Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/14

يجري حاليا العمل على تطوير نظام مُبتكر لتخزين الكهرباء على شكل هواء مضغوط، في إحدى الأنفاق التي تم حفرها في جبال الألب السويسرية، ومن المتوقع أن يمنح هذا المشروع الفريد من نوعه في العالم، الطاقة المتجددة دَفعة حاسمة، وأن يُعزّز من الدور الذي تلعبه سويسرا كـ "بطارية أوروبا".
تشكل قضية تخزين فائض الطاقة تحديا رئيسيا أمام عملية التحول نحو مسار الطاقة المتجددة، إذ قد يُفضي، في بعض الأوقات، عدم انتظام ما تنتجه الشمس والرياح من طاقة، إلى توفر كميات كبيرة من الكهرباء زائدة عن الحاجة أو أكثر بكثير من المطلوب، مما يطرح سؤالا: كيف يمكن الإستفادة من الطاقة الزائدة؟
يجيب غيف زنكنه، المهندس الذي تخرج حديثا من المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، بالإعتماد على الهواء المضغوط، ويقصد تحديدا: الإعتماد على عملية تخزين الهواء داخل كهوف وأنفاق يتم حفرها في أحشاء الجبال.
"المبدأ بسيط"، كما يقول المسؤول عن مشروع "ألكاياس Alacaes" المدعوم من طرف وكالة الطاقة الفدرالية، ويضيف أيضا: "يُمكن عن طريق الطاقة الزائدة تشغيل ضاغط يضخ الهواء داخل الكهف، وعند الإحتياج، يتم عكس اتجاه التدفق، بحيث يندفع الهواء بضغط عال داخل توربينات تعمل على تحويله إلى كهرباء".
داخل المغارة أشبهُ بقاع البحر
لإنشاء أولى المحطات التابعة لمشروع "ألكاياس Alacaes"، التي تبلغ كلفتها 4 ملايين فرنك، وقع الإختيار على نفق مهجور يقع شمال بلدة "بياسكا" في كانتون تيتشينو، كان يُستخدم منذ سنوات لنقل المواد المُستخرجة من حفر نفق قاعدة جبل غوتهارد للسكك الحديدية الذي جرى تدشينه في أول يونيو 2016.
وبينما كان يصحبنا في سيارته، قال لنا غيف زنكنه: "النفق باق على حاله، كما وجدناه"، وبعد أن قطعنا نحو 700 متر في ظلام دامس وجدنا أنفسنا قُبالة آلتين ضخمتين، هما عبارة عن جهازين ضاغطين يُستخدمان لضخ الهواء داخل النفق، فيما أوضح لنا المهندس الإيراني الأصل قائلا: "إنهما ضاغطان من نوع خاص، بتقنية حديثة"، وبعدها بقليل، ولجنا إلى الغرفة التي يُوجد فيها خزان مُوصد بباب حديدي يتم تجميع الهواء داخله.
يمتد وعاء الضغط على طول مائة متر، ويتم ضغط الهواء داخله بما يعادل 33 بار، أي ما يُساوي ضغط المياه على عمق 300 متر، وقد لفت غيف زنكنه إلى أن العمل في مثل هذه الأحوال القاسية شاق جدا، فعلى سبيل المثال، تم تركيب كاميرات خاصة بالأشغال في قاع البحار لمراقبة وحدات التشغيل.
أما الهدف من مرحلة الإختبار الجارية في هذه الشهور، فيتمثل في دراسة مدى قدرة الصخور على مقاومة الضغط العالي وعلى مقاومة تسرب المياه، ورصد الإهتزازات إن وُجدت، وأشار زنكنه إلى أن احتمالية حدوث زلازل معدومة، وذلك خلافا لمحطات الطاقة الحرارية الأرضية، لأن حصول تشققات صخرية أمرٌ غير وارد.
سُخونة وحرارة في الصخور
لا بد من التنويه إلى أن تخزين الطاقة على هيئة هواء مضغوط (أو تكنولوجيا CAES) ليست بالأمر الجديد تماما، فالمحطة الأولى تم إنشاؤها في ألمانيا في عام 1978، بينما تم تدشين الثانية في الولايات المتحدة في أوائل التسعينات، غير أن كلاهما أنجزتا في مناجم الملح، وهما بالمقارنة مع مشروع بياسكا "أقل كفاءة"، بحسب قول غيف زنكنه، الذي اعتبر أن "السبب يعود لإمكانية استرداد الطاقة الحرارية".
وبحسب الظواهر الفزيائية، فإن ضغط الهواء يرفع درجة الحرارة، وقد تصل إلى 550 درجة مائوية، وهي عالية جدا إلى الحد الذي يجعل من إدخالها في جوف الأرض متعذرا دون حصول أخطار، وبالتالي تلتجئ ألمانيا والولايات المتحدة إلى تبديدها، في حين ابتكر غيف زنكنه – وهنا مربط الفرس بالنسبة لما يمتاز به مشروع "ألكاياس Alacaes" السويسري - نظاما يسمح بتخزين هذه الطاقة واستخدامها في المرحلة العكسية المتمثلة في تحويل الهواء إلى كهرباء.
بفضل حسن التعامل مع الحرارة، امتاز مشروع بياسكا بكفاءته التي بلغت 72٪، في حين تتراوح كفاءة المشاريع الأخرى بين 45 و50٪، وفق تأكيد غيف زنكنه الذي يقول: "نحن نقترب من كفاءة نظم توليد الطاقة الكهرومائية التي تعمل بواسطة التوربينات، كما أننا أقل كلفة وأكثر استدامة من الناحية البيئية، ولا نحتاج لشق الأنفاق أو الكهوف لتوفير أوعية الضغط".
