Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00930.jsonl.gz/17

سؤال يتردد على الألسن في الشرق الأوسط هذه الأيام: "هل هناك جولة جديدة من الحرب في لبنان؟"..هذا المحتوى تم نشره يوم 18 سبتمبر 2006 - 07:00 يوليو,
أجل، حتماً، لا بل جولات عدة في الواقع، وهذا لسبب مقنع: الحرب انتهت إلى لا شيء، إلى تعادل غير مرغوب به .. إلى مأزق لا إلى مخرج..
هل هناك جولة جديدة من الحرب في لبنان؟ أجل، حتماً، لا بل جولات عدة في الواقع، وهذا لسبب مقنع: الحرب انتهت إلى لا شيء، إلى تعادل غير مرغوب به. إلى مأزق لا مخرج.
ليس من أجل هذا عادة تخاض الحروب، إنها معمودية النار التي يجب أن تجبر التاريخ العاقر على استيلاد الجديد أو العنف الذي يجب أن يحقق ما عجزت عن تحقيقه الدبلوماسية (كما يقول كلاوستفيتز) أو الفوضى الدموية التي يجب أن تخلق النظام المسالم.
لكن حرب لبنان لم تفعل شيئاً من هذا، إنها تركت الطرفين المتقاتلين معلّـقين في الهواء: لا الأول، (حزب الله) قادر على إعلان النصر النهائي، ولا الآخر (إسرائيل) في وسعه الاعتراف بالهزيمة النهائية.
من جهته، حقق حزب الله بالفعل نصراً على الدولة العبرية، حين صمد ومنعها من تحقيق أهدافها العسكرية الخاصة بتدميره أو إضعافه. لكنه غير قادر على ترجمة هذا النصر العسكري إلى انتصار سياسي. العكس هو الصحيح، فهو فقد (وإن مؤقتاً على ما يبدو) سيطرته على الجنوب مع تدفق 30 ألف جندي لبناني ودولي إليه، ولم ينجح في تعديل موازين القوى السياسية في بيروت، وإن نسبياً، لصالحه كثمرة للنصر العسكري.
وفوق هذا وذاك، ثمة مهمّـتان خارقتان للعادة مُـلقيتان على كاهل الحزب: معالجة النكبة الاقتصادية – الاجتماعية الكبرى، والتي قدّرها الأمريكيون بنحو 30 مليار دولار، التي حلّت بقاعدته الشيعية الكبيرة، والحفاظ في الوقت ذاته على دوره الإقليمي والدولي بصفته أبرز فصائل المقاومة المسلحة للأمة الإسلامية.
كيف يمكنه أن يفعل ذلك؟
أمامه ثلاثة خيارات:
• إما الاندماج بالدولة اللبنانية الحالية وتسليم صواريخه وأسلحته لها، في إطار إستراتيجية أمن وطني جديدة (وهذا أمر يبدو مستبعداً إلا في إطار صفقة إيرانية - عربية وأمريكية ما).
• أو العمل لتأسيس دولة لبنانية جديدة، (وهذا سيقود إلى حرب أهلية جديدة مدمّرة).
• أو الاستعداد لجولة جديدة من الحرب من إسرائيل.
من كل هذه الخيارات، يبدو الثالث هو الأكثر جاذبية، ليس فقط لأنه الأقل ضرراً، بل لكونه الأكثر واقعية. لماذا؟ ببساطة، لأنه يُـمكن أن يكون أيضاً الخيار الأكثر جاذبية وواقعية معاً للطرف الآخر في الصّـراع: إسرائيل.
فكما الأمر مع حزب الله، تشعر إسرائيل بدورها أن الحرب الأخيرة، وبرغم أنها أفقدت الحزب الجنوب وقذفت به إلى أَتُـون الصّـراع الطائفي في بيروت، إلا أنها كانت صفحة لم تغلق فصلاً من الصّـراع، بل فتحت صفحات وفصول عدّة أخرى، هدّدت دفعة واحدة أسُـس وجود دولة "هرتزل" نفسها:
• فبدلاً من أن تُـسفر الحرب عن استعادة هيبة الرّدع الإستراتيجية الإسرائيلية، ضعْـضعتها أكثر.
• وبدلاً من أن تُـخيف الحرب خصومها الإيرانيين والسوريين والحماسيين، شجّـعتهم على المزيد لتحدّيها.
• وعوضاً من أن تُـثبّـت الحرب دور الدولة العبرية، على أنها مركز الجاذبية الرئيسي في الشرق الأوسط، الذي يجب أن تدور في فلكه كل دول المنطقة بلا استثناء، أسفرت عن كشف نقاط ضُـعف خطيرة في بنيتها وتركيبتها وإستراتيجياتها العسكرية.
