Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00869.jsonl.gz/78

في مواجهة تآكل قاعدته الانتخابية، يتساءل الحزب الديمقراطي المسيحي عن جدوى احتفاظه بصفته "المسيحية". ولتجديد العهد مع النجاح، ألا ينبغي للحزب المراهنة بدلا عن ذلك على ميزة "الوسطية"؟ المسألة حساسة جدا، لأن الهوية الكاثوليكية تشكل ما يشبه الحمض النووي في كيان هذا الحزب العريق.
في آخر مؤتمر للمندوبين عُقد في منتصف فبراير 2020، عاد غيرهارد فيستر، رئيس الحزب لطرح هذا السؤال القديم الجديد معلنا على تنظيم استطلاع للرأي واسع النطاق. وسيتم استشارة أعضاء الحزب البالغ عددهم 80.000 شخص خلال شهر أبريل المقبل. في الوقت نفسه، سوف يتكفّل معهد Gfs.bern للأبحاث واستطلاعات الرأي باستطلاع أراء عموم السكان حول هذا الموضوع.
الهدف من إطلاق هذه العملية هو تجديد العهد مع النجاح خلال الانتخابات الفدرالية القادمة المزمع تنظيمها في عام 2023. وتسعى النخبة القيادية في هذا الحزب إلى جذب مؤيدين جدد من خارج المعاقل التقليدية للحزب الديمقراطي المسيحي: الكانتونات الكاثوليكية والمناطق القروية.
فيستر، رئيس الحزب، أوضح في حديث للإذاعة والتلفزيون العمومي السويسري الناطق بالفرنسية (RTS)، قائلا: "الخطوة الأولى لتحقيق الفوز هو التسلّح بالنقد الذاتي. ولابد من طرح الأسئلة الضرورية. ألا يوجد في سويسرا أكثر من 11% مستعدين لتأييد سياسة وسطية؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يختار هؤلاء الحزب الديمقراطي المسيحي؟".
الصفة المسيحية التي يتضمنها اسم الحزب من المحتمل أن تكون سببا في انصراف ناخبين محتملين تجذبهم السياسة الوسطية للحزب، ولكن لا يستسيغون المرجعيات الدينية.
ودافع غيرهارد فيستر عن وجهة نظره أمام مندوبي الحزب المجتمعين: "يجب أن نقدّم للناخبين عرضا سياسيا بسيطا وواضحا قادرا على مخاطبة أجيال المستقبل".
من المعارضة إلى الحكم
ارتبط تاريخ الحزب الديمقراطي المسيحي ارتباطا وثيقا بالكاثوليكية. وتعود جذوره إلى الحركة الكاثوليكية المحافظة، التي نشأت في عام 1848 لمحاربة حداثة الدولة الفدرالية الناشئة، ونزعتها الليبرالية.
وظلت الحركة الكاثوليكية المحافظة خلال نصف قرن تقريبا، تعارض التوجه الليبرالي الراديكالي. ولكن مع انتهاء القرن التاسع عشر، وظهور الاشتراكية، تحالفت تدريجيا مع الأغلبية الراديكالية.
وهكذا فاز الكاثوليكيون المحافظون بأوّل مقعد في الحكومة الفدرالية في عام 1893، ثم بمقعد ثان بعد اعتماد نظام الاقتراع النسبي في عام 1919. بل لقد أظهرت الكاثوليكية السياسية نوعا من الإنفتاح تجاه اليسار بعد الحرب العالمية الثانية، وتجاه الكنيسة الإصلاحية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.
وانتقل الكاثوليكيون المحافظون، خلال بضعة عقود، من وضع المعارضة إلى حزب حاكم، وأصبحوا أحد أعمدة النظام السياسي في سويسرا. ناهيك عن هيمنة مطلقة على المشهد في كانتونات كاثوليكية مثل فريبورغ ولوتسيرن.
إيقاف النزيف
ولكن هذا الجهاز الفعّال انتهى إلى التأزم في النهاية. ومنذ التسعينات، وعبر الانتخابات الفدرالية المتعاقبة، دشّن الحزب الديمقراطي المسيحي مرحلة من التراجع تشبه إلى حد كبير النزيف الدائم.
ولم يصوّت خلال الانتخابات الفدرالية في شهر أكتوبر الماضي، للحزب الديمقراطي المسيحي سوى 11.35% من الناخبين. وعلى وجه المقارنة فقط، كان هذا الحزب يحصل على 20% من مجموع الأصوات في بداية الثمانينات. وكان التراجع كبيرا إلى الحد الذي أدّى في خسران هذا الحزب لمقعده الثاني في الحكومة في عام 2003، لحساب حزب الشعب (يمين محافظ).
ولخص غيرهارد فيستر الأمر قائلا: "نقول دائما إن للحزب الديمقراطي المسيحي معاقل، ولكن حتى في هذه المعاقل، ليس لدينا أي ضمانة للاحتفاظ بمقاعدنا. هذا هو بالضبط السبب في أننا بصدد البحث عن الاستراتيجية الكفيلة بتحقيق الفوز في الانتخابات الفدرالية القادمة المزمع تنظيمها في عام 2023".
تمرين خطير
في سياق هذه الرغبة في تحقيق انطلاقة جديدة، يمكن فهم النقاش الذي بدأ منذ فترة حول المرجعية المسيحية للحزب. ولكن هذه العملية صعبة وخطيرة.
من المؤكّد أن التخلّي عن الصفة المسيحية يمكن أن يسمح للحزب بجذب المزيد من الناخبين الأصغر سنا عموما، والأكبر سنا في المناطق الحضرية، ولكن في نفس الوقت أيضا، قد يتسبب ذلك في مغادرة بعض المؤيدين الأكبر سنا والأشد محافظة. كما أن التخلّي عن القيم التقليدية قد ينظر له البعض كإشارة لبداية جديدة، مثلما يمكن أن يعتبره البعض الآخر، نوعا من التراجع والخيانة.
(ترجمه من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)