Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/203

أي السُّـبُل أَوْلى، قمع تجارة الحشيش أم غضّ الطرف عنها أم إضفاء الشرعية عليها؟ يجيب العاملون في مجال مكافحة الإدمان، أن تنظيم الاستهلاك يقطع الطريق على سوق المخدِّرات المستشرية، وأن "عدم التجريم" بحُـكم الأمر الواقع، من شأنه أن يعزِّز الصحّة والسلامة العامَّتيْـن، غير أن هناك من يعارض ذلك.
وفي حين أن القانون الفدرالي واضح بشأن حظر زراعة وتعاطي وتجارة القنّب الهندي (البانجو أو الماريوانا أو الماريخوانا)، إلا أن التشريع الصادر في عام 1951، يتيح في الوقت نفسه، درجة من التّسامح. فهو لا يَعتبر إعداد كمِية صغيرة من المخدرات للإستخدام الشخصي، مخالفة قانونية.
هذا التضارب، يضاف إليه التبايُـن الإداري وِفقا للنظام الفدرالي، حيث من المُـفترض أن تقوم الكانتونات بتنفيذ القانون الوطني وتطبيق مقتضياته من حظرٍ وعقوبات، والتي قد تختلِف، تَبَـعا للظروف المحلية، من كانتون إلى آخر.
ولعل الأرقام الصادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء، والمتعلِّقة بأعداد حالات انتِهاك القانون الفدرالي للمخدِّرات (ثلاثة أرباعها بشأن القنب الهندي)، تؤشِّر بشكل واضح على واقع التبايُن التطبيقي داخل سويسرا.
ففي عام 2011، سُجلت في كانتون أوري 3,4 مخالفة قانونية لكل ألف من السكان، بينما بلغ هذا المعدّل في كانتون لوتسرن 5,4، وفي كانتون فالي 8,4، وفي مدينة زيورخ 34,2 مقابل 51,5 في مدينة لوزان، التي هي عاصمة كانتون فو، الذي يُعتبر من أكثر الكانتونات تشدُّدا.
"إن عدم وجود تناسُق على مستوى الكانتونات، قد يتسبِّب في حيْـرة. فلا يُعرف ما إذا كان الحشيش مسموحا به أم أنه محظور، ولذلك، من الضروري وضع قوانين أكثر وضوحا"، على حدِّ قول جان فيليكس سافاري، الأمين العام لجمعية "التجمع الروماندي لدراسات الإدمان" لـ swissinfo.ch.
الغرامة بدلا من القضاء
في هذا العام، أي 2012، اتُّـخِـذت خطوة في هذا الاتِّجاه من قِـبَـل مجلس النواب، حيث اتَّـفقت غرفتا البرلمان الفدرالي على مبدإ تغريم مستخدِمي الحشيش من البالغين، بدلا من ملاحقتهم قضائيا، وستتِم معاقبة كل شخص يحوز على ما يصل إلى 10 غرامات بغرامة قدرها 100 أو 200 فرنك سويسري (لا يزال هناك خِلاف حول هذا القدر)، على غِرار ما هو حاصل بشأن مخالفات المرور.
والمعنى هنا: "تحويل - القضية - من القانون الجنائي إلى الإداري، كأننا نتحدث، بمعنى أو بآخر، عن عدم تجريم، لكن مع بقاء الحظر"، بحسب ما ذكر جان فيليكس سافاري، الذي أضاف أن البرلمان "يكون قد أوضح المسألة" بهذا .
ووفقا للِيلْيان موري باسكْـيِي، العضو الاشتراكي في مجلس الشيوخ (الكانتونات)، أن من شأن هذا التعديل التشريعي، أن يساهم في تطبيق العقوبات في أرجاء سويسرا بصورة أكثر تجانُـسا، كما أنه سيساهم – برأيها - في توحيد الخِطاب بشأن آليات الوقاية.
ومن وجهة نظر أخرى، يرى حزب الشعب (يمين شعبوي)، الحزب الأول في البلاد، بأن تشريع التغريم في حق من يستهلِك الحشيش، ما هو إلا خطوة أولى نحو إباحتها.
ومن جانبها، اعتبرت جمعية "الامتناع عن المخدِّرات"، بأن عدم التجريم مخالِف لإرادة الشعب، الذي رفض في عام 2008 مبادرة من هذا النوع، وشجبت، وفقا لبيان أصدرته، ما وصفته بالتهوين المتكرّر بشأن خطر تعاطي الحشيش، الذي غالبا ما يشكِّل عاملا مؤججا للأزمات الوجودية بين الشباب".
