Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/64

سواء تعلق السبب بالإصابة بمرض عُضال، أو بفقدان الرغبة في الحياة، يُعتبر الحق في تقرير المصير في الوقت الراهن الحجة الأهم والنهائية غالباً خلال النقاشات المتعلقة بالموت. وهناك الكثير من الأشخاص الذين يرغبون باختيار الوقت الذي ينوون فيه إنهاء حياتهم بشكل مستقل. وفي حالة الإنتحار بمساعدة الغير (أو ما يسمى بالموت أو القتل الرحيم) - المسموح به في سويسرا - يقع التصرف النهائي المتمثل بتناول المشروب القاتل على عاتق الشخص الذي يريد الإقدام على الإنتحار. أو بعبارة أخرى: يتعلق الأمر هنا بعملية إنتحار، يحتاج المريض في تنفيذها إلى مساعدة طبية.
تُعتبر سويسرا واحدة من أكثر الدول في العالم التي تتاح فيها المساعدة فيما يتعلق بالموت الرحيم. وهكذا تزدهر سياحة الموت في هذا البلد، بسبب انعدام التشريعات المنظِمة للحق في الانتحار في سن الشيخوخة في مناطق أخرى تقريباً. مع ذلك، يميل هذا الموقف اللبرالي لأن يكون خادعاً بعض الشي، ويُخفي وراءه حقيقة أن التعامل مع مسألة الانتحار بمساعدة الغير ليست بالأمر السهل في سويسرا أيضاً، وإنما هو صراع متواصل حول القيم الأساسية - السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية-. وفي المناقشات المتكررة حول فرض حَظر قانوني لسياحة الموت، يبرز التساؤل حول إمكانية أن تتحول حياة الإنسان في حالات الطوارئ إلى شيء قابل للتفاوض قد يُعمد إلى إلغائه بالتالي.
مؤسسات "الموت الرحيم" في سويسرا مثل "ديغنيتاس" (Dignitas) أو "إغزيت" (Exit) [التي توفِـر المساعدة للأشخاص الراغبين في وضع حدٍّ لحياتهم]، ترى أن المساعدة على الانتحار هي "الحق الأخير للإنسان". وهو يطلب هذا النوع من الموت (القتل) الذي يساعده فيه شخص آخر، عندما لا يكون بمقدوره تنفيذ ذلك بنفسه.
هنا، يكون القرار الأخير وفقا لرغبة المريض. وينبغي أن تُقابل كل رغبة في الموت بالإحترام دون أي نوع من الإدانة الأخلاقية. وهكذا على سبيل المثال، إختار السياسي ماثياس (ثيس) جيني من كانتون غلاروس - وبمرافقة بارزة من وسائل الإعلام - الانتحار بمساعدة الغير في مستشفى غلاروس في عام 2014. بيد أن وسائل الإعلام كثيراً ما تُبسّط هذه الحالات أثناء تقديمها، إذ يتحتم على الشخص المعني أن يكون صلباً للغاية للمضي بهذا القرار إلى النهاية.
القتل الرحيم: ما يجري العمل به في سويسرا
بشكل عام، يمكن الإختيار بين القتل الرحيم السلبي، الذي يوقف فيه الأطباء إعطاء العلاج للمريض، مما يتسبب بموته بالنتيجة، أو القتل الرحيم غير المباشر، الذي يُعطي فيه الأطباء المريض مسكنات قوية للآلام ويمنعون عنه الشراب، مما يتسبب بالموت بالتالي، أو المساعدة على قتل المريض نفسه (أو القتل الرحيم) حيث يساعد الطبيب المريض بوضع نهاية لحياته، والقتل الرحيم النشط، الذي يُنهي فيه الطبيب حياة المريض نزولاً عند طلبه عن طريق حقنة أو دواء. وهذا الأسلوب الأخير محظور في سويسرا، ويُـعتبر جريمة يخضع مرتكبها للعقاب.
وهكذا، وبشكل متكرر، يوصف الإنتحار الإختياري للشخصيات البارزة على هذا النحو. ويتم عرض هذه الفسحة القليلة من الحرية لوضع الشخص نهاية لحياته بموافقة هيئة خارجية، وبنوع من الكرامة بالتالي، ودون مواجهة مشاعر الإزدراء لا سيما من جانب المؤمنين كما كان يجري في السابق، باعتباره إنجاز كبير، ويشار إلى سويسرا بوصفها القبلة لذلك.
لكن هذا الأمر يجافي الحقيقية غالباً. وهو ما يكشفه العمل في مجال الرعاية الملطِّفة، التي تحاول أن تُضفي نوعاً من الشفافية على مواجهة الموت أو الرغبة فيه، وتدحض كونه من المحرمات. وهناك، ينكشف وجود وسيلة أخرى غير الانتحار، لكنها قد تشكل عبئاً مستداماً على أفراد العائلة وتجسد إجراءً وجدانياً يتردد فيه المريض حتى النهاية، بشأن وضع نهاية لحياته أم لا.
ولا جدال في أن الكلمة الفصل لابد أن تظل رغبة المريض، وهذا صحيح، ولكن هذه الرغبة يجب أن تكون واضحة أيضاً - وهي ليست كذلك دائماً بأي حال من الأحوال. وهنا يأتي دور الرعاية الملطِّفة. وتظهر التجربة أن الرغبة في الإنتحار تتدنى مع تقدم مراحل المرض، وكذلك مع التوعية والتوضيح والرفقة. ومن المهم أن لا يضطر المرضى إلى إتخاذ القرار لوحدهم في مثل هذه الحالات من الضعف.
وكما قالت القسيسة والمُتخصصة في علم الأديان سوزانّا مايَر لصحيفة "بوندنَر تاغبلات"Bündner Tagblatt (اليومية الصادرة بالألمانية في كانتون غراوبوندَن)، يساورها التعجب في كل مرة يقرر فيها شخص الإنخراط في هذه العملية [الإنتحار بمساعدة الغير]، حول ماهية التطورات التي يمكن أن يسفر عنها هذا القرار للشخص المعني. وهي ترى أن هناك الكثير مما يمكن حدوثه، مثل الصفاء أو المصالحة، كما يمكن القضاء على المخاوف أيضاً.
وهناك أشخاص تعبوا من الحياة، ولا يريدون الإستمرار فيها، أو آخرين - لا سيما من كبار السن - "شبعوا من الحياة". بيد أن مسألة ترتيب نهاية للحياة تطرح نفسها بقوة وبشكل مباشر لدى العديد من الأشخاص المصابين بمرض لا يُرجى شفائه أثناء حياتهم المتكاملة. وفي هذه اللحظة، تكون إرادة المريض عُرضة للعديد من التأثيرات، مثل آراء الآخرين، والقيم، والمُعتقد، أو الدين أو المخاوف أيضاً. لذا، ينبغي التعرف على هذه الرغبة بالكثير من العناية، لأخذ التعقيدات المرافقة لكل مصير بحد ذاته بنظر الإعتبار.
ومع أن الرعاية الملطفة لا تقدم حلاً سحرياً، لكنها، وفي ظل مجتمع مُستنير، تتيح حواراً ومواجهة شفافة مع الموت - هذا الحوار الذي يدين به المجتمع للمريض بقدر حق الأخير في تقرير المصير. وما من شك بأن صورة الإنتحار بمساعدة الآخرين (أو الموت الرحيم) إيجابية أكثر من اللازم في سويسرا. فهناك طرق أكثر إنسانية للموت في لحظة من الاعتماد المطلق على شخص ما، بدلاً من تناول كأس من السم والتحقيق المجرد للإستقلالية.
وعندما لا يعني الإستقلال المطلق لوجودنا سوى الانتحار في النهاية، ويتمثل الخيار المثالي بقتل الشخص لنفسه، فمن الضروري والحالة هذه طرح تساؤلات عاجلة بهذا الصدد في سويسرا بالذات. إذ لا ينبغي أن تتحول المساعدة على الإنتحار إلى مجرد روتين بأي حال من الأحوال.
كيف يتعامل المشرعون والسلطات المختصة مع الرغبة في الانتحار؟
ينظم كل كانتون في سويسرا المساعدة على الانتحار بطريقة مختلفة. وعلى سبيل المثال، تسمح المزيد من مرافق الرعاية التمريضية بالإنتحار [الإختياري]. وفي عام 2014، ومن أصل 583 حالة إنتحار بمساعدة الغير، تم تنفيذ 60 حالة في دور الرعاية بمساعدة من منظمة "أغزيت".
وبإمكان مراكز الرعاية في كانتون بازل على سبيل المثال، أن تقرر بنفسها فيما اذا كانت ستقبل الانتحار بمساعدة الغير داخل المركز أو لا.
على الجانب الآخر، تشكل مراكز رعاية المسنين في كانتون فالي ذي الغالبية الكاثوليكية منطقة محظورة لمنظمات القتل الرحيم، حتى بدون قانون بهذا الخصوص.
وفي مستشفيات الكانتونات مثل لوزان، تجري ممارسة الانتحار بمساعد الغير، كما ينطبق الشيء نفسه على مراكز الرعاية في مدينة زيورخ.
من وجهة نظركم، هل تمثل المساعدة على الإنتحار حقا أساسيا من حقوق الإنسان يمكن تبريره أخلاقياً، أم أن حق تقرير المصير ينبغي أن يكون خاضعا لحدود أيضاً؟