Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/184

عادة ما تُـمتدح الطريقة السويسرية لإدارة النزاعات، لكن المؤرخة إيرين هيرمان، التي قامت بمراجعة تاريخية لها، تُـبدّد بعض الأوهام المرتبطة بما يُـسمى "الذكاء السويسري".
وكما أن السويسريين لم يكونوا مبرمجين جينيا للتفاهم فيما بينهم، فإنهم لم يتوصلوا بمفردهم إلى تحقيق الانسجام الوطني.
محايدة، مستقرة، هادئة. في معظم الأحيان، يُـتحدث عن سويسرا عبر أوصاف تُـحيل على الهدوء، في حين أن تاريخها تخلّـلته العديد من النزاعات الدينية والسياسية والاجتماعية واللغوية.
السيدة إيرين هيرمان، وهي أستاذة مشاركة في التاريخ الحديث في جامعة فريبورغ، اهتمت بدراسة الكيفية التي سمحت للسويسريين بتجاوز جميع خلافاتهم، وتوصلت من خلال البحث في الكيفية التي بُـني بها الانسجام الوطني، إلى أنه نجم في معظم الأحيان، عن الظروف القائمة والتهديدات الخارجية.
في كتابها الذي صدر في ربيع 2006 بعنوان "جراحات الماضي، بحث حول إدارة النزاعات في سويسرا من 1798 إلى 1918"، خلُـصت إلى أن العديد من أساليب التوافق المؤسسة "للسلم الهلفيتية" اعتمدت الآلية ذاتها.
سويس انفو: كيف اتجهت إلى مساءلة المثال السويسري الذي يبدو أنه يضمن تعايشا معقولا واستقرارا راسخا؟
إيرين هيرمان: صحيح أن هذا الاستقرار يرتبط بشكل وثيق بالهوية السويسرية إلى الحد الذي لم نعد نفكّـر فيه البثة. في الواقع، هذه الأبحاث أثيرت عندي بمناسبة قدوم باحث روسي في حقبة الاتحاد السوفياتي. فقد كان يتساءل كيف يمكن لكل هذا أن يظل متماسكا؟ إثر ذلك، أقنعتني المشاكل التي برزت في رواندا أو في يوغسلافيا سابقا، بأنه يوجد هنا موضوعا يستحق البحث.
سويس انفو: هل صحيح أن سويسرا مدينة في وجودها لأسباب "سلبية" فقط؟ تتحدثين عن "رغبة قوية بعدم العيش مع آخرين" وعن "ديناميكية رفض متصالحة"؟
إيرين هيرمان: إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر، يمكن القول بالفعل أن سويسرا شُـيدت أساسا – ولكن ليس فقط – بشكل سلبي. إجمالا، لعب التهديد الخارجي دورا أساسيا. فعلى سبيل المثال، كانت هناك رغبة قوية من طرف سكان مختلف الكانتونات لعدم التحول إلى أعضاء في مجموعات أكبر يمكن أن تفرض عليهم تقليص خصوصياتهم.
فمن خلال دراستي لانضمام جنيف إلى الكنفدرالية، توصلت إلى أن مواطني جنيف لم يكونوا يرغبون بالضرورة بالتحول إلى سويسريين، لكنهم كانوا خائفين جدا من أن يُـصبحوا تابعين لمقاطعة سافوا، أي فرنسيين.
سويس انفو: في عام 1992، فجّـرت الجملة القصيرة للفنان Ben Vautierفي المعرض الكوني بإشبيليا، التي قال فيها "سويسرا غير موجودة"، جدلا كبيرا. ما هو صدى هذه الجملة اليوم بالنظر إلى نتائج دراستك؟
إيرين هيرمان: بالنسبة لي، هذا يمثل قمة الهوية السويسرية. فالثقة الشديدة بالذات، تسمح للمرء بأن يُـعلن أمام العالم بأننا غير موجودون. لكن هذه الجملة القصيرة كانت تترجم في تلك الفترة التي تم فيها التصويت على انضمام سويسرا للمجال الاقتصادي الأوروبي، الشعور بأن شيئا ما كان يتغيّـر على هذا المستوى.
إن ما يلاحظ اليوم من توجّـه المواطنين السويسريين إلى التعلق برموز قديمة، يؤشر في الواقع على شيء من هشاشة الهوية السويسرية بوجه التغييرات التي ترتسم في الأفق.