المشكلة أمنية
وفي المقابل، أشار سافاري إلى أنه على مدى السنوات الـ 15 الماضية، هيْمنت مسألة تجريم التعاطي على المساجلات بشأن الحشيش، والمخدِّرات بوجه عام، في حين: "كشفت الدراسات بأن القمع ثبت فشله"، ولذلك، عاد الحديث حاليا إلى مسألة تنظيم السوق، بحسب الأمين العام لـ "التجمع الروماندي لدراسات الإدْمان"، والذي لَفَتَ بدوره، إلى أن الحشيش قد أصبح "مشكلة أمنية" في المقام الأول".
وفي أحدث تقرير لها، أوضحت الشرطة الفدرالية بأن تِجارة الحشيش: "لا تزال تمثّل تجارة مربحة جدّا، وتستقطب المُجرمين"، والتخوّف الأكبر من تداخل سوق الحشيش مع سوق المخدِّرات، الأشد خطرا (كالكوكايين والهيروين)، الذي تسيْطر عليه العصابات المنظمة.
هذا الأمر من شأنه أن يؤدِّي إلى حالة من عدم الشعور بالأمن بيْن السكان، الذين سيكونون عُـرضة لانتشار وتداوُل المخدِّرات في الأماكن العامة، ولتمدّد شبكات المافيا، على حدِّ قول سافاري، الذي حذَّر قائلا، إنه في حالة عدم القيام باللازم، فقد ينفر الناس من السياسة السويسرية حِيال المخدرات التي يطلق عليها "الركائز الأربعة" (انظر العمود جانبا).
وصفات قديمة وحلول جديدة
وفي السياق نفسه، أوعز سافاري إلى أنه، في وضع بلد كسويسرا يلزم - عند التطبيق - ترك "هامش من المناورة للكانتونات والبلديات، ليتمكنوا من تطوير حلول لإدارة المشكلة".
ووِفقا للأمين العام للتجمع، الذي يضم مِهنِيِّين متخصصين في شؤون الإدمان، ينبغي إعادة النظر في بعض المواقف القديمة من استراتيجية الحكومة الفدرالية، لأجل تنظيم سوق القنّب الهندي. فمشروع عام 2001 – تم إسقاطه فيما بعد من قِـبل البرلمان – كان يرتأى، فضلا عن عدم تجريم تعاطي الماريخوانا، السّماح بوجود عدد محدّد من أماكن بيْعها، مع التّشديد في ذات الوقت، على ضرورة توفير الحماية للشباب.
واستدرك سافاري: "ليس المعنى فتح مقاهي للذين يرغبون في تعاطي الحشيش، وإنما ضبط ذلك بجملة من القواعد والشروط".
بالنسبة للمعهد السويسري للوقاية من إدمان الكحول وغيرها من المخدِّرات، تبدو مسألة تنظيم السوق أفضل حلٍّ، حيث أن "هذا من شأنه أن يسمح لمُتعاطي الحشيش بشرائه بصورة قانونية، وبتفريقه عن غيره من المواد كالكوكايين"، تَبَعا لما ذكره سيغولين سامويي، المتحدث باسم "الإدْمان في سويسرا".
كما أضاف، بأنه في حال ما إذا بِيع الحشيش تحت رقابة الحكومة، فيُمكن معايَنة جوْدتها، تبَـعا لمعدل رباعي الهيدروكانابينول ،"THC" (المادة الراتنجية التي تُـعتبر العُنصر المخدِّر في نبات القنّب - التحرير) ومعدل المُبيدات، "وهذا نهْج صحيح وسليم لمصلحة الصحة العامة، ويهدف إلى تقليل المخاطر الناجمة عن التعاطي".
نادي القنّب
وعلى ذات الصعيد، يتِم في الوقت الحاضر، اختبار تجارب في هذا الاتِّجاه في مدينتيْ زيورخ وبازل، حيث سيناقِش برلماناهما في الأشهر المقبلة، مقترحيْن يقضِيان بتوزيع الحشيش تحت عيْن الرقابة، غير أنها: "لا تزال هناك جوانب قانونية ومفاهيمية بحاجة إلى توضيح"، كما تقول كاتارينا روويغ من دائرة الصحة والبيئة في زيورخ.
وبناءً على قول جان فيليكس سافاري، فإن بإمكان سويسرا الاستفادة من نماذج وتجارب قائمة في بلدان أخرى، وذكر على سبيل المثال "النادي الإجتماعي للحشيش" في كل من إسبانيا وبلجيكا، وأبان قائلا: "إنها تعاوُنيات تُـتيح لأعضائها إمكانية زراعة نبات القنّب وتدخينه داخل أماكن محدّدة ومعروفة لدى الشرطة."
وأفصح سافاري بأن ميزة مثل هذه الجمعيات، التي تضم زارعي نبات القنّب، أن يتم تسجيل المتعاطين، وبالتالي، يمكن حماية الشباب وتبنِّي برامج للوقاية وللحدِّ من المخاطر.
