Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00907.jsonl.gz/48

ابتداءً من يوم الاربعاء الثاني عشر من يونيو الجاري، وحتى السادس عشر منه، يجلب ‘آرت بازل’، أكبر معرض للفن في العالم، سلسلة من المعارض، والأحداث، والحفلات إلى المدينة الواقعة إلى شمال غرب سويسرا. بَيْد أن المشاعر حَول هذا الحَدَث الضخم مُتضاربة، كما لا يبدو الجميع مُتحمِّسا في المشهد الفني المحلي. وكما يرى عددٌ متزايدٌ من الفنانين وأصحاب الأروقة الفنية، فقد بات هذا التجمع أكثر تعلقاً بالمال منه بالفن.
"المال يُفسِد كل شيء"، يقول نيكولاس كروبرابط خارجي، أحد أصحاب الأروقة الفنية في بازل. "قبل عشر سنوات، كان إنفاق 30 مليون دولار أمريكي مُقابل عمل فني فكرة مُنافية للعقل، لكنك اليوم ترى شخصاً يدفع 300 مليون دولار، أو آخراً ينفق 110 مليون دولار لشراء رسم لـ باسكياترابط خارجي [في إشارة إلى الفنان الأمريكي المعاصر جان ميشال باسكياترابط خارجي، 1960-1988]، هذا جنون".
ظَهَر معرض ‘آرت بازلرابط خارجي’ للوجود في عام 1970، كمبادرة تجريبية لثلاثة أشخاص من أصحاب الأروقة الفنية. وخلال العقدين الأولين للمعرض، كان لا يزال بالإمكان مفاجأة الزوار من خلال الفعّاليات والتَدَخُّلات المُرتجلة التي ينفذها بعض النُشطاء وفنّانو الأداء على هامش المَعرض. وبحلول أعوام التسعينيات، تم ترسيخ المعرض كركح عرض مُميز لأصحاب الأروقة وجامعي الأعمال الفنية التقليدية الأثرياء، في نفس الوقت الذي اندمجت فيه بعض المعارض الفنية الأصغر حجماً والتي لا يزيد عمرها عن خمسة أعوام لإيجاد بعض المساحات المُوازية حول أرضية "آرت بازل"، مثل معرضيْ "ليسترابط خارجي" (Liste) و"فولتارابط خارجي" (Volta). بيد أن هذه المعارض أصبحت - بعد مرور 20 عاماً - هي الأخرى جزءاً من المؤسسة.
وفقاً لـ دانييل كورجاكوفيتش، كبير المشرفين على البرامج في متحف بازل للفنونرابط خارجي، يَتَّبِع المفهوم التشغيلي لمعرض ‘آرت بازل "منطقاً طفيلياً". وكما يقول: "يربط الأشخاص الذين يقفون خلف ‘آرت بازل’ أنفسهم بالدوائر [الفنية] القائمة بغية خلق وَهْمٍ يُصور المعرض كهيئة أساسية للمبادرات الفنية، في حين أنه ليس كذلك".
قام معرض ‘آرت بازل’ بإدراج العديد من العروض الجانبية الموازية الأخرى في برنامجه. وتشمل هذه العروض مشاريع فردية لعدد من الفنانين الناشئين الشباب مثل "فن البيانات" (Statements)، وناشري الفن "النشرة" (Edition)، و"فن بلا حدود" (Unlimited)، حيث التركيبات والعروض الواسعة النطاق.
من جانبه، يرى روجر م. بويرغل، المدير الحالي لمتحف يوهان جاكوبسرابط خارجي في زيورخ، أن معرض ‘آرت بازل’ قد يتحول إلى علامة تجارية في نهاية المطاف". وكان بويرغل الذي شغل منصب المدير الفني لمعرض ‘دوكومينتا 12’رابط خارجي (Documenta 12) [وهو معرض مهم للفن المعاصر يقام كل خمس سنوات في مدينة كاسّيل الألمانية] في عام 2007، قد نأى بنفسه عن السيرك المُدِر للأرباح لتجارة الفنون، كما أنَّه لا ينوي زيارة معرض بازل إطلاقاً هذا العام.
