Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00905.jsonl.gz/10

من خلال فرض ضريبة جديدة تستهدف المواريث التي تزيد قيمتها عن مليوني فرنك سويسري، ترغب أحزابُ اليسار في إعادة توزيع الثروة في الكنفدرالية وضمان التمويل اللاّزم لنظامٍ لائقٍ للتأمين على الشيخوخة والبقاء على قيد الحياة.
بَيدَ أنَّ المبادرة الشعبية التي ستُعرَض على الناخبين يوم 14 يونيو 2015، تلقى مُعارضة من أحزاب اليمين والوسط على حدٍّ سواء. وترى هذه الأحزاب أن الضريبة الجديدة ستزيد من العبْء الضريبي الذي تُعاني منه العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة وتُهدِّد فُرَص بقائها.
يتزايد تَمَركُز الثروة في سويسرا في أيدي قِلّة قليلة من الأشخاص. ووفقاً للمعلومات الواردة عن الإدارة الفدرالية لجباية الضرائب، كان يتوفّر 1% من أغنى دافعي الضرائب في عام 1990 على 30% من صافي الثروة الوطنية.
واليوم، وصلت هذه النسبة إلى أكثر من 40%. وإذا أخذنا بعين الإعتبار الإلمام الجيّد لأساليب "الإحتساب الأمثل للضرائب" لدى هذه الفئة، فمن الممكن جدّاً أن تكون النسبة أعلى من ذلك.
وبغية كَبْح جماح هذا التّمركُز المُتنامي للثروة، أطلقت أحزاب اليسار (الحزب الإشتراكي وحزب الخضر والحزب الإنجيلي السويسري والنقابات العمّالية الرئيسية) منذ فترة ليست بالقصيرة، عدداً من المبادرات الشعبية التي يُفترض أن تؤدّي إلى خَفْض الفروقات في الأجور، أو إدخال المزيد من العدالة الضريبية.
وفي غضون العامين المُنصرمين، رَفَضَ الناخبون السويسريون ثلاثة مُقترحات بهذا الشأن، كانت أولها "مبادرة01:12 معاً من أجل أجور عادلة"، تلتها "مبادرة الحَدّ الأدنى للأجور"، ثم مبادرة أخرى حملت عنوان: "أوقفوا المزايا الضريبية الممنوحة لأصحاب الملايين" في نوفمبر 2014، التي كانت تدعو للتخلّص من الضرائب الإبرائية المُستقطعة التي تمثل نظاماً مالياً تفضيلياً للأثرياء الأجانب المقيمين في سويسرا.
ومع مبادرتهم الداعية إلى "إستقطاع ضريبة من تركات أصحاب الملايين لصالح صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة"، تطرح أحزاب اليسار والنقابات العمّالية السويسرية مقترحاً لإصلاح النظام الضريبي الخاص بالميراث والهِبات، يستهدف تحسين إعادة توزيع الثروة في سويسرا.
وفي الوقت الراهن، تخضع هذه الضريبة لسيادة الكانتونات، حيث لكل كانتون قواعده الخاصة المتعلِّـقة بمعدل الضريبة والأشخاص الخاضعين لها.
ضريبة ليبرالية وعادلة
وتطالب المبادرة بأن تقع مسؤولية جباية هذه الضرائب على عاتق الحكومة الفدرالية في المستقبل.
ولن يخضع لهذه الضرائب سوى التّركات والهِبات، التي تتجاوز قيمتها مليونيْ فرنك سويسري وبنسبة إستقطاع مساوية لـ 20%. وفي حين يُعفى الزوجان أو شريكا الحياة المُسَجَّلان رسمياً من هذه الضريبة، إلّا أنَّ الذرية المباشرة خاضِعة لها.
وسيُخَصَّص ثُـلثا هذه العائدات الضريبية - المُقَدَّرة بنحو 3 مليارات فرنك - إلى صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة (AHV)، فيما يُرصَد الثُّـلث المتبقّي للكانتونات، لتعويضها عن الخسائر الناجمة عن فقدانها لهذه الضريبة، والتي تقدَّر بنحو مليار فرنك سنوياً. وفيما يخصّ الهِبات، ستُجبى الضريبة بأثر رِجعي يعود إلى 1 يناير 2012، لتفادي محاولات التحايُل قبل دخول القانون حيِّز التنفيذ.
ومن وجهة نظر اليسار السويسري، ليست هذه الضريبة عادِلة فحسب، لكنها تتوافق أيضاً مع المبادِئ الليّبرالية، التي ترى أن إخضاع ميراث الشخص إلى ضريبة، بدلاً عن عمله وثِمار مُستحقاته، هو أكثر عدلاً.
فالأشخاص الذين يرِثون، لا يتوفّرون على إستحقاقات في الواقع، لكنّهم يستفيدون فقط من حُسن الطالع الذي جعلهم يولدون في عائلات ثرية.
ووفقاً لمُرَوِّجي المبادرة، ستُساهم العائدات المُتأتِّية من هذه الضريبة في العقود القادمة - وبخاصة في ضوء شيخوخة السكان - في حلّ المشاكل المالية لصندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة.
تعدّي على سيادة الكانتونات
على الجانب الآخر، تُعارض الحكومة السويسرية هذه المبادرة. وهي تَعتَزِم تأمين تمويل صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة في المستقبل، من خلال رَفْع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 2%، في إطار إصلاح شامِل لنظام التقاعد. ومن وجهة نظر الحكومة الفدرالية، ستزيد المبادرة التي أطلقها اليسار، من الأعباء الضّريبية للعديد من الورثة، ذلك أن ضريبة الميراث على الذرية المُباشِرة لا تُفرَض في الوقت الحالي سوى في ثلاثة كانتونات، وقد يؤدّي ذلك إلى مُغادرة دافعي الضرائب الأغنياء لسويسرا.
إصلاح ضريبة الميراث
بدعم من الحزب الإشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الإنجيلي السويسري والنقابات العمالية الرئيسية، تهدف مبادرة "إستقطاع ضريبة من تركات أصحاب الملايين لصالح صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة" إلى إصلاح ضريبة الميراث والهِبات، ونقل الصّلاحية المَنوطة بالكانتونات إلى الحكومة الفدرالية.
وتقترح المبادرة فَرض ضريبة فدرالية جديدة بمعدّل 20% على الميراث والهبات، التي تزيد قيمتها عن مليونيْ فرنك فقط. كما تنصّ المبادرة على إحتساب تخفيض في معدّل الضريبة المُقترح في حالات الشركات العائلية ومنشآت الأعمال الزراعية، التي تتوقع مواصلة عملها لمدة عشرة أعوام على الأقل.
وتنصّ المُبادرة أيضاً على أن يكون جُزء من التَّركات والهِبات التي تَحِقّ للزوج/الزوجة أو شريك/شريكة الحياة المسجل، معفياً من الضريبة إلى حَدّ 20,000 فرنك سويسري.
وترتأي المبادرة تَلَقّي صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة (AHV) ثلثي العائدات الضريبة الجديدة، في حين يُخَصَّص الثلث المتبقي للكانتونات. وفي الوقت الراهن، تفرض جميع الكانتونات ضريبة على التركات، باستثناء كانتون شفيتس.
كما ترفض الحكومة الفدرالية - مدعومة بالإدارات المالية للكانتونات - نَقْل صلاحيات جِباية هذه الضرائب إليها، لأن ذلك سيعني بالتالي، تدخّلا في سيادة الكانتونات والحَدّ من إمكانية التنافس الضريبي داخل البلاد. كما تتوقع الحكومة السويسرية أيضاً حدوث إنخفاضٍ في الإيرادات الضريبية للكانتونات في نهاية المطاف.
لكن أنصار المبادرة يرُدّون على هذه الإنتقادات بالقول: "يهدف هذا الاقتراح بالأساس إلى تمويل صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيد الحياة، الذي يمثل مؤسسة فدرالية. لهذا السبب، يبدو إنشاء نظام تمويل فدرالي تُديره الحكومة وليس الكانتونات، منطقياً أكثر.
ولئن سَجَّلَت بعض الكانتونات إنخفاضاً في الإيرادات الضريبية، فمن المؤكّد أن كانتونات أخرى ستتلقّى أكثر مما تحصل عليه اليوم"، كما يؤكّد جان كريستوف شفابرابط خارجي، عضو مجلس النواب، من الحزب الإشتراكي الديمقراطي. وهو يعتقد أن الحَدّ من المنافسة في المسائل الضريبية والسياحة المدفوعة بالإمتيازات الضريبة، سوف تكون مفيدة للبلد برمّته.
مؤسسات عائلية مُهددة بالانقراض
بدورها، لم تتوانَ الأغلبية البرلمانية البورجوازيةرابط خارجي (المكوَّنة من حزب الشعب والحزب الليبرالي الراديكالي بالأساس) في الإعتراض على هذه المبادرة والدّفاع عن مبدإ سيادة الكانتونات بشأن المسائل الضريبية. وانتقد ممثلو اليمين والوسط بالأخص، الأثر الرِّجعي للضريبة المفروضة على الهبات، باعتباره مُخالفاً للقانون القائم. وهُم يروْن كذلك أن المقترح الذي أطلقه اليسار، لا يتّسم بالعدالة، ضاربين المثل بعدم إضطرار شخص يرِث 1,99 مليون فرنك لدفع أيّ ضرائب، في حين يكون أربعة ورثة حصل كلّ منهم على 525,000 فرنك من ميراث قيمته 2,1 مليون فرنك، خاضعين للضريبة.
فضلاً عن ذلك، يفترض المعارضون أيضا أن الضريبة الجديدة ستزيد من العبْء الضريبي في سويسرا، الأمر الذي سيضرّ الإقتصاد السويسري برُمّته. "إن سويسرا من بين الدول الأوروبية القليلة التي تفرض ضريبة على المُمتلكات. ولو أقِرَّت هذه المبادرة من قِبل الناخبين، سوف يتعيّن علينا قبول ثلاثة أنواع من الضرائب: ضريبة الدّخل وضريبة الممتلكات وضريبة الميراث"، كما يوضِّح جان فرانسوا ريمرابط خارجي، عضو مجلس النواب، من حزب الشعب اليميني المحافظ.
وبالنسبة لاتحاد نقابات الشركات الصغرى والمتوسطةرابط خارجي (SGV)، التي تدافع عن مصالح هذه الشركات، تهدّد هذه المبادرة مستقبل العديد من الشركات العائلية السويسرية. "إن فَرْض ضريبة بنسبة 20% سيؤدّي إلى مخاطر تعقيد خُطط خِلافة هذه الشركات، حتى بالنسبة للورثة المُباشرين. وبُغية دفع الضرائب، قد يضطر العديد من هؤلاء الورثة إلى بيْع الشركة العائلية أو إرجاء الاستثمار لأعوام عديدة".
تمركز الثروة في أيدي قلّة قليلة
وفقا للإدارة الفدرالية لجباية الضرائب، لا يتوفّر سوى 2% فقط من دافعي الضرائب على أكثر من مليونيْ فرنك (دون إحتساب الأموال المُودعة في صناديق المعاشات التقاعدية).
واليوم، تمتلك هذه النِّسبة الأكثر ثراءً، نحو 40% من إجمالي الثروة في سويسرا.
وليس لدى 26% من دافعي الضرائب أيّ ثروة على الإطلاق، في حين يتوفّر 56% منهم على أقل من 50,000 فرنك.
عدم مساواة مثيرة للصدمة
وفي هذا السياق، يرد كريستوف شفاب مدافعاً: "لقد نصَّت المبادرة بوضوح على أن مُعدَّل الإستقطاع الضريبي المُتمثل بـ 20% سيخفّض بالنسبة لأولئك الذين يرثون شركات عائلية أو منشآت أعمال زراعية، ويودون الإستمرار في تشغيلها مدة عشر سنوات على الأقل. وسينبغي تثبيت المعدَّل الضريبي المُستحقّ هنا، في إطار القانون المُطَبَّق. وعلى الرغم من أن دولاً قليلة تجبي الضرائب على الأملاك والميراث على حدٍّ سواء، لابدّ من التذكير أن العبْء الضريبي في سويسرا يُعتبَر الأدنى في أوروبا".
وكما يضيف النائب الإشتراكي: "تعاني سويسرا عدم مُساواة مُتنامية، لن يقتصر تأثيرها على التماسُك الإجتماعي على المدى الطويل فحسب، ولكن على التنمية الإقتصادية أيضاً. ويمثل هذا التفاوُت صدْمة مضاعفة في بلدٍ مثل بلدنا، حيث نجِد أشخاصا يحتاجون إلى الإعانات الإجتماعية رغم عملهم، لتدبير أمورهم المعيشية، حتى يبلغ الشهر نهايته. وهذه المبادرة مُنصِفة بشكل خاص، لأنها تسعى إلى فرض ضرائب على تركات أصحاب الملايين فقط، ودَعْم صندوق التأمين على الشيخوخة والباقين على قيْد الحياة، المؤسسة الاجتماعية الأكثر متانة وتكافلاً في سويسرا".