Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/216

تحولت المدن السويسرية الكبرى مثل زيورخ وجنيف وبازل وبرن ولوزان وسانت غالن إلى معاقل لليسار لا يُمكن اقتلاعه منها. على العكس، تُدار معظم المدن الداخلية الصغيرة من طرف اليمين، على الرغم من أن اليسار يُسجّل في البعض منها المزيد من الحضور. قراءة في الظاهرة ومحاولة للفهم.
يوم الأحد 4 مارس 2018، اضطرت الأحزاب اليمينية لأن تدفن حلمها بحصول تحوّل سياسي في مدينة زيورخ. بل إن المعسكر الوردي - الأخضر (وهو مصطلح غالباً ما يُستخدم لوصف التحالف المُشكل من الحزب الإشتراكي وحزب الخضر) نجح في تعزيز مواقعه بمناسبة إجراء الإنتخابات البلدية.
ذلك أن اليسار لم يكتف بالفوز بستة من المقاعد التسعة في الهيئة التنفيذية لبلدية أكبر مدينة في البلاد فحسب، بل تمكن أيضا من اقتلاع الأغلبية المطلقة في المجلس البلدي (المعني بالتشريع على مستوى المدينة).
بكل وضوح، أخفق التحالف الإنتخابي الذي شكلته الأحزاب اليمينية، والذي كان يُريد وضع حد للهيمنة الوردية – الخضراء على السلطة التنفيذية على المستوى البلدي. وبعد 28 عاما من الحكم المتواصل، يُمكن لليسار أن يحتفل بالفوز مرة أخرى.
الحزب الإشتراكي في موقف قوة
لا مفر من التذكير بأن هيمنة الأفكار التقدمية والمدافعة عن البيئة في المدن السويسرية الكبرى ليست ظاهرة جديدة. فمنذ التسعينات، فرض الحزب الإشتراكي نفسه باعتباره القوة السياسية الأولى في المراكز الحضرية الرئيسية. وخلال السنوات الأخيرة، لُوحظ أيضا تحول تدريجي نحو اليسار في المدن ذات الحجم المتوسط مثل آراو أو أولتن أو بادن أو بورغدورف.
في السياق، يُورد الخبراء السياسيون العديد من العوامل التي تُفسّر التقدم المحرز من طرف المعسكر الوردي – الأخضر ومنها تشييد المساكن في الإطار التعاوني، وتوسيع شبكة وسائل النقل العام وأيضا تطوير ممرات آمنة لفائدة مستخدمي الدراجات الهوائية. وبشكل عام، تحظى هذه الأصناف من المشاريع، التي تتمتع عادة بشعبية كبيرة في المناطق الحضرية، بالدعم من طرف اليسار والمدافعين عن البيئة، فيما ينزع اليمين إلى إبطائها أو حتى إعاقتها أحيانا.
في هذا الصدد، أوضح مايكل هيرمان، أستاذ العلوم السياسية في تصريحات أدلى بها مؤخرا للإذاعة العمومية الناطقة بالألمانية SRF أن "المكانة الإجتماعية أو مستوى الدخل ليس هو الذي يحدد التوجّه السياسي للأشخاص الذين يعيشون في المدينة، وإنما هي هويتهم الحضرية. فهم يعتبرون أنفسهم سكانًا حضريين في المقام الأول، وحتى إذا كانت مداخيلهم جيّدة، فإنهم يُطالبون بتوافر عرض عمومي يتسم بالجودة".
سكان المدن مستعدون لدفع ضرائب من أجل الحصول على عرض عمومي يتّسم بالجودة
ميكائيل هيرمان، خبير سياسي
هيرمان شدد أيضا على أنهم "مستعدون لدفع ضرائب من أجل الحصول على ذلك". وبالفعل، فإن هذا النموذج هو الذي يُدافع عنه المعسكر الوردي – الأخضر تحديدا، ويبدو أن هذا هو السبب الذي يضع الأحزاب اليمينية بشكل عام في مأزق في المدن السويسرية.
هل تحول النزوع المتزايد نحو اليمين إلى عائق في المدن؟
بعد النكسة الإنتخابية التي مُني بها في زيورخ، قرر الحزب الليبرالي الراديكالي القيام بوقفة تأمل في محاولة لفهم أفضل لاستنكاف المواطنين عن التصويت لفائدته. وتبعا لذلك، أطلق الأسبوع الماضي مشروع "الحزب الليبرالي الراديكالي للمناطق الحضرية"، بمشاركة ثمانية فروع بلدية لثالث أكبر حزب في البلاد.
العديد من ممثلي الحزب أعلنوا أن الأمر يتعلق بالبحث عن إجابات ليبرالية للقضايا الإجتماعية والإقتصادية التي تُواجه سكان المراكز الحضرية. وبأسلوب يتسم بقدر من النقد الذاتي، صرح ممثلو الحزب الليبرالي الراديكالي إنهم اكتفوا لفترة طويلة جدا بمحاربة السياسة التي ينتهجها اليسار في المدن.
مع ذلك، لا مفر من التنويه إلى أن القضايا السياسية التي تتم مناقشتها على المستوى الوطني لها أيضًا تأثير على السلوك الإنتخابي لسكان المدن الكبيرة. وبالتالي، فإن تحول مواقف الحزب الليبرالي الراديكالي باتجاه مواقف يمينية أكثر تشددا تحت قبة البرلمان يُمثل تحديا كبيرا بوجه أعضاء هذا الحزب الناشطين في المناطق الحضرية. وفي هذا الصدد، يذهب ميكائيل هيرمان إلى أنه "سيكون من الصعب جدا سدّ هذه الفجوة. كما أنه سيكون من العسير جداً بالنسبة للحزب الليبرالي الراديكالي استعادة حجمه (السياسي) السابق في المدن".
في الواقع، تشهد المدن أكبر معدلات نمو السكان، وهو ما يعني أيضا أنها هي المواقع التي يُمكن الحصول فيها على أكبر المكاسب من الأصوات الإضافية. لذا فإن "الهجوم الحضري" الذي قرر الحزب الليبرالي الراديكالي القيام به يُمثل استراتيجية معقولة، إلا أن نجاحها غير مضمون بأي حال من الأحوال.
(نقله إلى العربية وعالجه: كمال الضيف)