Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00887.jsonl.gz/43

ليس تَرَؤُّس وكالة مُتخصصة تابعة للأمم المُتحدة بالمُهمة السهلة. وسواء كُنتَ مُختصاً في مجال البيئة (برنامج الأمم المتحدة للبيئة)، أو الأطفال (اليونيسف)، أو الصحة (منظمة الصحة العالمية)، فان ما تقومُ به في الواقع هو اقتراحُ ووَضْع سياسات في مجالات تَميل الحكومات الوطنية إلى اعتبارها مسؤوليتها الفَريدةهذا المحتوى تم نشره يوم 08 يوليو 2020 - 11:40 يوليو,
لكن إذا كان هناك منصب واحد في الأمم المتحدة قد يكون أكثر تحدياً وحساسية من غيره، فإنه منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. فهنا، يتمثل عملك بتسليط الضوء على الانتهاكات أينَما ومتى وقَعَت، وتشجيع الحكومات، سواء عن طريق العصا أو الجزرة - أو كليهما - على دَعْم المعايير الأساسية لحقوق الإنسان التي قامت بالتوقيع عليها.
وفي أحيان كثيرة، يعني ذلك التحقيق في العمليات الخَفية للدول وكَشف الستار عنها، وكذلك عن الانتهاكات التي قد ترتكبها أو تشجعها ضمنياً، أو تَغُض الطَرف عنها ببساطة.
للحصول على صورة أوضح لطبيعة هذه الوظيفة بالضبط، كان لي شرف مقابلة زيد رعد الحسين، الذي تقلد منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق لإنسان بين عامي 2014 و2018، والذي كان له باع طويل في المجال الدبلوماسي ومنظمة الأمم المتحدة قبل ذلك.
يوغوسلافيا السابقة
"زيد"، كما يُحِب أن يُعرَف، ينتمي إلى بيئة مُميزة. ورُغم كونه عضو في العائلة المالكة الأردنية الهاشمية، لكنه كما يبدو لم يَشعُر بالراحة أبداً لحمل لقب "الأمير". ومثلما أخبرني، جاءَت بداية مسيرتِه المِهنية مع الأمم المتحدة عن طريق الصدفة تقريباً، عندما رافق أخاه في رحلة إلى الولايات المتحدة. هناك، أنتهى به المطاف في نيويورك، حيث أخبرهُ صديق يعمل في الأمم المتحدة أن المنظمة الدولية بِصَدَد تعيين موظفين لمهمتها خلال فترة النزاع المُسلح في يوغوسلافيا السابقة.
في غضون أشهر قليلة، كان زيدٌ يعمل هناك كمسؤولٍ للشؤون السياسية في قوة الأمم المتحدة للحماية في يوغوسلافيا السابقة. وهو يقول عن هذه الفترة بأنها كانت "نقطة تحول" في حياته، عَزَّزَت التزامه بحقوق الإنسان.
"لقد تغلغَلَت هذه التجربة في أعماق جميع الذين كانوا حاضرين في يوغوسلافيا السابقة وأثَّرت فيهم بِشِدّة. لقد كانت التجربة الإنسانية الكاملة؛ كان كل شيء موجوداً فيها، من البطولة إلى الجُبُن، إلى أكثر أنواع الإجرام وحشية".
يعزو زيد قدراً كبيراً من "البطولة" للعاملين في مجال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة، الذين حاولوا، في ظروف بالغة الخطورة غالباً، تقديم المساعدة للمدنيين الذين يعانون في يوغوسلافيا السابقة. أما"الجُبْن" فلا يخُص به "الحكومات حول العالم فَحَسْب، ولكن أيضاً "المستويات الأعلى داخل أروقة الأمم المتحدة. لقد كنا جُبناء وقَلِقين أكثر من اللازم على ولايتنا نحن".
"أخرج وواجِههُم"
بعد قرابة 20 عاماً، في عام 2014، تم الاتصال بزيد، وعُرِضَ عليه منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. كان ردُّ فعله الأولي هو الرَفض، وقد يكون استَنَد في ذلك على خِبرته في يوغوسلافيا السابقة، ومعرفته بأن الأمم المتحدة قد تكون أحياناً غير فعالة على نحوٍ مُحبط.
مع ذلك خرج في جولة بمنتزه ‘سنترال بارك’ في نيويورك للتفكير في الأمر. "كان ذلك مُقَدَّراً على الأرجح"، كما يستذكر ضاحكا. "لو أنني اعتَذَرتُ حينها مُباشرة، لكان الأمر انتهى، لكنني عندما فَكرت في الأمر، لم أستَطِع الرَفض".
قبل توليه المَنْصب، أخذ زيد النصيحة من مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان المنتهية ولايتها نافي بيلاي، التي أشارت عليه بعدم تمييز أي بلد. "إنها نقطة بديهية تماماً، لكن عددَ الاشخاص الذين يمارسون ذلك داخل أروقة الأمم المتحدة مُذهل"، كما يقول.
علاوة على ذلك، قام باستشارة كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان ‘هيومن رايتس ووتش’، الذي لم يقل له سوى: "أخرج وَواجِههُم".
زيد من جانبه، قرر أن يفعل ذلك بالضبط؛ حيث تضمن بيانه الأول أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في سبتمبر 2014 هجوماً حاداً على تنظيم الدولة الإسلامية، حَذَّر فيه من أن أي أراضٍ خاضعة لسيطرته ستكون " بيت دم قاس ومُتعسف".
في نفس السياق، وَجَّه بن رعد انتباهه أيضاً إلى القادة الشعبويين اليمينيين في أوروبا، حيث وَصَف كل من رئيس حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج والنائب الهولندي اليميني المُتطرف خيرت فيلدرز بـ "الديماغوجيين". وعندما رَشَّح دونالد ترامب نفسه لمنصب الرئاسة الأمريكية، وصفه زيد بـ "المتعصب"، وأشار إلى أن انتخابه سوف يشكل خطراً عليه.
"على الأمم المتحدة أن لا تركع"
من الواضح أن مثل هذه الاستراتيجية غير مُصَمَّمة لِكَسب الأصدقاء في الحكومات، لكن زيد رعد الحسين لا يَعتَذِر عن مواقفه كمفوض أُمَمي. وهو يعتقد أن محاولة كَسْب المنظمة للحكومات، مهما كانت أفعالهم، هو خطأ ترتكبه الأمم المتحدة في أحيان كثيرة جداً.
"المشكلة لدينا هي أن الكثير من أعضاء الأمم المتحدة يحاولون فقط إسترضاء الحكومات، ويُقَدّمون تنازلات كبيرة ويعتقدون أن وظيفتة المُنظمة هي المُداراة فقط". ويضيف: "يجب أن يُنظَر إلى الأمم المُتحدة باعتبارها كيان مُستَقِل عن أي تأثير حكومي، ويجب عليها أن تُمارس هذه الاستقلالية بطريقة تُحْتَرَم، وأن لا تَركع في كل مَرّة يتقدم فيها مُمَثلٌ حكومي إلى الأمم المتحدة، وتَفسَح له المجال بعد ذلك، خَشية فقدان التمويل، أو خوفاً من فقدان منصب ما".
وبدلاً من قلق المنظمة من ردود أفعال قادة الحكومات على أقوال وأفعال مسؤولي الأمم المتحدة، يعتقد زيد أن الحكومات هي التي يجب أن تنظر إلى الأمم المتحدة باحترام مَشوب بالحَذَر.
"بدلاً من قلقك بشأن كيفية تجاوبهم مع تصريحاتك، يتعين عليهم هُم أن يقلقوا بشأن ما قد تقوله عنهم. الأمر يتعلق بالتَحَدُّث بِثِقة ووضوح على أساس المَعرفة والخِبرة. ومع خبرة 75 عاماً في هذه المجالات، فإن للأمم المتحدة قدراً هائلاً من المعرفة التي يمكن تسخيرها، وهو أمرٌ يجب أن يؤخذ في الحسبان".
عمل دؤوب خلف الكواليس
في الوقت الذي قد نتذكر فيه زيداً على الأكثر بسبب تعليقاته الصريحة حول دونالد ترامب، إلّا أنّ عمله مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال فترة ولايته البالغة أربع سنوات، كان يتسم بالكثير من المُثابرة، والجهود الهادئة المبذولة غالباً خلف الكواليس، للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم.
كانت هناك تقارير مُفصلة عن سوريا، وتحقيقات بشأن الصراع في أوكرانيا، وحول اضطهاد مُسلمي الروهينجا في ميانمار، وأكثر من ذلك بكثير. وشمل الكثير من أعمال زيد الدبلوماسية التقليدية الهادئة، والتَواصل مع الحكومات وتَبادُل المخاوف المتَعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان.
"كنت أقضي مُعظم وقتي في الكتابة للحكومات، والاتصال بهم والتحدّث إليهم، لكنني لم أترَدَّد أبداً في الخروج للعَلن عندما كنت أشعر بالحاجة إلى ذلك. كنت أترك لهم المجال دائماً لإدراك أن بإمكاني الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، وبأني سوف أفعل ذلك حقاً. لذا فإنهم لو تجاهلوني، فلن يكون ذلك لصالحهم على الأرجح"، كما قال.
