Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00890.jsonl.gz/41

هددت الولايات المتحدة بنقل مقر حلف شمال الأطلسي من بروكسل إلى أي عاصمة أخرى ما لم تتخلّ بلجيكا عن قانونها المثير للجدل والمعروف بقانون "الصلاحية الكونية".
لكن بلجيكا قالت، إن هذا القانون سيظل كما هو.
قد يكون صراع القوة مع القانون عنوان مشهد المواجهة غير المتكافئة بين الولايات المتحدة المنتشية بانتصاراتها العسكرية من أفغانستان حتى العراق من ناحية، والقضاء البلجيكي من ناحية أخرى.
فقد أوحت تهديدات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بنقل مقر حلف شمال الأطلسي من بلجيكا إلى عاصمة واحد من الحلفاء الجدد في وسط القارة بمثابة السيف الذي تسلّـطُه الإدارة الأمريكية لتطويع أعناق حلفائها، وخاصة منهم البلدان التي عارضت الحرب على العراق، أو التي لها تشريعات تتناقض مع رؤى ومصالح الولايات المتحدة كما هو الحال بالنسبة لبلجيكا.
وحذر رامسفيلد خلال اجتماعات حلف شمال الأطلسي يوم الخميس بأسلوب مباشر، الحكومة البلجيكية بأنها ستدفع ثمنا باهضا إذا احتفظت بقانون "الصلاحيات الشاملة".
ويمنح هذا القانون الذي يعود صدوره إلى 1993، القضاء البلجيكي حق ملاحقة المتهمين بجرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية أينما حدثت في العالم، وأيا كانت هوية المتهم. ولا يعترف أصل القانون بأي حصانة للمتهمين.
ولم يثر الأمر في حينه فزعا في صفوف "الديموقراطيات الغربية"، لأن القانون كان يستهدف اتهامات جرائم الإبادة في المستعمرة البلجيكية السابقة، رواندا.
لكن الوضع انقلب في منتصف عام 1991، عندما لجأ ضحايا مذابح صبرا وشاتيلا إلى القضاء البلجيكي ليُـنصفهم من رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، الذي كان يتولى منصب وزير الدفاع خلال غزو لبنان عام 1982، ويتحمل جزءً من مسوؤليات المذابح التي استهدفت سكان المخيمات.
وخلقت الشكاوى المقدمة في حق ارييل شارون والجنرال الإسرائيلي ياموس يارون أزمة ثقة بين بلجيكا وإسرائيل، التي أصبحت تتردد في إرسال بعض مبعوثيها إلى بروكسل كي لا يتعرضون للمساءلة من قضاة التحقيق البلجيكيين.
ودفع إحراج الدبلوماسية البلجيكية النواب في البرلمان إلى صياغة تعديلات تمنح الحكومة صلاحيات إحالة الشكاوى ضد المواطنين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية، عندما تتوفر فيها قوانين محاكمة جرائم الحرب.
الحرب على العراق
وسارعت الحكومة البلجيكية في الشهر الماضي إلى وقف الشكوى التي قدمها محام بلجيكي نيابة عن 19 عراقيا وأردنيا ضد قائد القوات الأمريكية في الخليج، الجنرال تومي فرانكس، ويتهمونه بأنه يتحمل مسؤوليات استخدام الأسلحة المحظورة ضد السكان المدنيين وسيارات الإسعاف والمستشفيات في العراق، وعدم تدخل القوات الأمريكية للحؤول دون نهب الإرث الحضاري في العراق.
إلا أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لم يقتنع بالخطوة البلجيكية، وردّ عليها بالتهديد باحتمال نقل مقر الحلف إلى بولندا، والبدء فورا بتعليق بناء مقر جديد للحلف كان مقررا بناءه في بروكسل.
وقال رامسفيلد "يتعيّـن على بلجيكا أن تعلم عواقب سياستها، وأن القانون يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كان الحلف سيواصل عقد اجتماعاته في بلجيكا".
وحاول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، جورج روبيرتسن التخفيف من حدة الأزمة. وقال على إثر اجتماع ثنائي عقده وزير الدفاع البلجيكي، اندري فلاوو مع نظيره الأمريكي، "إن الوضع لم يصل بعد إلى تجميد قرار بناء المقر الجديد، لأن عمليات البناء لم تبدأ بعد".
ويقع مقر الحلف في ضاحية "ايفير" في الطريق إلى مطار بروكسل، وقد شُـيِّـد عام 1967 على إثر طرد الجنرال ديغول الحلفاء من فرنسا. وكان من المتوقع أن يتم إنجاز المقر الجديد عام 2009 بكلفة 300 مليون أورو. وأبرم الحلف عقود البناء مع مؤسسات تابعة لبلدان الحلف منها مؤسسات بلجيكية.
وغداة التهديد الأمريكي، تحركت الحكومة البلجيكية لتطويق تداعيات الأزمة على جبهة العلاقات مع إسرائيل. وأعلن مكتب رئيس الوزراء طلبه من محكمة الاستئناف إحالة ملف الجنرال ياموس يارون إلى القضاء الإسرائيلي.
وكان محامي الادعاء، لوك والين، رأى بأن الإجراءات المطبقة في شأن مذابح صبرا وشاتيلا سابقة للتعديلات القانونية، وقد انطلقت في شأنها إجراءات مبدأ التحقيق ويصعب وقفها.
وقال لوك والين، "إنه يصعب على الحكومة سحب قضية كان ممثل النيابة العامة أعلن قبولها من الناحية المبدئية، وكذلك رأت كل محكمة الاستئناف وغرفة الاتهام في محكمة التمييز".
وإذا توصلت الحكومة البلجيكية إلى تعطيل الشكوى المقدمة ضد الجنرال الإسرائيلي ياموس يارون، بعد أن كانت تخلصت من الشكوى ضد الجنرال الأمريكي تومي فرانكس، فإنها قد تحتفظ بمقر الحلف، لكنها ستؤكد الانطباع بالتمييز العنصري، لأن القضاء البلجيكي سبق وأن حكم على أربعة مواطنين روانديين في قضايا جرائم الإبادة في بلادهم، لكنه يعجز عن فرض إرادته ضد المتهمين عندما ينحدرون من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
نور الدين الفريضي - بروكسل