Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/141

يستعد السويسريون للتصويت على عدد من الإستفتاءات الوطنية والمحلية في الثاني من شهر يونيو حزيران المقبل لكن سكان كانتوني جنيف وفو مدعوون للحسم في مشروع "ثوري" يطالب بتوحيد الكانتونين..
في عام سبعة وتسعين، نشر فيليب بيدو أحد الساسة البارزين في كانتون جنيف نصا طويلا في أهم صحيفتين ناطقتين بالألمانية والفرنسية في سويسرا دعا فيه إلى توحيد كانتوني جنيف وفو (عاصمته لوزان) المتجاورين.
أثار المقال حينها ضجة واسعة في الأوساط السياسية في غرب البلاد وفي المنطقتين المعنيتين به مباشرة. فالمبادرة غير مسبوقة في نظام كنفدرالي يتمسك فيه كل طرف (من البلدية إلى الكانتون) بجزء كبير من استقلاليته، كما أن الحياة السياسية "الهادئة جدا" في سويسرا لم تتعود على طرح مثل هذه المشاريع "الثورية".
وعلى الرغم من معارضة السلطات المحلية الواضح للمبادرة، إلا أن المشروع شق طريقه رويدا رويدا، فاتسع الإقتناع بالفكرة في أوساط الشباب ورجال الأعمال وأحزاب اليمين أساسا، مما سمح بجمع العدد الضروري من التوقيعات لفرض إجراء استفتاء شعبي حول المشروع في الثاني من الشهر المقبل.
في المقابل، تجنب المعارضون للمشروع المواجهة المباشرة أو الرفض القاطع وشددوا على التأكيد على أن الإندماج ليس إلا "جوابا سيئا عن أسئلة جيدة". ذلك أن حجج أصحاب المبادرة التي تشرح بالتفصيل الفوائد المتعددة المرتقبة مثل تخفيض نفقات التسيير والتصرف الإداري وتعزيز الجاذبية الإقتصادية والمالية والسياحية والإستثمارية للمنطقة، إضافة إلى تقليص معتبر للضرائب (المرتفعة حاليا) تبدو متماسكة ومقنعة.
فقد اتضح مثلا من خلال مقارنة بسيطة أن إجمالي تكاليف تسيير الإدارة المحلية في كانتون زيوريخ تقل بخمسة عشرة في المائة عن نظيرتها في كانتوني جنيف وفو مجتمعين على الرغم من أن عدد السكان لا يزيد عن مليون شخص في المنطقتين!
اليسار والخضر في المعارضة
ويرى المؤيدون للمشروع أن ما كشفت عنه الأزمة الإقتصادية التي عرفتها سويسرا في التسعينات من شدة تأثر جنيف وفو بالتقلبات الإقتصادية مقارنة بكانتونات شرق البلاد، يدفع للبحث في بداية القرن الجديد عن "جاذبية جديدة" لغرب سويسرا، من خلال توحيد الكانتونين، بعد أن استفادت العديد من قطاعاته بشكل جيد من أوضاع العالم في حقبة الحرب الباردة.
قد يستغرب البعض من أن "جبهة الرفض" التي تشكلت لمواجهة المشروع ضمت معظم تيارات اليسار إضافة إلى المدافعين عن البيئة الذين يرون أن مقترح الإندماج يمثل توجها خطيرا لأنه سينشئ كانتونا غير متوازن يعيش خمسة وسبعون في المائة من سكانه في المدن مقابل خمسة وعشرين في المائة فقط في الأرياف.
وفيما يلجأ المعارضون إلى العزف على وتر بعض المفاهيم التقليدية المترسخة في الوجدان السويسري مثل الانتماء العميق إلى الكانتون أو التمسك بالخصائص المحلية أو الخوف من تراجع الحضور الروماندي (أي المناطق المتحدثة بالفرنسية) على المستوى الفدرالي بسبب تراجع عدد الكانتونات، ينتظر الجميع نتائج التصويت بمزيج من التوجس والترقب.
ولا يعتقد أكثر الأشخاص تفاؤلا أن الناخبين في كانتوني جنيف وفو سيؤيدون المبادرة يوم الأحد المقبل في ظل التردد الذي كشفت عنه آخر استطلاعات الرأي لكنهم لا يستبعدون حدوث "مفاجأة ما" ويقولون إنهم سيعتبرون حصولها على ثلاثين في المائة من أصوات الناخبين نتيجة "إيجابية جدا" في ظل الظروف الحالية.
ليست أكثر من خطوة ..أولى!
وقد اتسمت المقترحات المعروضة على الناخبين بالتدرج والمنهجية، حيث يتضمن الإستفتاء خطوات محددة تبدأ بإنشاء مجلس تأسيسي يضم مائة نائب عن كل كانتون تتلخص مهمته في إعداد دستور مشترك في فترة لا تتجاوز ثمانية أعوام، ثم يتم التصويت عليه من طرف الناخبين قبل اعتماده نهائيا.
لكن وعلى الرغم من تذكير المتحمسين للإندماج بين الكانتونين في هذه الأيام بأنه لا مفر من أن نستقوي ببعضنا البعض "قبل فوات الأوان" وبأن "أوروبا-المناطق" التي تنسج شبكتها حذو جنيف وسويسرا عموما تفرض على الكونفدرالية أن تتغير جذريا لتتحول إلى ست أو سبع مناطق كبرى قابلة للتعايش مع الواقع الجديد، إلا أن البيئة السويسرية أثبتت أنها لا تتقبل بسهولة "الإنقلابات" التشريعية وخاصة تلك المرتبطة بمقومات "الهوية".
لذا فمن المنتظر أن يساهم التصويت، بغض النظر عن نتيجته النهائية، في توسيع مجال الحوار الدائر حول هذا الموضوع. وقد يكون الإستفتاء مجرد خطوة في مسار طويل ومتعرج يؤدي في مرحلة أولى إلى تعزيز التعاون الثنائي بين جنيف ولوزان وربما إلى إضفاء المزيد من الفعالية على عمل الهياكل المشتركة القائمة منذ فترة في مجالات النقل والصحة والتعليم الجامعي والسياحة والترويج الإقتصادي.
لا شك أنه ليس من السهل تغيير العادات والانتماءات المتوارثة في بلد شديد المحافظة مثل سويسرا، لكن المبادرات الجريئة لرجال السياسة تساهم حتما في تحريك المياه الراكدة وتفتح المجال واسعا أمام الأجيال الجديدة التي أصبحت تعيش، منذ عدة أعوام، في قلب شبكات اقتصادية وعلمية وثقافية تتخطى الحدود الضيقة للبلديات والمدن والكانتونات.
فالوحدة بين جنيف وفو، وهما دويلتان صغيرتان مقارنة بالدول الأخرى، لا زالت على غرار الوحدة العربية، حلما بعيد المنال على الرغم من عقلانية المقاربة السويسرية المعتمدة على أرقام دقيقية وإحصائيات تؤكد أن نشوء قطب عمراني واقتصادي وتكنولوجي موحد حول بحيرة الليمان التي تمتد من جنيف إلى لوزان سيمثل تحديا حقيقيا لزيوريخ القطب الأكبر في سويسرا.
سويس إنفو