Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00919.jsonl.gz/77

وِفقاً للمُختصّين، غالباً ما يُعتبر ثاني أكسيد الكربون، الغاز الأكثر خطورة وتهديداً من بين الغازات الدفيئة - المُتسبّب الرئيسي في تغيُّـر المناخ والإحتباس الحراري. ولكن ماذا لو أمكن استخدام هذا الغاز لإنتاج نوع آخر من الطاقة والتخفيف من بعض آثاره بالتالي؟
وِفقاً للمُختصّين، غالباً ما يُعتبر ثاني أكسيد الكربون، الغاز الأكثر خطورة وتهديداً من بين الغازات الدفيئة - المُتسبّب الرئيسي في تغيُّـر المناخ والإحتباس الحراري. ولكن ما لو أمكن استخدام هذا الغاز لإنتاج نوع آخر من الطاقة والتخفيف من بعض آثاره بالتالي؟
هذه الفكرة هي مَحَلّ بحثِ مشروعيْن سويسرييْن، يَتدارس أولهما، وهو مشروع للقِطاع الخاص، كيْفية التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون من الجوِّ باستخدام تصميمه الخاص من "مكنسة كهربائية عملاقة"، في حين يسعى المشروع الآخر، الذي يعود إلى القطاع العام، إلى استخدام ثاني أكسيد الكربون لإنتاج غاز الميثان، بمساعدة معادن صغيرة تُـعرف بـ "الزيولايت" (حُبَيْبات من أحجار سيليكات الألمنيوم) .
في شركة Climeworks في زيورخ (وهي شركة عرضية للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ تقدم حلولاً لالتقاط غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء المحيط بتقنيات عالية الكفاءة)، تمثل الهدف خلال الأعوام الخمسة الماضية بتطوير تقنية للإلتقاط المستمر لغاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، بغية استخدامه لاحقاً لإنتاج الوَقود الاصطناعي أو تطبيقه في أغراض أخرى.
ويتم تجميع غاز ثاني أكسيد الكربون عن طريق تمرير الهواء من خلال مرشح "سليلوزي" مُعالج خصيصاً موضوع داخل وحدة للإستخراج. وبمجرد وصول الوحدة إلى طاقتها القُـصوى، يُسخّن المرشح باستخدام طاقة من النِّفايات أو طاقة مُتجدِّدة، مُطلقاً غاز ثاني أكسيد الكربون على درجة عالية من النقاوة (99,3% وفقا لمُختبرات معتمدة).
ويقول السيد كريستوف غيبالد، أحد مؤسِّسي هذه الشركة الشابة: "نحن نهدِف إلى إزالة غاز ثاني أكسيد الكربون من بعض أجزاء قِطاع النّقل، مثل الطيران، المسؤول بنِسبة تقلّ عن 10% عن الإنبعاثات العالمية لهذا الغاز".
وحسب الهيئة الحكومية الدولية للأمم المتحدة المعنية بتغيّر المناخ، يتحمّل قطاع الطيران، الذي يمثل حصة 13% من مُجمل قطاع النقل في العالم، مسؤولية تغيّر المناخ البشري المنشئ بنسبة حوالي 3.5%. وحتى الآن، وللتَّدليل على صحّة النّهج الذي تتَّبعه، قامت شركة Climeworks باختبار ما يسمّى وحدة الإلتقاط المباشر للهواء، التي يمكنها تجميع طُـنٍّ واحد من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً (4 كيلوغرامات في اليوم)، وتصفية نحو مليونيْ متر مكعّب من الهواء.
الوقود الإصطناعي
وكانت النتيجة مثيرة للإهتمام، بما يكفي لجذب انتباه شركة "أودي" Audi الألمانية لصناعة السيارات، التي تنظر إلى هذه التكنولوجيا كعُنصر مُحتمَل لاستراتيجيتها الهادِفة إلى تطوير سيارات تُشغَّل بالوقود الإصطناعي.
وحسب غيبالد، فإن "ما يحتاجونه هو مصدر مُستدام لغاز ثاني أكسيد الكربون"، وهذا المصدر المستدام "قد يكون إما حيوي المصدر (من مواد ناتجة عن احتراق أو تحلّل المواد الحيوية وإفرازات النباتات أو الحيوانات) أو من الغلاف الجوي". ولكن، ووِفقاً لرجل الأعمال الشاب، فإن المصدر الأول غيْر كافٍ لتلبية متطلّبات صانع سيارات منفرد.
والآن، توجد على الطاولة مخططات لإنشاء مصنع اختباري لتدارس كيفية الإرتقاء بهذه التكنولوجيا وتوفير ما يكفي من غاز ثاني أكسيد الكربون لشركة "أودي"، الداخل في إنتاجها من الوقود الصناعي في مُنشأة الغاز الإلكترونية الخاصة بها في ألمانيا.
في الأثناء، تتّجه هذه التكنولوجيا بخُطىً مُتسارعة، للعرض على نِطاق أوسع. وجدير بالذكر أن شركة Climeworks هي واحدة من 11 مرشح نهائي في مسابقة "الأرض العذراء"، التي تمنح جائزة قدرها 25 مليون دولار كمُساهمة مالية سعيا لتجنُّب ارتفاع درجة حرارة الأرض، لمن يستطيع تطوير "طريقة مُستدامة بِيئياً ومُجدِية اقتصادياً تؤدّي إلى إزالة دائمة لغازات الدَّفيئة من الغلاف الجوي". ومن الناحية العملية، لا يُشكل استخراج وتنقية غاز ثاني أكسيد الكربون، سوى خُطوة واحدة فقط من عملية إنتاج الوقود الإصطناعي.
من الناحية النظرية، تُعتَبر عملية إنتاج غاز الميثان، الذي يمكن ضخُّه إلى شبكة الغاز الطبيعي، من خلال اتحاد غازيْ ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين، بمساعدة مصدر خارجي للطاقة لإطلاق التفاعُل - يكون مُتجدّداً من الناحية المثالية - واضحة وبسيطة نِسبياً، مع الماء كناتج ثانوي. وتُعرف هذه العملية، بتفاعل "ساباتييه" (نسبة إلى مكتشفها العالِم الفرنسي بول ساباتييه في بداية القرن العشرين).
مع ذلك، يشكِّل تنفيذ هذه العملية بشكل اقتصادي وسريع، تحدياً، مثلما هو الحال مع فصل جُزيئات الماء من غاز الميثان. ويمكن التغلّب على بعض هذه العقبات، بإضافة مادة كيميائية مُحفَّزة لتسريع العملية، ولكن هذه تحمل في طيّاتها أيضاً خطر إنتاج غاز أول أكسيد الكربون السام، كما أن العائد غالباً ما يكون منخفضاً.
وفي ذات الوقت، كان العلماء في المختبرات الفدرالية لعلوم المواد والتكنولوجيا (Empa)، القريبة من زيورخ، يبحثون عن نهج يمكن له الإشتغال في درجات حرارة منخفِضة واتّجهوا إلى "الزيوليت"، وهي عبارة عن حُبَيبات من أحجار سيليكات الألمنيوم، تُستخدم كثيرا في عمليات الإمتِصاص الكيميائية.
ووِفقاً لأندرياس بورغشولتيه، العالِم الرئيسي في المشروع "يمتص الزيولايت المُغلّف بالنيكل، الماء الناتج عن هذه العملية، كما أن إنتاج غاز أول أكسيد الكربون مُنعدم تقريباً، أما الغاز الناتج في النهاية، فهو الميثان".
مع ذلك، فالنتيجة أبعد ما تكون عن الكمال، ذلك أن "العملية ما تزال تجريبية، كما أن كمية المياه التي يمكن أن يمتصها الزيوليت مَحدودة، لذلك، ينبغي ‘تجفيفها’ وتجديدهاً"، كما أوضح الباحث. وسوف يتطلّب ما يزيد قليلاً عن مجرّد تفاعل كيميائي في مفاعل مختبر في هذه المرحلة مزيداً من العمل، لتحويله إلى عملية قابلة للتطبيق. وفيما لا يصعب على العلماء إنتاج الزيولايت بكميات صغيرة، إلا أنه سيكون من الضروري إيجاد وسيلة أرخَص لإنتاجها على نطاق صناعي.
تحديات
ووفقاً لأندرياس لبورغشولتيه، تبرز هناك تحديات هندسية أيضاً، مثل تكبير حجم المفاعل والتعامل مع كميات كبيرة من الغاز والطاقة، فضلاً عن متطلّبات رأس المال. وبُغية أن تكون العملية خالية من الكربون، فإنها ينبغي أن تعتمد بشكلٍ مثالي على غاز ثاني أكسيد الكربون من الكُتلة الحيوية (وهي مواد حيوية كانت حيّة إلى وقت قريب، يمكن استخدامها كوقود أو في الإنتاج الصناعي، أغلبها مواد نباتية أو نِفايات تتحلّل طبيعياً، يمكن حرقها) وليس من الوقود الأحفوري. "إن أسعار الغاز منخفضة جدّاً، لذا ستكون المنافسة صعبة"، كما قال بورغشولتيه. "الغاز الاصطناعي سيكون أكثر تكلفة بخمسة أضعاف".
في نفس السياق، يمثل عامل التّكلفة تحدياً آخر بالنسبة لشركة Climeworks، حيث يمكن أن تصِل تكلفة عملية تنقية الجوّ من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى 600 فرنك سويسري للطنّ الواحد، وفقاً لإحدى الدراسات الصادرة عن المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، لكن الشركة تأمل بخفْض هذا المبلغ إلى نحو 100 فرنك سويسري في الأعوام القادمة، مما يجعل نظامها أكثر تنافسية. ويتّجه منهجها نحو هذا المنحى، حيث أن للحرارة اللاّزمة لاسترداد ثاني أكسيد الكربون، درجة حرارة أدنى بكثير - تقل عن 100 درجة مائوية - من تلك المستخدمة في أنظمة أخرى، والتي تعمل عادة بدرجة حرارة تفوق 300 درجة مائوية.
وحتى في صورة ما إذا وصلت هذه التقنيات إلى مرحلة النُّضج الكامل وأصبحت جزءاً من التوجّه العام، فإن أحداً لا يتوقّع أن تؤدّي إلى حل مشكلة الإحتباس الحراري، ذلك أنها "ليست حلاّ سحرياً ولا ينبغي اعتبارها كذلك، ولكنها جزء من مجموعة من التقنيات التي من شأنها أن تصبح هامّة على المدى المتوسّط والبعيد"، كما قال غيبالد.
مخاطر غاز ثاني أكسيد الكربون
يلعب غاز ثاني أكسيد الكربون دورا رئيسياً في تَكييف المناخ ودرجات الحرارة. وفي الظروف المثالية، يشكّل غاز ثاني أكسيد الكربون جزءاً مما يسمّى بدورة الكربون، وهي عملية محايِدة على المدى الطويل.
ولكن الإنسان أخلّ بهذه الدورة من خلال استِخدامه للوقود الأحفوري وقطعه الأشجار. وقد أثبتت البحوث أن التركيزات المُرتفعة لهذا الغاز تؤدّي إلى ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض.
ولا تقتصر غازات الدفيئة على ثاني أكسيد الكربون فقط، حيث تشقّ غازات أخرى، مثل الميثان وأكسيد النيتروز والأوزون وبخار الماء والضبوب أو الجسيمات المختلفة الأخرى، طريقها إلى الجو، على الرغم من أهميتها الضئيلة، بالمقارنة مع ثاني أكسيد الكربون، الذي يمتاز بانبعاثاته الضخمة. كما يمكن العثور على آثار هذا الغاز في الغلاف الجوّي مدة أطول أيضاً. ومن بين الكمية الإجمالية المُنبعِثة في الوقت الحالي، يُرجِّح العلماء وجود نحو 20% منها في الجو بعد 1000 عام.
التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون
تتعلّق تقنية التِقاط الهواء مباشرة (DAC) بعملية صناعية يمكنها استخراج كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي. أما الخيار التقني الرئيسي الآخر لالتقاط غاز ثاني أكسيد الكربون، فيتمثل في التقاط الكربون وتخزينه من المصدر(CCS) في تكوينات جيولوجية تحت الأرض، لتخزين آمن بعيداً عن الغلاف الجوي، والتي تستخدم مع الغازات المُنبعِثة من المداخن المرتفِعة للمنشآت الصناعية ومحطّات توليد الطاقة، التي تحتوي على تركيزات أعلى من ثاني أكسيد الكربون.
وبالنسبة لتقنية التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة، يشكِّل عامل الكلفة عقبَة ينبغي التغلُّب عليها، كي تكون قادِرة على التنافس مع التقاط الكربون وتخزينه من المصدر.
ووِفق بعض الدراسات، تزيد التكلفة بنحو عشرة أضعاف. وما تزال هذه التكنولوجيا قيْد التجربة إلى حدٍّ كبير وبعيدة بعض الشيء عن التطبيق الصناعي الواسع النطاق، على الرغم من أن التقاط الكربون وتخزينه لم يُطبّق هو الآخر على نطاق واسع حتى الآن.
إلى جانب شركة Climeworks، تعمل عدد من الشركات الأخرى في محاولات التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة، بضمنها Carbon Engineering الكندية ومقرّها في ألبرتا وGlobal Thermostat ومقرّها في نيويورك وCoaway وTerraleaf الأمريكيتيْن على سبيل المثال، لا الحصر. والعديد من هذه الشركات مُبتدِئة وتستنِد في عملها على البحوث الأكاديمية السابقة.
ومن جانبهم، يُجري علماء في جامعة كولومبيا ومعهد جورجيا للتكنولوجيا وجامعة جنوب كاليفورنيا، المزيد من البحوث على هذه التقنيات.
swissinfo.ch