Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00863.jsonl.gz/11

كانت هذه العبارة من أقوى العناوين العريضة للصحف السويسرية الصادرة يوم الجمعة، غداة الإعلان عن توقيع اتحاد المصارف السويسرية، "يو بي إس"، لاتفاق مع السلطات الأمريكية يقضي بكشفه على الفور عن أسماء بضعة مئات المستثمرين الأمريكيين الذين تتهمهم سلطات بلادهم بالاحتيال الضريبي.
وتتنبأ العديد من اليوميات بأن الضغوط المتزايدة على السرية المصرفية، التي تـُعتبر رمز الساحة المالية السويسرية وعلامتها المميزة، قد تبلغ في المستقبل درجة لا تُحتمل. وذهبت بعضها إلى حد التأكيد بأن السر المصرفي لم يعد سوى "أسطورة"، أو أنه "بات جزء من التاريخ".
مرارة الهزيمة
مساعدة أكبر مصرف سويسري على تسليم أسماء العـُملاء الذين تحايلوا على النظام الضريبي الأمريكي يمثل في نظر كاتب افتتاحية صحيفة "لوتون" (تصدر بالفرنسية في جنيف) "ضربة ترافالغار" بالنسبة للسر المصرفي المعمول به في سويسرا؛ (في إشارة إلى المعركة التاريخية التي تُترجم بـ "طرف الغار" أو "طرف الأغر"، والتي انهزم فيها نابوليون عام 1805 جنوب غرب إسبانيا أمام الأسطول البريطاني).
وكتب جون-جاك روت في افتتاحيته: "بعد تمويلها لعملية إنقاذ (مصرف يو بي إس) في الخريف الماضي، هاهي السلطات (السويسرية) تـُضـَحي، باسم بقائه على قيد الحياة، بالسر المصرفي كان يقول عنه كاسبار فيليغير (وزير المالية السويسرية السابق) أنه غير قابل للتفاوض، وكان يُقدمـّه رئيس الجمعية السويسرية لأصحاب المصارف عام 2004 كـمبدأ "مُعزّز بالخرسانة" لمدة 15 عاما".
وبلهجة عتاب وخيبة أمل، واصل يقول: "بما أن سويسرا مستعدة لتدوس على قوانينها الخاصة وتنتهكها بنفسها، فيصعب أن نتصور أن شركائها سيشعرون بالانزعاج للقيام بنفس الشيء".
وأعرب روت عن اعتقاده بأن الضغوط على السر المصرفي السويسري، بعد أن كانت قوية جدا في الماضي، فإنها ستُصبح "ساحقة" في المستقبل، في إشارة إلى التظلمات التي ستقدمها بلدان أوروبية، مثل فرنسا وألمانيا، بهدف الحصول على نفس التنازلات التي استفادت منها واشنطن.
وبعد التنويه إلى أن "ضربة ترافالغار هذه ربما لن تقتل مبدأ السرية المصرفية"، تتوقع صحيفة "لوتون" أنها "قد تلغي التمييز الذي تعتمده سويسرا بين الاحتيال والتهرب الضريبي. فللاحتفاظ بالمبدأ الأول، الذي يعتبر حيويا بالنسبة لسمعة الساحة المالية، سيتعين بلا شك التضحية بالتمييز الثاني".
الأسوأ لم يحدث بعد!؟
أما صحيفة "لو كوتيديان جوراسيان" (تصدر بالفرنسية في مدينة دوليمون بكانتون جورا)، فحذرت بأن أسوأ المخاطر لم تقع بعد، بحيث كتبت "إن السلطات الضريبية الأمريكية تُمسك بالسكين من قبضته، ولن تطلقه بل ستطالب بلا شك بالمزيد من الأسماء".
وذلك ما حدث بالفعل مساء الخميس 19 فبراير الجاري، عندما أعلنت وزارة العدل الأمريكية بأنها رفعت شكوى مدنية أمام قاض فدرالي في ميامي بولاية فلوريدا، تطالب فيه أن يقدم مصرف "يو بي إس" معلومات عن 52000 من أصحاب الحسابات الأمريكية السرية التي تقدر الثروات المودعة فيها بـزهاء 15 مليار دولار، من سندات وسيولة.
وجاء هذا الإعلان بعد أقل من أربع وعشرين ساعة عن توقيع الاتفاق الودي بين المصرف السويسري والسلطات الأمريكية حول قائمة الأسماء الأولى، والذي كان يهدف إلى تفادي ملاحقة يو بي إس قضائيا في الولايات المتحدة.
أما صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" الرصينة (تصدر بالألمانية في زيورخ)، فاعتبرت أن "الساحة المالية السويسرية برمتها لم يعد أمامها خيار سوى مواجهة الخصم".
وفي مقابل هذا الاتجاه، أكدت اليومية السويسرية للمال والاقتصاد "لاجيفي" L'Agefi(تصدر بالفرنسية في لوزان) أن السر المصرفي لا يزال "سالما آمنا"، منوهة إلى أن الكشف عن هوية العملاء يـُظهر أن النظام القائم "لا يحمي أي فرد من الاحتيال الضريبي".
من جهتهما، ترى يوميتا "ليكسبريس/ لامبارسيال" (تصدران بالفرنسية في نوشاتيل) بأن السويسريين أحسنوا التعامل مع الأزمة بما أن السلطات الضريبية الأمريكية طالبت بـ "أقل من مليار فرنك وبأدلة ملموسة عن تعاونها في مجال مكافحة الاحتيال".
ضربة قاضية؟
وإذا كانت صحيفة "لاجيفي" قد نعتت بـ"الفضيحة" موقف الولايات المتحدة التي غلـّبت "القوة على القانون" في هذه القضية، فإن معظم عناوين الصحف السويسرية الصادرة يوم الجمعة وجهت السـّهام ضد يو بي إس، وخاصة رئيسها السابق، مارسيل أوسبيل، الذي قالت إنه هو الذي أطلق "استراتيجية النمو العدوانية" في الولايات المتحدة.
وكتبت يومية "لوكوتيديان جوراسيان" في هذا السياق: "بعد أن وقع في الخطأ، ها هو مصرف يو بي إس يقدم لنا أسوأ خدمة في أسوإ وقت". فإثر حصوله على مساعدات عمومية وغير مشروطة بقيمة 68 مليار فرنك (من الحكومة والبنك الوطني السويسري)، ودفعه لعلاوات لموظفيه تجاوزت ملياري فرنك (بعد عملية الإنقاذ الحكومية له)، فإن المصرف "يوجه ضربة قد تصبح قاضية إلى السر المصرفي في شكله الحالي".
وفي زيورخ، شدّدت صحيفة "تاغس أنتسايغر" على أن السر المصرفي لم يعد سوى "أسطورة"، بينما كتبت صحيفة "سودوستشفايس" (الناطقة بالألمانية في خور بكانتون غراوبوندن)، أن ذلك السر "بات جزء من التاريخ".
من جهتها، دعت "بيرنر تسايتونغ" سويسرا إلى "الانشغال بشؤونها الخاصة". واعتبرت هذه الصحيفة التي تصدر بالألمانية في العاصمة برن، أن الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه القضية يتمثل في استنتاج أن "يو بي إس ساعد بانتظام عملائه في الاحتيال على السلطات الضريبية الأمريكية". بينما أعربت صحيفة "بليك" الشعبية الواسعة الانتشار (تصدر بالألمانية في زيورخ) بكل بساطة أن يو بي إس حول سويسرا إلى إحدى "جمهوريات الموز".
"كلـّنا رهائن"!
ومن "المفارقات" التي أبرزتها صحيفة "لاتريبون دو جنيف" (تصدر بالفرنسية)، "مساهمة المصرف في مساعي إسقاط السر المصرفي أكثر من أقوى المهاجمين له". وتعتقد اليومية أن "البنوك التي ستزدهر في المستقبل هي التي ستراهن من الآن على مؤهلات أخرى، غير السرية المصرفية".
وفي افتتاحية بعنوان "كلنا رهائن"، وصفت صحيفة "لاليبرتي" مصرف يو بي إس بـ "السفاح"، مضيفة: "حتى في أحلامه، لم يكـن هيتشكوك ليجرأ على تخيـُّل سيناريو أفضل من هذا"؛ مُذكرة بأن البنك، بعد أن اغترف من الميزانية الفدرالية لـمواجهة خسائره، ها هو "يسير على الطريق الصحيح لإغراق السر المصرفي".