لكن بويرغل يتوقع أن يَتَّبِع ‘آرت بازل’ توجهات عدد من المؤسسات الأخرى، التي تقوم بإقراض علامتها التجارية إلى المزيد من المشاريع البعيدة خارج أراضيها - كما يفعل متحف اللوفر اليوم.
وكان منظمو ‘آرت بازل’ قد أسسوا في عام 2002 معرض " آرت بازل - ميامي بيتش" في ولاية فلوريدا الأمريكية. وفي عام 2013، افْتُتِح مَعرض ‘آرت بازل’ في هونغ كونغ لتلبية المتطلبات المتنامية للأسواق الآسيوية.
سلطة المال
مع افتتاح المعرض لأبوابه في دورته الخمسين يوم 12 يونيو الجاري، أصبح ‘آرت بازل’ عملاقاً رأسمالياً بلا منازع. وهو يستضيف اليوم نحو 300 رواقاً فنياً من جميع أنحاء العالم، تنتشر على أرض تبلغ مساحتها 27,500 متر مربع، ويستقطب حوالي 100,000 زائر خلال ستة أيام فقط. وليس اختيار الأروقة المشاركة بالأمر السهل، حيث تتطلب تأمين مساحة للعرض إمكانيات مالية كبيرة. وتتراوح الأسعار بين20,000 و 112,000 فرنك سويسري، اعتماداً على الحجم والموقع المختار في قاعة معرض ‘آرت بازل’.
"لقد أصبح [المعرض] وبشكل متزايد أشبه بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس"، يقول كبير المشرفين على البرامج كوراوفيتش، في إشارة إلى تحول المعرض إلى نادٍ حصري يفصل بين القِلّة المُطلعة على بواطن الأمور والكُثرة المُستبعدة. ومن بين أكثر من 4,000 فنان سوف تُعرَض أعمالهم، لن يحضر هذا الحدث سوى عدد قليل، حيث لقي العديد من هؤلاء الفنانين حتفهم بالفعل. لكن ‘آرت بازل’ ليست مكاناً للقاء الفنانين على أية حال.
وكما أشار غويدو نوسّباوم، وهو أحد الفنانين الأكثر احتراماً في مشهد بازل، فإن التغطية الإعلامية للفنون غالباً ما تَتَّبِع التحول التجاري الحاصل في العقود الأخيرة التي كانت القيادة فيها لـ ‘آرت بازل’. وقد جاء تزايد الأسعار والاستثمار في الفن في المقدمة، كما قال.
الأسوأ من ذلك، بحسب نوسّباوم، هو أن النظام المترابط لمعرض ‘آرت بازل‘ قد ساهم في تحويل المفهوم الأوسع للفن باعتباره مجرد سلعة. فالقيمة النقدية تأتي في المقدمة اليوم، بينما يحتل المحتوى المرتبة الثانية، وهو ما يُحيل المعارض إلى مرآة لاقتصاد السوق وأضراره وعبثيته.
"إن تركيز ‘آرت بازل‘ على الكمية يجعلني أرغب بالتقيؤ"، كما قال، مضيفا أن "هذه الكميات الهائلة من الأعمال تؤدي إلى نوع من فقدان الإحساس بالفن".
أما صاحب الرواق الفني "كروب"، فيرى في هذا التوسع جزءًا من حركة أوسع في عالم الفن. "إن المشهد الفني برمته آخذ في التوسع"، كما يقول "انظر مثلاً كيف تبني المتاحف الفنية في بازل وزيورخ ولوزان أجنحة جديدة. لا أعرف أين سينتهي كل ذلك".
رغم ذلك، وفيما يتعلق بفرص الربط الشبكي، يصعب العثور على ما هو أفضل من بازل، ولا سيما بالنسبة للفنانين الناشئين الشباب، مثل جوليا شتاينر، أصيلة كانتون برن، التي انتقلت للإقامة في بازل قبل سبع سنوات.
لكن ‘آرت بازل’ لم يكن السبب الرئيسي في انتقال الفنانة الشابة إلى المدينة الواقعة على ضفاف نهر الراين. وهي تشير إلى أجواء بازل المسترخيّة، والإسكان الميسور التكلفة نسبياً، وقرب المدينة من فرنسا وألمانيا، وفرص التمويل المتعددة التي توفرها المدينة والكانتون، وغيرها من المؤسسات المحلية الأخرى ،مثل كونستكريديترابط خارجي (Kunstkredit)، مع وجود منافسة أقل على التمويل بالمقارنة مع زيورخ مثلاً. إلّا أن ‘آرت بازل’ جاء في أسفل قائمة أسباب شتاينر للانتقال للمدينة.
رغم ذلك، تستفيد شتاينر من المعرض بصورة غير مباشرة. ذلك أنها انتهت للتو من تنفيذ عمل فني مخصص لموقع معين في بهو هيلفيتيا للفنونرابط خارجي، وهو مكان تابع لشركة تأمين سويسرية. وسوف يستضيف البهو منتدى فنياً هذا الأسبوع في وقت مواز لانعقاد معرض هذا العام.
المعرض والمدينة
استطاع ‘آرت بازل’ ان يتزعم مشهد المعارض الفنية الدولية، بسبب موقعه في هذا المركز الفني النابض بالحياة في المقام الأول. وكما يقول كروب، لم يكن لنمو المعرض أي تأثير في المشهد الفني المحلي. "إن امتلاك رواق فني هنا في بازل، لا يمنحك ولو ميزة الظفر بحيّز ضيِّق داخل المعرض".
مع ذلك يُثني صاحب الرواق الفني الذي لا يبعد سوى نصف شارع عن معرض ‘آرت بازل’ على مسقط رأسه كثيراً.
"توجد في بازل متاحف رائعة، ومجموعات فنية بالغة الجمال، ونظام سياسي راسخ، وعُملة مستقرة وبُنية تحتية كبيرة. وهي لا تزال (أي المدينة) قرية رغم كل ذلك"، كما أضاف.
على الصعيد العام، تعد تلك "القرية" موطناً لبعض المؤسسات الفنية الأكثر شهرة في العالم. فهنا تقع مؤسسة بيليررابط خارجي (Fondation Beyeler) التي تشهد توسعاً هي الأخرى، ومتحف بازل للفنونرابط خارجي ومشهده المعاصررابط خارجي، ومتحف"تينغوليرابط خارجي" (Tinguely)، وصالة الفنونرابط خارجي (Kunsthalle)، ومتحف فيترا للتصميمرابط خارجي، و"دير تانكرابط خارجي" (DER TANK)، وهي المساحة المخصصة للعرض في أكاديمية الفنون في شمال غرب سويسرا التي تديرها منسقة المعارض الإسبانية تشوس مارتينيزرابط خارجي، ومتحف بازل للفن القديمرابط خارجي، ورابط خارجيبيت الفنون الإلكترونيةرابط خارجي، على سبيل المثال لا الحصر.
وحتى عهد قريب، كان بامكان ’آرت بازل’ الاستفادة من المساحات العامة بِحُرية، كما تعاونت العديد من المؤسسات العامة مع المعرض دون فَرْض العديد من الشروط المُسبقة. لكن هذه المؤسسات وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في موقفها، مع ابتعاد ‘آرت بازل’ المتزايد عن جذوره وعن الحياة المدنية.
بالنتيجة، بدأت المؤسسات العامة بتكييف نفسها مع هذا الوضع. "لم يَعُد بمقدورنا تقديم خدمات مجانية"، كما يقول كورجاكوفيتش، المسؤول عن التفاوض بشأن تعاون متحف الفن مع ‘آرت بازل’. "نحن بحاجة إلى الحصول على شيء ما مقابل ذلك".
وكما يضيف: "ليس لاجتماعاتنا أي مضمون فنّي، والأمر عبارة عن عمل تجاري لا أكثر. هذه هي اللغة الأم لـ ‘آرت بازل، وهذه هي اللغة التي نتحدث بها معهم، وقد كان هذا الأسلوب مؤاتياً لكلا الطرفين".