Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/145

مستقبل الجامعات في العَصر الرقمي
مع التغيير الذي تُحدثه الثورة الرقمية في المجتمع، ما هو الدور الذي ستضطلع به الجامعات مستقبلا في الوقت الذي تقوم فيه الآلات "الذكية" ليس بطرح الأسئلة الكونية فحسب، بل وتوفير الإجابة عليها أيضاً؟
فيما مضى، كانت الأديرة - الحامي المقدّس للمعرفة - تحتفظ بمجموعات ضخمة من المخطوطات التي شكَّلَت أساس معارفنا الحالية. وعلى سبيل المثال، لَمْ يحافظ دير سانت غالن، الذي كانت هندسته المعمارية ومدرسته وحتى حديقة الأعشاب التي أنشأها نموذجاً للعديد من المجتمعات الرهبانية، على سبل رزقهم فحسب، ولكنه كان يعمل على تشجيع التعليم أيضاً.
وفي الوقت الذي كان فيه الرهبان عاكفين على نَقل نصوص مسيحية موغلة في القِدَم - لم يكن البعض منهم قادراً على فهم محتواها إلّا بالكاد - في المَنسخ (أو غرفة الكتابة)، كان النسيان يطوي الأفكار الثورية المُوَثقة في المخطوطات الرومانية (مثل نصوص الشاعر الروماني لوكريتيوس) في أقبية مكتبات الأديرة، حتى عثور بوجيو براشيوليني، السكرتير البابوي "المستنير" السابق الذي كان يجوب البلاد راكباً حماره على هذا الكنز الدفين. ويَحكي المؤرخ والناقد الأمريكي ستيفين غرينبلات، قصة اكتشاف بوجيو للقصيدة الوحيدة التي تركها لوكريتيوس، والتي أسماها "في طبيعة الأشياء" (De Rerum Natura).
قامت الجامعات منذ ما يقرب من ألف عام بتقديم ملجأ للمفكرين الذين يشككون في المعرفة، الأمر الذي مهد الطريق للتقدم العلمي، مع تعبير المجتمعات الديمقراطية الحديثة والمنفتحة عن الحاجة إلى هيكل معرفي مستقل وجماعي وذي صلة بالمجتمع في آن واحد. ومع ظهور الطباعة قبل 600 عام، لعبت التكنولوجيا دوراً ثورياً، ليس في نَشر المعرفة فحسب، ولكن بوضعها في سياق نقدي واجتماعي أيضاً.
واليوم، تقوم وسائل الإعلام الحديثة بتشجيع المعرفة ونشرها والتساؤل والتشكيك بشأنها، مثلما فعلت قبل ستة قرون. وبرغم التقدم التكنولوجي الحاصل، لكن المجتمع لايزال يواجه عقبات كبيرة فيما يتعلَّق بشفافية الإجراءات والوصول إلى الاكتشافات العلمية. ومع وجود التعلم الآلي والحوسبة الكمومية في الأفق "كيف سيؤثر العصر الرقمي على عملية اكتساب المعرفة والتفكير النقدي، وعلى مستقبل الجامعات بالنتيجة"؟
المعرفة والإزدهار
كما يبدو، يرتبط التعليم والإزدهار ونوعية الحياة مع بعضهما البعض بشكل جوهري. إن الكرادلة [في القرن السادس عشر] لم يصبوا جامّ غضبهم على غاليليو لأنه وضع الشمس في مركز منظومة الكواكب فحسب، ولكن لأنه أراد نَشر أعماله باللغة الإيطالية، "لإفادة العامة". ومع وفاء الجامعات لِمُثُل غاليليو العليا اليوم، فإنها لا تتحمل مسؤولية جعل معارفها مُتاحة للجمهور فَحَسب، ولكن تَحدّي وجهات النظر العالمية السائدة أيضاً.
تعد المعرفة والقدُرة على معالجتها رأس مال الجامعات. ومن خلال الرعاية المستمرة لرأس المال هذا واستخدامه بشكل جيد فقط، يمكننا أن نزيد من رفاهية مجتمع مفتوح، وقدرته على التنافس مع نماذج مجتمعية أخرى.
إن تسويق التقنيات الجديدة يحدث بسرعة أكبر من خلال "المنشورات" المهمة والشهيرة. ومع أن السوق يستغرق وقتاً أطول للتعرف على استنتاجات علمية تطغى عليها شهرة المجلات العلمية، لكن إمكاناتها الاقتصادية تظل قوية مع ذلك. وتعد تقنية التعديل الجيني الجديدة " تقنية كريسبر- كاس9" (CRISPR-Cas9) مثالاً في صميم الموضوع. فبعد سنوات من اجتذابها الحد الأدنى من الضجيج الإعلامي، تتنازع الجامعات المرموقة الآن للحصول على براءات الإختراع.
إن الأهمية التي يحظى بها منشور الإكتشاف وتسويقه التجاري الناجح المُحتمل أو الفعلي، هو أداة هامة للجامعات من خلال دوره في اجتذاب المستثمرين. فعندما تستطيع إحدى الجامعات إثبات أن منتجاتها قابلة للتسويق على الفور، فإنها تعزز سمعتها بين دافعي الضرائب وفي صفوف السياسيين بالنتيجة.
الديمقراطية والتفكير النقدي
كان للجامعات موقعها في سوق المعرفة منذ أكثر من ألف سنة. ومنذ تأسيس جامعة بولونيا Bologna الإيطالية، كانت الجامعات تنشط في إعداد المعرفة وخلق آفاق جديدة من خلال التفكير والتحول. وبمرور الوقت، أثبت النظام التجريبي - وهو جزء لا يتجزأ من عملية التدريس - صموده ونهجه الفعال بشكل متكرر، سواء من حيث الجهد أو المكافأة.
يفرض هيكل أي جامعة منهجية صارمة تُعَلِّم الجيل المُقبل كيفية إشراك المَعرفة بشكل نقدي، والتساؤل والإصلاح - وهي عملية لا يمكن تحقيقها إلّأ في حال وُجِدَت الجامعات ضمن نظام ديمقراطي يسمح بحرية غير مقيدة للتعبير.
كل سؤال يستفهم عن أحد المواضيع، إنما يتحدى وجهة النظر الراسخة في العالم، ويعمل على تعزيز التفاهم المجتمعي ويساعد الناس على التنقل في العالم بسهولة أكبر. لقد أدت التطورات القائمة على المعرفة إلى القضاء على أمراض مثل الجدري وشلل الأطفال، وأضفت طابعاً ديمقراطياً على الإتصال الجماهيري وأحدثت تغييراً شاملاً في عملية التنقل. ولا شك أن وسائل الإعلام الجديدة والتعلم الآلي يُعجّلان بإحداث تغيير جوهري في عملية التعليم والبحث العلمي.
مع اكتساب المعرفة للطابع الديمقراطي، يصبح التفكير النقدي والإبداعي المستند على القيمة هو العرض التسويقي المميّز للجامعةEnd of insertion
مع أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت، لكن الآلة قد تصبح قادرة على توجيه الأسئلة في نهاية المطاف، والبحث عن إجابات منظمة بشكل مُتَسِق، واعتماد نَهج مَنهجي في فعل ذلك. رغم ذلك، سوف تظل مهمة التحقق من صحة نتائج الذكاء الإصطناعي من خلال المنطق والأدلة جزءا أساسياً من ثقافة الخطاب التي تُميّز البشر، الذين سيستمرون بدورهم في تمييز أنفسهم عن الأجهزة الذكية من حيث القدرة على التفهم والتعاطف والحَدَس والتجريد. فنحن نمتلك ثروة من الذكاء العاطفي من شأنها أن تمنع الروبوتات من استبدالنا في أي وقت.
مستقبل الجامعات
لا يشكك أحد في حقيقة أن أساس العلم يقوم على بُنية ثابتة من البديهيات والقوانين والنظريات، وأن التساؤل النقدي للنموذج العالمي السائد يرتقي إلى درجة المبدإ التوجيهي. مع ذلك، يوجد هناك نوع من المَيل في الأوساط الأكاديمية للبحث عن الأدلة التوكيدية وليس الخلافية والإشارة إلى نتائج إيجابية وتضييق وجهات النظر بدلاً من التَحَرُّر والخروج من قيود النظام أو النهج الواحد. ومثل هذا الموقف الإشكالي يؤدي إلى تحيّز في نشر البحوث العلمية، ونشوء "الحقائق البديلة"، وحتى الإحتيال في أسوإ الحالات. لهذا السبب، فإن من واجب الجامعات وجميع العلماء ومؤسساتهم العلمية مراجعة بحوث النظراء (أو الأقران) وتحسينها بشكل مستمر.
من جهة أخرى، أفقد التغير الجوهري في تكوين المعرفة ونَشرها، الناجم عن التقدم التكنولوجي للعصر الرقمي الجامعات دورها الريادي المهيمن السابق. وهي تتنافس الآن مع مجموعة من مزودي المعرفة الرقمية الذين يمكن الوصول إليهم على مدار الساعة طيلة أيام الاسبوع، وفي جميع أنحاء العالم. إن الشيء المؤكد الوحيد، هو وجود تغييرات مهمة أمامنا في مجال المعرفة ككل. ومع إضفاء الطابع الديمقراطي على المعرفة، يصبح التفكير النقدي والإبداعي القائم على القيمة هو العرض التسويقي الفريد للجامعة.
بدورها، ينبغي على الجامعات الإستفادة من هذا المقترح من خلال الإستمرار في تعزيز التبادل بين مختلف العوالم واللغات وأساليب التفكير. ومن خلال انتهاجها هلذا المسار، سوف تتطور الجامعات بشكل حاسم وخلّاق هي الأخرى.
هذه المقالة المنشورة على موقع "مدونة المستقبل" (ETH Zurich Zukunftsblogرابط خارجي) الخاصة بالمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، هي مقتطف من ورقة مؤتمر بعنوان "الجامعات كأوصياء على المعرفة" لـ معهد غليونرابط خارجي للتعليم العالي، نُشرت في مجلة "ديبلوماتيك كورير ماغازين" (Diplomatic Courier Magazineرابط خارجي) في الأصل.
وجهات النظر المعبّر عنها هي آراء مؤلفها، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر swissinfo.ch.
سلسلة "وجهات نظر"
تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المساهمات الخارجية المختارة وتنشر بانتظام نصوصا مختارة لخبراء، وصانعي قرار ومُراقبين متميزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف إثراء النقاش وتفعيل الحوار البنّاء.End of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على <email-pii>.