وشدّدت اليومية التي تصدر بالفرنسية في فريبورغ على "خطورة القضية لأن السر المصرفي تربطه بالشعب السويسري علاقة حب لم تُنْكَر أبدا على مدى تاريخه الحديث نسبيا. ففي عام 1984، رفض ثلاثة أرباع الناخبين السويسريين مبادرة شعبية سعت إلى الحد من السر المصرفي. ومنذ ذلك الحين، أظهرت استطلاعات الرأي المتعاقبة تمسك السويسريين بهذه المؤسسة التي يربطونها بازدهارهم".
وإذا كانت "لاليبرتي" على قناعة بأن سويسرا قد تفادت أزمة مؤسساتية، فإنها متأكدة في المقابل بأن نظامها المالي لم يخرج قويا من هذه القضية، بل إنه أظهر "ضعفـَه" وواجه تهديد "الانهيار كقصر من ورق". واختتمت اليومية افتتاحيتها بما اعتبرته واقعا "لم يعد يترك مجالا للشك": "لقد احتل يو بي إس منزلة متميزة في هذا البلد إلى درجة أصبحنا فيها جميعا رهائن له".
تذمـر شديد
نفس الملاحظة وردت في صحيفة "لوماتان" الصادرة بلوزان التي كتبت: "إن سويسرا احتُجزت رهينة، وبعد أن استُخدمت ضرائبُنا لدفع علاوات المصرف، هاهي الآن ستُستعمل لدفع غرامة بقيمة 720 مليون دولار. والمجموع؟ قرابة ست مليارات. هذا ما دفعته الكنفدرالية. لقد دفعنا الفدية بعد، ولم نعُد نطيق يو بي إس".
من جانبها، انتقدت صحيفة "فانت كاتر أور" في افتتاحية بعنوان "سويسرا طريحة الأرض، والأمريكيون يدوسون عليها"، تصرف السلطات السويسرية وكتبت: "سبق للكنفدرالية أن دفعت 6 مليارات لإنقاذ البنك من جنون العظمة، وها هي الآن تتنازل عن مبادئها الخاصة لتُعفي ممارسات مارقة. إنه لثمن باهظ لنهج قد يبقى منعدم التأثير".
وأضاف سيرج غومي في افتتاحيته أن "السلطات السويسرية وافقت على فصل رقبة دولة القانون، دون انتظار قرار المحكمة الإدارية الفدرالية حول الاستئناف الذي قدمه عملاء يو بي إس الأمريكيون، وبالتالي بدون انتظار معرفة ما إذا كان هؤلاء العملاء مذنبون أم لا فيما يخص جريمة الاحتيال الضريبي".
سويس انفو - إصلاح بخات مع الوكالات
التهرب الضريبي والإحتيال الضريبي
يفرّق القانون السويسري بين التهرب الضريبي والإحتيال الضريبي:
التهرب الضريبي: هو تهرّب المكلف من دفع المستحقات الضريبية المفروضة عليه بشكل كلي أو جزئي من خلال الإستفادة من الإعفاءات الضريبية، والثغرات القانونية في بلد من البلدان، وهذه الظاهرة، لا يحظرها القانون في سويسرا.
أما الإحتيال الضريبي: فهو تصرف غير مشروع بحسب القانون السويسري، وفيه انتهاك لروح القانون الساري العمل به ولإرادة وإدارة المشرع، وذلك من خلال إستخدام طرق إحتيالية تدليسية من جانب المكلف بقصد التخلص جزئيا أو كليا من عبء الضريبة. ومن الغش الضريبي الإمتناع عن تقديم الإقرار الضريبي أو تعمّد الكذب والتدليس في مضمون الإقرار أو تقديم بيانات غير صحيحة عن قيمة الوعاء الضريبي أو حقيقة المركز المالي للمكلف.
متى يرفع السر المصرفي؟
في سويسرا، لا توجد حسابات مجهولة الإسم، إذ يوجب القانون على المصرف معرفة هوية صاحب الحساب.
في المقابل، هذه المعلومة محمية بالسرّ المصرفي ولا يُـمكن الكشف عنها.
بصفة استثنائية، يُـمكن رفع السرّ المصرفي بأمر من سلطة قضائية، عندما يُـشتبه في وجود أنشطة إجرامية (وهو ما لا يدخل التهرب الضريبي تحت طائلته).
في أوروبا، تُـطبِّـق النمسا واللوكسمبورغ سرّا مصرفيا مشابها لما هو معمول به في سويسرا.