Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00906.jsonl.gz/59

بعد مرور ثلاثين عاماً على مشاهد التعاطي العلني للمخدرات التي انتشرت في عدد من المدن السويسرية، أصدرت المحكمة الفدرالية مؤخراً قراراً رائداً، حيث سيعتبر مدمنو المخدرات مستقبلاً في حكم المرضى. وسيصبح من حق الذين يسري عليهم هذا الحكم المطالبة بمعاش عجز، حال توفر شروط بعينها.هذا المحتوى تم نشره يوم 08 أكتوبر 2019 - 11:00 يوليو,
فقد أورد المؤلف الأمريكي وليام بورو عام 1959 في كتابه الذي أثار فضيحة كبرى "الغداء العاري" (مقتبس بتصرف): "سواء استنشقت هذه المواد، أو دخنتها أو أكلتها، أو أدخلتها إلى جسمك باي طريقة، فالنتيجة واحدة دائماً، وهي: الإدمان". ثم أضاف: "مدمن المخدرات هو شخص ذو احتياج كامل لتلك المواد". فبورو نفسه كان واقعاً تحت تأثير الهيروين والمورفين لمدة خمسة عشر عاماً.
وبعد ذلك بستين عاماً، قررت المحكمة الفدرالية، أعلى هيئة قضائية في سويسرارابط خارجي في حكمها الصادر في 11 يوليو 2019، أن هناك حاجة ملحة إلى التعامل مع إدمان المخدرات بنفس الصورة التي يتم بها النظر إلى الاضطرابات النفسية والعقلية. أما الوضع السابق لذلك فكان: أن مدمني المخدرات من المشتركين بالتأمين الصحي ليس لهم الحق في المطالبة بتأمين العجز سوى في حالة أن يسفر إدمانهم عن مرض (أو حادث) بعينه، أو أنه نفسه كان نتيجة لمرض ما. إذن فقد كان الرأي السائد هو أن الشخص المدمن هو المسئول عما آلت إليه حالته الصحية، وأن في إمكانه إنهاء الإدمان بالإقلاع عنه بكل بساطة.
تغيير الحكم القضائي
استناداً إلى أحدث المعارف الطبية، قررت المحكمة الفدرالية قبول الطعن المقدم من أحد أبناء مدينة زيورخ، البالغ من العمر 44 عاماً، والذي يعمل في إصلاح أقفال السيارات. فلقد كان الرجل المدمن لكل من الفاليوم والأفيون يحاول منذ سنوات الحصول على معاش العجز عن العمل، إلا أن شكواه المقدمة إلى محكمة التأمينات الاجتماعية لمدينة زيورخ قد قوبلت بالرفض. حيث رأت المحكمة من ناحية المبدأ أن كل إدمان يمكن علاجه بالإقلاع عنه. ولكن وفقاً للمركز السويسري الوطني المختص بعلاج الإدمان، فإن التناول اليومي لمخدر الفالويم على مدى أربعة إلى ثمانية أسابيع يؤدي عادة إلى "إدمان فسيولوجي"، بل أن تناول هذا المهديء باستمرار قد يؤدي إلى التعرض للعديد من المخاطر، خاصة فيما يتعلق بالقدرة على التذكر، وكذلك بالقدرات الإدراكية". ويبدو أن هذه الحجة هي التي استندت إليها المحكمة الدستورية.
لقد أقر القضاة في البيان الذي ساقوا فيه حججهم أن الشخص المدمن عليه شحن طاقات هائلة، كي يتمكن من مقاومة احتياجه إلى تناول تلك المواد مراراً وتكراراً". وهو ما يضعف قدرته على ممارسة أي عمل بدوام كامل أو جزئي. وإذا ما كان تناول المواد ذات الأثر النفسي يؤدي إلى تكرار التغيب عن محل العمل، أو إذا ما أصبح لتناول تلك المواد الأولوية المطلقة قبل أية أنشطة أخرى، فإننا في هذه الحالة أمام "فعل ذي صفة مرضية". وبهذا الحكم القضائي يستطيع الأشخاص المدمنون للمخدرات القوية والمهدئات، التقدم للحصول على إعانات العجز مستقبلاً، طالما أن قدرتهم على العمل قد تقلصت بشدة بسبب اضطراباتهم النفسية (الاكتئاب أو الفصام). ويتم تحليل الملفات الطبية بواسطة المختصين في مجال الدمج الوظيفي والأطباء. وطبقاً للتقديرات، فإن عشرة بالمائة فقط ممن يحصلون على متابعة في العيادات الخارجية لرعاية المدمنين، والبالغ عددهم الإجمالي ستة عشر ألف شخص، يمكنهم توقع الحصول على معاش بسبب العجز عن العمل.
