Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00909.jsonl.gz/48

هل ستسير المنطقة العربية على خطى "الديمقراطية الأفغانية؟ وهل سيكون "تطورا تاريخيا" إيجابيا بالنسبة لها، كما يقول المعلقون الأمريكيون، أم حافزا لتقسيمها جغرافيا وديموغرافيا، كما يخشى الكثيرون في الشرق الأوسط؟هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أكتوبر 2004 - 09:27 يوليو,
الإجابة على هذين السؤالين ستتباين، على الأرجح، مع تباين هوية المجيبين عليها في أرجاء المنطقة.
ستكون الأنظمة العربية في وارد التصفيق بعد أن رأت الانتخابات التي رعاها الأمريكيون في أفغانستان، وهي تكـرّس عمليا سلطات الأمر الواقع (أمراء الحرب، والمافيات، وعملاء الاستخبارات الأجنبية في السلطة المركزية المحلية)، بدل تغييرها، وتعيد إنتاج الممارسات اللاديمقراطية ذاتها، التي تمرّست بها هذه الأنظمة منذ زمن بعيد.
فكما هو الحال في الدول العربية، تم تزوير القوائم الانتخابية في أفغانستان على نطاق واسع عبر ضم ملايين أصوات الأموات واللاجئين والأطفال والأجانب إليها، وعبر شراء الأصوات، ومعها ولاءات أمراء الحرب. ثم جرى بعد ذلك تزوير العملية الانتخابية نفسها من خلال فضيحة الحبر الزائل الذي سمح لأنصار الرئيس حميد قرضاي بالاقتراع .. "باكرا.. وغالبا".
أثارت هذه الممارسات التي نزلت بردا وسلاما على صدور الحكومات العربية اللاديمقراطية، ذُعر الشعوب العربية، ليس فقط لأنها ستعني أن "الباكس أميركانا" (السلام الأمريكي) الزاحف، سيغيّـر الأنظمة الديكتاتورية شكلا، ويبقي عليها فعلا، بل أولا وأساسا، لأن هذا النوع من "الديمقراطية" سيسفر في النهاية عن تفتيت، وحتى تقسيم العديد من بلدان المنطقة العربية.
ومرة أخرى، النموذج هنا هو أفغانستان. فقد كان يُـفترض أن تكون الانتخابات حصيلة بناء "الدولة–الأمة" الافغانية، وإنهاء سلطة أمراء الحرب والأفيون، ومافيات اللصوص التي تُـسيطر على كل البلاد، عدا العاصمة كابول، فإذا بها تأتي لتكرّس "شرعية" هؤلاء على حساب حكومة "الدولة-الأمة" المركزية، بعد أن وضعت واشنطن عربة الانتخابات قبل حصان مشروع بناء الدولة الأفغانية.
وكان طبيعيا بعد ذلك أن تكون الحصيلة رئاسة "ديمقراطية" من فوق، لا تملك ولا تحكم إلا النزر القليل، وسلطات "ميليشياوية" استبدادية من تحت، تملك وتحكم القدر الكبير وتؤبّـد انقسام البلاد على أسس قبلية ومذهبية وعرقية.
العربة والحصان
وبالمثل، فإن تطبيق هذا النمط الأفغاني على المنطقة العربية، سيؤدي (كما في النموذج اللبناني) إلى تأبيد سلطة أمراء الحرب والطوائف والقبائل، وإلى منح شراهتهم في ضرب مقوّمات الدولة شرعية قانونية، وتغطية شهيتهم المطلقة للنهب والفساد بغطاء دولي.
والحال، أن عملية بناء الديمقراطية قبل بناء "الدولة-الأمة" (أو على الأقل قبل بناء الدولة)، أمر لا سابق له في التاريخ. فالدولة الحديثة السيـّدة نشأت أولا، ولحقتها الأمة، ومن ثم الثورة الدستورية والقانونية، وبعدها فقط جاءت الديمقراطية الحقيقية.
