Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00929.jsonl.gz/15

لشهور كانت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تراقب أزمة اليورو بإحباط وقلق متزايدين. لقد حاول تيم جايتنر، وزير المالية، وفريق عمله في واشنطن نقل المعرفة من الدروس المُستفادة خلال أزمتهم المصرفية - بالذات أن جداراً ضخماً من الأموال العامة هو القادر فقط على تهدئة المستثمرين المذعورين. وعلى الرغم من الجولات الأوروبية رفيعة المستوى التي كان يقوم بها جايتنر باستمرار، والزيارات المتكتمة من قِبل نائبيه، شعر الأمريكيون بأن قادة منطقة اليورو لم يصلوا بعد للمستوى المطلوب.
وفي بعض الدوائر، كان يشتبه في أن البيت الأبيض يمارس لعبة السياسة. قال أحد الأوروبيين الذي تعامل مباشرة مع جايتنر: "يمتلك الأمريكيون هدفاً واحداً، وهو أمر مفهوم تماماً. يجب إنقاذ منطقة اليورو وإلا فإننا سندخل في مرحلة كساد في أوروبا، وهذا سيؤثر في الاقتصاد في الولايات المتحدة وعلى إعادة انتخابي". وفي أوروبا لم يكن هناك تصديق تام لبيانات النفي من الولايات المتحدة.
لقد تجسدت الصعوبة من خلال علاقة واشنطن مع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي وجدت في بعض الأحيان تدخلات الولايات المتحدة غير لائقة وغير مرحب بها. وكانت برلين قد دفعت صندوق النقد الدولي الذي يوجد مقره في واشنطن ليكون جزءاً من الاستجابة للأزمة. لكن في مناسبات عندما كان أوباما يُدلي ببيان قوي، كانت ميركل تقول لزملائها إن القرارات الأوروبية يجب أن يتخذها الأوروبيون.
وعلى الرغم من أن كلا القائدين يُظهران العقلانية وغير عاطفيين بالقدر نفسه، إلا أن أشخاصاً مقربين من ميركل قالوا إن أسلوبيهما يختلفان اختلافاً جوهرياً. يمكن أن يتميز أوباما بسلوك أستاذي وإلقاء المواعظ والنصائح، وهو شيء تجده ميركل أمراً منفراً. فهي تتجنب مثل هذه التأملات الأكاديمية كما أنها تكتيكية وقصيرة الأجل في صنع قراراتها.
مع ذلك، كثير من المسؤولين في بروكسل وفرانكفورت وباريس كانوا يرحبون بتدخلات الأمريكيين، خاصة لكونها ثقلاً موازناً لبرلين. ويقول مسؤولون أمريكيون إنهم كثيراً ما كان يتم جرّهم إلى نزاعات الأزمة من قِبل عواصم وطنية متنافسة وحثّهم للضغط على الألمان للتحرك بشكل حاسم أكثر. وفي مناسبات أخرى، يقولون إن الحكومة الألمانية دعت واشنطن لدفع بلدان منطقة اليورو المتعثرة لتنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها.
وبغض النظر عما إذا كان القادة الأوروبيون يرحبون بتدخلات الولايات المتحدة، فقد شعروا أن أوباما كان على رأس محفظة منطقة اليورو، وهو شيء اعتبروه أمراً مذهلاً بالنسبة لقائد لديه الكثير من المشاغل لينجزها.
قيادة أمريكية
لكن عندما قام استدعى الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، قادة منطقة اليورو مرة أخرى في الساعة 9:30 مساءً من تلك الليلة في كان، فوجئ كثير منهم لرؤية أوباما يترأس الاجتماع. قال عضو في الوفد الألماني: "لقد كان ذلك غريباً. وكان أيضاً إشارة إلى أن أوروبا لم تكُن قادرة على القيام بذلك؛ لقد كانت علامة ضعف".
توقع كثيرون في الغرفة أن تكون الأمسية مخصصة لإقناع رئيس الوزراء الإيطالي، سيليفيو بيرلسكوني، بقبول مساعدة صندوق النقد الدولي. وكان الإيطاليون قد رفضوا المساعدة في ذلك الصباح بحجة أنها ستخلق انطباعاً بأنهم لا يستطيعون معالجة الأزمة بأنفسهم، وفي الوقت نفسه لا توفر هذه المساعدة موارد كافية للتعامل مع التداعيات. وردوا من خلال عرض بقبول مراقبة صندوق النقد الدولي، لكن ليس الأموال.