سويس انفو: في الوقت نفسه، نعثر مجددا في عمليات التصويت، كالتي تعلقت بمليار الإندماج (المخصص للدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي)، اتجاها لدى السويسريين للتحرك كمواطنين مسؤولين وواعين بواجباتهم تجاه الخارج؟
إيرين هيرمان: في بداية الدولة الفدرالية، انطلاقا من عام 1847، كررت النخب – من أجل استغلال عزمهم على إنشاء الدولة الأمّـة – على مسامع المواطنين السويسريين أنه من واجبهم البقاء موحدين، لأنهم محظوظون بالعيش في الديمقراطية الوحيدة بأوروبا.
انطلاقا من الحرب العالمية الأولى، رأينا أن السويسريين اقتنعوا بداخلهم بفكرة المسؤولية المواطنية هذه، عندها، أمكن للحكومة استعمالها مجددا كحجّـة لتشجيع الشعب على التصويت بشكل "معقول".
أما فيما يتعلق بصندوق الاندماج، حصل لدي الانطباع لدي فعلا بأن هذا الخطاب عاد للظهور مجددا بعد أن تراجع في وقت معين. فقد تم الحديث مجددا عن مفاهيم كالمسؤولية والاستحقاق والكرامة، وهي مفاهيم يتميز بها هذا الخطاب.
سويس انفو: لقد تم اقتراح الأسلوب السويسري لإدارة النزاعات كمثال عند اندلاع نزاعات في الشرق الأوسط أو في لبنان، وخاصة في الستينيات من القرن الماضي. هل يمكن واقعيا أن يكون صالحا للتصدير؟
إيرين هيرمان: برأيي، هذا غير ممكن تماما! هذا النظام يعتبر ثمرة لتاريخ طويل، ونظرا لأنه كذلك، فهو غير صالح للتصدير، إن الأسلوب السويسري لإدارة النزاعات، يمكن أن يصلح أساسا للنقاش، لكن البحث عن نسخه بحذافيره ليس ممكنا ولا مرغوبا فيه بالضرورة.
أجرت المقابلة كارول ويلتي - سويس انفو
(ترجم المقابلة من الفرنسية وعالجها كمال الضيف)
معطيات أساسية
1291: التاريخ التقليدي لتأسيس الكنفدرالية
القرن 16: ظهور البروتيستانتية يؤدي إلى ظهور انشقاقات بين الكانتونات.
1648: بعد حرب الثلاثين عاما، سويسرا تحصل رسميا على استقلالها.
1798: غزو سويسرا من طرف الجيوش الثورية ونابليون يعيد تقسيمها، وتصبح الجمهورية الهيلفيتية.
1815: مؤتمر فيينا يمنح سويسرا وضع الحياد.
1848: سويسرا تُـقر دستورا بعد حرب سوندربوند القصيرة، التي شهدت مواجهة بين الكانتونات المحافظة والتقدمية.
1874: اعتماد الدستور الذي لا زال قائما إلى اليوم.
1918: إضراب عام في أعقاب الحرب العالمية الأولى، التي أفلتت منها سويسرا نظرا لحيادها.
"العيش المشترك" السويسري
ترتبط أساليب التوافق ذات الخصوصية السويسرية بما يمكن تسميته نمط "العيش المشترك"، كما أن التعابير المستعملة في هذا الخصوص، مشتقة من هذا المفهوم.
هناك ما يصطلح على تسميته بـ "التوافق"، الذي يعني البحث المستمر عن توازن بين الأحزاب السياسية إضافة إلى مختلف المجموعات الثقافية واللغوية والاجتماعية والسياسية في سويسرا.
وهناك الإجماع، وهو مصطلح يشير إلى اتفاق إجماعي (و بالأحرى غياب المعارضة) يمكن أن يسمح باتخاذ قرار دون إجراء تصويت مسبق. فالإجماع باعتباره أسلوبا لاتخاذ القرار، يرفض إقرار خيار دون أن يحصل على موافقة الجميع في الحد الأدنى.
القرار الجماعي، هذا المبدأ يعني أن أعضاء الحكومة الفدرالية السويسرية السبع يتخذون القرارات بشكل جماعي، ثم يلتزمون إثر ذلك بدعم موقف موحد.