Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/182

يتوجّه الناخبون السويسريون في أربعة آحاد من كل عام، إلى مكاتب الإقتراع للإدلاء بأصواتهم بشأن عدد من المبادرات الشعبية، التي يُعلَن عن نتائجها في العادة بعد ظهيرة اليوم نفسه من خلال أجهزة التلفاز. أحد المتابعين لهذه النتائج، كان المُخرج السويسري توماس إيسلر، الذي راوده الشعور بأن شيئاً ما "لم يكن صحيحاً"، وهو يشاهد إحدى نشرات الأخبار المسائية في عام 2012.
درس توماس إيسلررابط خارجي المولود في عام 1967 في جامعة زيورخ للفنون. ولأكثر من عقد من الزمن، عمل أصِيل كانتون بازل بشكلٍ مكثّـف في تصوير الأفلام وابتكار تركيبات الفيديو والرسوم المتحركة والأفلام التجريبية والوثائقية، التي تتمحور حول مواضيع مثل هجرة التاميل إلى سويسرا والمساعدات التنموية في رواندا. وقد عُرِض فِيلمه الوثائقي الأخير "إطلاق عِنان الديمقراطية"رابط خارجي لأول مرة، في الدورة العاشرة لمهرجان زيورخ السينمائيرابط خارجي، التي انتظمت فعالياتها في عاصمة المال والأعمال السويسرية من 25 سبتمبر حتى الخامس من أكتوبر 2014.
swissinfo.ch: كيف تحقّق هذا الفيلم؟
توماس إيسلر: لقد بدأت أشعُر بأننا أصبحنا نُواجه الحدود النهائية للمشاركة [في المشهد السياسي]. لقد شرعنا في التمييز ضد الأقليات وفي إدخال قوانين تتعارض مع المبادئ التي ينص عليها دستورنا. تلك كانت نقطة البداية، الشعور بأن شيئا يأخذ منحى خاطئاً هنا في سويسرا.
swissinfo.ch: هل كنتَ تنوي إثبات شيء ما في فيلمك، أم أنه كان مجرد تحقيق حول مفهوم الديمقراطية؟
توماس إيسلر: كان لديّ هدف، ولكنه تغيّر خلال التصوير. عند شروعي بالفيلم، كان الأمر يتعلق أكثر بالشعور بأن [النظام الحالي] قد أصبح مستحيلاً وبتساؤلات حول كيفية تحقيق الفيلم. أما الآن، فالمسألة تدور أكثر حول حاجتنا الماسّة إلى إطار عمل وإلى مناقشة معنى الديمقراطية وبدايات تحوّلها إلى ديكتاتورية الأغلبية.
swissinfo.ch: تطفو الفِكرة المتعلِّقة بمعنى الديمقراطية على السطح طوال هذا الفيلم. أستاذ القانون فيليب ماسترونادي، الذي يظهر في الفيلم، يرى أنه، وبرغم اكتساب القرار المُتَّخَذ من قبل الشعب للدرجة القطعية، فإن عدد المُصوّتين بهذا الإتجاه، ما زال يمثل سوى مجموعة من الناخبين وليس الناخبين جميعهم. ما هي النتائج التي توصّلت إليها في النهاية بهذا الخصوص؟
توماس إيسلر: أنا واثق تماماً من أن الديمقراطية ونظام الديمقراطية المباشرة التي نمارسها، هي الطريقة المُثلى لتقاسُم السلطة. من المُهم أن تكون السلطة بِيد أحد ما في المجتمع، وهي ملك للشعب في سويسرا. ولكن هذه السلطة بحاجة دائمة إلى التصحيح أيضاً، كما أنها تتطلّب التوازن.
إن جميع السلطات مُعرّضة لمخاطِر تجاوز حدودها. وهناك خطر إقتراف الأشخاص لأمور خاطئة. وبُغية منْع ذلك، تتوفّر معظم الدول على دستور يوضِّح بدقّة مواضع الحدود المفروضة على أنشطة تتعلّق بهذا الجزء من السلطة.
ما استخلصته خلال إخراجي للفيلم، هو أن السلطة النابعة من خلال الديمقراطية والشعب، هي أحدى أنظمة الدولة، وليست النظام [الوحيد]. لذا، فنحن بحاجة إلى هذا النوع من المُثلَّـث الكلاسيكي لتقاسُم السلطة والضوابط الدستورية والتوازنات.
في هذا الفيلم، أقوم بتتبُّع تنفيذ عمليات الإبعاد، وفقاً لما تضمنته مبادرة ترحيل المجرمين الأجانب (التي أقرّها الناخبون السويسريون في نوفمبر 2010)، والتي ينبغي بموجبها على الأجانب المُدانين بإرتكاب جرائم، مغادرة البلاد تِلقائياً. إن هذا المفهوم "التِّلقائي" هو شيء خطير وغريب جداً جداً، من مُنطلق إننا نُخاطِر بإهدار مبدإ التناسب.
إن هذا المبدأ مُتَضمَّن في دستورنا. لماذا إذن نُدرِج في نفس الدستور مادّة لا يتوفّر من خلالها للذين يفتقدون إلى جوازات سفر سويسرية، هذا النوع من الحقوق؟ هذا الشيء غيْر عادل بالمرّة ويتنافى مع سيادة القانون. إن سيادة القانون هي أساس الدولة الديمقراطية. وإذا ما خسِرنا هذه السيادة، فسوف نفقد ديمقراطيتنا أيضاً. هذا ما قاله الأستاذ ماسترونادي، وهو صائب في إعتقادي.
swissinfo.ch: خلال الفيلم، يُـمكن الإستماع عدّة مرات إلى حديث كريستوف بلوخر، الرجل القوي في حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي)، وهو يشدد بحزْم على ضرورة إتخاذ القرار اللاّزم فور إدلاء الناس بأصواتهم بشأن إحدى القضايا المطروحة. كيف يُمكن مواءمة نتيجة تصويت ما، إذا صوّت الشعب على نحوٍ يتعارض مع حقوق الإنسان؟ بأي وسيلة يمكن إحداث توافق بين مثل هذين الموقِفين المتعارضيْن؟
توماس إيسلر: الشيء الغريب بالنسبة لكريستوف بلوخر، هو إعتقاده - كما أرى للأسف - بأن السلطات المُطلقة ينبغي أن تكون ملكاً للشعب. هذا الوضع خطير للغاية. في إعتقادي، يكره السيد بلوخر بالفِعل جميع القُضاة والمحاكم وكل ما يتعلق بتقويم سلطة الشعب. ولكن السؤال هو: لِـمَ يشعر كذلك؟ لقد درس القانون، وينبغي عليه أن يعرف كيف يشتغل نظام العدالة.
إن ديمقراطيتنا هي حيث نجمع بين السلطة التي يمتلكها الشعب وحقوق الإنسان معاً، وليس حين توضع هذه المبادئ في مواجهة بعضها البعض. إحدى الأسباب التي دفعتني لإنجاز هذا الفيلم، كان للتساؤل حول السبب الذي يجعلنا نسمح لليمين دائماً بإملاء الديمقراطية علينا. إن لديهم رأيهم الخاص، وأنا لديّ رأي آخر.
swissinfo.ch: لكن حزب الشعب السويسري ليس الطرف الوحيد الذي يُطلق المبادرات. فبدورهم، ينشط الاشتراكيون الشباب والحزب الاشتراكي وغيرهم من الأحزاب اليسارية، في إدارة حملات المبادرات أيضاً. القضية بالتأكيد ليست حول سماح السويسريين لليمين فقط بتحديد معنى الديمقراطية؟
توماس إيسلر: أعتقد أنه سِجال حول معنى الديمقراطيةرابط خارجي ونوع من المعركة أيضاً. وهذا هو الجانب الإيجابي لما يحدث في سويسرا. هذه المشكلة ليست محصورة في سويسرا فقط، فلو توجهت إلى الخارج، فسوف تجِدها أيضاً - هناك يرى السّاسة اليمينيون في سويسرا ما قد يكون لديهم فيما لو توفّر لهم نظام [الديمقراطية] المباشرة. سيكون بوسعهم حينئذٍ وضع جدول أعمال، وهو ما لن يكون مُمكنا أبداً في فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا، وهذا هو السبب في إهتمامهم الشديد لما يحدُث هنا.
وربما لا تكمُن المشكلة في الديمقراطية المباشرة، ولكن في إفتقارنا إلى طريقة واضحة للتفكير بالمشاكل وتقييمها. وقد قيل لي في ألمانيا، أن مبادرة من نوع "منع بناء المآذن"، ما كانت لترى النور هناك أبداً، لأن المحكمة الدستورية كانت ستمنعها بسبب تعارُضها مع حقوق الإنسان.
إن لديهم آليات لا نمتلكها نحن. لكننا بحاجة إلى البعض منها، لا أعرف أيّها بالضبط، ولكن ينبغي علينا مناقشة ذلك.
swissinfo.ch: مِن الشائع جدّاً الآن، الإستشهاد بسويسرا في دُول أخرى كبريطانيا، باعتبارها مِثالاً للديمقراطية المُباشرة. عندما قُمتَ بإخراج فيلمك، تَوَجّهتَ إلى العديد من الدول المختلفة الأخرى. ما الذي وجدتَه هناك بخصوص نظرة الناس إلى سويسرا؟
توماس إيسلر: لقد وجدت الكثير من الإهتمام، وكان الناس يتساءلون عن السبب في إفتقارهم لمثل هذه الديمقراطية في بلدهم. وهذا صحيح في إعتقادي، إذ أن لدينا شيء خاص جدّاً. لكني رأيت أشخاصاً آخرين مُدركين للمشاكل التي نُعاني منها الآن داخل سويسرا أيضاً، وقد كانوا يتساءلون إن لم يكُن من الأفضل الإحتفاظ بنظام يمنحك ديمقراطية تمثيلية، مع برلمان مُفوَّض.
إن لدينا تقاليدنا وتاريخنا الخاص مع هذا النظام ... ولو قرّر البرلمان البريطاني إدخال الديمقراطية المباشرة، سيكون الأمر مختلفاً جداً، ومثل هذا الإختلاف جيّد أيضاً. لا يمكننا أن ندفع بمفهومنا عن الديمقراطية المباشِرة إلى الآخرين، إذ ينبغي أن ينبع ذلك من نظامهم الخاص.
أتمنى أن تتوفّر للناس في الدول الأخرى، فرصة أكبر للمشاركة من خلال الاستفتاءات والمبادرات، ولكن ليس بوُسعك إعادة خلْق النموذج السويسري في كافة أرجاء العالم. في إعتقادي، فإن هذا مثير للإهتمام كمصدرٍ للإلهام، وللتعرّف على حدود هذه العملية أيضاً.