Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00892.jsonl.gz/120

يعمل لوكاس بيك في مشروع سويسري لإدارة المياه في منطقة سهل البقاع. swissinfo.ch قامت بمرافقة الخبير في وحدة المساعدات الإنسانية السويسرية، وخرجت بتحقيق صحفي حول المناطق الحمراء، والكلور، وإجادة المحادثات القصيرة اللبنانية.
نحن الآن على الطريق السريع بين مدينة بيروت وزحلة، عاصمة البقاع. وبين الضجيج والغبار، وصخب أبواق السيارات، والسرعة الفائقة، تتجاوز سيارة لوكاس بيكرابط خارجي سيارتين أمامها. من جهتي، أتمسك بمقبض باب السيارة بقوة، وأحاول تجاهل الشاحنة التي تَهدر بِمُحاذاتنا. "مَرحبا بِك في شوارع بلبنان"، يقول بيك، وهو يقود سيارته مُتوجها إلى مقر عمله.
يعيش المهندس المُتخرج من المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، والمُتخصص في الاستخدام المُستدام لموارد المياه وإدارة النزاعات وحقوق الإنسان في لبنان منذ عامين. وحتى الآن، قاده عمله إلى بلدان مثل جنوب السودان، ورواندا وهايتي. "بالمقارنة [مع تلك البلدان] فإن الوضع هنا مُريح جداً"، كما يقول مبتسماً. ويقود بيك منذ عام 2016 أحد مشاريع الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (Deza)، بالتعاون مع مؤسسة مياه البقاعرابط خارجي، إحدى فروع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية.
في هذا السياق، تقوم سويسرا بدعم السلطة المحلية في مجالات إدارة المياه، وجَودة مياه الشرب، ومُعالجة مياه الصرف الصحي. وقد خَصَّصَت سويسرا لهذا المشروع الذي يَمتد لثلاث سنوات - وهو واحد من اثني عشر مشروعاً في البلاد - مبلغ أربعة ملايين فرنك سويسري. وتتمثل أكبر التحديات التي يواجهها المشروع في افتقار المنطقة للبُنية الأساسية، والعدد الكبير من اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة.
يتواجد بيك البالغ من العمر 44 عاماً في سهل البقاع بشكل يومي. ويَمتَد هذا السهل في الجُزء الشرقي من البلاد، ويَمتاز بخصوبة أرضه، حيث يُزرَع العنب الأبيض والأحمر لإنتاج النبيذ، وتنمو أنواع الفاكهة والخضروات، كما يُزرع فيه القنب الهندي (أو الحشيشة) بشكل غير قانوني. أما عدد السكان في المنطقة فيُقَدَّر بحوالي نصف مليون نسمة، علماً أن آخر تعداد سكاني في البلاد كان قد أُجري في عام 1932. وتُعتبر هذه المنطقة أيضا مَعقَل حزب الله الشيعي - وهو جماعة شيعية إسلامية مسلحة وحزب سياسي، له مؤسساته الاجتماعية والثقافية والتربوية والصحيّة. ويحظى هذا الحزب بدعم كبير من قبل سكان المنطقة.
يعاني السهل - مثله مثل بقية أنحاء لبنان - من هشاشة البُنية التحتية. وحتى الأحياء الأنيقة في بيروت كانت ستعاني من انقطاع يومي في التيار الكهربائي لولا وجود المولدات. وفي المرافق الصحية، يمكن مُشاهدة سلة للنفايات الورقية بجوار المرحاض، الذي قد يتعرض للإنسداد في حال رمي الورق فيه.
في قرية قرعون (وهي من قرى قضاء البقاع الغربي)، يعاني اللاجئون السوريون من مشاكل مُختلفة تماماً. فهم يفتقرون إلى الصفة القانونية هنا، لأن لبنان لم يوقع قَط على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين. ويعيش الكثير من هؤلاء في مخيمات عشوائية صغيرة غير رسمية، تُطلَق عيها تسمية مستوطنات الخيام غير الرسمية (Informal Tented Settlements). ووفقاً للتقديرات، يبلغ عدد اللبنانيين حالياً حوالي أربعة ملايين نسمة، يضاف إليهم نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في البلاد منذ فترة طويلة، ومليون ونصف المليون لاجئ سوري، كان الكثير منهم يعمل هنا في الزراعة حتى اندلاع الحرب في سوريا في عام 2011. ومع إفتقار هذه المستوطنات غير الرسمية إلى الخدمات الأساسية، تتولى المنظمات غير الحكومية وبرامج المساعدات تقديم المتطلبات الأساسية.