لكن أوباما افتتح الجلسة بشيء مختلف. كانت لديه خطة جديدة لزيادة حجم جدار الحماية في منطقة اليورو - وهي فكرة تقوم بوضع ألمانيا في الصدارة.
إن قرار ساركوزي للتنازل عن رئاسة الجلسة لأوباما، سواء بوعي أم لا، لا ينبغي أن يكون مفاجئاً. فمنذ بداية الأزمة، كانت باريس وواشنطن تقريباً تملكان وصفات متطابقة لحلها: جدار حماية بمثل هذا الحجم بحيث لن يتساءل أي متداول للسندات ما إذا كانت منطقة اليورو تملك أموالاً كافية، أو أن الإدارة السياسية ستقوم بإنقاذ الجنوب المُثقل بالديون.
وبالنسبة لجايتنر ونظيره الفرنسي على حد سواء، كان المصدر الأكثر وضوحاً هو البنك المركزي الأوروبي، الذي يملك حرفياً القدرة على طباعة الأموال. لقد أوضحت الولايات المتحدة القدرة على مكافحة الأزمة من خلال البنك المركزي، عندما أقدم الاحتياطي الفيدرالي على شراء كميات ضخمة من سندات الخزانة في أعقاب انهيار بنك ليمان براذرز. لكن لطالما عارضت برلين استخدام بنك مركزي لتمويل الحكومات.
ذكريات الحرب
كانت المعارضة الألمانية متجذرة في تاريخها المظلم: التضخم المفرط في أعوام ما بين الحربين العالميتين الذي عزز القضاء على جمهورية فايمار كان ناجماً، في جزء منه، عن مطابع البنك المركزي التي أنتجت عملة المارك بوفرة لدفع تعويضات الحرب. وتحت إصرار ألمانيا، تم تشكيل البنك المركزي الأوروبي على غرار البنك المركزي الألماني، الذي تم منحه الاستقلال التام عن السياسيين المتطفلين عندما تم تأسيسه في الخمسينيات، حتى يتسنى تجنّب تكرار ما حدث في العشرينيات. كذلك طالبت الحكومة الألمانية بأن تمنع معاهدة ماستريخت عام 1992 للاتحاد الأوروبي، التي وضعت الأساس لإنشاء اليورو، البنك المركزي الأوروبي من شراء السندات السيادية.
وكل من جايتنر وساركوزي كان قد أمضى شهوراً في محاولة لحل اثنتين من المشكلات التي تبدو متناقضة: زيادة جدار الحماية بما يكفي لإقناع متداولي السندات أن هناك أموالاً كافية في منطقة اليورو لمنع عجز اليونان من أن يتكرر في أماكن أخرى، وفي الوقت نفسه تجاهل الاعتراضات الألمانية.
الذهب الورقي
وعشية الاجتماع في كان، وافق أعضاء الوفدين الأمريكي والفرنسي على خطة جديدة لزيادة احتياطيات مكافحة الأزمة التي كانوا يأملون بأن تكون مقبولة لدى برلين. وهي تنطوي على شكل من أشكال النقد معروف من قِبل عدد قليل خارج فريق التمويل العام الدولي، هو حقوق السحب الخاصة SDRs.
من الناحية الفنية، حقوق السحب الخاصة ليست أموالاً. إنها أصول استحدثتها اتفاقية دولية عام 1969 ويحتفظ بها صندوق النقد الدولي للبلدان الأعضاء فيه، وهي بديل عن الذهب أو الدولار في المحاسبة المالية العالمية. هذه الأصول، التي تتم الإشارة إليها أحياناً باسم "الذهب الورقي"، لا يمكن أن تحتفظ بها أية جهة أخرى سوى صندوق النقد الدولي، ويجب تحويلها إلى عملة أخرى قبل أن يتم إنفاقها. وهي أيضاً تملك قيمة حقيقية، حيث يتم حالياً تداول واحد من حقوق السحب الخاصة بما يقارب قيمة جنيه استرليني واحد.
في 2009، في أعقاب أزمة ليمان، زاد زعماء مجموعة العشرين من كمية حقوق السحب الخاصة الموجودة بمقدار 250 مليار دولار، ما يعني من الناحية الأساسية إنشاء احتياطيات للطوارئ من صندوق النقد الدولي من لا شيء. وفي كان، أرادت الولايات المتحدة وفرنسا أن تفعلا ذلك مرة ثانية، لكن بدل إعطائها إلى صندوق النقد، فإن منطقة اليورو ستخصص 140 مليار يورو من حقوق السحب لصندوق إنقاذها المستنزف.