• ثم، أخيراً، بدل أن تُـعيد الحرب تأكيد أهمية إسرائيل كـ "كنز إستراتيجي" لأمريكا، هّدت بتحويلها (كما ألمح تشارلز كروثامر، نبي المحافظين الجُـدد الأمريكيين) إلى "عبء إستراتيجي".
لكل هذه الاعتبارات، وغيرها الكثير، لن تستطيع إسرائيل أن تُـدير ظهرها للماضي وتعتبر الحرب جولة أولى وأخيرة: لا حاضرها كدولة تفرض وجودها وسطوتها بالقوة على جيرانها يسمح لها بذلك، ولا مستقبلها كمركز إقليمي فرعي في "الشرق الأوسط الجديد" الذي تُـقيمه الآن الإمبراطورية الأمريكية يمكّـنها منه.
استعادة هيبة الردع
تل أبيب محكومة بأن تستعد لجولة وجولات أخرى، هذا يبدو أمراً حتمياً سبق لـ "هآرتس" أن توقّـعت أن يُـوضع موضع التنفيذ في عام 2007، أي بعد أشهر قليلة من الآن، ربما بعد أن تنتهي القيادة العسكرية الإسرائيلية من دراسة الحرب وطبيعة الأسلحة المُـستخدمة فيها (خاصة الصواريخ المُـضادة للدبابات والبارجات).
ومثل هذه الحتمية، موضع إجماع بين كل أطياف مراكز الدراسات الأمريكية، من أقصى يسار الليبراليين إلى أقصى يمين المحافظين الجدد.
الطرف الأول، أي اليسار، عبّرت عنه دورية "نيويورك ريفيو أوف بوكس" في عددها الأخير بتركيزها على النقاط المهمة الآتية:
1. أهم ضحية لهذه الحرب، كان بلا جدل الهدف الإسرائيلي باستعادة هيبة الردع، وهذا ما جعل العالم العربي يقتنع بأن أسطورة إسرائيل التي لا تُـقهر، انتهت، وهنا، يكمُـن الخطر المدمّـر بالنسبة للدولة العبرية، لأن ذلك سيعني نهاية اعتبارها القوة المُـهيمنة في الشرق الأوسط وبداية الإطلالة عليها كقوة مستنزفة ومتهالكة.
2. فيما يوازن قادة إسرائيل بين أكلاف تجدد المجابهات وبين فوائد الحقبات الأهدأ من الدبلوماسية، سيميلون إلى وضع هذا التهديد بعين الاعتبار، وسيندفعون إلى إثبات قوتهم عبر الضّـرب مُـجدداً، أي شيء قد يُـدشّـن استئناف الحرب: محاولة اغتيال حسن نصر الله أو خالد مشعل (وهذا يبدو أمرا محتم تقريباً)، استفزاز حزب الله في الجنوب.. الخ.
3. الجولة المُـقبلة من الحرب لن يكون هدفها تحرير الأسرى أو احتلال أراض جديدة، بل لهدف أقل محسوسية وأكثر خطراً: تأكيد هيبة الرّدع وتعريف قواعد اللعبة والإظهار من هو "البوص" (الزعيم) في الشرق الأوسط.
هذا ما يتوقّـعه اليسار الليبرالي. فماذا عن المحافظين الجدد؟ هؤلاء لا يتوقعون فحسب، بل يحثّـون أيضاً على استئناف القتال بأسرع وقت ممكن.
كتب ماكس بوت في "ويكلي ستاندرد" (4 سبتمبر الجاري): "لا ريب أن أعداءنا الجهاديين سيستنتجون من النّـكسات، التي تعرضت لها إسرائيل وأمريكا في لبنان والعراق، بأن الغرب "نمر من ورق"، وهذا يذكّـرنا بما كتبه أيزنهاور لشقيقه في اليوم الأول للحرب العالمية الثانية حين قال: "على هتلر أن يحذر من غضب ديمقراطية هائجة". وبعد ست سنوات من هذه الجملة، حوّلت القاذفات الأمريكية والبريطانية 600 ألف رجل وامرأة وطفل ألماني وياباني إلى رماد".
وأضاف: ".. واليوم، أعتقد أن أمريكا وإسرائيل وحتى أوروبا، قادرة على مُـمارسة العنف نفسه، إذا ما استفزت بما فيه الكفاية. ومن سوء الحظ، ومع تزايد قوة إيران وتوابعها الإرهابية، فيما تـلعق الديمقراطيات الغربية جروحها، ربما توضع هذه الفرضية على محك التجربة في وقت غير بعيد".
كلام واضح؟
أجل، وهو سيزداد وضوحاً كل يوم، مع وصول كل الأطراف المُـتصارعة في لبنان والشرق الأوسط إلى الاستنتاج بأنه، طالما أن الحرب لم تُـؤد إلى تسويات سلمية مرضي عنها، لا مناص من استئناف الحرب، وهذا، كما أشرنا في البداية، ليس لجولة واحدة، بل ربما لجولات عدة.
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>