Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00857.jsonl.gz/75

يحتفل عشاق الأدب طيلة هذا العام بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المائة لميلاد المؤلف المعروف هيرمان هيسه الحائز على جائزة نوبل للآداب عام اثنين وأربعين والمتنازع عليه بين سويسرا وألمانيا.
فألمانيا لا تتردد في انتسابه إليها حيث ولد هناك، أما الكونفدرالية فتنوه دائما إلى أنه فضل العيش في سويسرا وقضى في جنوبها أغلب سنوات عمره حتى وافته المنية عام اثنين وستين.
ولد هيرمان هيسه Hermann Hesse عام الف وثمانيمائة وسبعة وثمانين في منطقة الغابة السوداء "شفارتس فالد" في جنوب ألمانيا ونشأ في أسرة اشتهرت بالتقوى فأغلب أعضائها كانوا معلمين ومبشرين وقساوسة وأطباء، وتمتد جذورها إلى أكثر من بلد أوروبي.
في الخامسة والثلاثين من عمره انتقل هيسه للعيش في سويسرا بصفة دائمة وحصل على جنسيتها بعد إثنتى عشرة سنة من الاقامة فيها، وكان قد تعرف على سويسرا في صدر حياته إما للدراسة أو العمل، فتنقل بين العاصمة برن وبازل و لوتسرن قبل أن يروق له الجنوب في كانتون تيتشينو فيختار قرية مونتانيولا للعيش فيها حتى آخر أيام حياته.
تنقل هيسه في أعمال مختلفة ارتبطت كلها بالكتب كبيعها أو تصنيفها عدا محاولته الدراسة في مدرسة لصناعة الساعات الكبيرة، قبل أن يتفرغ لكتابة المقالات للعديد من الصحف الالمانية وإصدار مجلات أدبية مثل "مارس – آذار" و"فيفوس فوكو"، وظهرت أولى أعماله في عام الف وثماني مائة وتسعة وتسعين تحمل اسم "الساعة الأولى بعد منتصف الليل" وهي مجموعة من الأشعار الرومانسية الرقيقة.
بدايات مبكرة ونجاح سريع
بدت بوادر موهبته الادبية في الثالثة عشرة من عمره و لكنه حقق أول نجاحاته في السنة الرابعة من القرن العشرين حيث حصل على جائزة "باورن فيلد" الادبية وتزامنت هذه المناسبة مع زواجه الأول من المصورة الايطالية ماريا بيرنوللي التي انتهت حياتها في مصحة نفسية ما كان له اثرا سلبيا على هيسه.
حصل على جائزة نوبل في الادب عام ستة وأربعين وبعد عام على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة برن و جائزة غوته الادبية في السنة نفسها، وفي عام خمسين حصل على جائزة "فيلهالم رابه" الادبية وفي عام خمسة و خمسين حصل على جائزة الكتاب الالماني للسلام وبعدها بعامين صدرت أعماله الكامله في سبعة مجلدات.
وترجع شهرة هيرمان هيسه في الأدب الألماني، أو في الأدب الناطق باللغة الألمانية - كما يحلو للسويسريين القول – إلى أنه تميز بنوع جديد من الكتابة تفاعل مع المتغيرات التي عاشتها أوروبا مع الحرب العالمية الأولى وتغيير الخارطة السياسية بعدها وظهور أنماط مختلفة من التفكير الفلسفي، حاول أدباء تلك الفترة أن يقدموه في كتاباتهم.
فقد تمكن هيسه من التعرض للصدمات الفكرية المعاصرة في تلك الفترة مع رفض واضح وواع لأحداثها فكانت رواية سيدهارتا Sidharta الصادرة عام اثنين وعشرين ورواية "القصر" التي صدرت بعدها بأربع سنوات أول المحاولات الناجحة إلى ما يصفه نقاد الأدب بالطريق إلى الداخل أي الطريق إلى اكتشاف النفس، ومن الواضح أن حياة هيسه المضطربة وحسه المفرط في الرومانسية وشاعريته كانت عوامل مؤثرة في ظهور كتاباته بشكل متميز حيث لاقت نجاحا كبيرا عند صدورها.
كان هيسه يميل إلى الخيال والعزلة ورفضه للتقاليد، وتمسك بأن يكون له عالمه الخاص المتمرد في - أغلب الامور- على التقاليد، واجتمع كل هذا الخليط ليصوغ حديثه مع النفس ويبدأ في رحلة إلى داخله ومنها إلى داخل النفس البشرية، و يرى بعض النقاد أن رحلاته إلى الهند وجنوب شرقي آسيا في مطلع القرن العشرين و اختلاطه بعبير الشرق هناك كان لها أثرا على إضفاء المزيد من الرومانسية على كتاباته.
احتفالات متنوعة
لا تتوفر ترجمات باللغة العربية لجميع أعمال هيسه، وان كان العارفين بالأدب الناطق بالألمانية قد احسنوا اختيار أشهر أعماله لترجمتها إلى العربية مثل "لعبة الكريات الزجاجية " التي عبر فيها عن أفكاره الجوهرية ويمكن اعتبارها أشبه بسيرة ذاتية استغرق كتابتها اثنى عشر عاما في الفترة ما بين عامي واحد وثلاثين وثلاثة واربعين، ويرى فيها النقاد صيحة العقل في عصر شهد بداية النازية الالمانية والفاشية الإيطالية ومع أعقبهما من حرب عالمية، إلى جانب ترجمات متناثرة لاشعاره.
الاحتفال بذكرى ميلاد هيسه سيمتد طيلة هذا العام وسيشمل محاضرات حول أدبه و فكره ومعرض لرسوماته وصوره التي خلفها مع قراءات لأعماله، كما سيفتتح في الثالث والعشرين من مارس آذار المقبل في زيورخ أكبر عرض حول هيرمان هيسه في قاعة المتحف الوطني Landesmuseum ، أما متحف مدينة فينترتور فسيقوم بعرض بعض الصور التي التقطها في اسفاره إلى الهند وسري لانكا وماليزيا وإندونيسيا وايطاليا، إلى جانب بعض من اشعاره من تلك الفترة .
ومن المؤكد أن المتحف الذي يحمل اسمه في قرية منتاينولا جنوبي سويسرا سيشهد اقبالا كبيرا من عشاق هذا الاديب الرومانسي المرهف الحس، الذي يعتز الالمان بمولده ونشأته في بلادهم، بينما يفتخر السويسريون بأنه اختار ترابهم للعيش فوقه حتى مماته، أما القارئ فيجد في كتاباته عالما آخر لا يرتبط بزمان أو مكان.
تامر أبو العينين