Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/67

هي محاميةٌ سويسريةٌ ناجحةٌ ومعروفه. لديها ثلاثُ مكاتب للمحاماة موزعة بين ثلاث مدنٍ سويسرية. تتحدث أربع لغات بطلاقة وهى الفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية. وتمارس التزلج على الجليد و تجوب العالم في رحلات سياحية ..... وهى ضريرة!!
فقدت بصرها عندما كانت في الخامسة عشره من عمرها، وتمكنت رغم الإعاقة من أن تصبحَ المحامية الضريرة الوحيدة في سويسرا بأسرها، إذ لا يوجد سوى رجلان محاميان مصابان بالعمى، أما بين النساء فلم تبرز سوى بريجيت كوتى، دليل على مقدرة الإنسان على الحياة والتميز متغلبا على قيودِ الإعاقة.
خلفيةُ بريجيت كوتى مميزه. فهي سويسريٌة، فرنسية، تونسية. وُلدت في فرنسا لأبوين فرنسيين يعملان في المجالِ الأكاديمي، وتنقلت بين تونس وفرنسا فى زياراتٍ لجدها التونسي ذي الديانة اليهودية. وانتقلت إلى سويسرا وهى في الحاديةَ عشره من عمرها، لتصابَ بالعمى وهى في سن المراهقة.
تجربتُها تعتبرُ مضربا للأمثال. فهي المرأةُ الوحيدة التى تمكنت من اقتحام مجالِ المحاماة متحديةً صعوباتٍ كثيرة واجهتها بسببِ إعاقتها. لكن إرادتَها القوية وذكائها الحاد دفعاها دفعا لتحقيقِ حلمها، وهو، كما تقول ....... أن أحيا... أن أحيا حياةً طبيعية مع الإعاقة لا أن اتركه يفرض علي المسار.
فماهى قصتها.
لحظة فقدان البصر
فقدت بريجيت كوتى بصرها بصورةٍ مفاجئه عندما كانت في الخامسة عشره من عمرها بسبب انفصال في شبكية العين. صحيح أنها عانت من هذه المشكلة عندما كانت في الحادية عشره من عمرها، إلا أنها أجرت عملية جراحية تكللت آنذاك بالنجاح، وعاشت حياتها بعد ذلك بصورةٍ طبيعية. ولذا وقع عليها الحدث كالصاعقة ..... إستيقظت يوما في الصباح لتجد الظلام يحيط بها من كل جانب.. أصبحت بصيرة.
تقول: لازلت اذكر تلك اللحظة جيدا. كنت في المستشفى بعد أن أجريت لي عملية عاجله في نفس اليوم الذي فقدت فيه بصري. كانت الساعة الحادية عشره مساء. دخل على الطبيب وقال: "للآسف الشديد فشلت العملية". كان متأثرا للغاية وبدا عليه أنه يشعر بخيبةِ أمل قويه لان العملية التى أجراها لم تنجح في إنقاذِ بصري. كان الأمر صعبا عليه. ووجدت نفسي اعزيه واخفف عليه وقع ماحدث، ربما لأنني فى قرارةِ نفسى لم اكن اتوقع نجاح العملية فكان الخبر مؤيدا لاحساسى.
جلست وحيدة بعد ان خرج الطبيب من غرفتى. ولم اكن قادرة على الاتصال بأحدٍ من اهلى، فلم تكن خدمة الهاتف متوفره فى غرف المستشفى آنذاك. وفى هذه العزلة .. حط على وقعُ الخبر... ياآلهى أنا ضريرة.. وحيدة ولااستطيع التحدث مع أحد.. وبصيرة. والاصعب أننى لم اكن اعرف مالذى يعنيه ان يفقد المرء بصره.. او كيف يكون العمى... لكننى بالتدريج بدأت افهم بصورةٍ لاشعوريه مايعنيه ذلك... وفى هذه اللحظة بدأ الخوف يتسرب إلى نفسى.. وشعرت بفزعٍ لم أجربه من قبل."