ومن جانبه، شاطر غريغوار موني، الطبيب النفساني لدى الموقع المعلوماتي الاستشاري cannabis.ch، هذا الرأي، ولكنه نبّه إلى أن: "الخطر الأكبر، يكمُن في احتمالية التّهوين من خطر هذه المادة، وينبغي أن لا يصل إلى الشباب، ما يؤشِّر إلى اعتبار التعاطي أمرا عاديا".
ويعتقد موني، أن من شأن هذه الأماكن، من الناحية المثالية، أن تُتيح فُـرص الحوار مع الخبراء المختصّين في شؤون الادمان، الذين: "لن يُخشى عندئِذ من فقدانهم للجاذبية والاهتمام".
النتائج قبل الأيديولوجيا
على صعيد متّصل، يعترف جان فيليكس سافاري بأن مثل هذه المشاريع، تصنع تفاوتا في وجهات النظر وفي حقيقتها: "القبول بأن يمارِس أشخاص بالِغون تدخين الحشيش"، وهو ما لا تقبله جمعية "الامتناع عن المخدِّرات". فمن وجهة نظرها، أن الكثير من الشباب لم يتخلّ عن تعاطي الحشيش، إلا بسبب الحظر الصارم.
ومهْما كانت التدابير المُـتّخذة، فلابُدّ، كما يُصِر سافاري، من أن "يتم تقديم النتائج على الأيديولوجيات"، وإلا، فإنه سيكون من الصعوبة بمكان التوصل إلى حلول فعّالة، تُراعي حماية الصحة والحدّ من الجريمة في آن واحد.
القنّب والقانون
يعتبر قانون سويسرا الفدرالي بشأن مكافحة المخدرات، أن زراعة القنب الهندي من أجل استخراج المخدّرات أو التجارة أو التعاطي أو الحيازة، جرائم يُعاقِـب عليها القانون.
وفي حالة الإدانة، تتراوح العقوبة ما بين الغرامة المالية والسِّجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، لكن، يمكن وصف القنّب (الحشيش) لأغراض علاجية، بشرط وجود إذْن مسبق بذلك.
يعتبر القنّب من زمرة المخدِّرات، عندما يحتوي على العنصر المخدر رباعي الهيدروكانابينول "THC" بنسبة تتجاوز 1٪.
خلال التسعينات، طبّقت عدّة كانتونات سياسة متسامِحة، إلى حدٍّ ما، تُجاه القنّب، حيث كان من المُمكن، يوما ما في سويسرا، شراء الماريخوانا من أكثر من 130 محل تجاري مخصص.
كان لظهور سياحة القنّب في المناطق الحدودية، بشكل واضح وفِعلي، ولنشر الدراسات التي تُبرز مخاطِر تدخين الحشيش على الصحة النفسية، دور هام في تنامي جبهة المُشكّكين في سياسة عدم التجريم.
في خريف عام 2008، رفض الناخبون السويسريون بنسبة أكثر من 63٪ من الأصوات، المبادرة الشعبية الداعية إلى عدم تجريم تعاطي الماريخوانا وإنشاء سوق للقنّب تحت رقابة الحكومة.
في يونيو 2012، قرّر البرلمان عدم تقديم الشّخص البالغ إلى القضاء، إذا ما قُبِض في حيازته كمية من الحشيش، لا تزيد عن 10 غرامات، لكنه يُعاقَب بغرامة.نهاية الإطار التوضيحي
الركائز الأربعة
تستنِد السياسة السويسرية بشأن المخدِّرات على نهج يُطلَق عليه "الرّكائز (أو الأعمدة) الأربعة"، باعتباره يُـراعي أربع ركائز أساسية:
الوقاية: تجنب التعاطي أولا، ومن ثَـم الحيلولة دون تطوّره لأن يُـصبح إدمانا.
العلاج: تقديم المساعدة المناسِبة إلى الأشخاص من مُدمني المخدرات، والإعتناء بتحسين حالتهم الصحية وتعزيز تكاملهم الإجتماعي.
التقليل: احتواء الأضرار الجسدية والنفسية والإجتماعية المتّصلة بتعاطي المخدرات.
القمع: تطبيق الحظر القانوني للمخدرات.
أتاحت هذه السياسة، بحسب المكتب الفدرالي للصحة العمومية، تحقيق نجاحات مهمّة، من بينها:
تقليل واضح لأعداد الوفيات المرتبطة بالمخدِّرات، وللجرائم المرتبطة بالحصول عليها، وتحسين الظروف الصحية لمُدمني المخدرات والقضاء على المظاهِر السافرة لتعاطي المخدِّرات والترويج لها.
(المصدر: المكتب الفدرالي للصحة العمومية)نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch