Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/10

لم تعد ليزا بوزيا، البالغة من العمر اثنتيْن وأربعين عاما، قضت منها 20 عاما في خدمة "المعذبين في الأرض"، تعبأ بكثرة التزاماتها ولا بالساعات التي تقضيها في الشغل. فشبكة الدعم التي أقامتها لصالح اللاجئين السوريين الذين يصلون إلى الحدود السويسرية قادمين من إيطاليا، أصبحت بمثابة جسر يربط بين باقي عمال الإغاثة المتواجدين في ميلانو وفي صقلية. فيما يلي نبذة عن شخصية ودور هذه السيدة.
وصلت ليزا إلى مقهى شاطئ ميلانو، الواقع على الضفة الجنوبية لبحيرة لوغانورابط خارجي، بعد ظهيرة يوم مشمس وحار، وهي تحمل كتابا بعنوان "مامادو ذاهب للموت"، للصحفي الإيطالي غابرييل ديل غراندي. إنه مامادو الذاهب لمواجهة الموت، بعد أن صعد إلى هذا القارب المتهالك من أجل الإبحار لعبور معبر البحر الأبيض المتوسط، الفاصل بين السواحل الإفريقية وصقلية.. وقد يكون مامادو أيضا أحد هؤلاء اليائسين الذين تعهدت ليزا بوزيا بمساعدتهم.
هذه السيدة ذات العزيمة الفولاذية، الملتزمة بلا كلل، والمفعمة بالحوية والنشاط، تتجند بكل ما لديها من طاقة لصالح طالبي اللجوء والنازحين، لكل هؤلاء "المعذبين في الأرض" الذين يصلون إلى الحدود السويسرية. ويحدث هذا في كانتون يشكل فيه أنصار "رابطة سكان التيتشينو"، وهو تيار شعوبي يُشكل ثاني أكبر حزب سياسي في التيتشينو حيث صوّت حوالي 68% من الناخبين لصالح مبادرة 9 فبراير 2014 الداعية إلى الحد من تدفق الهجرة، مثلما يرغب في ذلك محافظو حزب الشعب السويسري.
الحس الاجتماعي
تشتغل ليزا منذ عام 2000 بشكل جزئي كعاملة اجتماعية لصالح منظمة خيرية تُعرف باسم "المساعدة العمالية السويسرية (OSEO)رابط خارجي". أما مسار حياتها، فهو فريد من نوعه، إذ تقول ضاحكة: "لقد أبصرت النور في منطقة فال دي بلينوي (شمال كانتون تيتشينو)، من والد منحدر من تيتشينورابط خارجي كان يشتغل طبيبا بيطريا، ومن أم إيطالية كانت تشتغل معلمة ولا تُعير اهتماما كبيرا للعادات والتقاليد. وقد افترق والديّ وأنا صغيرة جدا، فاصطحبتني والدتي معها إلى سيسيناتيكو بمنطقة "لا ريفييرا رومانيولي"، حيث كان لعائلتها منزل ريفي على البحر. هناك، في إيطاليا، ترعرعتُ وتلقيتُ دراستي، الأمر الذي جعلني أصبح مزدوجة الجنسية، وبالتالي اختلف عن مواصفات بنات تيتشينو الأخريات".
في الواقع، يعود التزامها الإجتماعي إلى عهد بعيد، وقد ورثته من والدتها، وتتذكر ليزا قائلة: "لقد تعودنا في البيت دوما على ترك كرسي شاغر في طاولة الأكل، إما لبائع السجاد المغاربي أو للعائلة المغربية التي تلقت امرا بمغادرة البلد والتي آويناها بشكل سري. لقد كانت الزوجة حاملا وكانت للعائلة طفلة في سني كنت أعلمها دروسا في اللغة الإيطالية". ومع الوقت، حصلت هذه العائلة على حق الإقامة وعلى الجنسية الإيطالية، وبقيت محافظة على علاقاتها بليزا.
بداية المشوار
بعد أن فقدت ليزا والدتها فجأة، وهي لم تتجاوز العاشرة من العمر، التحقت بوالدها في تيتشينو (جنوب سويسرا)، حيث تحصلت من المعهد الجامعي المهني بسويسرا الناطقة بالإيطالية، على دبلوم مربية ومساعدة اجتماعية في مدينة لوغانو. وتقول: "اشتغلتُ أولا في دار للمعاقين، قبل الإنتقال للإهتمام بطالبي اللجوء من الأحداث غير المرافقين". وأضافت ليزا: "بمجرد التحاقي بمنظمة "المساعدة العمالية السويسرية"، كُلفت بمراقبة حسن سير جلسات الإستماع لطالبي اللجوء في مراكز التسجيل، وهو ما فتح لي آفاقا كبرى، حيث عايشتُ وصول أفواج من اللاجئين الأفارقة، وتعرفتُ على واقع لم أكن أعرفه، مثل الحرب في النيجر والنزاعات في أنغولا وسيراليون والصراع المحتدم بين الصوماليين والإرتيريين".
تزوجَت ليزا من طارق، وهو لاجئ عراقي سابق، كان قد فر من ويلات حرب الخليج، وأنجبت منه ولدا هو في الثامنة عشرة من العمر الآن. وقبل الوصول المكثف في الفترة الأخيرة لطالبي اللجوء السوريين، كانت المربية السويسرية من منطقة تيتشينو قد عايشت التوافد الكبير للاجئين الأريتريين. وتتذكّر قائلة: "في عام 2007 استقبلنا في البيت شابة أرتيرية كانت تشتغل كخادمة لدى العائلة الملكية السعودية، وكانت تُعامَل معاملة العبيد. واثناء تواجدها في جنيف، فرَّتْ (من مُشغّليها) وتقدمت بطلب لجوء في مركز طالبي اللجوء في "فالورب" Vallorbe، قبل أن يتم إرسالها إلى كياسو Chiasso. وقد ساعدناها إلى أن تم نقلها إلى كانتون زيورخ، حيث استقرت وأسست لها عائلة".
نوال الصوفي
صحفية مغربية شابة، تبلغ السادسة والعشرين من العمر، وتقيم في منطقة كاتانيا بجزيرة صقلية، وهي مناضلة من أجل حقوق الإنسان ومنخرطة منذ زمن طويل في دعم الشعب السوري.
تتوجه نوال كل يوم بصحبة عدد من المتطوعين الشباب من صقلية الى محطة القطار والميناء في "كاتانيا" من أجل استقبال اللاجئين الذين يصلون إلى الجزيرة. وهي على اتصال دائم بالقوارب التي تعبر قناة صقلية.
سمحت تدخلاتها لدى البحرية العسكرية الإيطالية ولدى حرس خفر السواحل الإيطالي بإنقاذ الكثير من الأرواح البشرية.
في ديسمبر عام 2012، توجهت نوال شخصيا الى حمص بسوريا، على رأس قافلة مساعدات غذائية موجهة لحوالي 800 عائلة.
كانت الأفلام الوثائقية التي صورتها نوال في سوريا وليبيا وتجندها المكثف، وراء منحها جائزة "Donna di frontiera" (أو "سيدة الحدود") من طرف لجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم الحدودي الذي ينتظم دوريا في "مارزاميمي"، باقليم "سيراكوز" في صقلية جنوب إيطاليا.
شبكة دعم للاجئين السوريين
اليوم، أصبحت ليزا تخصص جهودها على وجه الخصوص لطالبي اللجوء السوريين. وبفضل تجند عدد من المتطوعين في كامل المنطقة الجنوبية لسويسرا الناطقة بالإيطالية، تأسست شبكة دعم واسعة منذ عام تقريبا، وتقول: "لقد تطلب الأمر تقديم المساعدة لكل هذه العائلات السورية التي تفر من حمص إلى ليبيا من أجل الإبحار باتجاه صقلية، ثم الوصول من هناك إلى الحدود السويسرية، وبعدها إذا أمكن الإنتقال إلى شمال أوروبا. تدخُّلُنا يكون عند وصولهم إلى ميلانو، عندما يتم وضع العديد منهم في مراكز الإستقبال العشرة المؤقت الموزّعة بالمدينة. ويرغب البعض منهم في التوجه إلى سويسرا، حيث يوجد أفراد من عائلاتهم ضمن طائفة السوريين الأراميين المقيمين بالخصوص في منطقة تيتشينو، لكن معظمهم يرغبون في مواصلة الرحلة باتجاه ألمانيا والسويد، وهي الدول التي فتحت حدودها بشكل أوسع، وحيث تتوفر ظروف استقبال أحسن"، مثلما تقول ليزا.
هذه الشبكة سمحت بنقل مساعدات غذائية وألبسة نحو عاصمة مقاطعة لومبارديا (أي ميلانو)، كما أرسلت أموالا للمجموعات المكلفة باسقبال اللاجئين في كاتانيا (جنوبا). وقد شرعت منذ ثلاثة أسابيع في تمويل بطاقات رصيد الهواتف الجوالة للأشخاص الذين يعبرون البحر، إذ "بإمكان نداءات الإغاثة التي يتم إطلاقها من على متن هذه الزوارق التي تتعرض للغرق، والتي تصل إلى هاتف نوال الصوفي، هذه الشابة المغربية التي تستقبل اللاجئين أثناء وصولهم إلى صقلية، والتي تحول إلى حراس خفر السواحل، من أجل العمل على إنقاذ تلك الأرواح من الهلاك"، كما تقول ليزا.
مآس وقصص سارة
تتسم الحياة اليومية للسيدة ليزا، بمعايشة قصص حزينة، بل مأساوية أحيانا، ولكن البعض منها يعرف نهاية سارة، مثل وضعية هذه الأم الإريترية وطفلتيها اللواتي انتظرن منذ سنتين في مركز عتيق للصليب الأحمر في بلدة "كاردو"، بأعالي مدينة لوغانو، لكي تفصل السلطات في قضية لجوئهن.. وقصة هذا الوالد السوري الذي وصل إلى كياسو من صقلية برفقة ثلاثة من أبنائه صغيري السن، والذي ينتظر أن تستطيع زوجته وإحدى بناته اللتان بقيتا في ليبيا، الإلتحاق به بعد أن تمكنتا من الوصول إلى إيطاليا. وأيضا قصة هذين الزوجين السوريين الآراميين اللذان ناهز عمرهما السبعين، واللذان استطاعا الوصول إلى تيتشينو برفقة أبنائهما وأحفادهما والإستقرار هناك بفضل دعم أبناء طائفتهما.
فالسوريون، كما تقول ليزا بوزيا: "أناس يعترفون بالجميل، وأصحاب كرامة، وهم يصلون إلى بلداننا وهم يدركون جيدا بأنهم قد لا يعودون أبدا إلى بلدهم. ومن أجل تفادي المآسي التي تحصل في عرض البحر، علينا أن نتمكن من فرض ممرات إنسانية تسمح بتمرير هجرة اللاجئين من مخيمات اللاجئين في إفريقيا إلى بلدان الشمال في أوروبا، لكن الإتحاد الأوروبي يرفض تنظيم تلك الممرات. يجب أن يستفيد طالبو اللجوء من اللائحة التوجيهية رقم 55 الصادرة عن الإتحاد سنة 2001، التي تنص على حرية تنقل الأشخاص في كامل التراب الأوروبي، مثلما طالب بذلك ميثاق لامبيدوزا".رابط خارجي
تدفق اللاجئين على التيتشينو
ارتفع عدد طالبي اللجوء في سويسرا خلال الثلاثي الثاني من العام (أبريل – يونيو 2014)، بحوالي 10%، مقارنة مع الثلاثي الأول من هذا العام، وذلك ببلوغه 5384 طلب.
تبدو منطقة تيتشينو أكثر المناطق تأثرا بهذا التركيز في موجة الهجرة الوافدة من إيطاليا. فقد سجل مركز استقبال اللاجئين في مدينة "كياسو" حوالي 1000 طالب لجوء في شهر يونيو 2014 (مقابل حوالي 300 في شهر مارس 2014).
تم ترحيل حوالي 650 شخصا من هذا العدد إلى كانتونات سويسرية أخرى، بعد أن أصبح يعاني من الإكتظاظ، على غرار بقية المؤسسات في الكانتون الجنوبي.
من المفروض أن تتحسن الظروف قريبا بعد فتح مركز استقبال جديد في ثكنة سابقة في "لوزوني" Losone، قرب مدينة لوكارنو، الذي سيتمكن من استقبال 170 شخصا.
يقدم ثلثا اللاجئين الوافدين على كياسو من أريتريا، إلا أن عدد طالبي اللجوء القادمين من سوريا في ارتفاع مستمر.
(نقله من الفرنسية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch