Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00873.jsonl.gz/72

ليست المشكلة هي ما إذا كان العراق قادرا على تطوير ميكروب الجمرة الخبيثة بالصورة التي يتم استخدامه بها ضد الولايات المتحدة.فهناك على الأرجح، بعيدا عما قيل، أكثر بكثير من ثلاثة دول يمكنها القيام بذلك، لكن المشكلة هي ما إذا كان العراق، استنادا على معلومات محددة، هو الذي يقف بالفعل وراء "الميكروب" المستخدم أم لا؟
فالإشارات الترجيحية المستندة على أسس فنية، والدلائل الظرفية المرتبطة بأهداف وقدرات، يمكن أن تدفع في اتجاهات بعيدة، وترتبط بنتائج السياسة أكثر مما ترتبط بنتائج التحقيق، وتجعل "المسالة العراقية" أكثر تعقيدا مما هي عليه من الأساس .
أن معظم دول الشرق الأوسط قد وجدت نفسها، منذ البداية داخل الدائرة الواسعة التي تضم أطراف ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالهجمات الإرهابية، التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي، إلا أن العراق تحديدا كانت الدولة الوحيدة في المنطقة التي نشرت معلومات مبكرة تشير إلى وجود علاقة رسمية لحكومته بالعناصر التي قامت بتنفيذ تلك الهجمات، قبل أن تصبح الدولة الوحيدة أيضا التي يتم ربطها بميكروب "الجمرة الخبيثة" الذي تحمله الرسائل القاتلة التي تتلقاها جهات أمريكية مختلفة، فقد تغيرت الاتهامات، لكن اسم "العراق" لايزال على اللائحة.
المثير أنه تم ربط الواقعة الخاصة بما قيل حول المقابلة التي تمت بين "محمد عطا"، المشتبه في أنه القائد الميداني للمجموعة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، مع أحد عناصر الاستخبارات العراقية بالجمهورية التشيكية، بمشكلة الرسائل المحملة بميكروب الجمرة الخبيثة التي بدأت في الظهور بعد الهجمات.
فقد أشارت صحيفة ألمانية (بيلد) إلى أن تحقيقا يتم، استنادا على معلومات واردة من مصادر في الاستخبارات الإسرائيلية، بشأن إمكانية أن يكون محمد عطا قد حصل على الميكروب من العناصر العراقية المشار إليها، وهي قصة معقدة تضع العراق مباشرة داخل دائرة الاستهداف.
الدليل الوحيد
ولا توجد حتى الآن أية أدلة محددة حول ضلوع العراق في ارتكاب مثل هذه الأعمال، على غرار ما يذكر بشأن تنظيم القاعدة، لكن جهات التحقيق الأمريكية بدأت في تسريب ما يسمى عادة ب "أدلة ظرفية"، تركز على توافر القدرة على الفعل (والدافع بالطبع) دون أن يكون لديها ما يؤكد أن تلك القدرة قد تحولت إلى واقع عمليا.
فقد ذكر ثلاثة من العلماء الأمريكيين ذوى العلاقة بالتحقيقات، من بينهم وليام باتريك، الذي عمل في مشروع لتصميم أسلحة بيولوجية خلال الستينات، أن المسحوق المستخدم ليس بدائيا، وإنما بكتيريا مطورة عالية الإتقان والتركيز، وأن الفاعل يمتلك قدرات فنية وتنظيمية خاصة.
وقال أحدهم، أن الدول التي تمتلك مثل هذه القدرات هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتى السابق والعراق. ولأن الولايات المتحدة لن تضرب نفسها، والاتحاد السوفياتى انتهى، يصبح الطرف المتهم منطقيا هو العراق.
ويقينا، فانه لا يوجد شك في قدرة العراق على امتلاك وتطوير مثل هذا الميكروب، إذ توجد معلومات محددة بهذا الشان، فقد قامت العراق فعليا بإنتاج أسلحة بيولوجية تشمل 157 قنبلة تلقى من الطائرات طراز آر 400، وما بين 45 و 70 رأس حربي بيولوجي- كيماوي لصواريخ الحسين، ثم تدميرها قبل أن تبدأ اللجنة الخاصة للأمم المتحدة (يونسكوم) عمليات التفتيش في العراق عام 1991. وتحققت اللجنة من ذلك عندما كشف العراق عن برنامجه البيولوجي.
وعندما توقفت أعمال التفتيش، كان لا يزال لدى المفتشين الدوليين شكوك حول إمكانية حيازة العراق معدات رش أسلحة بيولوجية مجهزة لاستخدامها بواسطة طائرات ميراج إف – 1، مع يقين حول احتفاظ العراق بخبرات فنية وعملية، وربما معدات متطورة، يمكنه من خلالها إنتاج عناصر الجمرة الخبيثة تحديدا، إضافة إلى أبحاث بشان نشر الأسلحة البيولوجية باستخدام طائرات بدون طيار.
الأدلة المضادة
لكن ذلك لايمثل، بنفس درجة التأكيد، دليلا على تورط العراق في أعمال الإرهاب البيولوجي ضد الولايات المتحدة، استنادا إلى أدلة ظرفية أيضا، أهمها ما يلي : أن هناك مالا يقل عن 25 دولة في العالم، حسب المصادر الأمريكية نفسها، تمتلك برامج لأبحاث الأسلحة البيولوجية، وإذا كان الأمر يتعلق بتطويرات متقدمة لعناصر البكتيريا، فان اتهام العراق يتم فقط لأنه الحالة الوحيدة التي شهدت اختراقا فعليا لبرنامجها، بحيث اصبح معروف أنها قادرة على ذلك، في حين أنه قبل حدوث ذلك الاختراق كانت التقديرات الأمريكية لإمكانياته، لا تختلف عما هو سائد اليوم بشأن 24 دولة أخرى، توجد شكوك واسعة بأن بعضها تجاوز مرحلة الأبحاث إلى الإنتاج الفعلي.
ثم أن الحديث عن امتلاك الاتحاد السوفياتي السابق قدرات مشابهة، يعني تلقائيا امتلاك عدد كبير من الدول، بل والمنظمات الإرهابية مثل هذه القدرات، فإثر الانهيار الكبير لمؤسسات الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات، انتشرت معداته التسليحية وخبراته الفنية وأبحاثه الحربية ومواده الحساسة، لتشكل اكبر سوق سوداء تخضع لمنطق "المال" في التاريخ الحديث، يشمل ذلك مواد نووية، وأثير بالفعل أن منظمة القاعدة، حتى قبل هجمات 11 سبتمبر، لم تكن بعيدة عن التعامل في تلك السوق، خاصة وأنها كانت قريبة منها جغرافيا.
كما أن هناك معلومات محددة أدلى بها بعض عناصر الأفغان العرب، وأحدهم أعدم قبل سنة في مصر، تشير إلى أن أسامة بن لادن قد تمكن من الحصول على عينات من ميكروب الجمرة الخبيثة من خلال صفقات محدودة تمت مع معامل في عدد من دول أوروبا الشرقية وآسيا مقابل مبالغ محدودة، وأن عمليات الشراء كانت مكشوفة.
والمثير لانتباه، هو أن أسماء معامل الجمهورية التشيكية قد ورد في مثل هذه الصفقات. وكان العراق ذاته قد تمكن من بناء برنامج نووي ضخم بتكلفة عشرة مليار دولار تقريبا عبر صفقات مشابهة مع شركات غربية.
دائرة الاشتباه
يعتبر ميكروب الجمرة الخبيثة، من وجهة نظر العديد من المحللين، هو السلاح الجرثومي الأمثل الذي يمكن قذفه إلى الخصم بواسطة الصواريخ والطائرات، فهو يتميز بقدرة كبيرة على البقاء حيا في ظل أسوأ ظروف الضغط والحرارة والبيئات المتغيرة، ويتحصن داخل التربة لعشرات السنين ، حتى أن المنطقة التي كانت الولايات المتحدة تجري فيها اختباراتها لميكروب الجمرة خلال الحرب العالمية الثانية، لم تعلن منطقة آمنة إلا عام 1988، ولا تزال منطقة في "سفيرديفوسك"، شهدت تسربا بيولوجيا "سوفياتيا" عام 1979، غير مسكونة حتى الآن.
وبفعل سهولة تحضير هذا الميكروب، بأشكاله الأولية، وصعوبة الدفاع (العلاج) ضده، إذا تم استنشاقه بكميات كبيرة، كان معروف دائما أنه يحتل أولوية متقدمة على قائمة أعمال برامج أبحاث الأسلحة البيولوجية السرية لمعظم الدول، لذا فإن هناك أطرافا عديدة لديها خبرات كبيرة به، وليس المقصود بذلك هو الدول فقط، وإنما الشركات والمختبرات العاملة في الأبحاث والإنتاج، والتي توجد ثغرات متعددة في نظم عملها، لذا فإن "دائرة الاشتباه"، استنادا على أدلة ظرفية، يمكن أن تكون أوسع بكثير من الحالة العراقية، بحيث يبدو أنه لن يكون مجديا في النهاية، إلا الحصول على معلومات محددة عمن يقوم بإرسال الميكروبات القاتلة.
محمد عبد السلام- القاهرة