Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/146

"المكان الأكثر جاذبية للعيش في البلاد": هذه التسمية لم تُطلَق على العاصمة المالية السويسرية، كما لم يَحظَ بها مركزها الدولي، ولكنها كانت من نصيب بلدية صغيرة بالقرب من زيورخ.
حين وصولي إلى "روشليكونرابط خارجي" كانت المطر يَهطل بِغزارة، والسماء مُلبدة بغيوم رمادية ثقيلة. لكن، ومع توقف المطر، عاد الناس إلى الخروج ثانية ومعهم خيوط الشمس الذهبية. الشوارع المُنحدرة صوب البحيرة تزدان بمنازل مؤطرة بالخشب والمحلات الجميلة، والمشهد من جهة الشاطئ يأسر الألباب.
ورغم اني لا أقيم بعيداً عن ‘روشليكون’، لكنها أول زيارة حقيقية لي إلى هنا. هذه القرية ليست معروفة حتى بالنسبة لمعظم السويسريين، لكنها تضم بين سكانها نُخبة من العاملين في قطاع الأعمال التجارية العالمي، مثل إيفان غلاسنبرغ، الرئيس التنفيذي لـشركة "غلينكور" العملاقة المُتعددة الجنسيات، المُختصة بتجارة السلع الأولية والتعدين.
الفضل في جاذبية هذه القرية يعود في جزء منه إلى انخفاض معدلات ضرائبها - وهذا واحد من الأسباب التي دعت مجلة "فيلتفوخهرابط خارجي" (الأسبوعية الصادرة في زيورخ) إلى مَنحها المَرتبة الأولى في قائمة أفضل الأماكن للعيش في سويسرا. وقد تَضَمَّن الترتيب جميع البلديات السويسرية التي يسكنها 2,000 شخص على الأقل، حيث تم تقييم المدن والبلدات الـ 924 وفق سبعة معايير هي: الإسكان، الوظائف، إحصاءات السكان / عدد دافعي الضرائب، معدلات الضرائب، وسائل النقل العامة، السلامة والخدمات المحلية مثل المدارس والأطباء والمحلات التجارية والعروض الثقافية.
"لدينا عدد من العوامل التي يُمكن أن نعتبرها بِمَثابة الهِبة"، كما يقول عمدة ‘روشليكون’ برنهارد إلسينَر خلال لقائنا في قاعة البلدية. "نحن قريبون من البحيرة، ومن مدينة زيورخ أيضاً، كما نتوفر على أنظمة نقل عامة وخاصة ممتازة".
وبالفعل، لا تبعد القرية سوى ستة كيلومترات عن زيورخ، التي كانت المدينة الأعلى ترتيبا في المسح، بحصولها على الموقع 22. أما مدينة جنيف، فجاءت في المرتبة 45.
ووفقاً لـ إلسينَر، تعود عوامل الجذب الأخرى إلى المجتمع المحلي، حيث يتم تشجيع بناء شقق سكنية للأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف السكن في ‘روشليكون’ في الأحوال العادية، بسبب ارتفاع أسعار العقارات في زيورخ ومحيطها. وعلى سبيل المثال، توجد هناك خطط لبناء شقق منخفضة التكلفة في المركز، قرب السكة الحديدية. ومثل هذه الوحدات السكنية متوفرة بالفعل في أجزاء أخرى من القرية.
أما المناطق السكنية الأكثر رفاهية، فتقع على ضفاف البحيرة أو على سَفح التل - حيث شُيِّدَت ‘روشليكون’ على مُنحدر - للاستفادة من منظر البحيرة الخلاب.
وثمة عامل آخر لنجاح ‘روشليكون’ يتمثل في حياتها الثقافية النابضة بالنشاط، والتي تساهم في تعزيز الروح المجتمعية.
مغتربون مشهورون وآخرون
يُشكل الأجانب حوالي 30% من سكان البلدية، وينتمي عددٌ كبيرٌ من هؤلاء إلى الجيل الثاني وحتى الثالث. لكن هناك العديد من المُغتربين أيضاً، والذين يعمل البعض منهم في مختبر أبحاث شركة آي بي أم (رابط خارجيIBM)رابط خارجي القريب.