الخوف. تمحور خوف بريجيت كوتى في شيئين بالتحديد، الأول يبدو غريبا، فقد خشيت أن يؤدى ضررها إلى عدم تمكنها من رؤية الأحلام عند نومها. ولهذا قاومت بريجيت ليلة فقدانها للبصر النوم بكل قواها. خافت أن تصبح أسيرة للظلام حتى في السبات.أما الشيء الثاني الذي أخافها فكان السؤال... كيف ستتمكن من التعرف على الآخرين.. من اكتساب الأصدقاء وحبهم دون أن تراهم؟
تقول: قبل فقداني للبصر كنت اعتمد كثيرا على ما أراه للتعرف على الآخرين وللاقتراب منهم ومن محبتهم. هنا كانت خشيتي من أن لا أتمكن من حب الآخرين لأنني لا أراهم، وبدون المحبة كانت حياتي ستكون بلا معنى.
مرورُ العاصفة. كلُ هذه المخاوف ذابت صباح اليوم التالي. كانت بريجيت كمن إستيقظ بعد مرورِ عاصفةٍ قوية. إعتراها هدوء غريب، مكنها من إبلاغ اهلها وأصدقائها بخبر فقدانها للبصر. وكان اكثر ماآلمها هو الحزن واليأس الذى ألم بهم بسببِ الخبر. أما هى فقد تملكتها رغبةٌ فى تجاوز الحزن... تقول: فقدانى للبصر كان امراً مفروضا، ُفرضَ علي، وكان على أن أتعاملَ معه؛ ووجدت أمامي بديلين، إما أن أحاربَ فكرةَ فقداني للبصر، او أن اتقبلَ عمايَ كصديقٍ لا مفرَ لي من صحبتِه.. وكان على ان أتعلم كيف استغلُ وأستخدم كلَ الطاقةِ المتواجدة فى داخلى كى اخلقَ من هذا القدر شيئا إيجابيا. لم ارد.. بل لم ارغب فى ان أتعايشَ مع العمى.. لا. أردت أن أعيشَ وأن أحيا بصورةٍ طبيعية. نعم ..لقد اصبت بالعمى، لكن هذا ليس نهاية المطاف، على ان ابدأ حياتى من جديد وبأسلوبٍ جديد، ولاوقت للحزن، وعليهم، اهلى واصدقائى، ان يساعدونى على المضى فى هذا الطريق.
بدء التحدى. مشاعرُ التحدى التى إجتاحت بريجيت لم تكن مؤقته. بل كانت الخاصية التى إتصفت بها ولازمتها منذ ذلك الحين.
ففى خلال السنوات السبع التى تلت فقدانها للبصر لم تكف بريجيت عن العمل للتأقلم مع فقدان البصر. تعلمت إسلوب َ الكتابةِ بطريقةِ بريل، والطبعَ على الالةِ الكاتبة، وإستخدامَ العصا فى المشى، والطبخ وغير ذلك، هذا بالاضافة إلى طرقِ تنظيم حياتها بشكلٍ يمكنها من العودة إلى صفوفِ المدرسة من جديد. لكن الاهم، من وجهة نظرها، هو انها رفضت الذهابَ إلى مدرسةٍ لفاقدي البصر. إعتبرَتهُ جيتو وصممت على العودة إلى مدرستها القديمة. وعادت بالفعل بعد فترةٍ قصيرة من إصابتها بالضرر.
لم تعرف إلا فيما بعد ان مديرَ المدرسة كان على قناعة بإستحالة نجاحها في مدرسةٍ للمبصرين. لكنه خشى إذا رفض عودتها أن يصيبها بصدمة اخرى بعد كل ما مرت به، ولذلك سمح لها بالبقاء وهو متأكد أنها ستصل إلى قناعته بعد شهرين لااكثر من عودتها للدراسة، وأنها ستترك المدرسة بإرادتها المحضه.
لكن ماحدث كان على عكس ما توقعه. فقد تمكنت من الانخراط من جديد فى الحياةِ الدراسية بنجاحٍ كبير، ولم تكن لتفعل ذلك دون دعم زملائها وأساتذتها، فكلهم تقول بريجيت: "كلهم تعاونوا معى وأظهروا إستعدادا رائعا لمساعدتى سواءٌ فى نقلِ المحاضراتِ او الاستذكار او كتابةِ الاختباراتْ على الالةِ الكاتبه، لا بل إن اساتذتى كانوا يسجلون لى أسئلة الاختبارات على شرائط الكاسيت كى أتمكن من أداء الاختبارات كغيرى .. لم اكن وحيده فى عماى، لا، كان معى اكثرُ من عشرين شخصا حملوا معى عبءَ هذا العمى، كلُ واحدٍ منهم حمل جزءا منه .. ولذا تمكنت من الاستمرار والنجاح وبتفوق".
مهنة المحاماة. إختيارُ بريجيت كوتى لدراسة المحاماة إعتبره الكثيرون ضربا من الجنون. فهى مهنة يصعب على النساء بصفةٍ عامة إقتحامها فمابالك بإمرأة.. وضريرة!! ولهذا فإن الصعوبة والمشكلة الاساسية التى واجهتها منذ البداية تعلقت اساسا بحقيقةِ فقدانها للبصر وردود الافعال على ذلك.
"سأقصُ عليك تجربة ً حدثت لى اثناء ادائى لاختباراتٍ مرحلية لكنها اساسية لاى طالب يرغب فى التخرج كمحامى. كنت فى غرفةٍ منفصله اكتب إجاباتِ الاختبار على الالة الكاتبة، عندما إقتحم الغرفة محامى اُفضلُ عدم ذكره..كان فى حالةٍ إنفعالٍ كبيرة..وبدونِ مقدمات قال لى: هل فكرت جيدا قبل البدء فى دراسةِ المحاماة، دخولك هذا المجال محكومٌ عليه بالفشل. ربما ستتمكنين من النجاح فى هذا الاختبار، لكنك لن تجدى عملا بعد ذلك.
كنت فى منتصف الاختبار ولم اكن مستعده لبذل الوقت او الجهد فى مناقشته، فاداءُ الاختبار كان اهم، لذلك اجبته بهدوءٍ وبأدب: من فضلك، الايمكننا الحديثَ حول هذا الموضوع فى وقتٍ اخر؟ وبصمت خرج الرجل من الغرفة. فى ذلك اليوم وبعد ادائى للاختبار راودنى الشك لاول مرة، قلت لنفسى ربما كان على حق".
بالفعل، عندما أكلمت بريجيت كوتى دراستها للمحاماة، ظلت لفترة طويلة تبحث دون جدوى عن مكتبٍ للمحاماةِ يقبلها كمتدربه. إلا ان مكتبا معروفا، يملُكه محامى تكن له جليلَ العرفان، قدم لها فرصة العمر عندما عرض عليها التدرب لديه، ولولا هذه الفرصه لما تمكنت بريجيت من العمل فى المحاماة بعد ذلك.
بيد أن الصعوبة الحقيقة بدأت عندما أكملت فترة تدريبها كمحامية وبدأت فى البحثِ عن عمل. فكل من تقدمت إليه بطلب العمل عبر عن إعجابه بل وإنبهاره بما أنجرته، لكن احداً منهم لم يقدم لها عملا. قالوا لها بصراحة، إن الموكلين سينفرون منها بسبب عماها، وأنها لن تتمكن من أداء عملها بصورةٍ جيدة بسبب هذه الاعاقة، وأنهم لذلك لن يستطيعوا توظيفها..ولم يتغير هذا الموقف. أرسلت مئتى طلب توظيف إلى مئتى مكتب للمحاماة، وكلهم اجابوها برفضٍ مؤدب وبعبارات مكللة بالاعجاب والتقدير. تلقت الاعجاب ولم تلق العمل.
وبعد ستة اشهر من الرفض المتكرر، إتخذت بريجيب قرارها بفتح مكتبٍ خاص لها للمحاماة.
تقول: "أردت ان احاولَ وان ارى بنفسى إذا كانت المسأله كما قالوا محكومةً ً بالفشل الذريع. فلو فشلت كنت سأبحثُ عن عملٍ اخر وطريقٍ مختلف، لكننى لم ارد رفعَ رايةَ الاستسلام دون محاولة. ولحسن الحظ اننى فعلت".
