Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/25

من المعلومات الطريفة عن سويسرا، بلد الشوكولاطا الشهية والحليب الطازج والجبن اللذيذ، إنتاجها أيضا للزعفران الذي غالبا ما يرتبط اسمه بآسيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
ولئن كان يـُنتج بكميات هزيلة جدا، فإن الزعفران السويسري الذي يـُجنى سنويا من منتصف أكتوبر إلى منتصف نوفمبر في بلدات صغيرة في كانتون الفالي، يثير فضول السياح واهتمام كبار طباخي المنطقة.
من مُنتصف أكتوبر إلى مُنتصف نـُوفـمبر من كل عام، تعيش أجزاء من "الفالي" جنوب غربي سويسرا على وقع موسم جني الزعفران الذي يتباهى به سكان المنطقة. فـبفـضل مناخه الجاف والحار نسبيا، ينفرد هذا الكانتون- في بلاد الشوكولاطا - بزراعة زهرة "كروكوس ساتيفوس إل" التي يـُستخرج منها تابل الزعفران النفيس.
وإلى وقت قريب، كانت بلدةُ موند الواقعة على ارتفاع 1200 متر المكان الوحيد شمال الألب الذي تزهر فيه نبتة الزعفران الثمينة التي تـُلقب بـ"الذهب الأحمر". غير أن الوضع تغـيّر بعض الشيء بعدما ظهرت حقول أخرى في وسط وغرب الكانتون. ومازالت سريةٌ كبيرة تحيط بهذه الضيعات الجديدة المتواجدة في الجزء الروماندي (المتحدث بالفرنسية) من الفالي.
فمنذ عام 2004، بدأت زراعة الزعفران في بلدة فـُونتون بمنطقة سيون (عاصمة كانتون الفالي)، وفي مرتفعات مدينة مارتيني (غرب الكانتون).
ولم يكن اختيار هذه المواقع من قبيل الصدفة، بل استند أساسا إلى كتابات تاريخية تؤكد أن الزعفران كان يـُزرع في هذه المناطق بالذات منذ العصور الوسطى، على أقل تقدير.
جهد كبير وإنتاج هزيل
عالـِمُ النبات في مدينة مارتيني، جون مارك بـِيي، ذهب بنفسه إلى المغرب لجلب نبات الزعفران. أما في بلدة فونتون، فجاءت البادرة من مجموعة خواص تمكنوا من زرع حقلين يمتدان على مساحة 300 متر مربع.
وقد زُرعت حوالي 1500 نبتة في إحدى القطعتين ووُضعت تحت عناية مـُنتج الأعشاب العطرية والطبية البيولوجية، موريس ماسيري، الذي يحرص على التذكير بأن سكان المنطقة يتمسكون بهذه الزراعة ليس بدافع الربح بل لترسيخ تقـلـيد عريق.
يقول: "يتطلـّب الحصول على غرام واحد من الزعفران الجني في الحقول لمدة ثلاث ساعات. ولئن كان الزعفران يـُباع بحوالي 20 ألف فرنك للكيلوغرام الواحد، فإننا لا نكسب سوى 20 فرنكا في الساعة".
فضلا عن ذلك، يظل الاستثمار الأولي في الزعفران مرتفعا نسبيا، إذ يجب زرع 60 نبتة في المتر المربع بثمن يتراوح بين 50 سنتيما وفرنكا للنبتة الواحد. "وهو ثمن غال جدا مقارنة مع الدخل"، يضيف السيد ماسيري.
موند مازالت تحتل الصدارة
في بلدة فونتون، لم تتعدى الكمية التي جناها السيد ماسيري العام الماضي 17 غراما. ويـتوقع الحصول هذا العام على نفس المحصول الذي يَحتـفظ به لطباخ كبير يمتلك مطعما في مدينة سيير في الفالي. وتُخصص محاصيل الزعفران في سيون ومارتيني أيضا لإضفاء نكهة خاصة على أطباق مطعمين آخرين.
وحسب هواة الزعفران في المنطقة، تعرف هذه الزراعة انتشارا متزايدا في الفالي، وإن كانت بكميات هزيلة جدا. يقول عالم النبات في مارتيني جون مارك بييي "أعلم أن قدرا بسيطا من الزعفران يـُزرع أيضا في سافييز، ومرتفعات بلدة فويي". ولئن لم تعد بلدة موند تنفرد في سويسرا بجني الزعفران، فإنها تظل أكبر منتج للزعفران في البلاد حيث تمتد فيه زراعة هذا التابل، الذي يعد الأغلى في العالم، على مساحة 15 ألف متر مربع.
وتنتج موند سنويا ما بين ثلاثة وأربعة كيلوغرامات من الزعفران من قبل 40 مزارعا. ومنذ 2 يوليو 2004، أصبح "زعفران موند" يتوفر على علامة الجودة الأصلية (AOC)، وهي الشهادة الأولى من نوعها التي تمنح في سويسرا في مجال التوابل. ولا يَستبعدُ الجزء الروماندي من الفالي محاولة الحصول مع موند على نفس الشهادة لزعفران الفالي ككل.
كيف وصل الزعفران إلى سويسرا؟
تغطي طبقة رفيعة من الثلج في فصل الخريف المرتفعات العالية التي تحيط بموند. ورغم الحرارة المنخفضة نسبيا، تنفذ زهرة الزعفران إلى أعماق التربة الرملية لهذه المنطقة لتشكل في موسم الحصاد بساطا جميلا بألوان اللـّيلك.
ولا تخشى هذه الزهرة التي يعود أصلها إلى منطقة الهيمالايا الآسيوية من مواسم الشتاء القاسية، كما لا تحتاج إلى السماد. ليس غريبا إذن أن تكون هذه النبتة مبعث فخر لسكان البلدة السبع مائة، خاصة أنها تُـُجسد أيضا رباطا وثيقا مع تاريخهم.
ويصعب تحديد أصل زراعة الزعفران في الفالي بدقة. ففي حين يقول البعض إن زهرة "كروكوس ساتيفوس إل" وصلت إلى سويسرا من إيطاليا، يعتقد البعض الآخر أن الحجاج هم الذين جلبوها من إسبانيا، فيما يظل آخرون على قناعة بأن التابل وصل إلى الفالي من مناطق جنوبية (إيران، وتركيا واليونان) مُخبئا في شعر المرتزقة، لأن تصدير زهرة الزعفران كان يـُعاقب بالإعدام في تلك المناطق.
وتفوق اليوم قيمة الزعفران في سويسرا الذهب إذ يمكن أن يصل سعر غرام واحد زعفران موند 28 فرنكا. لكن أحدا لم يغتني في هذه البلدة بفضل هذا التابل الذي تعرضت زراعته للتهديد في نهاية السبعينات، ولم ينقدها سوى تدخل ودعم الكهنة. وفي عام 1979، قرر 22 منتجا تجميع قواتهم لإنشاء "تعاونية الزعفران" من أجل إنقاذ تقليد يعود إلى القرن الرابع عشر. ومنذ تأسيس التعاونية، مضت زراعة الزعفران في التوسع، حتى باتت تمثل شهرة بلدة موند.
مشروب الزعفران
وإن كانت بعض مُدن الفالي تتباهى بـ"مفاتنها"، مثل منتجع زيرمات الذي يشتهر بقمة "سيرفان" التي تظهر صورتها على أغلفة العديد من لوائح الشوكولاطا السويسرية، وفيسبرترمينن الذي يفخر بأعلى مزارع كروم في أوروبا، فإن موند دخلت كتاب الأرقام القياسية لكونها المنطقة الأقصى شمالا في أوروبا حيث يزهر الزعفران.
وقد اجتذبت سمعة البلدة الزوجين يورغن ومارغريت روميدير من ولاية بافاريا الألمانية. وكان الصيدلي يورغن قد بدأ في صناعة مشروب فاتح الشهية مُستخلص من الزعفران المستورد من إيران عندما سمع بـزعفران موند.
ويتذكر في حديث مع سويس انفو "اقتنيت هذا الزعفران وحلـّلته ووجدته أفضل من أي زعفران آخر في العالم".
ومن شدة إعجابه بـذهب موند الأحمر، قرر التحول للاستقرار مع عائلته في البلدة السويسرية، حيث اشترى حقله الخاص وانضم إلى "تعاونية الزعفران"، وواصل إنتاج مشروبه الفاتح للشهية.
لكن الربح يظل ضعيفا جدا إذ تقول زوجته مارغريت وهي تنحني لجني بعض زهور حقلها قبل أن تنفتح "يجب حوالي 130 زهرة زعفران للحصول على غرام واحد (...) إن أسرا بأكملها تتعاون في الحقول، أجدادا وأحفادا، كلهم يجنون الزهور ويجلبونها إلى المنازل وينزعون السمات الحمراء اللون التي تعطينا الزعفران".
