Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00890.jsonl.gz/82

وجهت المحكمة الجنائية في بروكسل رسالة شديدة وواضحة إلى الشبكات الأصولية المتطرفة.
فقد سلطت أقصى عقوبة بالسجن ومدتها 10 أعوام على نزار طرابلسي، أبرز المتهمين في قضية التخطيط لتفجير قاعدة أمريكية شمال شرق بلجيكا.
أدمجت المحكمة في محاكمة واحدة قضية محاولة تفجير القاعدة العسكرية الأمريكية شرق بلجيكا، وقضية اغتيال الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود قبل يومين فقط من تفجيرات نيويورك وواشنطن.
وأدانت المحكمة 20 متهما في القضيتين، في مقدمتهم، إلى جانب لاعب كرة القدم التونسي السابق نزار طرابلسي، طارق معروفي وهو أيضا من أصل تونسي والذي أصدرت القاضية في حقه عقوبة السجن 6 أعوام، وكذلك عمر السليتي، وهو من الجزائر، وأكدت في شأنه رئيسة المحكمة كلاير دوغريز اتهامات احتضان "المجاهدين" الذين تطوعوا للتدريب في أفغانستان.
وتعد المحاكمة الأخيرة، الثالثة التي يشهدها قصر العدالة في بروكسل وجسّـدت تطور الحركات الأصولية المتطرفة منذ منتصف التسعينيات من مجموعات كانت تجمع السلاح والمال لدعم الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر إلى عصابات منظمة استهدفت بلدان المغرب العربي ككل في نهاية العقد الماضي ثم إلى خلايا ذات أبعاد دولية ترتبط بشبكة القاعدة.
من كرة القدم إلى الفكر الانتحاري
يعتبر نزار طرابلسي الوجه الرئيسي لهذه الخلايا، حيث تثير شخصيته تساؤلات نفسية واجتماعية حول الأسباب التي تدفع شابا مهاجرا من تونس يتخلى عن المال والشهرة في ملاعب كرة القدم في ألمانيا، ليتبنى الفكر المتطرف في أفغانستان.
وتقول عنه محامية الدفاع، موت ديرات بأنه "ينبذ العنف ويخشى الكراهية، يعشق الريادة لكنه ضعيف النفس ولا يقوى على تأثير المال والنساء، وقد تعاطى الكوكايين إلى أن سقط تحت تأثير المتطرفين من ألمانيا حتى أفغانستان..".
وكان نزار طرابلسي جلس في قفص الاتهام إلى جانب 23 متهما، منهم طارق معروفي الذي يُـشتبه فيه توفير هويات السفر المزيفة وتسهيل رحيل المقاتلين إلى أفغانستان، من بينهم الانتحاريان اللذان قاما باغتيال الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود يوم 9 سبتمبر 2001.
وقالت المحامية عن لاعب كرة القدم التونسي السابق بأنه "رجل دائم البحث عن شيء فقده منذ طفولته ولم يجده، سواء في أوساط كرة القدم أو في جلال آباد". فهو كان يجهل الدين الإسلامي عندما غادر وطنه لاحتراف لعبة كرة القدم ضمن فريق فورتونا دسلدورف في ألمانيا في بداية التسعينيات. لكنه سيتدارك "النقص" عندما يقع تحت تأثير المدعو جمال بغال في 1995.
ويقبع جمال بغال في أحد السجون في فرنسا منذ أن سلّـمته أجهزة الأمن في دولة الإمارات العربية المتحدة في شهر يوليو 2001. وكانت أجهزة الأمن الإماراتية اعتقلت جمال بغال وهو في طريق العودة من أفغانستان ويواجه تهم الإرهاب في فرنسا، وبشكل خاص التخطيط لتفجير السفارة الأمريكية في باريس.
شبكة منظمة!
وتقول المحامية البلجيكية بأن نزار طرابلسي وقع تحت تأثير جمال بغال ثم سافر إلى مكة لأداء فريضة الحج، حيث قضى 8 أشهر في عام 1998. وحاول نزار الإقامة بشكل دائم في جوار الأماكن المقدسة، لكنه لم يحصل على ترخيص الإقامة من السلطات السعودية. وعاد إلى ألمانيا أين لاحقته أجهزة الأمن لأسباب نشاطات الدعارة والإقامة غير القانونية.
وفي هذه الأثناء، بدت أفغانستان الوجهة المناسبة بالنسبة لنزار بعد أن استوعب قدرا من أيديولوجيا الجماعات الإسلامية. وكغيره من المتهمين، سافر نزار طرابلسي بهويات وتأشيرات باكستانية مزوره خلال الفترة ما بين 2000 و2001 إلى منطقة جلال آباد في أفغانستان أين أنفق مدخراته المالية. واعترف بإقامته فيما يسمى "الفيلا" التي كانت مختبرا للتدريب على استخدام المتفجرات.