وبحسب إلسينَر، يُثَمِّن المغتربون الخصوصية التي يتمتعون بها هنا. "لدينا العديد من كبار مديري الشركات العالمية الشهيرة، والمدراء التنفيذيين الذين لا يعلم أحد تقريباً انهم يعيشون في البلدية. أطفالهم يتوجهون إلى المدارس هنا، وأسرهم تذهب إلى محلات التنظيف الجاف كما يفعل أي شخص آخر".
وكان غلاسينبيرغ الذي ولد في جنوب أفريقيا قد تصدر عناوين الأخبار في عام 2011، بعد أن أسفر تعويم شركة ‘غلينكور’ عن عوائد ضريبية ضخمة مفاجئة لخزائن ‘روشليكون’. ويقال أيضاً ان أحد كبار الشخصيات الأخرى المقيمة في ‘روشليكون’ هو أريك أولسن، الرئيس التنفيذي السابق لشركة ‘لافارج هولسيم’ المتخصصة في صناعة مواد البناء، ومونيكا ريبار، رئيسة مجلس إدارة هيئة السكك الحديدية الفدرالية السويسرية.
وباعتبارها من المُغتربين، تعرف أورته سابيلوس جيداً ما يَعنيه الإندماج. وتعيش السيدة ذات الأصول الألمانية، التي تترأس اليوم رابطة أولياء الأمور في ‘روشليكون’ منذ عام 2001. وكان طفليها الأكبر سناً قد درسا في المدرسة الدولية القريبة، لكن أصغر أطفالها يذهب إلى المدرسة المحلية "بغية اكتساب الجذور في القرية"، كما تقول سابيلوس.
الاحساس بالإنتماء للمجتمع
وكما تقول سابيلوس، كان لزيادة عدد المغتربين تأثيراً إيجابياً على ‘روشليكون’. "السكان المحليون والوافدون يتحدثون فيما بينهم، وهم لا يعيشون بشكل مُنعَزِل عن بعضهم البعض، لأن لدينا الكثير من الأنشطة الجارية، وهو ما يرجع إلى وجود الأندية والجمعيات"، كما توضح.
ولكن ما الذي يدفع المغتربين إلى المجيء لـ ‘روشليكون’؟ أحدى الأسباب هو السَماع عنها من أشخاص آخرين، كما تقول سابيلوس، التي تضيف بأن البيئة في البلدية مُراعية لمتطلبات الأسرة. كذلك تقوم المدرسة بدور كبير لإدماج الأطفال الذين لا يتحدثون اللغة الألمانية.
ورغم تدفق الوافدين الجدد، لكن أرنست روستَرهولتس، الذي يعمل كحارس إنقاذ في بركة السباحة على جانب البحيرةرابط خارجي منذ 33 عاماً، لا يزال يعرف الكثير من الناس المقيمين في القرية.
هنا يستمتع الناس بالبحيرة صيفاً، بالإضافة إلى ممارستهم المشي وركوب الدراجات في الغابات القريبة على مدار السنة. "في الواقع، لا يوجد في القرية مركز محدد، ولكنها تتوفر على عدة أماكن للقاء"، كما يقول روستَرهولتس، مضيفا أن شعور القرية لا يزال قائماً هنا.
بدورها، تستمتع جيوفانا أرنولد، التي تعمل في محل ‘تيرلاندَن’ للتنظيف الجاف، الواقع بالقرب من المحطة، بالحياة في ‘روشليكون’ - على الرغم من انها تعيش في بلدية ‘أدليسفيل’ القريبة (التي جاءت في المرتبة 56 على القائمة - وكانت واحدة من الأماكن العشرة الواقعة على الضفة الغربية لبحيرة زيورخ، التي نجحت بالوصول إلى قائمة أفضل 100 مكان للعيش في سويسرا).
خلال فترة قصيرة من الهدوء، نبدأ بتجاذب أطراف الحديث - فالمحل اليوم مشغول فوق العادة لوجود عَرض خاص. "الناس هنا لطفاء، وقد حافظوا على تواضعهم. حتى الأسر المعروفة - أنهم يجلبون ملابسهم بانفسهم، ولا يوكِلون هذه المهمة للسائق على العموم. وهم سيتحدثون معك بدون كلفة"، كما قالت.
في المستقبل
وما هو رأي جيل الشباب بـ ‘روشليكون’؟ swissinfo.ch تحدثت مع ثلاثة تلاميذ من المدرسة الإبتدائيةرابط خارجي - التي تقع قبالة مبنى البلدية - سُمِحَ لهم بالخروج من دروسهم خصيصاً. "أنا أحب هذا المكان حقاً"، تقول دلفين ذات الاحد عشر ربيعا من العراق، التي تعيش في ‘روشليكون’منذ 18 شهرا، والتي تحب قضاء وقتها مع الأصدقاء. وكما تضيف بلغة ألمانية جيدة: "أنا أحب ركوب الدراجة والرياضة، التي يمكنك أن تمارسها في الغابة أيضاً".
أما بالنسبة لصديقاتها آني وماتيلدا، اللتان ولدتا وترعرعتا في روشليكون’؛ تستمتع ماتيلدا بشكل خاص بالتواجد في نادي الشباب بعد ظهيرة أيام الأربعاء، في حين تحب آني إمكانية انتقال الشخص بنفسه دون الحاجة إلى سيارة، وقُرب القرية من زيورخ أيضاً. وهل تفكر الفتيات بالبقاء في ‘روشليكون’ في المستقبل؟ هذا مُحتمل بالنسبة لديلفين وماتيلدا، ولكن آني تعتقد أنها قد ترغب في الذهاب الى لندن يوماً ما. لكنها لا تنسى أن تضيف: "سوف تظل ‘روشليكن’ محل ميلادي رغم ذلك".
هذا يقودنا إلى السؤال الأساسي حول ما سيحدث في العام المُقبل. هل تأمل ‘روشليكون’ بالحفاظ على مركزها المتفوق في عام 2018؟ الجواب يكمُن في الانتظار ورؤية ما سيَحدُث، كما قال السينَر، الذي يتطلع بدوره إلى مشاهدة المنهجية المُستخدمة في الاستطلاع.
"أحد الصحفيين سألني عما سأفعله لو أننا لم نَعُد نحتل المرتبة الأولى، وإن كنت سأتقاعد من وظيفتي كعُمدة للبلدية"، يقول إلسنير، الذي يشغل هذا المنصب بدوام جزئي مثل كل عمدة في البلديات السويسرية الصغيرة. أما وظيفته الأخرى [الأساسية] فهي كأستاذ لعلم الموادرابط خارجي في قسم الهندسة المدنية والبيئية والجيوماتيكس في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ.
"لقد أجبته بالنفي، لأن هذه ليست طريقة العمل المُعتادة في النظام السياسي السويسري. والنقطة الثانية، هي أنني سوف أهنئ عمدة البلدية الجديدة التي ستحتل المركز الأول".
اختلافات إقليمية
تُعتبر ‘روشليكون’، وميغَّن’ و‘تسوغ’، التي تقع على بحيرات زيورخ، ولوتسرن وتسوغ على التوالي- أفضل ثلاثة أماكن للعيش في سويسرا. ومن بين الأماكن العشرة الأوائل، تقع ستة بالقرب من زيورخ. ولم تتضمن قائمة أفضل الأماكن للعيش في سويسرا سوى بلديتين في جزء سويسرا الناطق بالفرنسية هي ‘شين بوجري’ (في كانتون جنيف) و‘لوتري’ (في كانتون فو). كما جاءت بلدية ‘فال دو ترافير’ (كانتون نوشاتيل) في أسفل القائمة.
وتظهر دراسة عن حول القدرة الشرائية للفردرابط خارجي في سويسرا لعام 2017، أعدها معهد "جي أف كي"، أكبر معهد لأبحاث السوق في ألمانيا، وجود اختلافات إقليمية واضحة، حيث تقع زيورخ وجنيف ووسط سويسرا في المقدمة من حيث القوة الشرائية.نهاية الإطار التوضيحي