون الفنون الجميلة الجديد في مدينة لوزان بعض التساؤلات حول مسألة معقدة.
يقع متحف كانتون فو الجديد للفنون الجميلة، الذي فتح أبوابه مؤخراً للجمهور رابط خارجي في "رصيف 10" من الحي الثقافي، على بعد مرمى حجر من محطة القطارات الرئيسية في لوزان. ويتم تمويل جزء من تكلفة تشغيل هذا المتحف البالغة 83 مليون فرنك من طرف مؤسسات القطاع الخاص (40%)، ومنها شركة فيليب موريس العالمية التي تتخذ من سويسرا مقرّاً لها. وقد منحت هذه الشركة للمتحف مبلغاً قدره 390000 فرنك لأعمال البناء بالإضافة إلى مبلغ 50222 فرنكاً لتغطية تكاليف التشغيل.رابط خارجي
وفي حين تمت الإشادة بالمشروع الجديد، إلا أن المنتقدين غير الراضين عن اتفاق الرعاية، يقولون إن على سلطات كانتون فُو منع شركات السجائر وغيرها من الشركات المشكوك بنشاطاتها التجارية من وجهة النظر الأخلاقية، من تمويل كل ما يتعلق بالمؤسسات العامة مثل المتاحف والمهرجانات.
في السياق، يقول السياسي اليساري هادريان بوكلينرابط خارجي: "تجتهد الدولة في مكافحة استهلاك التبغ وتقوم بحملات توعية لمكافحة التدخين، ولكنها في الوقت نفسه تؤمّن مساحة إعلانية لشركات التبغ". كما يعتقد أن هذا النوع من الرعاية واتفاقات تبنّي المشاريع من قبل الشركات الخاصة، لا يخضع للمراقبة الشفافة في سويسرا، وأنه يجب وضع حد له.
أرض صناعة التبغ
تعتبر سويسرا بلداً بالغ الأهمية لشركات التبغرابط خارجي. وتتمتع أكبر شركتي سجائر في العالم، وهما شركة فيليب موريس العالميةرابط خارجي و شركة بريتيش أمريكان توباكورابط خارجي، بحضور قوي في مدينة لوزان وأماكن أخرى في الكنفدرالية. وتساهم شركات التبغ بمبلغ يقدر بنحو 6.3 مليار فرنك (أي ما يعادل 6.4 مليار دولار) سنويّاً في الاقتصاد السويسري، ويعمل بها 11500 شخص. وتعتبر سويسرا واحدة من الدول القليلة المتبقية التي ما زالت لم تصادق على اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغرابط خارجي، والتي تتضمن تدابير صارمة بشأن الإعلان والرعاية.نهاية الإطار التوضيحي
لكن البرلمان المحلي لكانتون فُو لا يتفق مع هذا الرأي؛ ففي شهر نوفمبر 2019، رفض البرلمانيون اقتراح بوكلين بحظر الرعاية المالية المتوقعة لـ "رصيف 10” من قبل شركات السجائر وغيرها من الشركات المثيرة للجدل، والتي تتعارض مع أهداف الصحة العامة والبيئة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة للكانتون.
نفوذ كبير
وقد أثارت الاعتبارات المالية والنفوذ المحلي لشركات السجائر نقاشاً حامياً في البرلمان. تقول فلورنس بيتشارت-ناربل (من الحزب الليبرالي الراديكالي - يمين): "إذا أردنا أن نكون منسجمين مع أنفسنا، فيجب على سلطات كانتون فُو رفض جميع عائدات الضرائب من هذه الشركات".
أما الإشتراكية ميريام رومانو-مالاجريفا، فتقول إن رفض الأموال من هذه الشركات سيكون بمثابة "تسجيل هدف ضد مرماك"، وتتساءل قائلة: "إذا رفضنا هذه الأموال، فمن سيُعوّضنا ذلك؟"، مضيفة أنه "إذا بدأنا بحظر قبول الهبات المالية لشركات صناعة التبغ، فمن يدري، ربما تكون القائمة التالية هي شركات الأدوية أو اليانصيب السويسري".