نظام واعد بحاجة إلى تطوير
"فضلا عن صداقته للبيئة، فإن استخدام نظام الهواء المضغوط يُمكن أن يؤمّن إمدادات بكميات كبيرة من الطاقة على مدى فترة طويلة، وهو ما تزداد الحاجة إليه بمرور الوقت"، وفق قول ماوريتسيو بارباتو، الأستاذ في معهد "CIM" للإبتكار المستدام رابط خارجيالتابع لجامعة العلوم التطبيقية في الأنحاء السويسرية المتحدثة بالإيطالية.
10٪ من الكهرباء في البحيرات
بالمقارنة مع أوروبا، تتوفّر سويسرا على إمكانية تخزين كميات من الطاقة أكبر، حسب قول سوفي هاوسينر، كما أنه بإمكان سويسرا تخزين 10٪ مما تنتجه من كهرباء وفقا لأنظمة المضخات والتوربينات أو ما يُعرف بطريقة الضخ الكهرومائية للتخزين (أي في بحيرات تخزين)، وتشير الباحثة إلى أن حصة أوروبا لا تزيد عن 5٪، وأن استراتيجية سويسرا للطاقة لعام 2050 تقضي بزيادة السعة التخزينية بمقدار معامل كفاءة يتراوح بين 2 و 3.نهاية الإطار التوضيحي
ويؤكّد ماوريتسيو بارباتو، الذي يتابع عن كثب الخطوات الأولى لمشروع بياسكا في إطار برنامج الصندوق السويسري للبحث العلمي (PNR70)، بأن التكنولوجيا، وتحديدا، تلك الخاصة بالتخزين الحراري، لم تبلغ مرحلة النضج بعد، وأن استخدام الحجارة، على حد قوله، لا يضمن أن تكون درجة حرارة الهواء عند خروجه ثابتة، وهو شرط أساسي لحسن سير عمل التوربينات، ولذلك يجري التعاون مع المعهد التقني الفدرالي العالي في كل من زيورخ ولوزان، لدراسة كيفية تحسين النظام، بواسطة استخدام السبائك المعدنية على سبيل المثال.
بدورها تُثَنّي سوفي هاوسينر، الباحثة في مختبر علوم وهندسة الطاقة المتجددة في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، مُعتبرة أن تكنولوجيا "ألكاياس Alacaes" في غاية الأهمية وتشير إلى أن "حدّها (أي الشيء الذي قد يحدّ من تطورها) قد يكون كثافة الطاقة، وهو منخفض نسبيا، ومقارنة بالبطارية القابلة للشحن، تقل كمية الطاقة التي يمكن تخزينها في وحدة تحزين (من ناحية الحجم) بما يعادل 5 إلى 10 مرات".
مكعب يفي باستهلاك مدينة لوغانو
في أوروبا، وخاصة في الشمال، حيث يتزايد إنتاج الطاقة الكهربائية من الرياح، قد تكون لنظام الهواء المضغوط قدرات كبيرة، فمن الناحية المثالية، كما يقول ماوريتسيو بارباتو، يجب أن تكون هذه "البطارية العملاقة" قريبة من مزارع الرياح: "وبالنسبة لتلك الموجودة في أرض منبسطة، كما هو الحال في شمال ألمانيا، فإن الشأن معقد، حيث يجب وضعها على عمق نحو مائة متر أو تشييد خزانات علوية فوق سطح الأرض، محكمة وباهظة الثمن"، ويُمكن لبلد مثل سويسرا، بما يتوفر عليه من طبيعة جبلية وكهوف وأنفاق، أن يكون له "دور هام"، حسب قوله.
وبخصوص الأنفاق والمخابئ العسكرية القديمة المحفورة داخل جبال الألب، لا يرى غيف زنكنه أنها تصلح، ذلك أن المخابئ عادة ما تكون صغيرة جدا، كما أن الشكل الطولي الإمتدادي للأنفاق لا يُساعد في الحد من التسريب، في حين أن الشكل المكعب أو الكروي هو أفضل نظرا لأن التناسب بين المساحة والحجم أصغر، ووفقا للعملية الحسابية التي قام بها المهندس، فإن "المكعب الذي تصل واجهته إلى 48 مترا يُتيح تخزين 500 ميغاواط من الطاقة، أي ما يُعادل ما تستهلكه مدينة لوغانو [يبلغ تعداد سكانها 70 ألف نسمة] طوال مدة 12 ساعة".
ومن شأن الأبحاث والتجارب القائمة ضمن مشروع "ألكاياس Alacaes"، إذا ما أسفرت عن نتائج ايجابية، أن تؤكد الدور المنوط بسويسرا بأن "تكون بطارية أوروبا"، على حد قول زنكنه، فضلا عن إسهامها في استقرار الشبكة الأوروبية للطاقة الكهربائية من خلال تعويض النقص الناجم عن تقلبات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في شتى أنحاء القارة.
فيما يُواصل العلماء البحث عن أفضل السبل لتخزين الكهرباء، ما الذي يُمكن للمُواطن العادي القيام به للإسهام في الحد من استهلاك الطاقة؟ شكرا على إسهامكم في الحوار وتبادل الخبرات وتقديم المقترحات.
swissinfo.ch