لاجئون سوريون يفتقرون إلى الصفة القانونية
الأمطار تهطل بشدة في الطريق إلى قرعون. "كان علينا أن نأخذ الأحذية المطاطية الطويلة معنا" يتمتم لوكاس بيك. "الطقس مُضطرب جداً، فهو يكون حاراً في العادة في أوائل مايو". وكما يبدو، فإن شتاء لبنان البارد لم يَنته تماماً بعد.
"نحن في وضع جيد نسبياً"، كما يقول محمد، الذي يعيش في معسكر يضم بضع عشرات من الخيام المُصطفة التي تبدو أشبه بالمنازل النمطية المتلاصقة: ففي الواجهة الأمامية، يمكن مُشاهدة نوع من الشرفة، بينما توجد حديقة مُسيجة في الخلف تحتوي على خزانات مياه.
الغسيل منشور أمام الباب، والمكان يبدو أشبه بحي قروي يتوسط أحد الحقول. ولا يبدو النازح السوري راغباً بنشر اسمه الحقيقي، أو الظهور في صورة مُرفقة بالمقالة. فالخوف من الإضطرابات في وطنه، الواقع على بعد عشرات الكيلومترات إلى الشرق كبير جداً. "نحن نعيش هنا منذ خمس سنوات ونصف"، كما توضح زوجته زينب، التي لا تتردد بدعوتنا إلى منزلها.
تعيش الأسرة المكونة من أربعة أفراد في غرفتين. وفي غرفة المعيشة، قامت زينب بتزيين الجدران بصور ظلية قَصَّتها بعناية من بقايا مادة العَزل اللامعة. ورغم أن أسرة محمد تحصل على مبلغ 20 دولاراً للشخص الواحد شهرياً فقط، لكنه يقول بأنهم محظوظون: "من النادر أن تكون هناك أي مشاكل مع البلدية، كذلك ليست لدينا أي مشاكل مع اللبنانيين في القرية - نحن نترك بعضنا بسلام". وكما تشير الوقائع، فإن هذا الأمر ليس مفروغاً منه مع تفاقم المشاعر المعادية للاجئين السوريين: فهناك تحريض سياسي ضدهم، الأمر الذي يعود أيضاً إلى وجود القوات المسلحة السورية في لبنان حتى عام 2005.
لكن بالنسبة لمحمد، فإن "الشيء الأهم هو أن الأطفال يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، والتوفر على الماء". وبالفعل، يتدفق الماء من الماسورة في المطبخ، الذي يقع خلفه ملحق فيه مرحاض.
وكما يوضح لوكاس بيك: "يقوم الناس هنا بسحب الماء من الشبكة الوطنية بطريقة غير قانونية. وفي أحيان كثيرة، تغُض البلدية الطَرف عن هذه المُمارسة، لكنهم في أحيان أخرى يَعمدون أيضاً إلى قطع المياه لعدة أيام. وفي هذه الحالة، يتمثل الحل البديل بإمدادات مياه باهضة الثمن يُقدمها القطّاع الخاص، وتدفع المنظمات غير الحكومية ثمنها". ولا شك أن مياه الشرب من الشبكة الوطنية ستكون أرخص بكثير.
على الجانب الآخر، تفتقر مؤسسة مياه البقاع إلى المال. كذلك يحجم جزءٌ كبيرٌ من الأسَر المحلية عن دفع الرسوم المُستَحقّة عليهم للدولة. وكما قول بيك موضحاً: "بعض الأسر غير قادرة على تَحَمُّل هذه التكاليف، كما لا يثق البعض الآخر بمؤسسات الدولة - لقد اعتاد الناس على حقيقة عَدَم عَمل الكثير من الأشياء بالشكل الصحيح، وهم يسألون أنفسهم: لماذا يتعين علي أن أدفع والحالة هذه"؟
من أجل التعرف على كمية الماء المستهلكة في المستوطنة، قام الفريق المسؤول عن الشروع بتركيب عدادات على الأنابيب التي تمدها بالمياه، تتم قراءتها كل اسبوع. "هذا إجراءٌ صغير، يعطينا لمحة عامة عن كمية الاستهلاك - وهو أساس يمكننا العمل من خلاله"، كما يقول بيك بطريقة عملية. ومن خلال هذه الخطوة، يريد المُختص في الاستخدام المُستدام لموارد المياه معرفة كمية المال الذي تخسره الدولة. وعلى العموم، ليس بيك بالشخص الذي يجلس في مكتبة تاركاً مُهمة التنفيذ للآخرين. ومن الواضح أنه يشعر بالإرتياح في الخارج. "التواصل المباشر مع السكان المحليين والزملاء مهم بالنسبة لي. هناك العديد من المنظمات غير الحكومية التي تقع مقارها في بيروت، وهم يأتون إلى هنا، ويفعلون شيئاً ما، ثم يغادرون مرة أخرى"، على حد قوله.
هناك العديد من المشاكل في هذا البلد، لكن حُسن الضيافة الذي يتمتع به الناس ليس واحداً منهانهاية الإقتباس
لا يعمل بيك في لبنان بصفة خبير تقني فحسب، ولكن دوره أشبه بدور الدبلوماسي أيضاً. وهو معروف في الحي السكني الذي يقيم فيه ببيروت، حيث يُحييه الناس بعبارات مثل "هاي" بالإنجليزية، أو "كيفك" باللهجة اللبنانية أو"في غيتس؟" (كيف حالك) بالألمانية. أما دائرة أصدقائه المُقربين، فمكونة من العديد من اللبنانيين، وهو أمر غير مألوف بالنسبة للوافدين. "هناك العديد من المشاكل في هذا البلد، لكن حُسن الضيافة الذي يتمتع به الناس ليس واحداً منهم"، كما يقول. ويتصف بيك بصراحة فظة مُحببة، وهو يُحب أن يضحك كثيرا وبصوت عال. مع ذلك، تعلم المهندس السويسري مهارة إدارة المحادثات اللبنانية القصيرة، فالناس هنا لا يدخلون إلى صلب الموضوع مُباشرة دون أن يسبق ذلك الكثير من المقدمات.
بين السياسة والدجاج
بالنسبة لي، تبدو المفاوضات هنا أشبه بالرقصة الصغيرة. وهكذا مثلاً كان الحال أثناء اللقاء الذي جرى مع الدكتور إبراهيم نصار، رئيس اتحاد بلديات غرب بعلبك. ففي مكتبه، كان الشاي الحلو رفيقاً لحديث استغرق نصف ساعة، تلاه تقديم وجبة دجاج. أما الإعتذار بحجة تناول الطعام بالفعل، فغير مقبول بالنسبة لنصّار، الذي يقول ضاحكاً: "هذا هو اسلوبنا في بعلبك".
في هذا اللقاء، كان بيك وزميلته دارين صليبا يرغبان بالحصول على الضوء الأخضر لأحد المشاريع التي تهدف إلى ربط حماية الطبيعة بالسياحة، وتعزيز الحوار في المنطقة. لكن الهدف الأخير بالذات ليس بالسهل، مع الحساسيات السياسية السائدة في ضواحي بعلبك. فالمزيج السكاني هنا مكون من غالبية شيعية، والقليل من المسيحيين، وأقلية سنية صغيرة. ويتصف الوضع في جميع أنحاء البلاد بالتعقيد الطائفي والمذهبي، مع وجود 18 طائفة دينية مٌعترف بها في لبنان.
مناطق خضراء وصفراء وحمراء
تختلف موازين القوى في منطقة البقاع من قرية إلى أخرى. ويتم بناء الهيكل السياسي الطائفي أو المذهبي وفقاً للعشيرة أو القبيلة. وفي حين يَطلق البعض على ذلك تسمية المافيا اللبنانية، يرى البعض الآخر بأن العيش في هذا البلد صعب دون أن يكون هناك من يَدعمك.
أنا أحب الأسلوب المُباشر للسويسرييننهاية الإقتباس
من جانبها، تَعرف دارين صليبا جيداً مَنْ ينتمي إلى أي طائفة، وما هو المُهم في كل قرية، والشكل الذي تبدو عليه التحالفات، والمواضيع التي يُفضل إجتنابها. ومع نشأتها في زحلة، فإنها تعرف البقاع عن ظَهر قلب. وسَبَق للأخصائية الاجتماعية أن اهتمت باللاجئين العراقيين، بالإضافة إلى نُزلاء السجون. وهي تعمل في الفريق السويسري منذ عام ونصف العام، وتُساهم في تخطي الإختلافات اللغوية. وعند سؤالها عن شعورها وهي تعمل مع رئيس سويسري، تجيب: "أنا احب الأسلوب المُباشر للسويسريين. فإنت تعرف ما يدور في خلدهم هكذا. اللبنانيون يولون أهمية كبيرة للمجاملات، حتى أن أحدهم لن يُخبر الآخرعندما يكون غاضباً عليه".