بدوره، يقول باسكال بروليس وزير المالية في الحكومة المحلية لكانتون فو: "لا يمكن لأموال الضرائب تغطية كل القطاعات؛ فالرعاية المالية وتبنّي المشاريع من قبل الشركات الخاصة، هي أمور مُجدية أيضاً". ويضيف قائلاً: "إن المواثيق الأخلاقية للمؤسسات العامة تتطور، ولكن ليس من الحكمة إغلاق جميع الأبواب".
روابط معقّدة وتاريخية
مع ذلك، يبدو أن المواقف تتطّور بسرعة كبيرة في أرض صناعة التبغ؛ فوفقاً لدراسة أجرتها رابطة سويسرية لرصد الإدمانرابط خارجي في عام 2016، فإن 59% من السكان يؤيدون قطعاً أو إلى حد ما، فرض حظر عام على الشراكات بين كل ما يتعلق بالنشاطات الثقافية أو الرياضية وشركات صناعة التبغ.
وبلغت هذه القضية ذروتها في شهر يوليو 2019، عندما أسقط وزير الخارجية رابط خارجيإينياتسيو كاسيس رعاية شركة فيليب موريس للجناح السويسري في معرض إكسبو 2020 في دبيرابط خارجي، وذلك في أعقاب موجة من الانتقادات السلبية من قِبَل المنظمات الصحية.
لكن رعاية صناعة التبغ تبقى عميقة الجذور في سويسرا.
ففي كانتون فو، وعلى غرار متحف الفنون الجميلة، تُعتبر شركة فيليب موريسرابط خارجي راعية تاريخية لاحتفاليات "حدائق لوزان" ومؤسسة متحف "الإرميتاج"رابط خارجي في لوزان. كما تقدم تبرعات لست منظمات غير حكومية وجمعيات خيرية، بما في ذلك فرع الصليب الأحمر في كانتون فو.
وتؤكد شركة فيليب موريس على أن طرق الترويج للسجائر وكذلك نشاطات الجهات الراعية، قد تطورت هي الأخرى.
وتقول الشركة إنها توقفت منذ أكثر من عام عن الترويج والدعاية لعلاماتها التجارية في السجائر عبر الصحف السويسرية، واللوحات الإعلانية ودور السينما والمهرجانات.
ويوضح جوليان بيدو المتحدث باسم فيليب موريس قائلاً: "لقد استبدلنا اتصالاتنا الترويجية للمدخنين البالغين بمعلومات عن منتجاتنا الخالية من التبغ مثل "أي كيو أو إس" IQOS. وينطبق هذا بالطبع على رعايتنا لمهرجان باليو في مدينة نيونرابط خارجي، ومهرجان روندفانك في زيورخ".
بدورها، تُعتبر شركة بريتيش أمريكان توباكو – سويسرا BAT Switzerland SAرابط خارجي ، شركة راعية لمهرجان مونترو لموسيقى الجاز منذ أمد طويل. كما أنها تقدم مساهمات مالية "متواضعة" للمهرجانات المحلية، بعد تلقّيها كل عام لعدد كبير من طلبات المساهمة في رعاية هذه الاحتفالات. كما تقدّم هذه المؤسسة أيضًا مِنَحاً للمشاريع الاجتماعية في كانتوني جورا وفو.
أخذ وعطاء؟
في الوقت الذي قررت فيه بعض المهرجانات السويسرية، مثل مهرجان "غورتين"رابط خارجي في برن، ومهرجان "لا سيتيه"رابط خارجي في لوزان، رفض شراكات الرعاية لنشاطاتها مع شركات السجائر، لا تزال مهرجانات أخرى، مثل مهرجان "حدائق لوزانرابط خارجي" أو مهرجان "روك أوز أرين"رابط خارجي، تقبل بمساهمات الرعاية المالية.
ووفقاً لمايكل كينزر، المدير السابق لمهرجان "لا سيتيه" والرئيس الحالي للخدمات الثقافية في لوزان، فإن الرعاية التي تأخذ بعين الاعتبار المعايير الأخلاقية هي مسألة واسعة ومعقدة. ويضيف أنه، قبل عشرين إلى أربعين عاماً، كانت كل الجهات الراعية لحدث أو احتفال ما، موضع ترحيب ولا تُطرح حولها علامات استفهام. أما اليوم فنحن في مرحلة تُناقش فيها المسائل الأخلاقية والأدبية بقوة في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا المالية، ومنها الأموال المستثمرة في المشروعات الثقافية. هذه المسائل تناقش داخلياً، بحثاً عن مخاطرها الخارجية المحتملة".
وفي زيورخ، تظهر شركة "جي أي تيرابط خارجي" اليابانية على القائمة الطويلة من الشركاء على الموقع الإلكتروني لمتحف "دار الفن" أو "كونستهاوسرابط خارجي"، حيث ترعى شركة "جي أي تي" حفلة وبرنامج المتحف الذي يشارك في الحدث السنوي "ليلة طويلة في متاحف زيورخرابط خارجي"، وهي ليلة يستطيع الزائر خلالها زيارة العديد من المتاحف التي تقدم برامج ترفيهية خاصة بتلك الليلة، باستخدام بطاقة واحدة.
يقول بيورن كيلينبرغ، رئيس قسم الصحافة والاتصالات في متحف "كونستهاوس": "إن حوالي 30% من السويسريين يدخنون، وهناك 99 % يشربون الكحول، وكل هذه المواد الاستهلاكية يمكن إنتاجها بشكل قانوني في سويسرا. ونحن نعتقد أن قبول مبلغ صغير من شركة "جي أي تي" من أجل يوم واحد في السنة هو أمر مقبول".
في الأثناء، يقول آخرون إن العثور على جهات راعية بديلة لشركات السجائر ليس بالأمر السهل. فمهرجانكويي لموسيقى الجاز رابط خارجي الصغير مثلاً، والذي يديره القطاع الخاص على ضفاف بحيرة ليمان، كان قد اعتاد على تلقي مساهمات مالية "سخية للغاية" من شركة فيليب موريس، لكن شراكتهما انتهت في عام 2015 بعد اتفاق متبادل، وفقاً لغيوم بوتيرات، المدير المساعد للمهرجان.
يقول بوتيرات: "هناك الكثير من المنافسة مع المهرجانات الأخرى، لذلك أصبح إيجاد جهات راعية أكثر تعقيداً". ويوضح قائلا: "بالطبع، هناك نقاش داخلي نقوم به لتقييم الأمر في كل مرة تكون لدينا جهة راعية جديدة، ونحاول ضمان موافقة الجهات الراعية على احترام ما نمثّله من قيَم. فنحن لن نقبل مثلاً بشركة "غلينكوررابط خارجي" كجهة راعية. أما رعاية شركة فيليب موريس لنشاطاتنا فلم تكن تطرح أي مشكلة، لأننا اعتبرنا أنه لا يُوجد في الأمر ما هو غير قانوني، باعتبار أن الناس يدخنون".
ويضيف: "إذا أعربت شركة سجائر أخرى عن رغبتها في رعاية نشاطاتنا، فسيكون هناك نقاش داخلي جدي بين المنظمين". "لست متأكداً من أننا سنقبل أي رعاية بأذرع مفتوحة، ولكنني لا أخفي حقيقة أننا لن نرفض. نحن مهرجان صغير يموّل نفسه بنفسه، وفي بعض الأحيان علينا أن نقبل ما يمكننا الحصول عليه"، على حد قوله.
التمويل الخاص للثقافة في سويسرا
هناك القليل من المعلومات المتاحة حول مستوى التمويل الخاص للثقافة في سويسرا. ويظهر تقرير تم نشره عام 2001، أن حوالي 14 % من جميع الأنشطة الثقافية تم تمويلها من قبل شركات خاصة، وأن معظم التمويلات توفرها بشكل خاص ميزانيات الكانتونات والبلديات، التي تتمتع بدرجة عالية من السيادة والتي تعمل على تطوير سياسات ثقافية محددة.
على الصعيد الوطني، ساهمت حوالي واحدة من كل ثماني شركات (12%) في تمويل الثقافة. وفي الأنحاء المتحدثة بالفرنسية من سويسرا، تنخفض النسبة إلى واحد من عشرين، أي (5%).نهاية الإطار التوضيحي