إختارت بريجيت كوتى موعد إفتتاح مكتبها للمحاماة ليتوافق مع تاريخ فقدانها للبصر.. الاول من فبراير. لم يكن الامرُ مصادفه. أختارتُ هذا الموعد بالتحديدِ للافتتاح. وارسلت، كما يفعلُ كلُ محامىٍ جديد، رسائلَ ُتنبىء بإفتتاحِ المكتب إلى كل معارفها وزملائها وإلى مكاتب وإدارات القضاء. ثم جلست تنتظر. لم يكن بوسعها انذاك ان توظف سكرتيرة فى المكتب، ولذلك قبعت بجانب جهازِ الهاتف فى إنتظار الاتصال الاول. ولم يخب ظنها. رن جرس الهاتف بعد اربعة ايام فقط من الانتظار. كان على الخط قاضى للتحقيقات. طلب منها الترافع فى قضية. كان عليها ان تدافع عن أربعة رجال اجانب ضبطوا لاتهامهم بأرتكاب سلسلةٍ من جرائم السرقة فى سويسرا.
بالطبعِ كادت بريجيت ان تطير فرحا. وذهبت لاول مرة إلى السجن للقاء موكليها الاربع. لكنهم لم يكونوا سعداء بتكليفها بالقضية. إذ لايكفى ان المحكمة عينت إمرأة للدفاعِ عنهم، لا، إنها إمراةٌ وعمياء فى نفس الوقت. غير انهم لم يتمكنوا من الرفض فالامر كان بالنسبة لهم كالقدر المفروضِ عليهم خاصة وان المحكمة هى التى تكفلت بمصاريفِ القضية.
لكن موقفهم بدأ فى التغير بعد عدة زيارات، وتقبلوها ومنحوها ثقتهم. وبفضل هؤلاء الرجال الاربع وقضيتهم التى دافعت عنها بنجاح، تمكنت بريجيت كوتى من وضع اساسٍ للثقة بينها وبين الدوائر القانونية والقضائية، لاسيما وأن عددا من الصحفيين راقبوا مسار القضية منذ البداية وتابعوها بدقه.
بعد هذه القضية، بدأت بريجيت فى تلقى قضايا عديدة من قضاةِ التحقيق، كما طلب أحد الصحافيين الذين تابعوا محاكمة الرجال الاربع تولى قضية خاصة به، وتوالى تدفق القضايا عليها من مصادر متعددة. ليس على الفور بطبيعة الحال، ففى البداية ، كما تقول، كان العددُ قليلا، لكن مع الوقت إزداد عددُ القضايا والمرافعات، ومع الوقت بدأت تشعر ان فقدانها للبصرلم يعد يمثلُ مشكلةً او نقيصةً تحسبُ ضدها.
رغم النجاح، كان على بريجيت أن تقرَ بفداحة فقدانها للبصر. فقد كان من المهم بالرغم من كل ماأنجزته ان تواجه نفسها بمعنى الخسارة التى تعرضت لها. فقد ظلت طوال السنوات الاولى لاتقر بما حدث. ارادت بكل قوتها ان تستمر فى الحياة، وكان عليها لذلك ان تقاوم، ولم يكن هناك وقت للحزن. بعد ذلك، جاءت لحظة ادركت فيها ضرورة ان تترك لنفسها المجال للتعبير عن حزنها وساعدها فى ذلك إستعانتها بأخصائية نفسية.
تقول: " نعم هناك لحظاتٌ تمرُ على اتمنى فيها ان ابصر. ان ارى السماء، ان ارى نفسى فى المرأة، وأن ابكى على هذه الخسارة.
أستطيع القول الان باننى تقبلت فكرةَ فقدانى للبصر إلى الحدِ الاقصى الممكن. وهذا يعنى اننى تقبلتُ اننى بصيرة، لكننى اعانى احيانا من هذا الامر. فالاقرار بصعوبةِ العمى هو جزءٌ من تقبلهِ كواقع.
تقبلت حياتى كما اصبحت، واننى عايشت وأعايشُ حياةً زاخرة بتجاربَ قوية وانا فاقده للبصر..وبالرغم من فقدانى للبصر..ضمن هذا الاطار تقبلتُ الامر. لكنه يظلُ صعبا. فأنا لن اتمنىَ العمى لاى شخص. وهذا دليلٌ على مااقوله. فأن ترى يظل اجمل بكثير من ان لاترى. لكننى اقبلُ حياتى رغم عدمِ إبصارى.
إلهام مانع