في الطريق من بعلبك إلى شمسين عبر عنجر، تُلقي علي صليبا، مُحاضرة سريعة في السياسة البقاعية. وهي تقول، ان لبنان مُقسَّم إلى مناطق خضراء وصفراء وحمراء. فمدينة بيروت الخضراء مثلا، تُعتُبُر آمنة باستثناء بعض الأحياء، أما المناطق الصفراء فتتطلب المزيد من الحذر، في حين يَندر أن يتوجه أحد الأجانب إلى المناطق الحمراء، التي لا يُنصَح بالسفر إليها. وفي الواقع، توجد في منطقة البقاع مواقع ثقافية قديمة رائعة، كما أنها تتمتع بمناظر طبيعية في غاية الجمال. وعندما يسافر فريق لوكاس بيك إلى مناطق معينة، فإنه يبعث - وكإجراء أمني - بمكان تواجده إلى السفارة السويسرية في بيروت عبر رسالة نصية قصيرة.
نحن الآن في قرية شمسين بجوار بلدة عنجر التي تسكنها أغلبية ساحقة من الأرمن. المناظر الطبيعية تتسم بلونها الأخضر الغامق، كما يوجد هنا ينبوع مياه - ومحطة ضخ خاصة. نحن ندخل إلى الموقع، حيث يقودني بيك خلال المصنع: "هنا تجري عملية الضخ وإضافة مادة الكلور، لكي تصبح المياه صالحة للشرب".
لا يقوم لوكاس بيك بتثبيت الأنظمة التقنية لمُعالجة المياه وتكرير مياه الصرف الصحي في سهل البقاع بنفسه. ويتمثل جزءٌ كبيرٌ من عمل فريقه المكون من خمسة أفراد في تدريب الموظفات والموظفين المحليين، وإتاحة الفرصة لإقامة الحوارات، وإيجاد التعاون، وإدخال عمليات المراقبة، وتسهيل عمل المُختصين في موقع العمل. وهكذا قام بيك بإنشاء مُختبر صغير في زحلة لقياس قيَ مياه الصرف الصحي.
ماذا بعد السنوات الثلاث؟
لا شك أن المهمة ليست بالسهلة وتتطلب نفساً طويلاً. وكما يرى المهندس السويسري: "الأمر يحتاج إلى الصبر. لا يمكنك تغيير النظام بشكل كامل، لذا علينا أن نعمل على نطاق صغير". بالإضافة إلى ذلك، فإن الميزانية التي تخصصها سويسرا للمشروع، والبالغة 4 ملايين فرنك سويسري لمدة ثلاث سنوات مُنخفضة بعض الشيء. مع ذلك، يفضل بيك هذا النهج على السفر إلى أي مكان في العالم لبناء مرافق مُكلفة، لا يمكن لأحد صيانتها بعد انتهاء المشروع. وكما يقول: "أنا أحاول العمل مع ما هو متاح في الموقع".
لا يُمكنك تغيير النظام بشكل كامل
ويُشدد المُتخصص في الاستخدام المُستدام لموارد المياه على رغبته بإنشاء هياكل مُستدامة. وكما يقول: "هذا هو فهمي للتعاون في مجال التنمية، وهو يلعب دوراً كبيراً أيضاً في مَنع نشوب الصراعات". لكن ماذا سيحدث بعد انتهاء مهمة بيك بحلول ربيع عام 2019؟ "ليست لدي إجابة على هذا السؤال. أنا أحب هذا المكان بالتأكيد. على الجانب الآخر، توجد هناك أماكن ومشاريع مُثيرة أخرى في هذا العالم". ثم يجيب باسلوب لبناني تقريباً :" سوف نرى".
إخلاء المسؤولية: نظراً إلى الوضع الأمني في منطقة التقرير، كانت كاتبة المقال في الطريق دائماً بصُحبة فريق مكتب التعاون السويسري، كما أنها تلقت الإحاطات الرسمية بشأن السلامة من السفارة السويسرية في بيروت. وقد تحملت swissinfo.ch كافة تكاليف هذه الرحلة.