ويبدو أن المتهم، حسب ما أوضحت هيئة الدفاع، قد أخفق في علاقاته مع مجموعات الأفغان العرب إلى أن وصل إلى لقاء زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر نوفمبر 2000.
وتقول المحامية موت ديرات بأن الأفغان العرب لم يكترثوا بشخص نزار طرابلسي، وأن الأخير شعُـر بالخيبة الكبيرة في أفغانستان". وتضيف بأنه "لم يكن قائدا أو مرجعا، وإنما كان يركز جهده في العمل الإنساني وأنفق ماله في حفر آبار للمزارعين الأفغان".
وتنقل المحامية البلجيكية عن موكّـلها نزار طرابلسي "الإعجاب إلى حد الآن بشخصية بن لادن". وقد لاحظ قاضي التحقيق دي فالكينير مدى تأثير بن لادن على شخصية المتهم نزار طرابلسي. وروت محامية الدفاع أمام هيئة المحكمة بأنها شهدت إحدى الجلسات بين القاضي والمتهم، وعندما أتى القاضي على ذكر أسامة بن لادن "فوجئنا بوقوف المتهم طرابلسي، وأجاب على استفسار القاضي بأنه وقف إكبارا لأسامة بن لادن".
ونقل نزار طرابلسي إلى فريق الدفاع البلجيكي بأن "أسامة بن لادن كان يعيش حياة بسيطة تقوم على تناول شيء من الجبن الأفغاني والملح والزيت فقط". وأضافت المحامية موت ديرات نقلا عن المتهم بأن "أسامة بن لادن يحب لعبة كرة القدم ويتلهى بها أحيانا"، ما قد يفسِّـر بعض أوجه العلاقة بين زعيم القاعدة واللاعب التونسي السابق.
مضاعفات 11 سبتمبر
ويذكر عضو فريق الدفاع، مهدي عباس أن نزار طرابلسي التقى أسامة بن لادن مرة أخرى في شهر أبريل 2001، و يبدو أنه اللقاء الذي تقرر فيه إدراج اسم نزار طرابلسي على قائمة منفذي العمليات الانتحارية.
وقد أبدى نزار طرابلسي تعاونا مع المحققين واعترف بالتحضير لعملية انتحارية لتفجير القاعدة الأمريكية في شمال بلجيكا بواسطة سيارة مفخخة. ويبدو أن بن لادن كان واحدا من خمسة فقط علموا بخطة العملية الانتحارية ضد القاعدة الأمريكية، والتي حالت قوات الأمن البلجيكية دون وقوعها عندما اعتقلت نزار طرابلسي يوم 13 سبتمبر 2001.
وحكمت القاضية كلاير دوغريز بالسجن عشرة أعوام على نزار طرابلسي، وقالت بأن العملية الانتحارية، لو نفذت، لكانت أفضع جريمة تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية. ورأت القاضية بأن مثل هذه العملية تنمي التطرف في صلب المجتمع البلجيكي، ورفضت المحكمة اعتبار أي ظرف للتخفيف عن نزار، رغم تعاونه مع أجهزة التحقيق.
وقالت رئيسة المحكمة بأن التعاون "كان ظاهريا ومجرد خدعة". وقد انتهت المحكمة من دون أن ترد على بعض الأسئلة الرئيسية: ما هي الأسباب التي جعلت نزار طرابلسي يعترف بخطة تفجير القاعدة الأمريكية بعد نحو 10 أشهر على اعتقاله؟ وهل تم افتعال التهمة حتى يفلت نزار طرابلسي من خطر ترحيله إلى فرنسا ومحاكمته مع جمال بغال في قضية التخطيط لتفجير السفارة الأمريكية في باريس؟
الآن، وبعد الفراغ من المحاكمة، هل ستطالب الولايات المتحدة بلجيكا بتسليمها نزار طرابلسي، لأن بعض الصلات قد تكون ربطته بعلاقة مع المتهم البريطاني ريتشاريد ريد، الذي اعتقل بتهمة محاولة تفجير طائرة فرنسية متوجهة إلى الولايات المتحدة عبر حذاء مفخّـخ؟
الأكيد أن المعني يخشى فرنسا، لأن عقوبات الإرهاب فيها شديدة ويخاف، حسب بعض المصادر، من خطر ترحيله إلى الولايات المتحدة واعتقاله في معسكر غوانتانامو.
نور الدين الفريضي - بروكسل