Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/192

يتناول كتاب صدر حديثاً تاريخ إذاعة سويسرا العالمية، التي تحولت إلى swissinfo.ch منذ بداية عام 1999. وتوضح المؤرخة رفائيل روبن كوتاز في الكتاب كيف استطاعت سويسرا عن طريق هذه المحطة الإذاعية أن تُدافع عن مواقفها أمام العالم. وفي ما يلي حوار أجرته معها swissinfo.ch.
يبحث الكتاب في النشاط الدولي لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية (SRG)، خاصة خلال فترة تأسيس وإنطلاق خدمة الموجات القصيرة التي سُميت لاحقاً بـ "إذاعة سويسرا العالمية" لتتحول في موفى القرن العشرين إلى swissinfo.ch. وتُركز الدراسة على الفترة الفاصلة ما بين عامي 1932 و1945 وهي فترة حاسمة، حيث كان يتحتم على سويسرا مناقضة الدعاية الخارجية والدفاع عن مواقفها وهذا بواسطة إذاعة سويسرا العالمية.
swissinfo.ch: لماذا تم تأسيس إذاعة سويسرا العالمية؟
رفائيل روبن كوتاز: كان مطلع ثلاثينيات القرن العشرين يمثل فترة ازدهار للإذاعة. وفي التاسع من ديسمبر 1938 وجهت الحكومة الفدرالية خطاباً حول الدفاع الفكري عن البلاد، وأعربت فيها عن رغبة سويسرا في إنشاء خدمة وطنية للبث الإذاعي على الموجات القصيرة. إذ كانت تستخدم قبل ذلك الخدمة الفدرالية الخاصة بهواة البث على الموجات القصيرة أو كانت تستأجر الخدمة الخاصة بعصبة الأمم.
أما الفكرة وراء تأسيس إذاعة عالمية فكانت مجابهة الدعاية الخارجية، خاصة الموجهة من قِبل النظام الفاشي في إيطاليا أو النازي في ألمانيا. كما استهدفت هذه الإذاعة الحيلولة دون تحول السويسريين بالخارج إلى الفكر النازي. كذلك كانت هناك رغبة في أن تتقارب سويسرا مع جمهور أكبر وأن تستطيع إيضاح قراراتها السياسية على المستوى العالمي.
swissinfo.ch: إذن فإذاعة سويسرا العالمية كانت تعتبر وسيلة حكومية رسمية بالكامل...
رفائيل روبن كوتاز: بالفعل. ولقد استطعت عن طريق بحثي إثبات هذا الأمر. لقد ظهر هذا الطابع الرسمي ليس فقط في محتوى البرامج، بل أيضاً في نوعية الأشخاص الذين تم تعيينهم، خاصة المحررين.
فإذا ما درسنا تاريخ حياتهم، فإننا نلاحظ أنهم كانوا أشخاصاً مقربين جداً من الدوائر السياسية، لإنهم كانوا يعملون لمدد طويلة كمراسلين برلمانيين مثلاً. بل أن بعضهم قد تم ترشيحه من قِبل الحكومة الفدرالية مباشرة. إذ وجدت رسائل تصفهم بأنهم "جديرون بالثقة". وكان هؤلاء الأشخاص ملتزمين غاية الإلتزام ومؤمنين بالدفاع الفكري عن البلاد.
swissinfo.ch: أثناء الحرب العالمية الثانية كانت سويسرا من الدول الأوربية القليلة التي لم تشارك في النزاع الدائر. وعلى الأرجح كانت المعلومات الآتية من سويسرا هي المفضلة؟
رفائيل روبن كوتاز: في الولايات المتحدة الأمريكية كانت الأخبار التي تذيعها إذاعة سويسرا العالمية في غاية الأهمية بالنسبة لهيئة الإعلام الحربي (هيئة حكومية لبث الدعاية الحربية) ولشبكة كولومبيا للبث (CBS) والتي كانت تسجل البرامج تحت إشراف القنصل السويسري العامرابط خارجي في نيويورك.
استمرت شبكة CBS في استخدام المعلومات المُستقاة من إذاعة سويسرا العالمية، وذلك بسبب شح المعلومات في أوقات الحرب، كما انها غالباً ما تكون منحازة. أما سويسرا فكان بإمكانها تقديم معلومات محايدة نوعاً ما، كما أنها كانت أكثر تنوعاً.
swissinfo.ch: لكن إذاعة سويسرا العالمية كانت تُستخدم كذلك لتبرير مواقف سويسرا.
رفائيل روبن كوتاز: بالفعل. لقد أدركت سويسرا بداية من عام 1943، أن الحلفاء سينتصرون في الحرب. وكان عليها إعادة النظر في موقفها، ذلك أن الحلفاء كانوا يتهمونها بإجراء صفقات مع دول المحور. فقد كانت سويسرا إذن في موقف يُحتّم عليها الدفاع عن نفسها وإيضاح سياستها وحيادها.
وكانت إذاعة سويسرا العالمية ملتزمةً بأداء هذه المهمة، خاصة إزاء الشعب الأمريكي. لهذا تم استحداث بعض الفقرات الموجهة خصيصاً للولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كان يتم التأكيد على الحياد وعلى النموذج الديمقراطي السويسري، كما كان يتم التأكيد على القواسم المشتركة بين البلدين.
أما الأمر الأكثر طرافة فكان استضافة جنود أمريكيين كانوا يقضون عطلة استجمام لمدة أسبوع في سويسرا آنذاك باستديوهات إذاعة سويسرا العالمية. وبناء على قرعة أجريت بينهم تم اختيار بعض من هؤلاء الجنود البالغ عددهم 300 ألف والذين كانوا في عطلة، ليوجهوا رسالة عبر الأثير إلى عائلاتهم بالولايات المتحدة الأمريكية. وأصبح من عادات الأمريكيين أن يتجمعوا حول الراديو للإستماع لهذه البرامج، بل أن بعض أجزاء منها أصبح يعاد بثه على المحطات الإذاعية الأمريكية.
ثم وصلت رسائل شكر من العائلات التي كانت تصف مدى سعادتها بسماع صوت ابنها الذي لم يروه منذ أن ذهب للمشاركة في الحرب في أوروبا. وكان من شأن هذه المبادرات أن تعطي صورة إيجابية عن سويسرا. وكان هذا تمهيداً لما أسماه الأمريكيون لاحقاً في الستينات بـ "الدبلوماسية الشعبية".
swissinfo.ch: معلومات "محايدة" في قلب أوروبا المحتلة وبث البرامج إلى الولايات المتحدة الأمريكية: يمكننا إذن القول أن فترة الحرب كانت بمثابة العصر الذهبي لإذاعة سويسرا العالمية؟
رفائيل روبن كوتاز: لا أعتقد، ذلك لإن الموارد كانت شحيحة. لكن الأنشطة الإذاعية قُبيل نهاية الحرب العالمية الثانية أفادت الحكومة الفدرالية وهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية (SRG) في تبرير التطوير الذي قامتا به لإذاعة سويسرا العالمية، خاصة بزيادة عدد المحطات العالمية وتقويتها.
أما العصر الذهبي الحقيقي فقد أتى في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حين حصلت إذاعة سويسرا العالمية على تمويل من الكونفدرالية كي تصل للدول النامية.
swissinfo.ch: لقد كان هدف الإذاعة العالمية هو الحفاظ على الروابط بين السويسريين في الخارج وبين الوطن. فكيف استقبل السويسريون بالخارج هذه البرامج؟
رفائيل روبن كوتاز: إنه من الصعوبة بمكان أن نتعرف على صدى هذه البرامج، ذلك أنه لم يكن في الإمكان إجراء استبيانات حول رأي الجمهور. لكن رسائل المستمعين والمستمعات التي تم الإحتفاظ بها تُنبيء عن ارتباط حقيقي مع هذه الإذاعة. لقد كان هذا الصوت الآتي من بعيد يحرك المشاعر فعلا، خاصة أثناء الحرب، حينما إنقطعت الإتصالات البريدية.
وبالنسبة للسويسريين الألمان كان لاستخدام اللهجة المحلية أثراً في تقوية الرابطة العاطفية أكثر. ففي ذاك الوقت كانت الإتصالات الهاتفية الدولية باهظة الثمن للأفراد. وكانت الإذاعة تُوَلِّد لذلك مشاعر، لا يمكن تصورها اليوم. لقد كان سماع صوت أحد الأقارب أو قيام أحد الصحفيين بقراءة رسالة من أحد أفراد الأسرة شيئاً آخر تماماً غير قراءة الصحف.
swissinfo.ch: هناك الكثير من الإذاعات العالمية التي اختفت اليوم تماماً أو التي تقلصت بشدة. فهل حُكِمَ على البقية الباقية من الإذاعات العالمية بالموت؟
رفائيل روبن كوتاز: لقد أدى التطور التقني إلى تغيير الوضع الذي انطلقت منه الإذاعة تماماً، فأصبحت مشروعية الإذاعات العالمية على المحك. لكن هذا لا يعني بالضرورة، أن الهدف المنشود قد أصبح هو الآخر على المحك بسبب المستحدثات التقنية. فالأمر يتعلق بما يريد المرء فعله. فلا زالت الإذاعة تمس الناس أكثر من غيرها، بل أكثر بكثير من الإنترنت. فعلى سبيل المثال لازالت إذاعة فرنسا العالمية (RFI) هي الوسيلة المثلى للإعلام على نطاق أوسع في أفريقيا.
وفي حالة سويسرا فإن تاريخ الإذاعة العالمية قد أظهر الهدف من إنشائها وهو الوصول إلى السويسريين بالخارج، وكذلك إلى جمهور عريض من الصفوة السياسية والإقتصادية.
وبهذا المفهوم فإن استخدام الإذاعة لم يعد بدون شك ذا ضرورة ملحة. لكنني أرى برغم هذا أن الأهمية التي يحظى بها الرأي العام منذ النصف الثاني من القرن العشرين هي ما يبرر مشروعية استمرار swissinfo.ch.