Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00858.jsonl.gz/86

يجتمع السياسيون السويسريون أربع مرات في السنة في بَرن لمناقشة مجموعة من القضايا والتصويت عليها. وخلال هذه الاجتماعات الدورية، يتحدث ممثلو الشعب باللغات الوطنية الأربع: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية. ووفقاً لأحد المُتَرجِمين الفوريين الرسميين في البرلمان، فإن ضمان فَهْم الجميع لما يحدث أمر صَعب ومُجهد، ولكنه مُجزٍ أيضاً.
"لقد كنت مُتوتراً للغاية عند قيامي بذلك للمرة الأولى!"، يقول هانز مارتن يوريمانّرابط خارجي وهو يجلس في مقصورته المُطِلّة على قاعة مجلس النواب في البرلمان السويسري.
"كنت أشعر بضغطٍ شديد، ليس بسبب الخطابات التي كانت تُلقى، ولكن بسبب سياق الكلام وهذا الكَمّ الكبير من المصطلحات التخصصية المُستَخدَمة. لقد استغرقني الأمر الكثير من الوقت للتحَكُّم بهذه الغابة من العبارات، لكنك متى ما نجحت في ذلك، فسوف تكون قادراً على التركيز على ما يُقال من قِبَل أحد النواب. كما أن الأمر يصبح أسهل بكثير بمجرد فهمك لطريقة سَير العمل".
swissinfo.ch قامت بزيارة يوريمانّ، الذي يمارس الترجمة الفورية من الفرنسية والإيطالية إلى الألمانية منذ 14 عاماً في البرلمان الفدرالي، خلال انعقاد دورته الخريفيةرابط خارجي التي انتهت يوم الجمعة، 27 سبتمبر.
"ان رؤية ما يجري بوضوح أثناء العمل مُفيدة جداً"، كما يقول يوريمان بلغة إنجليزية سليمة تماماً. "أن وجودك في مقصورة تخلو من شاشة أو أي شيء آخر لن يُعيقك في ترجمة ما يُقال، لكنك تستطيع مشاهدة الكثير من التعابير والإيماءات من هنا. هناك عدد من المُنتَقدين والمُقاطعين في الصالة، وبإمكانك رؤية الشخص الذي يستعد لطرح سؤال ما".
هل يُتَوَقَّع من المُترجمين الفوريين ترجمة ما يقوله المقاطعون أيضاً؟ "نحن لا نستطيع سماعهم في العادة لأن الميكروفونات موجودة على المنصة فقط، لكننا نترجم ما يقولون عندما نسمعهم"!
توجد هناك ثلاث مقصورات للترجمة الفورية تطل مباشرة على صالة النقاش في مجلس النواب، واحدة مُخَصَّصة للترجمة إلى اللغة الألمانية، والثانية إلى الفرنسية والثالثة إلى الإيطالية. وتضم كل مقصورة ثلاثة مترجمين فوريين يتناوبون على العمل كل 45 دقيقة. مع ذلك، وحيث تُلْقى مُعظَم الخُطَب باللغتين الألمانية أو الفرنسية (من بين أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 200 شخص، يقل عدد المتحدثين بالإيطالية بوصفها لغتهم الأم عن 10)، يتعين ترجمة كل شيء تقريباً إلى اللغة الإيطالية. ومع عبء العمل الإضافي هذا، يتناوب المترجمون في المقصورة الخاصة بالترجمة إلى الإيطالية العمل لفترات أقصر لا تزيد عن 30 دقيقة. ولا تتوفر الترجمة إلى اللغة الوطنية السويسرية الرابعة - الرومانشية - إلّا بعد التقدم بطلب مُسبَق.
"في عام 2017 ، سأل أحد أعضاء البرلمان عن إمكانية إلقاء بعض الكلمات باللغة الرومانشية. وقد قلنا له أن بإمكاننا توفير الترجمة في حال حصولنا على النص مسبقاً مما يتيح لنا أعدادها، وهذا ما فعلناه"، يقول يوريمانّ، أصيل كانتون غراوبوندَن المتحدث بالرومانشية، والذي تُعَدُّ والدته أحد المتحدثين بهذه اللغة الذين لا يزيد عددهم عن 50,000 شخص.
"فهم لغة وثقافة مواقف الآخرين"
كان البرلمان البلجيكي هو الذي قدَّم الترجمة الفورية (الاستماع والترجمة في نفس الوقت) في عام 1936. إلا أن الولادة الحقيقية لهذا الفن كانت مع بداية محاكمات نورمبرغ في 20 نوفمبر 1945. وكما تشير التقديرات، كانت محاكمات أبرَز رجال النظام النازي ستستغرق سنوات بدلاً من 11 شهراً لولا وجود هذه التقنية المتطورة (التي تبرعت بها شركة IBM) التي أتاحت الترجمة الفورية إلى الألمانية والإنجليزية والفرنسية والروسية.
وفي البرلمان السويسري، جَرَت أولى محاولات الترجمة الفورية، وبجميع اللغات الوطنية الأربعة، في أكتوبر 1946. لكن لم يمر عام على ذلك، حتى تقرر أن تكون اللغات المُستَهدَفة (أي التي يُتَرجَم النص أو الخطاب إليها) ثلاثة فقط.
في وقت لاحق، تم تقديم الترجمة الفورية في مجلس النواب في بداية عام 1948، لكنها انحصرت على اللغتين الألمانية والفرنسية فقط، ولم تكن الإيطالية ضمن اللغات المُستهدفة حتى عام 2004 لأسباب تتعلق بالتكلفة.
يوم متعدد اللغات
كان يوم 26 سبتمبر الماضي هو أول "يوم متعدد اللغات" في البرلمان السويسري.
تم تنظيم هذا الحدث من قبل جمعية Helvetia Latinaرابط خارجي، التي تهدف إلى تعزيز استخدام اللغات الفرنسية والإيطالية والرومانشية داخل البرلمان والإدارة الفدرالية للبلاد.
كان الهدف من فكرة إقامة "يوم متعدد اللغات" هو زيادة إلمام السياسيين بمناطق سويسرا اللغوية الأخرى، وجعل الألمانية هي لغة الأقلية على سبيل التغيير. وبغية تحقيق هذه الغاية، تم تشجيع السياسيين الناطقين بالألمانية والفرنسية على التحدث بلغة وطنية أخرى خلال هذا اليوم.
اليوم، يعمل المترجمون الفوريون في مجلس النواب فقط (وكذلك عند انضمام أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 46 عضواً لتشكيل الجمعية الفدراليةرابط خارجي). وبإمكان الزوار في شرفة الجمهور وضع سماعات الأذن ومتابعة المناقشات عبر بث مباشر بجميع اللغات الرسمية الثلاث الموجودة على موقع البرلمانرابط خارجي.
لا يتم توفير الترجمة الفورية في مجلس الشيوخ. وكما جاء في بيان صادر عن البرلمانرابط خارجي في عام 2014 "رفض أعضاء مجلس الشيوخ دعوات لوجود مُترجمين فوريين في عدة مناسبات، لأن المواطنين يتَوقعون أن يكون أعضاء هذا المجلس قادرين على فَهم المناقشات بلغة وطنية أخرى على الأقل".
وبالمثل، لا توجد ترجمة فورية في اللجان البرلمانيةرابط خارجي، حيث جادلت السلطات في عام 2007 بأن "سويسرا انما وُلِدَت من إرادة مُشتَركة لتقاسم المصير ذاته، وهو ما يضع على عاتق كل عضو في البرلمان واجب واضح يتمثل بالسعي لفهم لغة وثقافة مواقف الآخرين، بِغَضّ النظر عن الأماكن التي أتوا منها ... وهذا يفْتَرِض بأن يكون أعضاء اللجان قادرين على التغلب على الحواجز اللغوية في المناقشات التي تجري وجهاً لوجه".
إذن، كم يبلغ عدد البرلمانيين المُستفيدين بالفعل من مهارات المترجمين الفوريين؟ "إن عدد الأشخاص الجالسين في الصالة خلال المناقشات العادية ليس بالكبير، وفي الوقت الراهن يتواجد نحو ثلث الأعضاء، حيث يمكن مُشاهدة أحدهم وهو يضع سماعات الأذن بين الحين والآخر. مع ذلك، يوجد هناك أشخاص يستخدمون الترجمة الفورية شكل منهجي"، يقول يوريمانّ.
وكما يضيف: "ربما يعود السبب في عَدَم وَضْع سماعات الأذن إلى الاعتداد بالنفس، ولكن العامل الآخر هو أن المناقشات قد حدثت مُسبقاً كما حُدِّدَت الأصوات بالفعل داخل اللجان".
كُن مُستَعِداً
يعمل جميع المترجمين الفوريين التسعة في البرلمان الفدرالي لحسابهم الخاص [أي أنهم مترجمون مستقلون]، وهم يتوفرون على عقود عملٍ لفترة الدورات الأربعة التي يلتئم فيها البرلمان، والتي تبلغ 55 يوماً في السنة. ورغم ان عمل كل مترجم لا يزيد عن خمس ساعات يومياً "فقط"، إلّا أنَّ عملهم يتطلب الكثير من الاستعداد المُسبَق.
"ان تمضيتك لـ 12 أو 13 عاما في العمل لا يعني توقفك عن الإعداد له - فكل نقاش يدور حول موضوع جديد، أو مبادرات جديدة قادمة. هناك درجة معينة من الروتين فيما يتعلق بالجزء الإجرائي - حيث يتم اتباع نفس البروتوكول دائماً - لكن البنود المدرجة على جدول الأعمال تكون جديدة دائما".
"أنا شخصياً أحب السياسة الخارجية، فأنا مهتم بما يحدث بين سويسرا والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال. على الجانب الآخر، يشكل موضوع البيئة تحدياً لأنه يتعلق في الغالب بحماية نوع معين، وهذا يستدعي تَعَلُّم قوائم لإسماء الحشرات وأشياء من هذا القبيل. لا استطيع أن أقول بأن هذا الموضوع لا يثير إهتمامي، لكنك [كمترجم فوري] تعلم بأن أداءك يعتمد على استعدادك. عليك ان تُرغم نفسك على الاهتمام بجميع هذه المواضيع".
بإمكان المترجمين الفوريين - والجمهور أيضاً - الحصول على مساعدة من موقع قاعدة بيانات مصطلحات الإدراة الفدرالية TERMDAرابط خارجي، الذي يضم نحو 400,000 مصطلح قانوني وإداري بلغات سويسرا الوطنية الأربعة بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية.
تحديات
لا شك بأن الترجمة الفورية تتطلب قدراً كبيراً من الجرأة. "إنها واحدة من أكثر الأشياء إرهاقاً للدماغ البشري"، كما جاء في كتاب المُترجِم دافيد بيلّوسرابط خارجي المُعَنوَن ‘هل هذه سمكة في أذنك’؟ (Is That A Fish in Your Ear?). وفي ذات السياق، تمت مُقارنة مستويات الإجهاد لدى المُترجمين الفوريين بمستويات الإجهاد لدى مراقبي الحركة الجوية. فهل يَعمَد يوريمانّ فوراً إلى الإستلقاء في غرفة مظلمة بين نوبات العمل؟
"الأمر قد يكون مُجهداً بالتأكيد!"، كما يُقر. "نحن نذهب لتناول القهوة في العادة، وعندما يكون الطقس لطيفاً، قد نجلس في الشمس لبعض الوقت. مع ذلك، يحدث أن نبقى في المقصورة بسبب اهتمامنا بما يجري، أو لاحتمال وجود موضوع مطروح للتصويت".
وبحسب يوريمانّ، فإن أصعب جزءٍ في الوظيفة هو عندما يبدأ أحد الأشخاص بإطلاق نكتة.
"ان ترجمة النكات عادة ما تكون مستحيلة، عليك أن تعيد صياغتها، لكن ذلك سيسلبها ظرافتها بوضوح" كما يقول.
"الأمر ذاته يمكن أن يُقال عند استخدام اقتباس ما. وعلى سبيل المثال، استشهد أحد الساسة بالأمس بعبارات من أساطير الشاعر الفرنسي لافونتين. في حالة كهذه، وما لم تكن عَبقرياً أو حافظِاً لمثل هذه المواضيع عن ظهر قَلْب - أو قادراً على البحث في الإنترنت بسرعة البرق - فسوف تكون مضطراً إلى قول شيء على شاكلة ‘السيد س يقتبس الآن من حكاية رمزية’... "
لكن هلْ توجد هناك قاعدة ذهبية للترجمة الفورية؟ يرى يوريمانّ بأنه يتعين على المُترجم دائماً أن يتراجع بعض الشيء. "عليك ألا تُضيف آرائك أومشاعرك الشخصية وتشوه النص الأصلي".
لكن ذلك ليس مُمكنا دائماً. وكما يقول بيلوس، فقد أجهش أحد المُترجمين الفوريين في محاكمات نورمبرغ بالبكاء في أكثر من مناسبة عند سماعه شهادة رودولف هوس، قائد معسكر الاعتقال في أوشفيتز".
ترجمات الكترونية
في الوقت الذي يعتقد فيه البعض بأن الحاجة إلى المترجمين الفوريين ستظل قائمة طالما يتحدث الناس لغات مختلفة، نرى أن تكنولوجيا الحاسبات تتقدم بشكل سريع. فاليوم، تقوم أجهزة الكمبيوتر بالفعل بترجمة نصوص بشكل أفضل بكثير مما كان يحدث قبل بضع سنوات فقط، كما باتت تقنيات الترجمة الفورية للمحادثات الصوتية مُبهرة بشكل مخيف. فهل يثير ذلك قلق يوريمانّ؟
"نعم، إلى حدٍ ما. إن معظم المترجمين الفوريين يتابعون ما يحدُث، وهم يقولون في أنفسهم: حسناً، سوف يستغرق الأمر 20 عاماً آخر قبل حدوث ذلك".
"قد يكون الأمر كذلك. لكنني بصراحة لست متأكداً لِمَن ستكون الأولوية: للغة الإنجليزية كلغة مشتركة - وهو ما يعني انتفاء الحاجة إلينا في جميع الأحوال - أو تقدُّم تكنولوجيا الكمبيوتر إلى درجة أنها يمكن أن تحل محلنا".