عندما شَنَّ جيش ميانمار في عام 2017 حملة قمعٍ وحشية على مسلمي الروهينجا أدَّت إلى فرار مليون شخص منهم، أتذكر ذهابي إلى مكتب زيد لإجراء مقابلة معه. وحينها، كان قد أنهى للتو مكالمة هاتفية مع أونغ سان سو تشي، وبدا متفائلاً من أن زعيمة ميانمار المُنتَخَبة، والحائزة على جائزة نوبل للسلام، سوف تعمل على وقَف أعمال العنف.
عندما لَمْ يحدُث ذلك، وعلى اثر نَشر مُحققي الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريراً يُفصّل كافة الفظائع المُرتَكَبة في ولاية راخين في ميانمار، لم يتَرَدَّد زيد في تصريحه التالي أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأن شَبَّهَ العنف الذي واجهه مسلمو الروهنغيا في أراكان، بـ "التطهير العرقي". وفي مقابلتي الأخيرة معه قبل مغادرته مَنصبه، قال لي بن رعد بأنه كان ينبغي على أونغ سان سو تشي أن تستقيل بدلاً من ترؤس مثل هذه الفظائع.
ورغم أن كلماته لم تُقربه من قادة ميانمار، لكنه وفريقه من المُحققين نجحوا في تركيز اهتمام العالم على الفظائع التي كانت تقع في راخين. ومن المؤمَل أن يزيد ذلك من صعوبة ارتكاب أعمال عُنف على هذا النطاق مرة أخرى.
و اليوم؟
اليوم يعمل زيدٌ كأستاذ للقانون وحقوق الإنسان في جامعة بنسلفانيا، كما انه عضو جديد في منظمة الشيوخ (Elders) التي أسسها رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا، والمكونة من شخصيات عامة مُستقلة من القادة العالميين الذين يعملون من أجل السلام والعدالة وحقوق الإنسان.
لكن المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لا يزال مُراقباً مُتحمساً للمنظمة الدولية، وهو لا يتردد في طرح أفكاره حول الاتجاه الذي يتعين عليها أن تسلكه في عامها الخامس والسبعين. وبرأيه، فإن مفتاح ذلك هو إقناع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالتخلي عن حق النقض (الفيتو) عندما تُرتَكَب الفضائع.
"من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام إمكانية العمل الجماعي ... وسوف يُمكننا أن نرى مجلس الأمن يعمل بالطريقة التي ينبغي أن يعمل بها".
وكما يشير: "هناك الكثير من الاشخاص اللامعين في الأمم المتحدة. لو أننا استطعنا فقط العَمَل في المجالات التي نجيدها حقاً، ومع الأشخاص المُتميزين لدينا، وإلهام القيادة بأن نكون أقل بيروقراطية، فإن بإمكان هذه المنظمة أن تشهد نهضة فعلية وتأسر مخيلة الناس".
"تحدثوا عن المبدأ، حاولوا ألا تخافوا ... إذا بدأَت الدول الأعضاء والحكومات بالتفكير بأهمية أخذهم للعاملين في الأمم المتحدة على مَحْمَل الجَد، على أساس المبدأ والقانون الدولي ... فإن هذا هو المكان الذي يجب أن نكون فيه."
ويختتم زيد بن رعد الحسين حديثة بالقول: "العالم بحاجة ماسة إلى وجود الأمم المتحدة. لكنه يحتاج إلى أمم متحدة ذات قيادة رصينة تحظى باحترام كبير ولا يُستهان بها".
إيموجين فولكس
بدأت إيموجين فولكس أصيلة اسكتلندا حياتها المهنية مع التلفزيون الاسكتلندي، قبل انتقالها إلى إذاعة سويسرا العالمية، التي سبقت الخدمة الدولية الراهنة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية على شبكة الإنترنت "سويس إنفو" swissinfo.ch. . ومنذ عام 2004، شغلت فولكس منصب مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’ في مدينة جنيف وعموم سويسرا. وقد قادتها المهام التي كُلِّفت بها من مُرافقة بعثة طبية للجنة الدولية للصليب الأحمر في كولومبيا، إلى الترويج لحقوق الإنسان في تونس، وحتى دَعم الأمم المتحدة للاجئين المُسنّين في صربيا. كما تنقلت من قلب نفق غوتهارد الجديد في يوم تدشينه، صعوداً إلى قمم الأنهار الجليدية البادئة بالإنكماش في سويسراEnd of insertion
يمكنك الاشتراك في المزيد من حلقات بودكاست "من داخل جنيف" هنا. كما يمكنك متابعة إيموجين فولكس على موقع تويتر على imogenfoulkes @ وأن تبعث إليها بالاسئلة والمقترحات المتعلقة بالمواضيع الدائرة في جنيف.