زعفران يجتذب السياح
تـُسجل مارغريت عدد الزهور التي تجنيها على قطعة ورق، لكن لكل أسلوبه، إذ تقول "هناك من يضع حجرة في جيبه كلما التقط مائة زهرة، وعندما ينتهون من الجني، يحسبون الأحجار".
في أعالي موند، تقول بسرور السيدة مادلين أمستيف، من المتجر الوحيد الذي يبيع منتجات زعفران البلدة "إن الزعفران جيد بالنسبة لموند لأنه يجتذب السياح لموند". ويعرض المتجر عجائن وخبزا بالزعفران، وزجاجات مشروب الألماني روميدير، وقارورات صغيرة من خيوط التابل النفيس.
وتوضح السيدة امستيبف في لقائها مع سويس انفو أن الطلب على زعفران موند يتجاوز العرض إذ لا يغادر البلدة سوى كمية ضئيلة من المنتوج السنوي. أما الجزء الأكبر من المحصول فتستعمله أسر البلدة لاستهلاكها الخاص، وأصحاب بعض مطاعم المنطقة، أو يـُهدى للأقارب والأصدقاء.
سويس إنفو مع الوكالات
الزعفران .. أو الذهب الأحمر
الزعفران نبات بصلي من فصيلة السوسنيات، يـُستخرج من زهرة "كروكوس ساتيفوس إل" الصغيرة المُتفتحة ذات اللون البنفسجي.
يوجد في لـُب الزهرة أعضاء التلقيح الثلاثة، على شكل خيوط ذات لون أحمر برتقالي، ورهيفة جدا، تُسمى "السّمات".
هذه السمات التي تُلتقط وتـُجمع باليد، وبدقة مُتناهية، هي التي تعطي الزعفران.
يتم الحصول على الزعفران بتجفيف تلك السّمات التي تفقد 80% من وزنها خلال عملية التجفيف التي تتم في الظل.
للحصول على غرام واحد من الزعفران، يجب مئات السمات (قد تصل إلى 390)، ويعني ذلك أن إنتاج كيلوغرام واحد يتطلب جني 120000 زهرة على الأقل. وقد يرتفع ذلك العدد إلى 200 ألف زهرة.
يتوفر الزعفران، الذي يعد أغلى تابل في العالم، على شكل خيوط أو مسحوق.
أكبر الدول المنتجة للزعفران حاليا هي: اليونان، وتركيا، وإسبانيا، وإيران، والهند، والمغرب.
تنتج إسبانيا وإيران 80% من الإنتاج العالمي للزعفران، أي ما يقرب 800 طن في العام.
أكبر الدول المُستوردة للزعفران هي: ألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة، وسويسرا، وإنجلترا، وفرنسا.
أدخل الزعفران إلى أوروبا على يد عرب الأندلس، أولا في إسبانيا، قبل أن ينتشر في دول البحر الأبيض المتوسط.
الزعفـران في سويسرا
تشهد كتابات تاريخية على أن الزعفران وصل إلى سويسرا في القرن الرابع عشر، وبدأت زراعته في أماكن مختلفة من البلاد. لكن زراعته اليوم تتم فقط في كانتون الفالي جنوب غربي سويسرا.
تتضارب الروايات حول أصل هذه الزراعة في الفالي، فهنالك قصص تقول إنها وصلت إلى سويسرا من إيطاليا، وأخرى تدعي أن الحجاج جلبوها من إسبانيا، بينما تزعم أخرى بأنه وصل من إيران وتركيا واليونان مخبئا في شعر المرتزقة لأن تصدير زهرة الزعفران كان يعاقب بالإعدام في تلك المناطق.
تعد بلدة موند، في مرتفعات كانتون الفالي أشهر وأكبر مكان يـُنتج فيه الزعفران في البلاد. لكن حقولا أخرى لزراعة هذا التابل الثمين ظهرت في قرى أخرى في نفس الكانتون.
يمكن أن يصل ثمن الغرام الواحد من زعفران بلدة موند 28 فرنكا.
تنتج موند ما بين 3 و4 كيلوغراما من الزعفران كل عام.
حصل زعفران موند في يوليو 2004 على وثيقة علامة الجودة الأصلية "AOC"، وكان أول تابل يحصل على هذه الشهادة في سويسرا.