Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00936.jsonl.gz/31

فجأة، تحولت "المشكلة الأمنية" إلى مشكلة عسكرية.هذا المحتوى تم نشره يوم 21 أبريل 2004 - 07:02 يوليو,
فقد بدأت الصدامات المسلحة شبه النظامية في الانتقال إلى داخل المناطق السكنية في عدة مدن خارج "المثلث السنى" بصورة بدا معها أن الحرب قد عادت في العراق، متخذة أحد أكثر أشكالها حدة، وهو "حرب المدن".
لمدة أسبوعين تقريبا، بدا أن انهيارا كبيرا سوف يحدث، وظهرت بالفعل بوادر كل السيناريوهات ذات العلاقة بفكرة "المستنقع"، قبل أن يظهر أنه لا تزال هناك آليات للسيطرة داخل العراق، لكن النيران لا تزال مستعرة تحت الرماد، والدخان يتصاعد.
وإن الدلالة الأساسية لما حدث هي أن حروب العراق لم تنته بعد، وأن الحرب النظامية التي انتهت عملياتها الرئيسية في أبريل 2003، لم تكن سوى "الحرب الكبرى" التي حسمت قضية النظام السياسي، لكنها لم تحل مشكلة الدولة.
فقد خلفت وراءها حرب استنزاف صغيرة في وسط العراق داخل المثلث السُـني، سقط خلالها أكثر مما سقط في مسرح العمليات دون أن تحسم حتى الآن، بل يبدو أن تطوراتها تزداد تعقيدا.
وقد كانت هناك منذ البداية حرب أخرى على قائمة الانتظار. فقد كانت القيادة الأمريكية تُـدرك منذ البداية أن هناك "شوكة" إسمها مقتدى الصدر، وأنه يمثل تهديدا لسلطتها وسيطرتها بدرجة لا تقل عما يمثله السُـنة العرب، لكن لم يكن من الممكن، بالنسبة لهم، أن يخوضوا حربين في نفس الوقت، وربما كانوا يتمنون أن لا يقوم الصدر الثالث بعملية عنيفة تجبرهم على مواجهته قبل أن يتمكنوا من التعامل من المقاومة السُـنية، لكن المعركة حدثت.
كان التطور المثير هنا هو "التجـييش". فقد تحولت خلايا المقاومة السرية السُـنية في الفالوجة إلى "جيش صغير" محترف خاض حربا من منطقة إلى منطقة في المدينة المحاصرة، التي هاجمتها القوات الأمريكية بعد أن بدا أنها "استقلت"، وخاض تيار الصدر معركته من خلال ميليشيات جيش المهدي التي شكلها رغما عن قيادة التحالف، وهي أيضا جيش صغير لكنه شعبي، وقد أدى هذا الوضع إلى القرار الأمريكي بزيادة عدد القوات في مواجهة ما بدا أنها حروب شبه نظامية، كلفتها ما لا يقل عن 70 قتيلا في عدة أيام.
لكن هذه القوات، ربما تواجه مشكلة بالفعل، إذا لم تتجاوز الحل العسكري إلى الأساليب السياسية، كأداة رئيسية. فإذا كانت السيطرة على بلد كالعراق تتطلب نسبة تواجد بواقع 10 جنود لكل 1000 من السكان، أي 250 ألف جندي، وهو عدد غير متوافر أصلا، فإن قواعد الحشد تشير إلى أن "استعادة السيطرة" تحتاج إلى 15 جندي لكل 1000 من السكان، وربما أكثر. فبريطانيا تستخدم في أيرلندا الشمالية 20 جنديا لكل 1000 من السكان. فإذا لم تحل مشكلة السُـنة العرب، وشيعة الصدر سياسيا، قد تتحول المشكلة العسكرية إلى قضية دفاعية.
قواعد لعبة جديدة
لكن الأهم من ذلك، هو أن حروب الموجة الحالية في العراق تتجه، كما سبقت الإشارة، نحو المدن، و"المدن" واحدة من الكلمات الرهيبة التي لا يود العسكريون سماعها، فعادة ما يرغبون في الالتفاف حولها أو حصارها أو شن الغارات السريعة داخلها، لكنهم في معظم الأحوال يحاولون تجنب دخولها أو خوض حرب فيها، إذ أن كل الموازين تنقلب داخلها، وكل مبادئ أو استراتيجيات الحرب لا تعمل فيها، فما يحدث هو انتقال من حرب إلى أخرى، لكن يبدو رغم ذلك، أن "معركة المدن" قد تصل إلى ما وصلت إليه حرب العراق.