التسجيل التلقائي في تسعينيات القرن الماضي
"قبل خمسة وعشرين عاماً تم تسجيل هؤلاء الذين كانوا يعانون من مثل هذا النوع من الإدمان، لدى تأمين العجز عن العمل"، هكذا تتذكر باربرا بروس، المسئولة الطبية عن قسم الإدمان في مستشفى جنيف الجامعي. ومع سياسة الركائز الأربعة (الوقاية، والعلاج، وتقليص المخاطر، والقمع) التي اعتمدت في سويسرا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان الهدف الأساسي هو السيطرة على حالة الأزمة الصحية وتحجيم مشاهد تناول المخدرات في العلن، والتي انتشرت بشدة في مدن مثل زيورخ وبرن.
"لقد اعتبرت هذه الفئة من الشعب معرضة للخطر وكانت كثيراً ما تعاني من أمراض جسمانية (فيروس نقص المناعة إيدز، والالتهاب الكبدي الوبائي من الفئة C). ولم يكن من المقبول أخلاقياً، تركها لمصيرها. كان تأمين العجز يساند المصابين، كي يتمكنوا من تسديد فواتيرهم الشهرية، وإيجاد مأوى والتمكن من الحصول على الغذاء. ولربما كان تأمين العجز قد تمادى آنذاك كثيراً. ذلك لإنه قد أزاح هؤلاء الناس الذين لا يرجى شفاؤهم خارج الإطار الوظيفي"، تقول السيدة بروس متذكرة: "منذ ذلك الحين أضيفت العديد من القيود على تعديلات تأمين العجز عن العمل".
لقد قطع المرضى رجالاً ونساءً شوطاً طويلاً. ولذلك يجب وضع جميع الملفات على الطاولة ودراستها بعناية
باربرا بروس، طبيبةEnd of insertion
أسباب أكثر عمقاً
ترى الطبيبة باربرا بروس أن الإدمان مشكلة معقدة. ولم تُجدِ جميع التطورات الطبية الحديثة ـ وخاصة تزايد إمكانية استعمال تصوير الناقلات الدماغية ـ شيئاً. "قد يكون تناول المخدرات نتيجة لأسباب أكثر عمقاً: مثل اضطرابات ما بعد الصدمة، أو الشعور بالضغط النفسي، والذي يتلازم مع موقف مؤلم بأكلمه. وفي تقديرها يصعب تحديد، عند أي درجة من اضطراب تناول المواد المخدرة يمكن الموافقة على منح معاش العجز عن العمل. "لقد قطع المرضى رجالاً ونساءً شوطاً طويلاً. وبعضهم قد عاد للإدمان بعد الإقلاع عنه. ولذلك يجب وضع جميع الملفات على الطاولة ودراستها بعناية"، كما تؤكد الطبيبة باربرا بروس.
"يقوم مركز تأمين العجز عن العمل بطلب بعض المعلومات اللازمة، للتمكن من تكوين صورة عن الحالة الصحية لمقدم الطلب، وعن وضعه الوظيفي ومجال عمله المعتاد"، كما توضح سابرينا غاسر، المتحدثة الطبية باسم المكتب الفدرالي للتأمينات الاجتماعية. كذلك يتعاون فريق من الخبراء متعددي التخصصات في مجالات الدمج الوظيفي والوساطة المهنية ومن الأطباء المختصين، وبصفة خاصة من العاملين بالخدمات الطبية الإقليمية، من أجل التوصل إلى استجلاء الحالة والحصول على رأي طبي. ويصدر هذا الفريق كذلك حكماً بشأن تأثير المرض على قدرة ذلك الشخص المعني بالتأمين الاجتماعي على ممارسة العمل.
