Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00861.jsonl.gz/65

هل يجب محاربة الحركات "الشعبوية"؟ يقول الصحفي الألماني رالف شولر، الذي كتب مؤخراً كتاب "لنكن شعبويين"، إن مثل هذه الحركات هي شكل من الأشكال الصحية للمعارضة في الديمقراطيات. وعلى السياسيين أن يستمعوا إلى مطالب الشعبويين.هذا المحتوى تم نشره يوم 03 مارس 2020 - 11:00 يوليو,
swissinfo.ch: هل من وجود فعلي للشعبوية؟
رالف شولر: بالتأكيد، هناك وجود لها. ولكن مفهوم الكلمة يُستخدم بطريقة خاطئة. فالشعبوية ليست حركة سياسية مثل الحركات الليبرالية أو الاشتراكية أو المحافظة، بل هي أسلوب سياسي متزايد الأهمية، يقدم إجابات بسيطة للأسئلة المعقدة، ويوجّه الناس إلى المسار الخطأ؛ فالديمقراطية هي حكم الأداء الوسط؛ بحيث لا يُمكن لا للأغبياء ولا (لسوء الحظ) للأكثر ذكاء الذين يمثلون قلة، الحصول على الأغلبية. وبالتالي، فإن تقديم حلول بسيطة، بدلا من حلول معقدة حتى ولو كانت سليمة، هو السبيل لجذب أكبر عدد ممكن من المقترعين.
swissinfo.ch: هل تنمو الحركات الشعبوية في أوروبا ؟
رالف شولر: نعم. إن الحركات التي تنضوي تحت ما يسمى بالشعبوية تنمو بشكل واضح في أوروبا. ويمكننا أن نرى ذلك في دول الشمال (الحزب الفنلندي، والحزب الديمقراطي في السويد)، وفرنسا (حزب التجمع الوطني)، وفي بريطانيا (حزب الاستقلال البريطاني "UKIP “، وحزب بريكسيت)، وكذلك في جنوب أوروبا، مع الأحزاب اليسارية مثل بوديموس في إسبانيا و سيريزا في اليونان.
ولكن يجب ألا نقمع هذه الحركات، بل على العكس، يجب أن ندرك حقيقة أن "الشعبويين" هم بمثابة إشارة تحذير للديمقراطيات: فمثل هذه الحركات غالباً ما تتناول قضايا لم تقم الأحزاب القائمة بمعالجتها. وفي المجتمعات الغربية، غالباً ما تتناول هذه القضايا موضوع الهجرة أو الهوية الوطنية أو اندماج الإسلام. إن تزايد نمو الحركات الشعبوية، من شأنه أن يدل أيضاً على تزايد انعدام الثقة في الأحزاب القائمة وفي سياسييها وسياساتهم.
swissinfo.ch: كيف توصلت إلى استنتاجك بأن الشعبوية ليست ظاهرة سلبية؟
رالف شولر: عندما تقوى ظاهرة الشعبوية، يكون مرد ذلك إلى أن الناس يرفعون أصواتهم لحث السياسيين على إيجاد الحلول لبعض المشكلات. وهذه إشارة إيجابية؛ فبدلاً من الانزلاق إلى اللامبالاة أو عدم التصويت، يُعبّر الناس عن آرائهم بطريقة ديمقراطية. وفي معظم الحالات، تؤدي هذه الظاهرة إلى إقبال كثيف للناخبين على صناديق الاقتراع، لأن معارضيها يشحذون هممهم، هم أيضاً للإدلاء بآرائهم.
وتنشأ المشاكل عندما لا تتقبّل الأطراف الأخرى آراء الشعبويين كمنافسين شرعيين لآرائها. هذه الأطراف تسعى جاهدة من أجل استبعاد الشعبويين ومنع وصولهم إلى المنصات. لكن هذا التطويق لا يُؤتي ثماره في عصرنا الرقمي: فالشعبويون يستطيعون التحرك بسهولة عبر الإنترنت إلى صروحهم الخاصة، حيث يبنون حقائقهم الخاصة - وهي حقائق يُصبح التعامل معها أكثر صعوبة عندما تحتل المسرح السياسي "الحقيقي". وتكون النتيجة عندئذٍ، استقطابات واختلافات لا يُمكن التوفيق بينها.
ولد رالف شولر في برلين الشرقية عام 1965. وهو يشغل حالياً منصب رئيس القسم البرلماني لصحيفة "بيلد" Bild في ألمانيا. تم نشر كتابه "Lass uns Populisten sein: Zehn Thesen für eine neue Streitkultur " ("لنكن شعبويين: عشرة أبحاث عن ثقافة جديدة للنقاش") من قبل مطبعة "هردر Herder.End of insertion
swissinfo.ch: ما هي التغييرات التي تأمل حدوثها، عندما تقول "لنكن شعبويين"؟
رالف شولر: ببساطة شديدة، تعتبر الشعبوية مكوناً أساسياً لأي نظام سياسي ينبثق من وسط المجتمع، وليست مكوّناً هامشيّاً. إن السياسة، باعتبارها فن قيادة "بوليس" (المدينة، باليونانية) يجب أن تمثل هموم الناس وقضاياهم. ولا بد من العودة إلى الشعب في وضع السياسات.