لقد كان هناك إدراك لتعقيدات تلك المسألة من جانب كل الأطراف منذ فترة طويلة. فقد تجنبت قوات التحالف دخول المدن خلال الحرب (2003)، متقدمة بشكل سريع نحو بغداد، كما كانت القيادة العراقية السابقة تراهن على حرب شوارع المدن قبل أن تنهار قواتها. فموازين القوة العسكرية لا تعمل فيها بشكلها التقليدي، إذ تتقلص داخلها أهمية أنظمة القتال الرئيسية، والمعدات العسكرية المتقدمة، وتكتيكات الحرب النظامية، وتتصاعد فيها أهمية الأسلحة الخفيفة، وأساليب حرب العصابات، مما يخلق حالة من عدم اليقين حول النتائج المحتملة للعمليات العسكرية.
فعندما تصاعدت مقاومة الجيش العراقي خلال الحرب (2003) قبل اقتراب قوات التحالف من بغداد، وبدا أنه يحقق أداءً غير متوقعا، لم يكن ثمة شك كبير رغم ذلك، في أن القوات الأمريكية سوف تتمكن من هزيمته، لكن عندما انتشر نطاق العنف المسلح والتمردات المدنية داخل المدن العراقية في الفترة الأخيرة، لاحت بالفعل بوادر "فيتنام" أمام القوات الأمريكية، فلم يكن هناك يقين مما يمكن أن يحدث.
ولقد ظلت الاحتمالات مفتوحة لفترة إلى أن وضح أن هناك بعض القواعد في العراق، إذ بدأ يظهر أن القوات الأمريكية لديها استعداد لتقبل خسائر بشرية أكبر، وقدرة ما على تجاوز "العمليات النفسية"، وفى ظل هذا الوضع عادة ما تعود موازين القوة للعمل.
لكن الأهم هو ما ظهر لمقتدى الصدر من أنه قد يترك لمصيره من جانب تيارات الشيعة الأخرى، وأنه سيدمر "تياره" بدلا من أن يتحول إلى "جيفارا الرافدين"، وتدخل رجال الدين وأعضاء مجلس الحكم وزعماء العشائر لمحاولة احتواء الموقف بين الجانبين، لتبدأ قواعد لعبة جديدة في التبلور.
جمهورية خوف..
ربما لا توجد في الوقت الحالي قوة رئيسية في العراق تمثل مصدرا محتملا للحرب المحدودة التالية، لكن هناك مجموعات من العناصر التي شكلت ما يشبه ميليشيات مسلحة، كتشكيلات الجماعات الإسلامية العنيفة التي بدأت علاقاتها بالمثلث السُـني في الظهور، وعناصر التنظيمات العابرة للحدود التي تتماس مع "شبكة القاعدة" والمتطوعين العرب، إضافة إلى عصابات الجريمة المنظمة التي تنشط بشدة حاليا، فيما قد يتحول إلى تهديد أمني على غرار ما سببته المافيات الروسية بعد الانهيار الكبير للاتحاد السوفياتي، وهي كلها تهدد بحدوث فوضى حقيقية في العراق.
إن حرب المدن التي تخوضها القوات الأمريكية، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 750 من العراقيين في ظرف وجيز، ستؤدي في حد ذاتها إلى تضخم قوة مثل هذه الجماعات العنيفة.
فأعمال العنف المسلح تجري بين قوات عسكرية نظامية وجماعات مسلحة شبه نظامية، على نحو تختلط فيه الأمور لتخلق "حالة حرب" سيئة بدون ضوابط، يتم فيها استهداف المدنيين والبيوت والمساجد، ويتم فيها التعامل مع العناصر المناوئة كمتمردين وليس كأسرى حرب، ومثل هذه الحروب تفرز عناصر هائمة حانقة تندفع في اتجاه العمل العنيف في أي إطار، خاصة إذا تفككت خلاياها المسلحة تحت وطأة الضغط العسكري أو المساومات السياسية.
إن مثل هذه المجموعات وغيرها، كمقاتلي العشائر أو عصابات الشوارع، سوف تنشط أكثر مع الوقت، خاصة بعد أن تنسحب القوات الأمريكية خارج المدن، أو فى ظل سيناريوهات أخرى، خارج العراق لتفرز سلوكيات غير تقليدية عنيفة، بدون فاعلين معلومين، أو دوافع محددة أو في إطار هدف عام، كمنع الاستقرار بأي ثمن كما حدث بالفعل، على غرار تفجير السفارات أو مقار الأمم المتحدة أو قتل علماء الدين أو الوسطاء أو تفجير السيارات المفخخة في المناسبات الدينية، وتدمير خطوط النفط أو استهداف أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، وأخيرا، التمثيل بالجثث وخطف الرهائن بصورة عشوائية، وهي توجهات يمكن أن تحول العراق إلى جمهورية خوف حقيقية في الفترة القادمة.
د. محمد عبد السلام - القاهرة
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>