هذه الحقيقة، كان يُـعتقد قبل الانتخابات الأفغانية، أنها تسيّـر صانعي القرار ومنظريه الأمريكيين. ففريد زكريا، مدير تحرير "فورين أفيرز" على سبيل المثال، كتب مباشرة بعد 11 سبتمبر 2001 مقالا بعنوان "كيف ننقذ العالم العربي"؟ قال فيه: "إذا ما كان من الصحيح أن الأنظمة العربية استبدادية وديكتاتورية، فإن المجتمعات المدنية العربية ليست أفضل من أنظمتها. فهي غير ليبرالية وقد تنحاز في لعبة الانتخابات الحرة إلى الأصوليات المتطرفة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو بالتداول الديمقراطي على السلطة".
الترياق الذي اقترحه زكريا آنذاك، هو نقل المجتمعات العربية من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية عبر تطبيق القواعد الرأسمالية الخاصة بحكم القانون وحرية السوق والحقوق الفردية، وحماية الملكية الفردية واستقلال القضاء، وفصل الدين عن الدولة. وهذه كلها برأيه، تمهيدات ضرورية وطبيعية لظهور الديمقراطية.
وبكلمات أوضح، يدعو هذا الباحث الامريكي ذو الأصول الهندية، إلى بناء الدولة الدستورية كتمهيد لإطلاق الدينامية الديمقراطية. بيد أن هذه المقاربة العلمية الموضوعية، التي ترسي العملية الديمقراطية على أسس مؤسساتية، سياسية واقتصادية وفكرية راسخة، لم ترق، على ما يبدو، لبعض أصحاب القرار الأمريكيين لأسباب آنية واضحة، وأخرى بعيدة خفية.
الأسباب الآنية هي استخدام مبدأ الحرية وشعار الديمقراطية كسلاح في المعارك السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، وهل كان هناك أثمن دعاية انتخابية للرئيس بوش من تلك التي وفّـرتها صور الناخبين الأفغان؟
أما الأسباب الأبعد، فربما تكمُـن في عدم وجود نية أمريكية حقيقية في إدخال الديمقراطية الحقيقية إلى العالم العربي، خاصة إذا واصلت واشنطن سياستها الراهنة في بناء ديمقراطية بدون أرجل قانونية وحقوقية واقتصادية وأمنية (كما في أفغانستان)، والأهم، بدون نخب سياسية وطنية محلية تضع مصالح بلادها واستقلالها القومي فوق مصالح الهيمنة الأمريكية، وفوق المصالح الجهوية الضيقة، ولا تكون "موظّفة"، (كما هو الحال الآن في أفغانستان والعراق معا) لدى وكالات استخبارات أمريكية.
النخب العربية .. ماذا تختار؟
والآن، ستكون الترجمة الثانية لهذه التوجهات الأمريكية بعد أفغانستان في العراق، حيث يحذّر العديد من المحللين العراقيين من أن إجراء الانتخابات في يناير المقبل (2005)، وقبل إعادة بناء الدولة، سيسفر عن الآتي:
- تكريس "انفصال"، أو على الأقل ابتعاد، جسم "المثلث السُـنّـي" في وسط العراق عن المركز بغداد.
- تعزيز النزعة الانفصالية الكردية في الشمال.
- تعزيز نزعة انفصالية أخرى بين المحافظات الشيعية الثلاث المنتجة لـ 90% من النفط العراقي في الجنوب.
- "شرعنة" سلطة الميليشيات في المناطق التي تسيطر أو تهيمن عليها، كما هو الحال في مدينة الصدر ببغداد، التابعة لميليشيات مقتدى الصدر، وبعض مدن ومناطق الجنوب التابعة لميليشيات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة. إضافة إلى نسف كل المقومات الوطنية العراقية من خلال تسييس الهويات الطائفية والقبلية والعرقية.
هل يعني هذا كله أن مصير الديمقراطية ومستقبلها في المنطقة العربية مختومان سلفا بالشمع الأحمر؟ نعم، إذا ما تمّـت "أفغنتها" على هذا النحو. ولا، إذا ما نجحت النخب العربية في اغتنام فرصة التغييرات في الشرق الأوسط لتحويل الديمقراطية من شعار وغطاء لتأبيد الأمر الواقع الراهن، إلى مضمون وقوة ثورية لتغيير هذا الواقع.
والنموذج هنا، ليس بالتأكيد حميد قرضاي الأفغاني، بل المهاتما غاندي الهندي!
سعد محيو – بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>