Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00929.jsonl.gz/56

منبر العراق الحر :
مودة كائنات بيئة المعدان معروفة ومعدودة وهي على التوالي (امرأته، أولاده والأقارب، جاموسته، الماء والقصب، السمك، الطير، رز الطابك، كيتلي الشاي، البالطو، حتى لو كان قديماً وبالياً المهم أنه يحفظه من برد الشتاء الذي لا يرحم عظامهم وأقدامهم الحافية.
وهكذا تكون الجاموسة في المرتبة الثالثة من حيث الحاجة والتقدير والمودة لمعظم موجوداته التي لم تكملْ أرقامها العشرة، ولكن مع مجيء الحرب وذهاب أبنائهم إلى الجبهات وتبعات ذلك، ومنه مجيء أبنائهم بنعوش لم يروا خشبها من البلوط الصقيل الذي لم يلمسوه في حياتهم، وهكذا أصبحت الإجازة الدورية لأولئك الأبناء من بعض المودة التي سكنت قلوب المعدان في هذه البيئة البسيطة والوديعة.
دائماً أراقب هذا الكائن الذي يشبه في قيمته بالنسبة إلى أهل الأهوار قيمة الجمل لبدوي الصحراء، ولكن الفرق أن الجمل يمضي بعيداً في سفره وحليبه لا يتحول إلى قيمرٍ وخاثرٍ فيما الجاموس سفره لا يتعدى زريبته ومكان قيلولته في الماء وينتج من حليبه الخاثر والقيمر.
مرة سألت شغاتي: إن كان يحب اللحم المشوي؟
قرأ المغزى في كلامي وقال: شرط أن يكون لحم خروف أو سمك.
وأنا عرفت هروبه مما أريده، فقلت تهرباً من القصد: أقصد لحم الفختاية المشوية.؟
ضحك وقال: كلا تقصد لحم الجاموسة.
قلت: نعم.
قال: نحن لا نشوي من يدر حليبهُ في أفواهنا.
ذهلت من حكمته. وقلت: غيركم في الهند يعتبرها مع البقر من المقدسات.؟
قال: الحيوان لا يقدس.
ذُهلت أيضاً، وقلت: لماذا؟
قال: كتبك علمتني أستاذ أن الله جعل التقديس لآدم وذريته ومنهم آل البيت (ع).
بعد عشرات الأعوام تحدثت إلى بروفيسور هندي في جامعة حيدر آباد الهندية عن حكمة عامل الخدمة في مدرستنا يوم زرت الهند، وأعادت إليّ قطعان الجواميس في المراعي الخصبة بضواحي حيدر أباد مشاهد أمس البعيد في الأهوار التي تقع فيها مدرستنا.
قال البروفيسور أسد الله خان: شغاتي هذا حكيم أخذ من الكتب قليلاً ومن بيئته الكثير.
الآن أدركت تماماً مغزى الإجابة، وعرفت لماذا لا يحب المعدان شوي لحوم جواميسهم وأكلها، وحتى عندما يشارف بعضها على الموت يتركوها تموت ولا يقربوا إلى أعناقها سكاكينهم، وإن رأوا أن حياتها قد تطول ليوم أو أكثر هرعوا إلى القصابين لبيعها شرط أن يذبحوها بعيداً عن القرية.
أتذكّر الكائنات التي كنت أتخيّلها في كتاباتي عن عالم الأهوار، ففي واحدة من قصصي في شهوة عاشقين من عشاق قرى الأهوار.
كان الآلهة الصغار المولدون حديثاً من رحم أسطورة أو منادمة غرام فاضح بين عشتار وأحد عشاقها الذين تغرم بهم في متابعتها اليومية لأناس الأرض، فيأتي النتاج إلهاً صغيراً فيه شيء من آدمية البشر وشيء من نقاء الألوهية كما عند جلجامش وأنكيدو أو أي بريء يسقط ضحية في ساحة حرب من حروب هذه البلاد التي قادت جواميسها لسنين عجاف ورخاء، وفي النهاية لم يبق لأحلامها سوى النعوش والدموع والأحلام.
هذا الإله الصغير أتخيّلهُ الآن يصعد على ظهر جاموسه ويمرح في براري المكان السومري حيث يحده الهور من جهة الجنوب دائماً، ومتى جاع يطلب من آلهة أخرى أن تشوي له شيئاً ليأكله، ولكن ليس لحم جاموسه، بل لحم غزال صاده جلجامش بسهم في عنقه……!
.