وغالباً ما يبدو أن السياسيين يعتبرون المقترعين مصدراً للإزعاج. وينبغي أن يكون الأمر كذلك؛ فعلى السياسيين توسيع آفاق وعيهم، والاستماع أكثر، ومشاهدة ما يحدث أكثر، كما عليهم الاطلاع عل القضايا التي تثار على شبكة الإنترنت. إنهم بحاجة إلى أخذ المبادرة في معرفة متى تقود الهجرة نحو الانقسامات المجتمعية، ومتى ترتفع مبيعات الأسلحة البيضاء وغاز رذاذ الفلفل بشكل حاد، ومتى يُسيطر الخوف على الناس.
العولمة، التجارة الدولية، الاتحاد الأوروبي: السياسيون الجيّدون، هم الذين لا يُهملون مثل هذه القضايا ليلتقطها أولئك ممن يثيرون الضجيج ولا حيثية تُذكر لهم؛ هم الذين يضعونها في قلب المناقشات، حيث يُمكن وضع الطرق المناسبة لمعالجتها باستخدام مبادئ ديمقراطية وإنسانية واضحة.
swissinfo.ch: إن لم يكن التوصيف باستخدام "شعار" الشعبوية، فما هو التوصيف الأفضل لأوجه التشابه بين السياسيين مثل مارين لوبان (فرنسا) وماتيو سالفيني (إيطاليا) وغيرت فيلدرز (هولندا) من بين آخرين؟
رالف شولر: العديد من هؤلاء الشعبويين المزعومين هم في الواقع محافظون وطنيون. أما بالنسبة لفيلدرز، فهو يركز بشكل شبه كامل على قضية واحدة، هي الإسلام. لكن على الرغم من أن هذا المصطلح [المحافظ الوطني] أكثر دقة من الناحية السياسية، إلا أنني أستطيع أن أتفهّم استخدام "الشعبوية" في المناقشات السياسية. وكمصطلح ازدرائي، إقصائي، فهو يصب في صالح مُعارضي هذه الحركات.
وحتى المركز الفدرالي الألماني للتعليم السياسي يُصنّف الشعبوية على أنها "كلمة وصمة"، تستخدم في معرض الاستخفاف من الخصوم السياسيين. إن المصطلح مبهم وغير محدد، وهناك خطر ضمني في استخدامه في خانة الاستبعاد السياسي، والسياسة غير الجادة. ولكن ذلك لن ينجح.
swissinfo.ch: كيف ينبغي على وسائل الإعلام استخدام كلمة الشعبوية؟
رالف شولر: قبل كل شيء، يجب أن يكون اللجوء إلى استخدام هذه الكلمة أكثر اعتدالاً، وإذا اقتضى استخدامها، يجب أن يكون معناها واضحاً: التبسيط المفرط، الترويج لحلول سهلة قد لا يُكتب لها النجاح، أو إثارة الآمال الوهمية، أو التصميم على إبقاء المقترعين في حالة من الجهل.
إن خطر الديمقراطية يكمُن في حقيقة أن المقترعين غالباً ما يتم استقطابهم بمثل هذه الحلول السهلة، علماً أن فشل مثل هذه الحلول يؤدي بهم في النهاية إلى مزيد من الإحباط والتطرف. لكن على الرغم من أن معظم الحركات الشعبوية يُمكن تحليلها [بواسطة وسائل الإعلام] دون الوصول إلى المصطلح "القاتل" المتمثل في الشعبوية، إلا أنني أدرك أن هذا أمر صعب.
swissinfo.ch: هل ترى سويسرا كدولة شعبوية؟
رالف شولر: إذا اضطررتُ إلى ذلك، فسوف أسمي سويسرا دولة شعبوية بالمعنى الأسمى للكلمة. إن التقليد المتبّع في السماح للناس بالتصويت على القضايا الراهنة والحساسة هو الذي يضمن وجود صلة وثيقة بين السياسة والمواطنين.
أنا مُعجب بشدة بالنموذج السويسري، لكنني أعرف أنه ليس من السهل نقل مثل هذا التقليد إلى بلدان أخرى، لم تنبثق منه.
swissinfo.ch: هل بعض البلدان أو الثقافات أو اللغات أكثر عرضة للسياسة الشعبوية من غيرها؟
رالف شولر: لا، لا أرى أي صلة بين الشعبوية أو الأمم أو اللغات أو الثقافات. لكن الجدير بالملاحظة، من ناحية أخرى، هو أن الحركات الشعبوية تظهر دائماً في المناطق التي لا تُحلّ فيها القضايا الواضحة، التي تعني في معظم الدول الأوروبية الهجرة والاندماج والإسلام والترابط الاجتماعي.
وهناك عامل آخر وهو هذه الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية. وهذه الفجوة لا نشهدها في الولايات المتحدة فقط، ولكن أيضاً في بريطانيا وألمانيا وفرنسا. في هذه البلدان، افترضت النخبة الحضرية خطأً أن نظرتها للعالم وأسلوب حياتها، تمثل كل المناطق. لكن أشياء مثل الانفتاح على العولمة والحياة المستدامة والهجرة والتنوع بين الجنسين يتم النظر إليها بشكل مختلف تماماً في المدن عن الريف.
ومن السهل أن ننسى أن الأغلبية هي التي تقرر في النظام الديمقراطي، وليست الأخلاق أو السلوكيات.
swissinfo.ch: هل ترى صلة مباشرة بين الخطاب السياسي / السياسات الشعبية والديمقراطية المباشرة؟
رالف شولر: تمثل الديمقراطية المباشرة تحدياً إضافياً للسياسيين لجعل سياساتهم مفهومة حتى ولو كانت منمّقة أو مبالغا فيها. لكن الديمقراطية المباشرة ليست بالضرورة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالخطاب العدواني أو الهجمات على الرأي الآخر أو "بجعله طُعماً"، لتسويق الأفكار المضادة.
مرة أخرى، أعتقد أن الخطاب يُصبح أكثر راديكالية في تلك الأماكن التي يرفض فيها الوضع السياسي باستمرار التعامل مع القضايا المثيرة للجدل. إن الحركات الشعبوية تجتذب الفئات المهمّشة التي تكون عرضة للتأثر بالحجج التي تسوّقها (تلك الحركات).
swissinfo.ch: أشرتم إلى أن الرقمنة قد وسعت نطاق النقاش العام والتصويت، الأمر الذي ساهم في الانهيار الحالي للسياسة الأوروبية..
رالف شولر: نعم. قبل عشرين عاماً، كانت وسائل الإعلام هي التي تحتكر وحدها بث المعلومات، أما اليوم فقد استحوذت الجماهير على هذه الوسائل بطريقة مباشرة. اليوم، عندما يتعلق الأمر بمناقشة قضايا مجتمعية ما، لم تعد المسألة ما إذا كان سيتم مناقشتها أم لا، بل أين ستناقش. وعندما لا تتناول الإذاعة والتلفزيون والصحف مثل هذه القضايا، فإنها تنتقل عبر الإنترنت، حيث تتطور ديناميكياتها الخاصة، والتي تعود أحيانًا - بقوة أكبر - إلى المجتمع.
وأفضل مثال على ذلك هو النقاش الدائر حول ميثاق الأمم المتحدة للهجرة، ففي حين أنه لم يُطرح في وسائل الإعلام التقليدية أو البرلمانات، فقد تم طرحه على شبكة الإنترنت في صيف عام 2018، بشدّة لم نشهد لها مثيلا. وكانت النتيجة انعدام الثقة في نمط هذا الاتفاق الدولي وانسحاب العديد من الدول من الالتزام به.
swissinfo.ch: ما هي برأيكم التغيرات التي يمكن أن تطرأ في المستقبل؟
رالف شولر: إذا أردنا منع حدوث مزيد من الاستقطاب لهذه الآراء والحد من التطرف في المجتمع، ينبغي على السياسيين التعامل مع القضايا الملحّة بوتيرة أسرع وأكثر شفافية ومصداقية. على سبيل المثال، ينبغي وضع قيود فعالة على الهجرة إلى أوروبا وداخلها، من شأنها طمأنة السكان المضيفين، والإسهام في دمج المهاجرين في النمو العضوي للمجتمع.
لقد أظهرت الاحتجاجات ضد اتفاقية الشراكة الأطلسية للتجارة والاستثمار (TTIP) بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن آليات التجارة العالمية الحرة، بفوائدها المتبادلة بين الدول، بحاجة إلى إعادة نظر. وقد يحتاج الأمر أيضاً إلى إعادة نظر في مفهوم التعاون الأوروبي والدولي، ليأتي هذا التعاون أقل تركيزاً على إجماع الدول فيما بينها، وأكثر انفتاحاً في التعاطي مع مسألة الاختلافات والهويات الوطنية.
وبدلاً من أن تصب أوروبا اهتماماتها، على الحياة اليومية للناس، ينبغي عليها التركيز عل الأولويات في تنظيم القضايا المهمة، تلك التي تتجاوز قدرة الدول القومية منفردة. وبدلاً من إنتاج وثائق ختامية فارغة المحتوى، يجب أن تعتبر مجموعة الدول الصناعية السبع أو مجموعة العشرين أن الحوار وتبادل الآراء غاية في حد ذاتها. يجب أن يُصبح الخطاب السياسي مبسّطاً ومفهوماً، وتكون الجهات الفاعلة السياسية ذات مصداقية، تصغي آذانها دوماً للشعب.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>