Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00868.jsonl.gz/106

طوال القرن العشرين، كانت جنيف في قلب مفاوضات السلام، تحت رعاية عُصبة الأمم أولا، ثم في ظل الأمم المتحدة تاليا. وهو دور يُجسّده قصر الأمم المهيب.
هذا المحتوى تم نشره يوم 28 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,
حيث تستهويني المجتمعات البشرية وفن إعداد التقارير حولها – وهو فضول يغذيه السفر والالتقاء بالاشخاص والقراءة – أقوم بشكل رئيسي بتغطية الموضوعات الرئيسية التي تتناولها المنظمات الدولية التي تقع مقارها في جنيف. الاسم المختصر fb
ولد طوماس كيرن في سويسرا في عام 1965. تعلّم فن التصوير الفوتوغرافي في زيورخ، وبدأ العمل كمصوّر صحفي في عام 1989. هو أحد مؤسسي وكالة المصوّرين السويسريين في عام 1990. حصل كيرن على جائزة الصحافة الدولية مرتيْن، كما حصل على العديد من المنح الوطنية السويسرية. شاركت أعماله في العديد من المعارض المشهورة، ويوجد بعضها في العديد من المجموعات الفنية.
كم بُذلت من الجهود وكم تحققت من نجاحات وإخفاقات مدوية في مسار المضي قدمًا نحو "السلام الدائم"، وهي مقالة تأسيسية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، نُشرت في عام 1795. ذلك أنه لم يعد يُنظر إلى السلام على أنه مجرد فترة توقف بين الحروب، ولكن كبرنامج قادر على تنظيم وتهدئة العلاقات الدولية.
خلال الحربين الكونيتين اللتين عصفتا بالنصف الأول من القرن العشرين، تم وضع الركائز التي قام عليها القانون الدولي. فقد بدأت عُصبة الأمم بوضع حجر الأساس، قبل أن تستأنف الأمم المتحدة العمل مع قوى أوروبية خرجت شاحبة ومرتعبة من سلسلة حروب شاملة توقفت جزئيًا بين عامي 1918 و1939.
في آخر مؤلف له صدر في عام 1942 بعنوان "عالم الأمس، تذكار أوروبي"، يستذكر الكاتب النمساوي ستيفان تسفايغ بتأثر المناخ الذي صاحب ولادة عُصبة الأمم: "من عاش في ذلك الزمن يتذكر أن شوارع جميع المدن كانت تتردد فيها صيحات الفرح للترحيب بويلسون [رئيس الولايات المتحدة] كمنقذ للعالم، وأن الجنود الأعداء كانوا يحتضنون ويُقبّلون بعضهم البعض؛ لم تشهد أوروبا أبدا نفس القدر من الثقة (في المستقبل) كما كان الحال خلال تلك الأيام الأولى للسلام".
ولكن بعد تقليب بضع صفحات، لا يُخفي ابن مدينة فيينا خيبة أمله: "اليوم، يعرف الجميع – وعدد قليل منا كان يعرف ذلك آنذاك بالفعل - أن هذا السلام كان من أعظم الممكنات الأخلاقية في التاريخ، إن لم يكن أعظمها. من التاريخ (...) لكن الجنرالات القدامى، ورجال الدولة القدامى، والمصالح القديمة مزّقت هذا المفهوم العظيم وحولته إلى أشلاء، وجعلت منه مجرد قصاصات ورقية لا قيمة لها. الوعد المقدس، الذي قُطِع لملايين الرجال، بأن هذه الحرب ستكون الأخيرة (...) تمت التضحية به بشكل ساخر لفائدة مصالح مُصنّعي الذخائر ومُراعاة لغضب رجال السياسة الذين عرفوا كيف ينقذون ظافرين (...) تكتيكهم القاتل المستند لاتفاقيات ومداولات خلف أبواب مُوصدة".
فضاء يتّسم بالهشاشة ولكن لا غنى عنه!
حتى الآن، لا يُمكن لعُصبة الأمم فيما مضى وللأمم المتحدة اليوم العمل إلا في المجال الذي تكون فيه الدول الأعضاء، وخاصة الأقوى، على استعداد لتركه لها. وفقًا لهذا المقياس، فإن الخطوات التقدمية التي اتفقت عليها الدول ليست ضئيلة الأهمية ولا يُستهان بها بالمرة. سواء تعلق الأمر بالاعتراف بوضع اللاجئ وقيام وكالة لمساعدتهم (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، أو بالاتفاقيات الدولية التي تشجع على احترام حقوق الإنسان بشكل أفضل، أو بالمعايير الفنية التي تم وضعها في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية أو حقوق الملكية الفكرية. بشأن الملكية الفكرية، فإن الأمم المتحدة مكّنت الدول من إمكانية التوصل إلى حلول وسط نجمت عن توافق في الآراء.
مع ذلك، لا يُمكن القول بأن كل شيء قد حُسم وقُضي الأمر، كما يظهر ذلك تجدد التوتر بين قوى عظمى في عالم أضحى متعدد الأقطاب. ولكن مع كل بلدان المعمورة كأعضاء وفي ظل المكانة الأكبر الممنوحة للمجتمع المدني، تظل الأمم المتحدة مؤسسة رئيسية ولا غنى عنها لمحاولة احتواء موازين القوى القائمة بين الدول الأعضاء فيها.