Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00912.jsonl.gz/82

بعد أن تمَّ إيقاف نشاط هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية، التي حُرمت من القضاة بسبب الضغوط الأمريكية، تُواجه أقوى منظمة دولية تتخذ من جنيف مقرا لها والتي تتعرض للإنتقاد منذ تأسيسها - أخطر أزمة في تاريخها الذي لا يزيد عن ربع قرن من الزمان.
في شهر ديسمبر 2019، خسرت منظمة التجارة العالمية، التي أُنشئت في عام 1995، القدرة على استخدام أقوى أداة تتوفر عليها، حيث لم يعد بإمكان محكمة حل النزاعات التجارية بين الدول الاعتماد على هيئة الاستئناف التي كانت تسمح لها بالفصل في نزاع تجاري ما من خلال اتخاذ قرار مُلزم قانونياً للأطراف المعنية.
يُؤكد المدير العام السابق للمنظمة، الفرنسي باسكال لامي، على الطبيعة الاستثنائية لهيئة فض النزاعات المتعلقة بالتجارةرابط خارجي، فيُصرح لصحيفة "لوموند"رابط خارجي الفرنسية قائلاً: «هذه هي المرة الأولى التي توافق فيها الدول على تجاوز الحدود الوطنية» من خلال قبولها لحل النزاعات بعيداً عن إرادتها.
أما الولايات المتحدة فهي تنظر لهذه الجرأة بعدم الثقة منذ عام 2001، سواء كانت الرئاسة بيد الديمقراطيين أم الجمهوريين. وبعد انتخاب دونالد ترامب، بدأت واشنطن بالتحرك السريع من خلال عرقلتها لاستبدال القضاة الذين وصلوا إلى نهاية ولايتهم. واعتباراً من الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر 2019، لم تبق سوى قاضية واحدة من أصل السبعة المُقررين لهيئة الاستئنافرابط خارجي، في الوقت الذي يجب أن يكون عددهم ثلاثة على الأقل ليتسنّى لهم العمل بشكل قانوني.
عودة قانون شريعة الغاب؟
يشعر جوست باولينرابط خارجي، أستاذ القانون الدولي في معهد الدراسات الدولية العليا والتنمية، بالقلق بشكل خاص عندما يفكر بالشكاوى الخمسين العالقة التي تمَّ تقديمها إلى هيئة حل النزاعات، والتوترات التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيقول: «يمكن أن تؤدي إعاقة هيئة الاستئناف إلى حروب تجارية أخرى غير تلك القائمة بين الولايات المتحدة والصين».
ولتجنب مثل هذا السيناريو، يبحث كل من الاتحاد الأوروبي والصين عن إمكانيات لإنشاء نظام تحكيم بديل. أما سويسرارابط خارجي، فهي تقوم بالتعبئة مع 59 دولة أخرىرابط خارجي «من بين الدول المتقدمة والنامية» من أجل ضمان «نجاح» المؤتمر الثاني عشر لمنظمة التجارة العالمية المقرر عقده في شهر يونيو 2020 في أستانا، عاصمة كاراخستان.
ويتابع جوست باولين حديثه بالقول: «ما زلت متفائلاً. فالولايات المتحدة الأمريكية أخذت أعضاء منظمة التجارة العالمية الذين يريدون استمرارية عمل هيئة الاستئناف كرهائن. وهذه أداة ثقل قوية متوفرة لدى واشنطن تستخدمها في المفاوضات للحصول على تنازلات. إلا أنَّ الثقل الاقتصادي للولايات المتحدة أقل وزناً مما كان عليه في التسعينيات. وبالتالي، فمن مصلحة واشنطن أيضاً أن يكون هناك نظام يسمح بإيجاد اتفاقيات مع كل من الصين والاتحاد الأوروبي والهند».
معركة سياتل
إنَّ الأزمة التي تمر بها منظمة التجارة العالمية وإن كانت عميقة، أو حتى وجودية، فهي ليست الأولى من نوعها. فقبل عشرين عاما، قوبلت منظمة التجارة العالمية حديثة العهد بمعارضة جذرية في الشارع من قبل مجتمع مدني عالمي آخذ بالنمو. وكان ذلك باسم البيئة والتأمين الاجتماعي ودول الجنوب التي ستُضَحّي بسبب تحرير الأسواق المُقرر والمُنظّم من قبل منظمة التجارة العالمية لصالح التجارة الحرة والشركات متعددة الجنسيات. وكان في ذروة الاحتجاجات، المؤتمر الوزاري للمنظمة الذي أقيم في مدينة سياتل الأمريكية في أواخر نوفمبر من عام 1999 والذي فشل في إطلاق الجولة الطموحة للمفاوضات التي سُميَّت بالألفية.
وكان ذلك أول إخفاق خطير لهذه المنظمة الدولية (التي لا تربطها علاقة عضوية مع الأمم المتحدة) التي تضم اليوم 164 عضواً. ومنذ ذلك الحين، لم تنجح منظمة التجارة العالمية قط في إطلاق برنامج واسع لتحرير الأسواق.
نهاية التجارة الحرة دون قيود
منذ ذلك الحين، تضاعفت اتفاقيات التجارة الحرة بين الدول أو مجموعات الدول. إلا أنَّه تعيّن على هذه الاتفاقيات أن تأخذ بعين الاعتبار القضايا الاجتماعية والبيئية شيئاً فشيئاً، كما هو حال الاتفاقية المُبرمة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك التي أرادها دونالد ترامب وأشاد بها الديمقراطيون من أجل الحماية الجيّدة للعمال التي تقدمها مقارنة بمعاهدة 1994.
مثال آخر، اتفاقيات التجارة الحرة بين دول أمريكا اللاتينية التي تُعرف اختصاراً باسم "ميركوسوررابط خارجي" (السوق المشتركة لدول أمريكا اللاتينية الجنوبية) والاتحاد الأوروبي من جهة، وسويسرا (عبر الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحررابط خارجي) من جهة أخرى. إنَّ الصعوبات التي يجب التغلب عليها لتتمكن البرلمانات المعنية من التصديق عليها تُظهر أيضاً أن انتقادات مناهضي العولمة في القرن الماضي قد أُخذت بالحسبان اليوم بشكل أفضل أو أنه من الصعب التحايل عليها، حتى في إطار منظمة التجارة العالمية وأعضائها البالغ عددهم 164 عضواً.
قبل عشرين عاماً، كانت منظمة التجارة العالمية متحمسة أيضاً لهذه الاعتبارات البيئية والاجتماعية، كما يتضح من كلمة الرئيس الأمريكي رابط خارجيبيل كلينتون التي ألقاها في جنيف أمام منظمة التجارة العالمية في عام 1998 استعداداً لمؤتمر سياتل حيث قال: «علينا أن نبني نظاماً تجارياً للقرن الحادي والعشرين يحترم قيمنا كلما توسَّعت الفرص. يجب علينا عمل المزيد لكي يرفع هذا الاقتصاد الجديد مستوى المعيشة في جميع أنحاء العالم ولكيلا تصبح المنافسة الاقتصادية الشرسة بين الدول سباقاً نحو الأسفل فيما يتعلق بحماية الطبيعة، وحماية المستهلكين وظروف العمل».
غير أنَّ الحظ لم يحالف هذه النوايا الحسنة لتُترجم إلى أفعال. فمجرد الحصول على موافقة جميع الدول الأعضاء (134 في يوليو 1999) يمثّل تحدياً كبيراً.
أزمة مفيدة؟
في الوقت الراهن، تغيّر المشهد بشكل جذري مع الصعود القوي لبعض الدول مثل الصين أو الهند (اللتان استفادتا بشكل كبير من انضمامهما إلى منظمة التجارة العالمية) وتراجع نظام الدول الغربية.
ومن هنا جاءت الضرورة المُلحّة لخضوع شرطي التجارة العالمية لعملية إصلاح كي يستطيع لعب دور مهم في النظام متعدد الأطراف الذي تمَّ تطويره منذ عام 1945. وذلك من خلال الحصول على تخلي دول مثل الصين (ثاني اقتصاد في العالم) عن كونها دولاً نامية.
وفيما يؤكد جوست باولين أننا «نحتاج في كثير من الأحيان لأزمة عميقة من أجل إجراء إصلاحات جوهرية»، يبقى الأمل قائما بأن لا يتحول عُمق هذه الأزمة إلى.. هاوية بلا قرار!