مرحلة المراقبة
وفي مركز رعاية مرضى الإدمان "سوبراكس" بمدينة بيل/بيان يُعتقد أن يشمل تعديل الحكم القضائي هذا حوالي عشرة بالمائة من المرضى ممن سيحق لهم المطالبة بمعاش العجز عن العمل مجدداً. ويقصد بهم هؤلاء الأشخاص، الذين نال إدمان المخدرات من صحتهم تماماً. "ولقد أبلغت تأمينات العجز بكانتون برن قسم الشئون الاجتماعية لمدينة بيل بالفعل أن هذا المعاش التقاعدي لن يحق لجميع مرضى الإدمان بصورة تلقائية. بل يجب تقديم ما يثبت تضرر صحة هؤلاء المرضى"، هكذا تلخص ريغولا هيلغ، المديرة التنفيذية لمركز رعاية مرضى الإدمان "سوبراكس" الوضع.
"ففي مرحلة أولية سوف نضع الموقف نصب أعيننا، ومن ثم نختار العديد من المرضى رجالاً ونساءً ونقدم ملفاتهم لتأمين العجز". وفي بيل يشارك حوالي مائتي شخصاً في برنامج للحصول على بدائل. ونادراً ما يعمل أحدهم بنسبة 100%: بل أن أغلبهم لديه دوام عمل مخفض أو أنهم لم يعودوا قادرين جسمانياً أو نفسياً على ممارسة العمل بصورة اعتيادية. ومن بين المائتي وثمانية شخصاً الذين يتلقون العلاج في مركز "سوبراكس" سيسمح مستقبلاً لحوالي عشرين فقط التمتع بمعاش العجز عن العمل"، كما تقول السيدة ريغولا هيلغ.
من شأن معاش العجز أن يمكنهم من العودة إلى حياة منظمة والاندماج اجتماعياً بصورة أفضل
روت درايفوس، الوزيرة السابقة في الحكومة الفدرالية
الكرامة الإنسانية
زارت الوزيرة الفدرالية السابقة روت درايفوسرابط خارجي، والتي شغلت مقعد وزارة الشئون الداخلية منذ عام 1993، مشهد تناول المخدرات العلني بالقرب من ساحة ليتن بمدينة زيورخ، كي تستطيع تكوين صورة عن المكان المقفر، والذي كان بمنأى عن القانون، حيث لقى أشخاص حتفهم نتيجة لجرعة زائدة، أو بسبب الإصابة بالفيروس الكبدي الوبائي أو بفيروس الإيدز. ولقد توصلت درايفوس آنذاك بالفعل أنه يجب اعتبار هؤلاء الأشخاص "مرضى"، وليسوا متسكعين أو خارجين عن القانون، كما يجب كذلك زيادة البرامج الصحية وتقليل القمع. فأهم شيء بالنسبة لها هو الكرامة الإنسانية.
أما الرسالة التي لم تتزحزح عنها قيد أنملة طول هذه السنوات، فقد وجدت لها الآن آذاناً صاغية في المحكمة الدستورية. "فقد قام القضاة الفدراليون بمراعاة أحدث المعلومات المستقاة من تقارير منظمة الصحة العالمية في إصدارهم لهذا الحكم الإيجابي والواضح"، مثلما تؤكد الوزيرة الفدرالية السابقة ورئيسة اللجنة الدولية لسياسة مكافحة المخدراترابط خارجي. وبموجب هذا الحكم حصل المدمنون على أحد الحقوق. "والكثيرون منهم يعتمدون اليوم على الدعم المقدم لهم من الأموال العامة. ومن شأن معاش العجز عن العمل أن يمكنهم من العودة إلى الحياة المنظمة، والاندماج في المجتمع بصورة أفضل، وتمكينهم في ذات الوقت من تحمل المسئولية".
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة