Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00887.jsonl.gz/39

فتَح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2099 حول النِّزاع الصحراوي، الباب واسِعا أمام شكْل جديد من أشكال الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تدور رحاها منذ أكثر من 37 عاما، دون أن يظهر حل في الأفق أو بروز مؤشر يُفيد بأن الأمم المتحدة التي تسعى لتسوية النزاع سِلميا، ستضع الطرفيْن على طريق هذا الحلّ.
كان مخاضُ القرار 2099 عسيرا بل كادت وِلادته أن تذهب بالسلام الصحراوي المُتعثِّـر أصلا إلى المجهول، بعد أن رمت الولايات المتحدة في أحضان مجلس الأمن بالمشروع، دون التّشاور مع أعضائه أو مع "مجموعة أصدقاء الصحراء" ولا مع أطراف النزاع (المغرب وجبهة البوليساريو)، مُتضمِّنا توسيع صلاحيات قوات الأمم المتحدة، المُنتشرة في الصحراء (المينورسو)، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيّمات تِندوف بالجزائر، وإبلاغ تقاريرها إلى مجلس الأمن.
كان المشروع الأمريكي صدْمة للمغرب، الذي رأى فيه مسّا بسِيادته على المِنطقة المُتنازَع عليها، وخروجا على مهمّة قوات المينورسو، المضبوطة باتفاقية 1991 المُبرمة بين المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة، والمحددة بالإعداد للإستفتاء الذي سيُقرِّر من خلاله الصحراويّون مصيرهم في دولة مستقلّة أو الإندماج بالمغرب، ومعها مراقبة وقف إطلاق النار بين القوات المغربية وقوات جبهة البوليساريو، وأيضا تشكيكا في التقدم الذي عرفه المغرب في ميْدان حقوق الإنسان.
توتر بين الرباط وواشنطن
الصّدمة الأمريكية استنفرت المغرب على كافة مُستويات المسؤولية والأجهزة والمؤسسات، الرسمية والحِزبية والأهلية، وأطلقت حملة تعبِئة عامة، تؤكِّد على رفْض المشروع الأمريكي والتمسّك بمغربية الصحراء، ومعها إشارات على توتر مُتصاعد مع واشنطن، خاصة وأن المشروع تَلاه تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان 2012، فاصِلا الصحراء عن المغرب، ومتضمنا لصورة سلبِية عن حقوق الإنسان فيها.
كانت أبرز مؤشّرات ردّ الفعل المغربي تُجاه واشنطن، إلغاء/تأجيل مُناورات عسكرية مُشتركة، كان مقرّرا القيام بها بمنطقة طانطان، على تخوم الصحراء الغربية، وحديث عن تقليص الإهتمام باتفاقية التبادل الحُر، وتلميحات لقراءة جديدة في العلاقات الخارجية والمواقف المغربية بالملفات التي تهمّ واشنطن، وتوسيع الإنفتاح مع موسكو وبكين، مع رمزية مقاطعة السفير الأمريكي بالرباط صامويل كابلان، في آخر أيام مهمته.
رغم تخوفها من برودة نسبية تجاه التزاماتها مع فرانسوا هولاند، تحركت الآلة الدبلوماسية المغربية محملة بثقة في عدم تخلي باريس عن مواقفها التقليدية الداعمة للمقاربة المغربية للنزاع وتسويته، ومؤملة من الإستفادة من امتعاض موسكو وبيكين من تجاهل واشنطن لهما في تقديم مشروعها دون التشاور معهما فضلا عن التعبئة الداخلية في المملكة والخيوط التي تربطها باوساط امريكية نافذة. هذه العوامل مجتمعة بدت – من وجهة نظر الدبلوماسية المغربية – كفيلة بتراجع الإدارة الأمريكية وسحب مشروعها، وهو ما تحقق يوم الخميس 25 ابريل 2013، بإعلان مجلس الامن قراره رقم 2099 خاليا من أية آلية دولية لمراقبة حقوق الانسان.
في واقع الأمر، لم يحمل القرار الأخير في طياته جديدا. فقد جدّد مهمة المينورسو لسَنة كاملة تنتهي يوم 30 أبريل 2014 مع دعْوة الأطراف المعنية، لدعْمها وتسهيل مهمّتها والتعاون مع كريستوفر روس، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، في إطلاق مفاوضات مُباشرة، للوصول إلى حلٍّ عادلٍ مُتّفَق عليه، ومشدّدا على "أهمية تحسين وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيّمات تِندوف وتشجيع الأطراف على العمل مع المُنتظم الدولي، لوضع تدابير مُستقلة وذات مِصداقية، لضمان الإحترام الكامل لحقوق الإنسان".
مصطفى المعتصم، الأستاذ الجامعي والأمين العام لحزب البديل الحضاري المعارض، يعتقد أن الأزمة الأخيرة التي مرّ منها المغرب، قد أسقطت على الأقل وهْمين كبيرين انبنى عليها موقف الرباط لعقود في قضية الصحراء، وهما وهْمُ أن المغرب "حليف استراتيجي" للولايات المتحدة. والوهم الثاني، "فيتو فرنسا المسلول" واعتِقاد المسؤولين المغاربة دائما بلجوء فرنسا إلى استعمال حق النقض (الفيتو) كلما تبَدى في الأفق ما يهدّد الموقف المغربي في المنتظم الدولي.
احتفال بالانتصار
المغرب، احتفل بعدم هزيمته واعتبَر القرار انتِصارا مبينا، لكن النِّقاش الذي دار في خِضَم معركة سحْب المشروع الأمريكي فتح ملفات عديدة تتعلّق بالنزاع الصحراوي مغربيا، وأدرك الجميع أن التقدم في ميْدان حقوق الإنسان وانفتاح البلد على المؤسسات الدولية المعنِية، لعب دورا هاما في استبعاد المشروع الأمريكي.
جميع هذه الملفّات تتعلّق بتدبير النِّزاع منذ اندِلاعه في عام 1975 وبالمُقاربات (داخليا وخارجيا) التي فشلت بعد سبعة وثلاثين عاما من النزاع واثنين وعشرين عاما من وقْف إطلاق النار والجُهود المبذولة في تنمِية المنطقة، في حسْمه وإنهائه سياسيا.
ويصعب تجاهُل أن مخاض القرار ونصّه ورُؤية تطوّرات النزاع الصحراوي، ستجعل من حقوق الإنسان المِحور الأساسي في معركة جبهة البوليساريو ضد المغرب، بدأت مُؤشراتها بُعيْد صدور القرار 2099 بالتّظاهرات في عدد من المُدن الصحراوية، التي دعا لها الناشطون الصحراويون المؤيِّدون لجبهة البوليساريو وأسفرت عن مواجهات دمَوية مع رجال الأمن، الذين كانوا يبدون حِرصا على عدم المسّ بالمُتظاهرين وتحاشي التصادُم معهم.
تظاهرة مؤيدة لاستقلال الصحراء الغربية في العيون
نظمت بعد ظهر الجمعة 26 أبريل تظاهرة مؤيدة لاستقلال الصحراء الغربية في مدينة العيون، تخللتها صدامات أسفرت عن إصابة أربعين شخصا، بينهم ثمانية شرطيين، وِفق ما أعلن السبت 27 أبريل مركز الشرطة في المدينة ومنظمة العفو الدولية.
وجرت هذه التظاهرة، التي شارك فيها نحو مائة شخص، وفق مراسل فرانس برس، غداة التصويت على قرار تمّ بموجبه تمديد مهمّة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية.
وقال مركز شرطة العيون إن التجمع لم يكن مسموحا به، وعملت الشرطة على تفريقه بعدما هدّدت بإطلاق عيارات نارية تحذيرية.
وخلال هذا التدخل، أصيب ثمانية من عناصر الشرطة نقلوا الى المستشفى العسكري في المدينة، وِفق ما أوضح المصدر نفسه في بيان من دون أن يشير إلى ضحايا آخرين.
لكن فريقا من منظمة العفو الدولية موجودا في العيون اكد من جهته أنه أحصى إصابة نحو ثلاثين متظاهرا، بينهم 12 تمكّن من معاينتهم في شكل مباشر.
وقالت سيرين راشد، المسؤولة في منظمة العفو لوكالة فرانس برس، إن التظاهرة التي نظمت في إحدى الطرق الرئيسية في المدينة، كانت تجري "بهدوء"، لكن الشرطة "استخدمت القوة في شكل مفرط".
والصحراء الغربية مستعمَرة إسبانية سابقة يُسيطر عليها المغرب ويطرح لها مشروع حكم ذاتي يرفضه انفصاليو جبهة بوليساريو بدعم من الجزائر.
وفي يوم الخميس 25 أبريل 2013، مدّد مجلس الأمن الدولي لمدة عام مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المكلفة خصوصا بالسهر على التزام وقف إطلاق النار منذ 1991.
(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب بتاريخ 27 أبريل 2013).نهاية الإطار التوضيحي
انتظار تدبير أمني مختلف
السلطات المغربية تُدرك أنها ستكون في المرحلة القادمة تحت مُراقبة دولية في تدبيرها لحقوق الإنسان في الصحراء، ورغم التحسّن المُتواصل والملموس في هذا الميدان وفي هذه المنطقة، ومع أن الإنتهاكات التي تقع من حين لآخر "فردية وليست منهجية"، إلا أن عدم محاسبة مُرتكبيها وبَقاءهم في مناصِبهم، سجّل سلْبا. لذلك، يتوقّع أن يكون تدبير المغرب للملف الأمني بالصحراء بعد القرار 2099، مختلفا عما كان عليه قبْل ذلك.
في الوقت نفسه، لا يتوقع المراقبون أن يكون تدبير المغرب في ملف النزاع الصحراوي مختلفا من الناحية الأمنية فحسب، بل سيشمل التغيير حسبما يبدو كل ما يتعلّق بالملف، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإداريا بعد أن كثر الكلام في الفترة الأخيرة عن "استِفراد" القصْر بتدبيره.
مصطفى بكوري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، يذهب إلى مُساءلة حقيقية لطريقة تعامُل المغرب مع قضية الصحراء، ويقترح التفكير في تشكيل "هيْئة وطنية عُليا" وبعضوية ممثلين عن كل الفعاليات، السياسية والنقابية والمدنية، وذلك "من أجل أن تضطلع بالتتبّع اليقِظ لتطوّرات قضية الأقاليم الجنوبية، بناء على خارطة طريق للفعل والتحرّك، الهادفة إلى حشد التّعبئة الوطنية والدولية حول عدالة قضية الوِحدة الوطنية، بعيدا عن كل أنواع المزايدات والحسابات الضيِّقة".
"الموسمية تسيء إلى قضيتنا الوطنية"
من جهته، يقول مصطفى المعتصم: "إنه آن الأوان أن يحظى الرأي العام المغربي، خصوصا في مكونه الصحراوي، بدور طليعي في بلْورة السياسات والتدابير التي يتوجّب على المغرب القيام بها، من أجل دعم مغربية الصحراء وأن تطّلع الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بأدوار الشريك الحقيقي في تدبير هذا الملف والخروج من العمل والإهتمام الموسمي بالصحراء من طرف الشعب المغربي، أي كلما حلّت الإنتخابات أو حاصرت المغرب المشاكِل، كما حدث أخيرا، لأن الموسمية تُسيئ إلى قضيتنا الوطنية وتعطي انطباعا أن هذه القضية ليست قضية شعب، بل قضية نظام سياسي لا يلجَأ إلى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، إلا ساعات العسرة وعندما تُحاصره إكراهات".
في السياق نفسه، دعا المعتصم إلى تحقيق مصالحة وطنية عبْر إصدار عفْو عام في حقّ كل المعتقلين، الذين لا يؤمنون باللجوء إلى العنف أو تورّطوا في قضايا الدّم، وإعادة إدماج وجبر ضرر مَن عانى من انتِهاك حقوقه والحيْلولة دون تِكرار ما جرى وجعْل حدّ للإفلات من العقاب لكلّ مَن أجرم في حقٍّ من حقوق الإنسان أثناء مُزاولة مهامّه ودعْم مهامّ المنظمات الوسيطة في مجال حقوق الإنسان، كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان والجمعيات الحقوقية وتمكينها من الاشتغال بشكل شفّاف ومسؤول، من دون إكراهات.
ضرورة الإنفتاح خارجيا
على الصعيد الدبلوماسي، يحث مصطفى المعتصم في تصريحات لـ swissinfo.ch، على "ضرورة الإنفتاح في السياسة الخارجية المغربية على الدولتيْن العظيمتيْن، روسيا والصين، وعلى قوى دولية كالهند وألمانيا والبرازيل وأستراليا وكندا وإسبانيا وإيطاليا وتركيا ودول إقليمية وازنة أخرى، يجب إعادة تقييم العلاقة معها والموقِف منها في أفُق تقريبها من الموقِف المغربي أو على الأقل تحييدها في الصراع الدائر في منطقتنا"، ويرى أن على المغرب أن يُعيد مكانته الاعتِبارية في العالم العربي والإسلامي، نظرا للدور الذي كان يلعبه في قضية القُدس وبيت مال القدس ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ودول عدم الإنحِياز، لأن "تراجُع هذا الدّور خلال العقْد الأخير، أساء إليه بالقدْر الذي سهَّل مأمورية خُصومه في الصحراء"، على حد قوله.
إضافة إلى ذلك، يقترح المعتصم توقّف المغرب عن لعب سياسة الكُرسي الفارغ في منظمة الوِحدة الإفريقية، بحجّة أن جبهة البوليساريو مُتواجدة في هذه المنظمة، فيما يجلس مع الجبهة في مفاوضات ترْعاها الأمم المتحدة، وقال لـ swissinfo.ch: "آن الأوان لاستِدراك هذا الأمر. فقد أصبح وجودنا في هذه المنظمة ضرورة حيوية، وأكيد أنه بوجودنا فيها سنُضيِّق الخِناق على خصومنا ونقلل من هوامِش التحرّك والمُناورة لديهم".
swissinfo.ch