Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/43

ليس من المبالغة في شيء القول أن الأزمة السورية تحوّلت شيئا فشيئا إلى "حلبة ملاكمة" بين الولايات المتحدة وروسيا، حول طبيعة النظام العالمي الجديد الذي تُعلِن جميع القوى الدولية تقريباً عن رغبتها في الإشتراك في بنائه.
السمة الرئيسية لهذه "الملاكمة"، هي التنافس/التعاون بين أمريكا وروسيا، وبين بقية السِّرب الدولي من الصين والهند إلى الإتحاد الأوروبي. لكن، ما هي الحصيلة المحتملة لمثل هذا الصراع؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك لا بد من وقفة ضرورية أمام استراتيجيات كلٍّ من القوى المتصارعة.
الإستراتيجية الأمريكية
الجدل الساخن لا يزال محتدما في الولايات المتحدة منذ سنتين حول الوسيلة الأنجع للحفاظ على الزعامة العالمية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، وهو جدل يدور بين معسكريْن رئيسييْن إثنين:
الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية - العسكرية الأمريكية في العالم إلى حدٍّ كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمّة" في الداخل الأمريكي وعلى تطوير الإقتصاد والبنى التحتية والتعليم.
والثاني، يطالب بالإبقاء على الإستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة على الحفاظ على النظام الدولي القائم بقوة السلاح الأمريكي، ويحذِّر من أن التخلّي عن هذه الإستراتيجية والتقوقع في الداخل، سيعنيان نهاية الدولار كعُملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الإقتصادية الأمريكية.
ولكن، أين تقف إدارة أوباما في هذا التجاذب العنيف في الداخل بين تياريْ "التراجع" و"التقدّم" الأمريكي في العالم؟ يبدو أنها تقف في "منزلة بين منزلتيْن"، مع ميل أكثر قليلاً إلى تيار التراجُع، وهذا واضح وجلِي في ما يُطلق عليه في واشنطن الآن "الاستدارة (Pivot) أو إعادة التوازن (Rebalancing) نحو منطقة "آسيا - الباسيفيك"، بدلاً من التركيز على "أوروبا - الأطلسي".
لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن كِلا التياريْن يتّفقان على ضرورة منْع بروز أي مُنافِس دولي قوي لأمريكا، يقلب موازين القِوى العالمية الراهنة ويحول دون الحفاظ على هيمنة الدولار ومؤسسات نظام ما بعد 1945 على الإقتصاد العالمي، ومواصلة التفوق العسكري الأمريكي الكاسح على كلّ دول العالم مُجتمعة.
الإستراتيجية الروسية
على الجهة المقابلة، تدعو "استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020"، إلى تحويل "روسيا المُنبعِثة" إلى دولة كُبرى مجدّداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم.
في الأثناء، تنص المحاور الرئيسية للإستراتيجية على "المشاركةالفعّالة في تقسيم العمل الدولي وتحسين التنافسية العالمية للاقتصاد الروسي" وعلى "بقاء روسيا داخل حدود القانون الدولي وتنفيذ سياسة عقلانية وبراغماتية، يتم فيها استبعاد المجابهات المكُلفة، بما في ذلك سباق التسلح" إضافة إلى "إبداء الاستعداد لتطوير العلاقات مع حِلف شمال الأطلسي على أساس المساواة، وأيضاً بناء شراكة استراتيجية متساوِية مع الولايات المتحدة، على أساس المصالح المشتركة".
أخيرا، تنص الإستراتيجة التي وضعتها موسكو على "الإندماج في العولمة ضِمن شروط قومية روسية محدّدة، مع الدعوة إلى تغيير الهندسة العالمية والإقليمية الرّاهنة، في اتجاه إقامة نظام دولي متعدّد الأقطاب".
الإستراتيجية الصينية
كما في أمريكا، كذلك في الصين هناك تياران: التيار الأول، عبّر عنه بوضوح تقرير أكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية عام 2008 بعنوان "استراتيجية حمامة السّلام". وقد استخدم التقرير جِسم الحمامة لتوضيح أولويات السياسة الخارجية الصينية.
فالأمم المتحدة تقِف على رأس الأولويات أو رأس الطير، وآسيا هي صدره، في شكل "الرابطة الآسيوية" (Asian Association)، وهي كُـتلة إقليمية مستقِلّة ستكون بقيادة الصين. أوروبا هي أحد جناحيْ الطير، أما الولايات المتحدة (التي تنتمي إلى منظمة التعاون الإقتصادي في آسيا – الباسيفيك - "أبيك")، فهي جناحه الثاني. أما أمريكا اللاتينية وإفريقيا وقارّة أوسيانا (التي تضم أستراليا وجزر المحيط الهادي، التي تفصل آسيا عن أمريكا) فهي ذَنَبَه.
التيار الثاني يركِّز على أن الولايات المتحدة هي التهديد الأكبر لاستِقرار الصين وتطوّرها، هذا الرأي يستنِد إلى قناعة قديمة بأن الولايات المتحدة تسعى في الواقع، جنباً إلى جنب مع الدول الغربية واليابان، إلى تقسيم الصين. بيْد أن القيادة الصينية الحالية، تدعو إلى "صبْر استراتيجي" قد يستمر 20 سنة على أن يجري العمل من الآن لتغيير الوضع الدولي عبْر تقنية الوخز بالإبر، أي من خلال التغييرات التدريجية، التي لا "تجفّل" الولايات المتحدة والغرب.
الهند وأوروبا
من المرجّح أن تكون الهند قريبا قوة رئيسية في النظام العالمي الجديد، حيث أن دورها سيشمل مسؤوليات إقليمية أوسع (أي أوسع من شبه القارة الهندية) في المنطقة الآسيوية، وتعاونا وثيقا مع القوى المسيطرة، خاصة الولايات المتحدة التي تريد استعمال الورقة الهندية - حسبما يبدو - من أجل احتواء الصين.
في الأثناء، تمر أوروبا بأزمة عاصفة، تشمل اقتصاداتها وهويتها وموقعها في نظام عالمي متغيّر. وفي هذا السياق، يُمكن اختصار الصراع الداخلي الخاص بالمشروع الأوروبي، بكونه لا يزال خياراً بين بديليْن: أوروبا الأطلسية كذيْل للولايات المتحدة أو دولة لا أطلسية تضم روسيا وتركيا إليها، إلا أن هذا الصراع لم يُحسم بعد.
على أي حال، يجب انتظار أمريْن لمعرفة المسار الذي ستسلكه أوروبا حِيال مسألة النظام العالمي الجديد: الأول، مدى قدرة الإتحاد الأوروبي على استيعاب الإنفجارات الاجتماعية المتوقّعة، في ضوء ضغوط العولمة والمنافسة الشديدة من شرق آسيا. والثاني، المدى الذي ستذهب إليه الولايات المتحدة في سياسة الإستدارة شرقاً نحو آسيا - الباسيفيك، ومدى تأثيره على التحالُف عبْر الأطلسي.
اليابان
من الأسئلة المتداولة أيضا: هل تسفر الإهتزازات الرّاهنة في هذا النظام الدولي إلى عودة القوة العسكرية الامبريالية اليابانية؟ لا يُستبعد ذلك.
ففي المنتدى الإقتصادي العالمي الذي عقد في منتجع دافوس السويسري في موفى يناير 2014، فاجأ رئيس الوزراء الياباني أبي، العالم حين شنّ حملة عنيفة على الصين، متهماً إياها بأنها ذات نزعة عسكرية وعدوانية، ومشيراً إلى أن الصين واليابان تشبهان ألمانيا وبريطانيا عشية الحرب العالمية الأولى: فهما متزوِّجتان اقتصادياً، لكنهما مطلَّـقتان استراتيجيا. وقد ردّت الصين حينها بالمِثل واتّهمت اليابان بأنها تريد العودة إلى "ماضيها العسكري الإمبريالي البشِع" في آسيا.
صحيح أن المحللين لا يتوقعون إلى أن تصل الأمور بين هذين العملاقين إلى درجة الإنفجار العسكري بسبب الإعتماد الإقتصادي المتبادل بينهما (اليابان لديها 23 ألف شركة ضخمة عاملة في الصين، يعمل فيها 10 مليون صيني)، إلا أنهم يشدِّدون على أن النزاع الياباني - الصيني قد يكون أخطر نزاع جيو - سياسي في العالم، خاصة وأن الطرفين يستخدمان التطرّف القومي لخِدمة أغراض داخلية.
وإذا ما تطابق هذا التسابق على استثارة الحمّى القومية مع تراجع الإعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين، فإن هذه ستكون وصفة ممتازة كي تعلق قرون العملاقين في اشتباك لا فكاك منه. وفي حال حدث ذلك، سيعني ذلك أن ثمة ضوءً أخضرا أمريكياً لليابان، كي تتسلّح مجدّداً لمُوازنة الصعود الصيني، في إطار ما يُسمّيه البعض تجديد "الإمبريالية الجماعية" الأمريكية – الأوروبية - اليابانية.
أي الاجتهادات الأقرب إلى الحقيقة؟
إلى أين يسير عالم اليوم؟ ثمّة إجماع الآن، بأن رِحلة القبطية الأحادية الأمريكية، وصلت إلى خواتيمها. لكن ما لم يحز على إجْماع بعدُ، هو شكل النظام العالمي البديل الذي سيحل مكان القطبية الأحادية والذي تتصارع القوى الدولية أعلاه على مضمونه وشكله.
هنا يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات: الأول، يرى أن التطوّرات الأخيرة، وعلى الرغم من أنها كشفت حدود دور الزعامة الأمريكية، إلا أنها لن تغيّر في هذه المرحلة، على الأقل من طبيعة النظام العالمي. ويرى الثاني أن التغيير سيكون حتمياً، بحُكم صعود "البريكس" وبقية السّرب الآسيوي والأمريكي اللاتيني إلى قمْرة القيادة العالمية. والثالث، لا يرى لا هذا ولا ذاك، بل يتوقّع بروز "لا قطبية فوضوية" مكان القطبية الأحادية.
كفّة المنطق تميل بقوة لصالح نظرية "اللاقطبية"، التي قد تعني في لحظة ما أو في مرحلة ما، تفاقُم المنافسات والصراعات بين الدول الكبرى، القديمة والجديدة، من أمريكا وأوروبا واليابان والصين، إلى روسيا والبرازيل وبقية النمور الآسيوية، بعد أن أصبحت كل هذه الدول رأسمالية، أي أن الصراع سيكون بين مختلف أصناف الرأسماليات الأساسية في العالم، في شكل تنافس على الأسواق والرساميل والموارد الطبيعية وخطوط التجارة البرية والبحرية، وهذا ما دفع العديد من المحلِّلين الأوروبيين إلى تشبيهالوضع الدولي الرّاهن، بذلك الذي كان قائماً عشِية الحرب العالمية الأولى قبل مائة عام.
لكن، حتى لو تمكّنت القوى الكبرى الجديدة والناشئة من تعديل وتحسين النظام الدولي الرّاهن بالطرق السِّلمية أو بسلاسة، إلا أن هذا لن ينقذ الجنس البشري من ثلاثة أخطار داهمة تُـهدِّد وجوده نفسه هي: ظاهرة تغيّر المناخ وانهيار بيئة الأرض والديكتاتورية الزّاحفة للعولمة الرأسمالية في مجالات العِلم والتكنولوجيا كافة والتي تهدّد، كما يرى فرانسيس فوكوياما نفسه، باستيلاد أخطر استبداد وتقسيم طبقي في التاريخ، عبْر خلق ما يسمى "ما بعد الإنسان (Transhuman)، وتحويل قطاعات شاسعة من العالم الثالث، التي تعتبر خارج نِطاق قوس العولمة، إلى ساحة دمار وأوبئة وحروب وصراعات دموية لا تنقطع.
هذا ما قد ينتظر البشر في السنوات المقبلة. وسوريا توجد اليوم في قلب هذه المعمعة، إلى درجة يمكن القول معها أن حلّ الأزمة السورية بات يتطلّب اتفاقاً، ولو أوليا، على طبيعة أو على الأقل.. توجّهات النظام العالمي الجديد؟!.
swissinfo.ch