Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00915.jsonl.gz/6

في ظل المسيرة المتعثرة للحوار والاتهامات المتبادلة بين السلطة والمعارضة، يزداد الوضع السياسي تعقيدا ويحيط الغموض بالانتخابات الرئاسية والمحلية القادمة.
لذلك يدنو اليمن - الذي اعتاد إجراء استشاراته الشعبية على أساس التراضي والتوافق بين الأقطاب الفاعلة في الملعب السياسي - من حلبة المنافسة الانتخابية الحامية.
تعثُـر الحوار بين المعارضة والسلطة بشأن الإدارة والإشراف على الانتخابات الرئاسية والمحلية المقرر إجراؤها في شهر سبتمبر المقبل، يُـلقي بالكثير من الغموض على وجهة هذه الاستشارة الشعبية المرتقبة، التي كثر حولها الجدل.
فاليمن الذي اعتاد أن يجري استشاراته الشعبية على أساس من التراضي والتوافق بين الأقطاب الفاعلة في الملعب السياسي منذ تطبيقه للخيار الديمقراطي عام 1990 على خلاف المرات السابقة، يدنو هذه المرة من حلبة المنافسة الانتخابية، وهو لم يحسم بعد الاتفاق على قواعد اللعبة بين المتنافسين، ولم يُـسوِّ أرضية الملعب طبقا لما تُـطالب به المعارضة التي تدعو إلى تغيير للجنة العليا للانتخابات، وتتهمها بالتّـبعية إلى الحزب الحاكم وتطالب باستبدالها بلجنة مستقلة، على الرغم من أن هذه اللجنة هي نفسها التي أدارت وأشرفت على الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم 27 أبريل 2003، التي شاركت فيها أحزاب المعارضة آنذاك.
واللجنة العليا للانتخابات، التي تطالب المعارضة بتغييرها، مكوّنة من سبعة أعضاء مشكلة بواقع أربعة من "المؤتمر الشعبي العام" الحاكم، وعضو من "المجلس الوطني للمعارضة" الموالي للحكومة، والعضوان الآخران أحدهما ينتمي للتجمّـع اليمني للإصلاح، والآخر للحزب الإشتراكي اليمني.
تشكيك في سلامة ونزاهة الانتخابات
وعلى ما يبدو، فإن جميع الأعضاء السبعة هم من ذوي الانتماء الحزبي من الناحية الفعلية، إلا أنهم من الناحية القانونية والإجرائية مُـلزمون بالحياد.
فالقانون يُـوجب عليهم الاستقالة من الأحزاب التي ينتمون إليها طيلة عملهم في اللجنة، لكن من الناحية الواقعية يُنظر لاستقالة أعضاء لجنة الانتخابات من أحزابهم على أنها ليست سوى إجراء شكلي، لأن عملية تشكيل لجان الإدارة والإشراف على الانتخابات، التي تمثل الأداة التنفيذية للجنة العليا، ظلت توزّع بالمحاصصة بين الأحزاب السياسية على أساس التراضي والتوافق تارة، أو على أساس نسبة تعادل الأصوات التي حصل عليها كل حزب في الانتخابات السابقة، تارة أخرى.
غير أن هذه الآلية لم تعد تشكل ضمانة لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة، حسب ما تطرحه المعارضة لأنها ستفضي، حسب وجهة نظرها، إلى تقرير نتائج تعزز هيمنة الحزب الحاكم على الحياة السياسية، طالما أن الهيمنة المطلقة ستكون للّـجان المنتمية للمؤتمر الشعبي بحكم حيازته على أغلبية الأصوات، والأغلبية المطلقة في مجلس النواب لذلك ترفع حاليا مطالبتها بتغيير اللجنة العليا، وتغيير آلية عملها وِفق مقاربة تؤمن استقلاليتها وسلامة ونزاهة الانتخابات القادمة.
في ظل هذه الخلافات، وبغية تلطيفها بين شركاء اللعبة السياسية، بادرت اللجنة إلى اختيار أعضاء اللجان الانتخابية من بين خرّيجي الجامعات المسجّـلين في قوائم المتقدمين للوظيفة العامة في وزارة الخدمة المدنية، بدلا من اختيارهم من بين الأحزاب السياسية، وهو ما لقي قبولا في بادي الأمر من قِـبل أحزاب المعارضة، لكنها عادت عن موقفها ذاك بعد نشر الصحف الرسمية لأسماء أعضاء اللجان واعتبرتهم من "المنتمين والمناصرين للحزب الحاكم".
جو متوتر ومواقف غائمة
وفي هذا الجو المشحون بالتوتر، أعلن المؤتمر الشعبي انسحابه من الحوار مع المعارضة، مما أعاد الأزمة بين السلطة والمعارضة إلى نقطة البداية قبل أربعة أشهر، ولم تجد حتى تدخلات الرئيس التي بذلها مؤخرا من أجل تضييق شقة الخلاف، بل إن موقف المؤتمر جاء بعد لقاء الرئيس بالمعارضة في الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي، وبدا أكثر تشدّدا بتعليقه للحوار وإعلان الأمين العام المساعد عبد الرحمن الأكوع يوم الأربعاء 5 أبريل الجاري، أن "جولات الحوار مع المعارضة أثبتت عدم رغبتهم بالتعامل في إطار الدستور والقانون".
هذا الموقف يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان الحزب الحاكم عازما على الذهاب إلى صندوق الاقتراع بمفرده، أم أن عليه أن يسترضي المعارضة بشكل أو بآخر، التي بدورها تبدو مرتبِـكة وغير حازمة أمورها، إما بحثا عن التسويات والصفقات وإما لإدراكها بحدود مناوراتها الممكنة.
فحتى اللحظة، ورغم ما يطرحه قادة المعارضة من مطالب لتهيئة الظروف للانتخابات، يبدون أكثر غموضا فيما هم قادمون عليه، وكثير ممن التقتهم سويس انفو للوقوف على مآل رفضهم لمسار التحضير للانتخابات، لا يكشفون عن خطواتهم اللاحقة (كمقاطعة الانتخابات مثلا) مُـكتفين بما أعلنته أحزاب اللقاء المشترك قبل أسبوعين، من أنها "قد تضطر إلى الخروج في مظاهرات شعبية ضد إجراءات التحضير والإعداد للانتخابات القادمة".
عدا ذلك، تبقى المواقف المحتملة لأحزاب المعارضة غائمة. وفي هذا الصدد، قال محمد الصبري، رئيس الدائرة السياسية في التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري وعضو لجنة الحوار لسويس انفو، معلِّـقا على تعثر الحوار بين المعارضة والحزب الحاكم في هذا الشأن "المؤتمر بانسحابه من الحوار، يؤكِّـد أنه غير جاد في بحث السُّـبل المؤدية إلى انتخابات نزيهة وشفافة. وبالتالي، من الصعوبة بمكان المشاركة في ظل هذا الوضع لأنه لم يحرص على التوافق بين مختلف الأطراف السياسية".
إشكال قانوني في الأفق
وحول ما إذا كان ذلك التطور سيدفع المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات، قال الصبري "من المبكّـر الحديث عن مقاطعة الانتخابات لأني مازلت مقتنعا بأن المؤتمر الشعبي العام لن يغامر بخوض الانتخابات منفردا، لأننا أمام انتخابات رئاسية تتوقف عليها مشروعية النظام، لكنه لو فعل ذلك ولم يستجب لمطالب المعارضة، فإن ذلك سيضطرنا ويدفعنا دفعا إلى اتخاذ موقف لا نحبذه".
وفي ظل هذه المسيرة المتعثرة للحوار والاتهامات المتبادلة بين السلطة والمعارضة بعدم احترام الدستور والقانون، يزداد الأمر تعقيدا ويحيط الغموض بالانتخابات الرئاسية والمحلية التي لا يفصلنا عنها سوى خمسة أشهر فقط، خاصة مع بروز مؤشرات بانتقال المشكل المطروح من مشكل سياسي إلى إشكال قانوني.
فقانون الانتخابات المعدل لعام 2005 يقضي بأن "تكون جداول الناخبين مراجعة ونهائية قبل ستة أشهر على الأقل من تاريخ صدور قرار دعوة الناخبين إلى انتخابات عامة أو استفتاء"، لكن اللجنة العليا تقول إن إجراءاتها تجري وفق القانون السابق الذي كان قد حدّد تلك المدة بأربعة أشهر، وهو ما اعتُـبر مؤشرا آخر على مدى عدم اكتراث اللجنة العليا للانتخابات بالقانون، كونها تريد تطبيق نص قانوني ملغى على واقعة لاحقة، مما يضيف إشكالا قانونيا قد ينسحب على مشروعية الانتخابات المقبلة.
بل ويزداد الإشكال حدّة فيما لو ظلت الخلافات مستمرة، في حين أن القانون يوجّـب على رئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس النواب تزكية ترشيح المرشحين للرئاسة قبل موعد انتهاء ولايته الرئاسية بتسعين يوما، أي قبل 2 أكتوبر القادم موعد انتهاء ولاية الرئيس صالح الحالية، لأنه بعد صدور تلك الدعوة لا يجوز إجراء أي تعديل على جداول الناخبين المقرة وفقا لقانون الانتخابات النافذ.
إجمالا، يمكن القول أن الغموض سيظل يلف الانتخابات المقبلة حتى ترتسم الصورة بإحدى الاتجاهات: إما أن تجرى في موعدها المقرر، إذا ما تراضت السلطة والمعارضة على آلية لتوزيع اللجان الانتخابية، ولو خارج القانون، أو أن تجرى في ظل مقاطعة المعارضة، خاصة إذا ما تعذّر الوصول إلى التوافق مجدّدا أو أن يؤول مصيرها إلى التأجيل، لاسيما إذا ما اتفق الطرفان على إجراء "التعديلات الدستورية" التي راج الحديث عنها مؤخرا.
وعموما، لا يفصلنا الكثير عن تقرير أي خيارات سترجح، والأيام القادمة وحدها كفيلة بتقرير أي وجهات سيرسو عليها الخيار.
عبد الكريم سلام - صنعاء