Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00918.jsonl.gz/20

تنتشر التماثيل التي تُمَجّد الجنرالات والفلاسفة الراحلين في الساحات العامة لجميع مدن العالم. ولكن ماذا عن الأبطال المُعاصرين الذين مازالوا بيننا؟ الإجابة قد تكون في مدينة جنيف التي سلطت الضوء على الدور الذي يلعبه الفن في الأماكن العامة، من خلال نُصُب خلَّدَت المُخبرين الثلاثة سنودن، وأسانج، ومانينغ، وزعيم جنوب إفريقيا الراحل نيلسون مانديلا، وضحايا الإبادة الجماعية للأرمن.
"هناك العديد من الأشخاص الذين يَصِفون هؤلاء بالخونة، ولكني أريد أن أحتفي بأولئك الأبطال وهم على قيد الحياة... إن عملي هو نصب تذكاري للمستقبل"، كما صرَّح مؤخرا الفنان الإيطالي دافيدي دورمينو خارج مقر الأمم المتحدة في جنيف.
وخَلْف دورمينو، انتصبت ثلاثة تماثيل بالحجم الطبيعي، للمُخبِرين إدوارد سنودن، وجوليان أسانج وتشيلسي (برادلي) مانينغ، وهم يقفون على كراسي وبجانبهم كرسي رابع فارغ. وكان الفنان الإيطالي قد عَرَضَ هذه التماثيل لمدة أسبوع في ساحة الأمم أمام قصر الأمم المتحدة في جنيف، كجزءٍ من جولة أوروبية عرض فيها عمله في برلين وباريس أيضاً.
وقد أعربت إحدى المنظمات المحلية التي ساعدت دورمينو على تنظيم محطة التوقف في جنيف، عن رغبتها في أن تصبح هذه التماثيل عنصراً ثابتاً في عاصمة سويسرا الدولية. ولكن حصولها على موافقة المسؤولين المحليين، مثل فرانسوا لونشون، رئيس المجلس الحكومي لكانتون جنيف، والمسؤول عن مسائل الفن العام، لن يكون سهلاً على الأرجح.
"تتّبع جنيف تقليداً يقضي بعدم تكريم أيّ شخص وهو على قيد الحياة"، كما أخبر لونشون swissinfo.ch. وأردف بالقول: "نحن لا نُسَمي الشوارع بأسماء أشخاص أبداً إلا بعد وفاتهم لفترة لا تقل عن عشرة أعوام، كما لا نُقيم النُصُب إلّا للأشخاص الإستثنائيين".
وفي يوم 17 سبتمبر 2015، وخلال نفس الأسبوع الذي أُزيح فيه السّتار عن نصب "هل لديك ما تقوله؟رابط خارجي" الذي يجسد المُخبرين الثلاثة، تم الإحتفال ببطل قومي آخر وافته المنية في حديقة ‘ريغو’ Rigot القريبة. وكان نحو 100 شخص قد شاركوا في تدشين نصب تذكاري الزعيم الإفريقي الراحل لنيلسون مانديلّا يحمل عنوان "الكره يضر صاحبه فقط"، والذي أنجزه ليونارد دو مورالت، الطالب في المدرسة العليا للفنون والتصميم بجنيف (HEAD).
"تمتد القاعدة الحجرية للنصب على 4 أمتار مربعة، وهي المساحة التي سُجِنَ فيها مانديلا طوال 27 عاماً"، كما يوضح دو مورالت، مُشيرا إلى أن الصخور البيضاء المُستخدمة في القاعدة، هي من نفس المادة المُستخدمة في أرضية السجن. أما السواري المعدنية الإثنى عشر، فترمز إلى سواري أعلام الدّول وقُضبان الزنزانة.
"إنها ترمز إلى الهروب والتحول الروحي"، كما يقول دو مورالت، الذي حَثَّ المسؤولين على التزام اليقظة و"انتقاد ما يحصل اليوم من تمييز عنصري".
"هل باستطاعة الفن تحقيق ذلك حقاّ؟" طُرح هذا السؤال بسخرية في افتتاحية ليومية "لوماتان" (الصادرة بالفرنسية في لوزان). وتساءلت الصحيفة أيضا إن لم يكن تمثال بالحجم الطبيعي لنيلسون مانديلا سيكون "أكثر وضوحا وجاذبية للسياح"، كما هو الحال مع التمثال البرونزي القريب الذي نُصِبَ للمهاتما غاندي.
من جهته، كان دو مورالت يتوقع الانتقادات: "قد لا يُحَبِّذ البعض مفهوم التجريدية أو التقليلية (التبسيط، أو الحد الأدنى) ويرغبون برؤية عمل فني على شكل رأس أو رمز - وهذا طبيعي. إن الفكرة الكامنة وراء الفن هي خلق نقاش مع المجتمع. ولكن هناك مخاطر أيضاً، كما رأينا مع نصب النحات أنيش كابور في فرساي".
وحول ذلك، كان قد أُعلِنَ في موفى شهر سبتمبر المنقضي، عن طلاء نصب الفنان اليهودي البريطاني- الهندي الأصل أنيش كابور المُسمى "الركن القذر" في حديقة قصر فرساي بأوراق الذهب، لإخفاء الشعارات المعادية للسامية التي كُتبت على العمل منذ تثبيته في شهر يونيو المنصرم، والتي أثارت ضجة في فرنسا. وهذا النصب عبارة عن أنبوبة برونزية اللون مصنوعة من الصُلب، تبدأ بفتحة على ارتفاع تسعة أمتار تأخذ شكل القدح، ثم تقل مساحتها تدريجيياً بينما تظْلَم، حتى تنتهي إلى نفق مسدود. وكانت وسائل الإعلام قد لقبت هذا العمل المُثير للجدل [الذي يشير إلى ملكة تستعيد إقليمها]، بـ "مهبل الملكة".
وعلى الرغم من أن تعَرُّض عمل الفنان السويسري إلى نفس المصير هو أمر مَستبعد، لكن خبراء الفن يرون أن هناك مخاطر تترافق مع وضع أيّ عمل فني في الأماكن العامة.
وكما أوضح جان- بيير غريف، مدير المدرسة العليا للفنون والتصميم بجنيف "الفن هو نمط من العمل مليء بالقوانين، والقيود، والخلفية الأيديولوجية. وهذا يخلق صعوبات للفنانين، الذين لا يتحملون مسؤولية تنفيذ المشروع فحسب، ولكن الإشراف على مسائل أخرى كالمتانة والسلامة العامة أيضاً".
ولكن غريف لم يُخفِ بَحْث الفنانين عن مثل هذا التحدي أيضاً، ولاسيّما في مكان شديد التسييس مثل مدينة جنيف.
ووفقاً لكلود لونشون، كان العديد من الفنانين يبحثون عن الإستفادة من "علامة جنيف التجارية"، في إشارة إلى حالة النحات فينسنت كيسّيلرينغ من زيورخ، الذي حاول تثبيت نصب يزن سبعة أطنان بعنوان ‘بيزو’ (قبلة) بشكل دائم على ضفاف بحيرة ليمان. وبعد نزاع قانوني استغرق ثلاثة أعوام، أحيلت القضية إلى السكان للبَت فيها. وكانت النتيجة رفض المشروع بنسبة 65% في الإنتخابات المحلية التي أقيمت في شهر يونيو من عام 1998.
على الجانب الآخر، كانت الشهرة والمكانة الأسطورية من نصيب عمل فني كان يُخَطَّط لعرضه بصورة مؤقتة فقط، ألا وهو "الكرسي المكسور". هذا النحت الخشبي الذي نفذه الفنان السويسري دانيل بيرسي، والذي يزيد وزنه عن 5 أطنان، يرتفع إلى 12 مترا. وقد تحوّل هذا النّصب الذي يقبع في ساحة الأمم المتحدة، والذي يرمز إلى ما تسببه حقول الألغام من بتر لأطراف الضحايا في مناطق الحروب، إلى معلم دائم يقصده العديد من السواح في هذه الساحة، حتى أن بالإمكان رؤيته على نسخة مدينة جنيف من لعبة المونوبولي.
بيد أنَّ هذا الكرسي لم يحظ دائما بمثل هذه الشعبية، كما يوضح جان باتيست ريشارديي، أحد مؤسسي المنظمة الدولية للمُعاقين، التي نَصَبَت هذا الكرسي بشكل مؤقت في أغسطس 1997. وفي البداية، كانت الفكرة تقضي ببقاء الكرسي في هذا الموقع لمدة ثلاثة أشهر، إلى حين التوقيع على اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد (المعروفة أيضاً باتفاقية أوتاوا) في ديسمبر من نفس العام. ولكن فشل العديد من الدول في التوقيع على المعاهدة، وما حظي به هذا النصب من دعم شعبي، أدى إلى ترك الكرسي في محله حتى عام 2005، عندما تم رفعه للسماح بإجراء تغييرات واسعة في ساحة الأمم.
ولكن عملية إعادة الكرسي المكسور تعرضت للتأخير، كما أُثير الكثير من اللغط بشأنه. إذ كان هذا النصب قد تحوّل إلى رمز "مثيرً للقلق" للأمم المتحدة، والدول التي لم تصادق على اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد. وكما أوضح ريشارديي:"كان هناك أيضاً سوء فهم يتعلق بتمثيل الكرسي بعض الشيء للحالة غير المتوازنة للأمم المتحدة".
وبعد معركة دارت رحاها خلف الكواليس، نجح المسؤولون في جنيف، والأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، في التأثير على النقاد. وبالنتيجة، أعيد تثبيت الكرسي المكسور في مكانه السابق في فبراير 2007.
وكان ظهورُ جيل جديد من الفنّانين يعني ملحمة تذكارية جديدة في جنيف. وهذه المرّة، يتعلق الأمر بنصب "ذاكرة مصابيح الشوارع"، للفنان الفرنسي المولد والأرمني الأصل مالك أوهانيان. ويتكون هذا النصب من ثمانية مصابيح لإنارة الشوارع، يُخَطَّط لتثبيتها على شكل قوس في الحدائق الواقعة بين مبنى الصليب الأحمر الدولي ومبنى قصر الأمم. ومن هذه الأعمدة التي ترتفع إلى 9 أمتار، تخرج قطرات مدورة مصنوعة من الكروم، ترمز إلى دموع ضحايا الإبادة الجماعية للأرمن. وبعمله هذا، استهدف الفنان تكريم هؤلاء الضحايا، والإشارة إلى قرن من التضامن السويسري معهم أيضاً.
ولكن هذا المشروع المثير للجدل مازال يبحث عن موقعه في جنيف بعد مُضي عشرة أعوام على إنشائه. وفي شهر ديسمبر من العام الماضي، أعربت وزارة الخارجية السويسرية عن خشيتها من أن تثبيت النّصب في حديقة آريانا بالقرب من مقر الأمم المتحدة قد يؤثر على "المناخ السّلمي والمحايد" للمنطقة. وبعد سنوت من الشّد والجذب، يبدو أن هناك حل في الأفق.
"الأمور تتقدّم"، كما قال ريمي باجاني، رئيس دائرة البناء والتنمية الحضرية في جنيف. "لقد عثرنا على مكان ملائم، ولكني لا أستطيع الإفصاح عنه. النّصب الآن في مدينة البندقية، ونحن نأمل أن نستطيع تثبيته هنا في جنيف. لقد أدَّت الضغوط الكبيرة إلى حَجب هذا العمل طويلاً".
ووفقاً لمحافظ المدينة السابق، يمتليء الفضاء العام بالكثير من الرمزية، وهذا يتطلّب الكثير من المُراعاة والمسؤولية. "عندما تتدخّل في الفضاء العام، فإنك تقتحمُ مكاناً يهمنا جميعاً. الفضاء العام هو مساحة للحرية، وكل تدَخّل فيه يتطلب الكثير من التَبَصُّر، والذكاء، والدراسة المُعَمَّقة"، كما أضاف.