Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00929.jsonl.gz/29

أدت مراقبة المنشورات الرقمية عقب الهجمات الارهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى احداث نقلة في التعامل مع السردية السائدة حول الأنترنت، فبعد أن كانت الشبكة العنكبوتية فرصة لتعزيز الأمل في الحرية، تنامت المخاوف بشأن حماية الخصوصية. فيما يلي، يشرح عدد من الخبراء المقيمين في جنيف كيف وصلنا إلى هذا الواقع، وكيف تتعاطى الأمم المتحدة والسلطات المعنية بالمسائل التنظيمية مع هذه المخاوف.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، أقر الكونغرس الأمريكي قانون باتريوت لمكافحة الإرهاب، وهو قانون يمنح للهيئات والأجهزة الأمنية المخولة إنفاذ القانون، سلطات واسعة تسمح لها باتخاذ إجراءات بخصوص مراقبة مواطني الولايات المتحدة، وقد أقرّه الرئيس جورج دبليو بوش آنذاك ليُصبح قانوناً نافذاً بعد بضعة أسابيع من توقيعه.
تزامن إقرار قانون "باتريوت آكت" مع الأيام الأولى لإطلاق الإنترنت التجاري. في ذلك الوقت، كان هناك أقل من تسعة في المئة من سكان العالم ممن يتمتعون بإمكانية الاستفادة من الشبكة العنكبوتية العالمية، أما اليوم، فقد قفزت هذه النسبة لتصل إلى ما يقرب من الثلثين.
وفي عام 2001، كانت حوكمة الإنترنت - أي المعايير الفنية التي تقوم عليها آليات الإنترنت، والسياسات التي تضبط كيفية استخدامها - لا تزال مفهوماً غائماً. ولكن هذه الحوكمة توضّحت معالمها بشكل كبير في أعقاب تلك الهجمات.
مهد لحوكمة الإنترنت
أصبحت جنيف، المدينة الواقعة في غرب سويسرا من أوائل المراكز في حوكمة الإنترنت عندما استضافت المرحلة الأولى من القمة العالمية لتكنولوجيا المعلومات في عام 2003. وعُقد المؤتمر بالإشتراك بين الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات، وكان هذا هو أول اجتماع دولي يبحث في حوكمة الإنترنت.
وفي عام 2005، أُسس منتدى إدارة الإنترنت واستقرت امانته العامة في جنيف بعد المرحلة الثانية من القمة العالمية لتكنولوجيا المعلومات التي التأمت في نوفمبر 2005 في تونس. ورغم أن هذا المنتدى السنوي مخوّل بإجراء مناقشات ومباحثات سنوية بين الجهات المعنية المتعدّدة حول حوكمة الإنترنت إلا أنه لا يتخذ أية قرارات بشأن المعايير أو السياسات التي يجب تبنّيها.
"لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدافع المباشر لإنشاء المنتدى، لأن أحداث 11 سبتمبر لم تُناقش حينذاك"، كما يقول جوفان كورباليا، رئيس "منصة جنيف للإنترنت"، وهي مبادرة قامت بإطلاقها الحكومة السويسرية وتهدف إلى تسهيل مناقشات السياسات الرقمية.
شارك كورباليا منذ البداية كعضو في فريق عمل الأمم المتحدة المعني بحوكمة الإنترنت. وبين عامي 2004 و2005، تم تكليف هذا الفريق الأممي بوضع تعريف لإدارة الإنترنت وتمهيد الطريق للمفاوضات المزمع إجراؤها في القمة العالمية الثانية لتكنولوجيا المعلومات.
ويضيف هذا الخبير قائلاً: "كانت الأدبيات حول الشبكة في التسعينيات، والوضع السائد بعد نهاية الحرب الباردة، السقف العام لهذه المبادرات؛ حيث شكّل سرد الاحتمالات والفرص الجديدة للديمقراطية والاقتصاد والرقمنة أدوات لذلك".
ويوافق ميكائيل كِينْدي، الذي كان يعيش في واشنطن عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، على ما ذهب إليه كورباليا، ويوضح بأنه "لم تكن هناك فكرة عن وجود أي جانب سلبي للإنترنت". ويضيف قائلاً: "لم يكن هناك نقاش على نطاق واسع يطرح الآراء والأفكار حول مفاهيم الخصوصية والمراقبة، لأنه وبكل بساطة، كانت شركات الإنترنت شركات صغيرة جداً في ذلك الوقت". وكِينْدي هو محاضر زائر في حوكمة الإنترنت يعمل في معهد الدراسات العليا في جنيف.
مشاكل الخصوصية
كان لتكثيف المراقبة عبر الإنترنت لمنع الهجمات الإرهابية المستقبلية تداعياته التدريجية على استخدام الإنترنت. ويقول كورباليا إن المراقبة " أخذت تطال بسهولة مجالات مثل الاقتصاد وأجزاء من المجتمعات".
وفي عام 2013، قام إدوارد سنودن المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية، بتسريبرابط خارجي وثائق تكشف مدى تغلغل برامج المراقبة الجماعية في الولايات المتحدة. وقد أظهرت الوثائق التي قام سنودن بتسريبها إلى الصحفيين على مر السنين، أن وكالة الأمن القومي قد قامت، جنباً إلى جنب مع الوكالات الاستخبارية البريطانية والأسترالية والكندية، بالتجسس على ملايين المواطنين في جميع أنحاء العالم، كما أنها قامت بالتجسّس أيضاَ على زعماء أجانب.
ويشرح كينْدي قائلاً: "بدأ التشكيك فعلياً في إمكانية الثقة بشركات الإنترنت هناك، لأن الناس بدأوا يُدركون ماهية المعلومات التي يتم الوصول إليها، وماهية المعلومات التي كانت [شركات الإنترنت] تقدّمها للمعنيين". ويقول إن ما كشفه سنودن كان له "تأثير كبير" على شركات الإنترنترابط خارجي، والتي عززت بعد ذلك من آليات التشفير وبدأت في نقل البيانات إلى أوروبا.
يرى كورباليا أن المحادثات بشأن حوكمة الإنترنت قد تأثرت بدورها، حيث أصبحت خصوصية البيانات والأمن السيبراني من القضايا الحاسمة التي يتوجّب معالجتها. ويقول إن هذه اللحظة كانت بمثابة "جرس إنذار" للهيئات التنظيمية.
وفي عام 2016، اعتمد الاتحاد الأوروبي "اللائحة العامة لحماية البيانات الخصوصية" (GDPR). وسمحت هذه اللائحة للأفراد بالمزيد من القدرة على المحافظة على بياناتهم الشخصية على شبكات الإنترنت، وأثبتت فعاليتها ليتبعها بعد ذلك إقرار المزيد من القوانين المماثلة في حماية الخصوصية في دول خارج أوروبا. وفي الفترة الأخيرة، قامت الصين باعتماد قانون جديد لحماية البيانات يوازي "اللائحة العامة لحماية البيانات" الأوروبية.
وبحسب كورباليا فإن التركيز المتزايد على حماية خصوصية البيانات كان له تأثيره أيضاً على مناقشات حقوق الإنسان الدائرة في جنيف. ففي عام 2015، أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ولاية جديدة للمقرر الخاص بشأن الحق في حماية الخصوصية. ومنذ ذلك الحين، يقوم مجلس حقوق الإنسان بانتظام، باعتماد قرارات بشأن الخصوصية في العصر الرقمي على شكل توصيات للدول والشركات، ولكنها تبقى توصيات غير مُلزمة قانونياً.
الحوكمة المستقبلية
لأكثر من 75 عاماً، تناول عمل الأمم المتحدة قضايا تتعلق بثلاث ركائز: حقوق الإنسان، والسلام والأمن، والتنمية. ويقول كينْدي إن هذه الركائز توفر اليوم إطاراً لقضايا حوكمة الإنترنت التي تشمل الحقوق الرقمية، والأمن الرقمي، والرقمنة من أجل التنمية. ويضيف قائلاً: "أعتقد أن كل هذه المسائل ستكون لها أهميتها".
من جهته، يعتبر كورباليا أن ما تم العمل عليه هو بمثابة "تطور رئيسي" أيضاً لوكالات الأمم المتحدة المتخصّصة والمنظمات الحكومية الدولية الأخرى في جنيف. "لديك اليوم هذا الترشيد لمجالات القضايا التقليدية سابقاً مثل الصحة أو الشؤون الإنسانية أو التجارة بعد أن أصبحت رقمية". ومع استمرار الرقمنة، سنصل إلى نقطة "تُصبح فيها حوكمة الإنترنت مجرد إدارة لها لا أكثر"، على حد قوله.
ونتيجة لتأثير اللوائح المتعلقة بالتكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات، على أعمال شركات الإنترنت خارج الحدود الأوروبية تقوم شركات التكنولوجيا الكبيرة بتكثيفرابط خارجي جهودها في الضغط على بروكسل التي تستضيف المؤسسات التشريعية للاتحاد الأوروبي.
لذلك أصبحت بروكسل مركزًا "للسياسات الرقمية الصارمة"، بينما ستبقى جنيف، باعتبارها على الصعيد العالمي، موطناً للعديد من المنظمات الحكومية الدولية، محور "السياسة الرقمية الليّنة"، حيث يتم التفاوض على المعايير العالمية والقوانين الدولية على مستويات متعددة الأطراف، كما يقول كورباليا.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة