Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00902.jsonl.gz/54

طوت أفغانستان في عام 2001 صفحة مريرة في سجلها الدموي وبدأت فصلا جديدا من تاريخها بتنصيب إدارة مؤقتة برئاسة حميد قرضاي البالغ من العمر ستة وأربعين عاما، وهو شخص أجمعت معظم الفصائل الأفغانية على تسلمه السلطة لفترة انتقالية يفترض أن لا تزيد عن ستة أشهر.
وينتمي قرضاي إلى قبائل الباشتون التي تشكل الأغلبية من المجتمع الأفغاني وهو من قبيلة غرغزاي التي تعد المنافس الرئيسي لقبيلة غرزاي التي تشكل عصب حركة طالبان. وشغل كرزاي منصب معاون وزير الخارجية بين عامي 92 إلى 94، وبدا بشن حملة ضد نظام الطالبان عام 97.
ويتمتع الرئيس الجديد بشعبية داخل الشارع الأفغاني لكنه لا يملك القاعدة بعد. وكان يرغب أن تلعب القوات الدولية المتعددة الجنسيات دورا اكبر في عملية حفظ الأمن والاستقرار والعمل على نزع السلاح من الفصائل الأفغانية المتناحرة حتى يستطيع أن يطبق قراراته بما ينسجم ومتطلبات المجتمع الدولي بدلا من أن يكون مقيدا من قبل قادة التحالف الشمالي الذين يشغلون المناصب الوزارية الهامة في إدارته.
وعلى أية حال، فقد أعربت الأمم المتحدة عن دعمها التام لإدارته ودعت القوات المتعددة الجنسيات للوصول إلى العاصمة الأفغانية بقرار من مجلس الأمن الدولي يستند إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
سياسة العصا والجزرة
وتطلب اتفاقيةُ بون من جميع الفصائل الأفغانية الالتزام بما تم الاتفاق عليه ونزع سلاح المليشيا وكذلك اندماج هذه المجموعات لتشكيل جيش أفغاني موحد وكل من يخالف يتعرض لضربات عسكرية لاحقة من قبل الولايات المتحدة والتحالف الغربي. وهذا يعني أن سياسة العصا والجزرة تخيم على أجواء أفغانستان. العصا لمن يخالف الإدارة المؤقتة والجزرة لمن يدعم جهود حميد قرضاي.
وعادت الدول الغربية إلى كابول حيث بدأت بفتح سفاراتها تدريجيا وتدفقت الوفود الأجنبية للاجتماع مع الإدارة الجديدة لتؤكد التزامها للمساهمة في إعادة بناء أفغانستان الجديدة البعيدة عن المحاور السابقة التي لعبت فيها دول عربية دورا هاما في مرحلة الجهاد الإسلامي ضد الاتحاد السوفياتي لدعم التوجهات الأمريكية في المنطقة والحد من مخاطر انتشار الشيوعية إلى مناطق نفوذها في الشرق الأوسط. وتصدرت مصر والمملكة العربية والإمارات العربية المتحدة والسودان في تلك الحقبة الدعوة إلى الجهاد ضد الغزو الشيوعي واستشهد الآلاف من المجاهدين العرب ضد السوفيات.
معادلة إقليمية جديدة
الآن، تغيرت المعادلة ودخلت دول جديدة لتلعب دورا أساسيا في الحبكة الأمريكية الإقليمية الجديدة. اللاعبون الجدد هم دول آسيا الوسطى أو ما يعرف بالشرق الأوسط الجديد الذين لم يكن ليناسبهم وجود حكومة أفغانية إسلامية متشددة وانما حكومة متعددة الأطراف تمثل جميع الأعراق التي تشكل شرائح المجتمع الأفغاني خوفا من أن ينعكس ذلك سلبا على أوضاعها الداخلية. وسارعت إلى عقد اتفاقيات عسكرية أمنية استراتيجية مع الولايات المتحدة مما سيسمح لواشنطن بإقامة قواعد عسكرية دائمة هناك.
وجاءت تركيا والهند لتتصدرا الحقبة الجديدة في محاولة لابعاد كل من باكستان وإيران عن الشؤون الأفغانية. وفي غياب مبادرة عربية أفغانية فان المحور الجديد لا يقل خطورة على الأمن العربي من الشيوعية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الهند وتركيا تربطهما علاقات استراتيجية مع إسرائيل. وأفغانستان التي كانت دوما تفضل الحياد في لعبة الكبار عليها الآن أن تختار إلى الانسياق في مخططات الدول العظمى.
وهنالك مدرسة أخرى تؤكد أن الاستقرار والسلام في أفغانستان سينعكس إيجابيا على دول المنطقة خاصة باكستان بعد زيادة الضغوط على الجماعات الإسلامية المتشددة والحد من نشاطاتها لمنعها من الوصول إلى السلطة في باكستان، وكذلك إعادة تأهيل الحكومة العسكرية الباكستانية في المجتمع الدولي والسماح لها بالدخول في أسواق آسيا الوسطى من خلال مرور أنابيب النفط والغاز الطبيعي عبر أفغانستان وأراضيها. وهذا سيحقق إيرادات تنعش اقتصادها المتدهور.
أما طهران فمن الواضح أن النية تتجه لعزلها خارج لعبة النفوذ في المنطقة إذ أن واشنطن لا تريد للحكومة الإيرانية الحالية أي دور هام في المسرح الإقليمي وفي منطقة القوقاز بشكل خاص.
وتبقى منظمة الأمم المتحدة التي يفترض أن تأخذ في عين الاعتبار التوازن الدقيق بين مصالح الدول العظمى في المنطقة وتطلعات الشعب الأفغاني الذي يطمح للعيش بأمن وسلام والذي كان ومازال ضحية لعبة الكبار أو "حروب الآخرين" مثلما يقول اللبنانيون.
د. وائل عواد - كابول