Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00857.jsonl.gz/98

بعد مرور شهرين على سقوط نظام صدام حسين، تواصل الإدارة الأمريكية في العراق مشاوراتها مع الفصائل السياسية لتشكيل إدارة انتقالية.هذا المحتوى تم نشره يوم 16 يونيو 2003 - 09:20 يوليو,
ويبدو أن الممثل الرئاسي في العراق بول بريمر سيعين سلطة من 30 شخصا ستسمى مجلسا سياسيا
ثمة أسئلة تندرج تحت إطار ما يُسمـى السهل الممتنع ومنها السؤال عن طبيعة المناخ السياسي السائد اليوم في العراق.
للوهلة الأولى، تتسم الإجابة على هذا السؤال بقدر من السهولة لما فيه من إيحاء مـُبَـطّـن لإمكانية أن يكون الوصف وحده كافيا لها، إلا أن الإجابة الموضوعية ليست كذلك، لأن كلا من الوصف والتحليل لا يمكن أن يكونا دقيقين إلى درجة كافية في وضع مائع وغير مستقر مثل وضع العراق اليوم.
فالمناخ السياسي السائد في العراق اليوم محكوم بجملة من العناصر تتفاعل وتتصادم فيما بينها على نحو مفهوم حينا، وغير مفهوم في أحيان أخرى. لكنه في كل الأحوال لا يبدو منطقيا ولا حتى عقلانيا.
تشريع الاحتــــلال
إن أول ما يحكم المناخ السياسي العراقي، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الذي كرّس بطريقة سحرية احتلال العراق وقلب هويته كدولة، وجعل من هذا البلد العريق الذي أنشأ أول دولة وأول حرف وأول قانون بشري على وجه الأرض، مجرد كيان محتل، ولو مؤقّـتا، بقطع النظر عن أن المجلس الذي صدر عنه هذا القرار لم يقدّم غطاءً شرعيا لشن الحرب.
لكن الأمم المتحدة خضعت كغيرها إلى الأمر الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، ولم تأخذ في الاعتبار أن العراق كان من أوائل الدول المؤسسة لعصبة الأمم وللأمم المتحدة، إذ هو من الموقعين على ميثاقها عام 1945، وأن العراق كان أول دولة عربية تتمتع بالاستقلال السياسي في القرن العشرين، بل إنه ساهم باعتباره عضوا مؤسسا في لجنة تصفية الاستعمار التابعة للمنظمة الدولية ذاتها في منح الاستقلال لعدد غير قليل من الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فيما يجد نفسه في بداية القرن الحادي والعشرين مجرد كيان محتل تحت الوصاية الأجنبية.
ويعتقد كثيرون في النخبة العراقية أن هذا القرار الأممي الذي صاغته بريطانيا وفرضته الولايات المتحدة، صٌـمّـم ليُـطبّـق بمزاجية عالية. كما أنه صدر ليظل ساريا حتى إشعارا آخر لا تقرره الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، وإنما تقرره قوات الاحتلال البريطانية الأمريكية.
وبرغم حجم الدعاية التي رافقت قرار مجلس الأمن وأعقبته، وسعي المعنيين لتسويقه، لم ينجح القرار في إقناع أبسط العراقيين وعيا بأنه يمثل فعلا رفعا للحصار المُطبق على رقابهم منذ 13 عاما، ذلك أن الحل والربط يظل بأيدي الإدارة العسكرية الأمريكية الحاكمة في العراق.
مفردات الواقع العراقي
ويبدو الواقع السياسي العراقي الموروث عن النظام المخلوع محكوما بعقد التشرذم اسميا ودينيا وطائفيا. وسواء شاء البعض أم أبى، فإن العراق واحد من أكثر البلدان القابلة للتفتت بين الحصص القومية والطائفية والدينية والعرقية، فضلا عن الولاءات السياسية المحكومة في حالات كثيرة بالانتماء العرقي أو الديني أو القبلي.
فما بين سني وشيعي، وعربي وكردي وتركماني، ومسلم ومسيحي، ويزيدي...، وما بين الولاء للعراق أو لمحيطه العربي أو جواره الإسلامي، وما بين هذا الانتماء السياسي أو ذاك، يتوزع العراقيون مللا ونحلا وطوائف وانتماءات وولاءات، وهم بالتالي في أمس الحاجة إلى حكومة وطنية تقام على أساس الوئام والتوافق، وتكون بمثابة العباءة التي تغطّـيهم جميعا.
هناك أيضا الجدل السائد في الأوساط السياسية حول من يحقّ له تمثيل العراق في أي ترتيبات مستقبلية. هل هي مجموعات الداخل التي تقول إنها عانت كل ضغوط المرحلة السابقة، أم مجموعات الخارج التي تؤكد أنها ناضلت من مواقعها في الغربة، واتصلت بالقوى والأطراف الدولية لتضمن حصول الذي حصل فعلا؟
وثمة في الأوساط السياسية رأي يُحمّـل مجموعات المعارضة القادمة من الخارج مسؤولية تردي الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق بعد سقوط النظام السابق، لأنها لم تكن صادقة مع نفسها ومع ارتباطاتها الأجنبية، ولأنها سعت إلى إسقاط النظام فحسب، دون أن يكون لها تصور قابل للتنفيذ لمرحلة ما بعد صدام. ويزداد هذا الرأي حدّة على ضوء الفوضى السائدة وانعدام الأمن وظروف الحياة القاسية.
وتعتقد بعض الأوساط السياسية أن القرار رقم 16 الذي اتخذه الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر بحل حزب البعث واستئصاله من الحياة السياسية، لم يصدر إلا بناء على رغبة أطراف عراقية من المعارضة السابقة.
ولا يُخفي بعض رموز القوى السياسية الوطنية العراقية امتعاضهم من هذا القرار، لأنهم يرون فيه سبيلا لمزيد من التعقيد في الشأن العراقي، ويعتبرون أن الانتماء لتيار سياسي شيء، وارتكاب الجرائم وانتهاك الحريات شيء آخر.
ولاشك أن من بين هؤلاء، بعثيين قد يكون لهم رصيد من الاحترام في الأوساط الشعبية، لكنهم مجبرون اليوم على الانزواء والانكفاء في ظل المشيئة الأمريكية النافذة، وموجة الأحقاد التي يؤججها البعض.
لا مؤتمر وطني، بل مجلس سياسي!
وبدون شك، فإن قرار الحاكم الإداري للعراق، السفير بول بريمر بإلغاء فكرة عقد مؤتمر وطني لأطياف العراقيين في الداخل والخارج تنبثق عنه حكومة وطنية أو سلطة مؤقتة، سيفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المشهد السياسي العراقي.
وفيما يعلن منسق الأمم المتحدة الجديد في العراق أن العراقيين يجب أن يحكموا أنفسهم بأسرع وقت ممكن، يُـصِـر الحاكم الأمريكي على أن أي سلطة عراقية لن تقوم في الوقت الحاضر، وأن أي تشكيل إداري عراقي، مهما كانت تسميته، سوف لن يتمتع بأي صلاحية، سوى صلاحية إبداء وجهة النظر، وهي هنا لا تندرج تحت إطار أضعف الإيمان حتما، لأن أهل مكة، وهم الأدرى بشعابها، هم أيضا الأكثر استحقاقا لإدارتها.
وفي الإطار ذاته، عبرت بعض القوى العراقية عن رغبتها في مفاتحة أطراف عربية لاستكشاف مدى إمكانية اعترافها بحكومة عراقية يتم إعلانها خارج رغبة قوات التحالف، إلا أن هذا الموقف يمكن أن يصطدم بعقبتين رئيسيتين.
تتمثل الأولى في رفض بعض القوى السياسية العراقية لأي محاولة تنسيق مع أطراف عربية. أما الثانية، فإنها تتصل بقرار مجلس الأمن الأخير الذي ثبَّـت وضع قوات التحالف في العراق باعتبارها قوة احتلال مخولا إياها الصلاحيات والمسؤوليات اللازمة لإدارة شؤون البلاد والتصرف بأموال العراق أيا كان مصدرها.
وبالتأكيد، فإن العقبة الثانية تجعل من هذا الطرح ساذجا وغير عملي، لأن قرار مجلس الأمن منح كامل الشرعية لسلطة الاحتلال، فيما جعل من أي سلطة عراقية خارج المظلة الأمريكية غير شرعية.
وماذا عن المستقبل؟
وفي ضوء كل هذه المعطيات، وعدم توفر نتائج ملموسة على الأرض، وفي ظل الإصرار الأمريكي على عدم الإصغاء لأي وجهة نظر عراقية، مهما كانت صادقة ومخلصة وذكية، فإن ثمة رأيا بدأ يتبلور مؤخرا في بعض الأوساط، وإن كان محدود الانتشار حاليا.
يدعو هذا الرأي إلى ضرورة الشروع الفوري بمقاومة الاحتلال على الطريقة الأفغانية أو على الطريقة الفلسطينية. وهناك قلق عميق في الأوساط السياسية التي تتطلع إلى عراق حر وديموقراطي، أن تتم تغذية هذا الشعور من جهات متطرفة في الداخل والخارج، ربما تكون أذرع القاعدة أو أصوليون إيرانيون في مقدمتها، وهو أمر سيفتح الأبواب أمام تطورات مأساوية، العراقيون جميعا في غنى عنها الآن وفي المستقبل، لأنها ستجعل من هذا البلد قاعدة لموجة جديدة من العنف والإرهاب يُمكن أن تعصف بالجميع، بدلا من أن يكون عراق ما بعد صدام حسين واحة للرخاء والأمن والديموقراطية في الشرق الأوسط الجديد، وفق التمنيات الأمريكية.
مصطفى كامل – بغداد
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>