وحتى الأشخاص الذين شاركوا في وضع الخطة يعترفون بأنها وضعت على عجل. في ذلك الاجتماع برئاسة أوباما، وجدت المجموعة نفسها عالقة في السياسة الألمانية. وقال أوباما في البداية، إشارة واضحة إلى المعارضة الألمانية: "إن ما نفضله في الولايات المتحدة هو أن يتصرف البنك المركزي الأوروبي إلى حد ما مثل الاحتياطي الفيدرالي، لكن على ما يبدو هذا الخيار ليس وارداً".
عقبات فنية
لكن ميركل تعاني الآن مشكلة أخرى. قال المسؤولون إنها كانت متقبلة لفكرة أوباما، لكن حقوق السحب لم تكن خاضعة لسيطرة الحكومات، وإنما لسيطرة البنوك المركزية. كما أن يينز فايدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، كان معارضاً للفكرة.
وصلت إلى أسماع البنك المركزي الألماني، المسؤول عن تمثيل ألمانيا في صندوق النقد الدولي، معلومات عن البرنامج من خلال مصادر في الصندوق في واشنطن. وبسرعة أعد فايدمان رسالة إلى الحكومة الألمانية يعرض فيها اعتراضاته. كانت حجته تقوم على أساس عملي وعلى أساس أيديولوجي. كان الأساس العملي هو أن فايدمان يشعر أن الخطة توحي بنوع من الاستماتة. واستخدام الاحتياطيات الأجنبية لتعبئة صندوق الإنقاذ من شأنه إرسال الرسالة الخاطئة إلى الأسواق ومفادها أن السبيل الوحيد للعثور على التمويل هو من خلال الترتيب غير المنظم على عجل.
لكن الأهم بالنسبة إلى فايدمان كان المبدأ، وهو أن حقوق السحب الخاصة، شأنها في ذلك شأن مقتنيات الذهب لدى البلد، هي جزء من الاحتياطيات الأجنبية للحكومة، التي تقع المسؤولية الحصرية في إدارتها على البنك المركزي المستقل، وليس للسياسيين ليلتزموا ببرامج إنقاذ عشوائية غير مبالية. لم تكن لدى البنك المركزي الألماني مشكلة مع قرار عام 2009 بزيادة حقوق السحب لصندوق النقد، على اعتبار أن هذا هو الهدف من حقوق السحب. لكن أن يتم الالتزام بها لصندوق إنقاذ لمنطقة اليورو، فهذا يعد سابقة خطيرة.
وفي رسالته، حض فايدمان المستشارة ميركل على دفن الاقتراح. لكن وفقاً لمسؤولين ألمان، فإن وفدهم لم يستلم الرسالة قبل أن يسافروا إلى كان. ولم يعلموا باعتراض فايدمان إلا على الهاتف بعد أن وصلوا إلى فرنسا، وبعد ذلك، من خلال سلسلة من المكالمات، حاولوا إقناعه بالعدول عن رأيه. فقد أصبح من الواضح لمعسكر ميركل أنه سيكون محاطاً في ذلك الصباح أثناء اجتماع ثنائي بين المستشارة وأوباما في قبو القصر. وقال أحد أعضاء الوفد الألماني: "سيكون الفرنسيون والإيطاليون جميعاً راغبين في القيام بذلك".
لكن لم يتمكن أحد من زحزحة فايدمان عن رأيه. بالتالي حين تبنى ساركوزي بسرعة فكرة أوباما في تلك الجلسة المسائية، وتحول إلى ميركل للحصول على تأييدها، أبلغت المجتمعين بالخبر السيئ: لقد رفض البنك المركزي الألماني الفكرة، وأنها لا تستطيع الموافقة دون تأييد البنك المركزي الألماني. وقد أيدت المستشارة الخطة من الناحية السياسية، وإذا وافقت إيطاليا على برنامج صندوق النقد بقيمة 80 مليار يورو، فمن الممكن أن تتمكن من الذهاب إلى مجلس النواب الألماني لزيادة مبلغ الصندوق نفسه. لكن بالنسبة لحقوق السحب الخاصة، كان موقفها هو الرفض.
سكون العاصفة
بالنسبة لبعض الموجودين في الغرفة، كان النقاش يبدو وكأنه في العالم الآخر. رغم أن منطقة اليورو كانت على حافة الانهيار بسبب اليونان وإيطاليا، إلا أن ميركل - التي كان اقتصاد بلادها هو رمز القوة للقارة - هي التي كانت محاصَرة. اتفق أوباما مع الإيطاليين على أن برنامج صندوق النقد فكرة سيئة وقال: "أعتقد أن سيليفيو على حق".
حاول ساركوزي إدارة المأزق الثلاثي. فقد أرادت الولايات المتحدة أن تسهم ألمانيا في حقوق السحب الخاصة، لكن ألمانيا كانت راغبة فقط في إعطاء التزام جزئي، إذا تنازلت إيطاليا بشأن برنامج صندوق النقد. وتمسك جوليو تريمونتي، وزير المالية الإيطالي، بموقفه، وهو أن روما ستقبل بمراقبة صندوق النقد وليس بالبرنامج. وتساءل ساركوزي: هل تكفي خطة مراقبة إيطاليا، إلى جانب التزام من ألمانيا بالمساهمة في قروض ثنائية؟
اعترض أوباما: "لا. ألمانيا لديها ربع جميع مخصصات حقوق السحب الخاصة. لو كان لديكم جميع بلدان الاتحاد الأوروبي باستثناء ألمانيا، فسيبدأ الأمر بفقدان الصدقية".
ثم جاء انهيار ميركل التي انفجرت باكية: "هذا ليس عدلاً. أنا لا أستطيع التقرير نيابة عن البنك المركزي الألماني. لا أستطيع أن أفعل ذلك".
هذا الاندفاع العاطفي أدى على ما يبدو إلى تهدئة المطالب الأمريكية والفرنسية باتفاق في ذلك الحين. وقال شخص أوروبي في الغرفة وهو يتحدث عن أوباما: "لقد شعر أنه تمادى".
سأل الرئيس الأمريكي ما إذا كان باستطاعة ميركل تسوية الأمر مع البنك المركزي الألماني بحلول الإثنين. واقترح ساركوزي أن يجتمع وزراء المالية من أجل الاتفاق على التفاصيل قبل انتهاء القمة في اليوم التالي. وأشار أوباما إلى ما إذا كان بالإمكان أن يذكر شيئا بصورة غامضة في البيان الختامي للقمة. لكن ساركوزي رفض ذلك، وقال إن من الممكن أن يجتمعوا مرة أخرى في الصباح.
كان يبدو كما لو أن الرجلين لم يسمعا ميركل. لكنها أعربت عن وجهة نظرها مرة أخرى: "لن أدخل في مخاطرة كبيرة من هذا القبيل دون الحصول على أي شيء من إيطاليا. لن أنتحر".
وعلى هذا انتهى الاجتماع. وحين خرج أوباما من جلسة آخر الليل، وضع ذراعه حول ميركل، كما لو كان يريد التخفيف عنها - وهو مشهد التقطه المصور الرسمي للبيت الأبيض. وظل المشهد يزين الجناح الغربي للبيت الأبيض لعدة أشهر.
التقى الزعماء مرة أخرى في اليوم التالي، لكن الزخم اختفى. قال شخص كان حاضراً في الاجتماعين: "انتهت العاصفة". خطة حقوق السحب الخاصة لن ترى النور أبداً. ستحصل إيطاليا على برنامج المراقبة، لكنها لن تحصل على التمويل. ومن أجل مفاقمة الفشل، أقر بيرلسكوني في المؤتمر الصحافي الختامي صراحة بالأمر الذي حاول كل شخص أن يبقيه طي الكتمان: وهو أن صندوق النقد عرض عليه برنامجاً للإنقاذ. ستعاني إيطاليا وصمة الحاجة إلى الإنقاذ، لكن دون أن تتلقى أية مساعدة.
فشل لقاء كان أضاف عنصراً مشتعلاً جديداً إلى حريق منطقة اليورو. حين أعيد افتتاح الأسواق، حلقت العوائد على السندات الإيطالية إلى الأعالي. وخلال أسبوع وصلت إلى 7.5 في المائة. وسترتفع العوائد على السندات اليونانية فوق 33 في المائة، وهو مستوى لم يكن له مثيل بالنسبة لأحد البلدان المتقدمة. الآن، بعد أن أخفق الجميع في إقامة جدار للوقاية من النار، كان من غير الواضح ما هو الأمر الذي من شأنه إنقاذ اليورو.