Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00933.jsonl.gz/6

شهدت أوروبا خلال الفترة الممتدة من القرن 12 وحتى القرن 18 حملة شرسة شنتها الكنيسة ضد السحرة والمشعوذين، تهدف إلى اجتثاثهم واستئصال شأفتهم، وطالت أكثر ما طالت النساء، وقد شاركت سويسرا في هذه الحملة، بل حققت فيها رقما قياسيا على الصعيد الأوروبي.هذا المحتوى تم نشره يوم 08 مارس 2010 - 08:00 يوليو,
ثم مضت تلك الحقبة، وجاء اليوم عهد جديد، حيث بدأت النزعة تتجه نحو إنصاف الضحايا ورد اعتبارهم، فهذا كانتون فريبورغ – بعد كانتون غلاروس في عام 2008 – يكفر عن خطيئته ويمسح الغبار عن آخر ضحاياه معلنا براءتها من جريمة نسبت إليها وكانت سببا في إنزال عقوبة الحرق بحقها في عام 1731.
لقد كان الحال في العصور الوسطى، أنهم إذا حلّت بهم الكوارث واجتاحتهم الأوبئة يحملون المسئولية للسحرة والمشعوذين، ويرون بالتالي ضرورة معاقبتهم لقيامهم بالاتصال والاتفاق مع الشياطين بهدف النيل من المسيحية.
وليُطلق على امرأة صفة "ساحرة"، كان يكفي أن تقوم بسلوك متمرد أو هامشــي، أو بأي عمل يثير حفيظة أصحاب السلطة، كأن تثير الشغب أو تساعد في نشر شائعات، عندها تفتح على نفسها أبواب المطاردة وتنطلق ضدها سهام الصيد.
السحر والإرهاب: فزاعة يصنعها السلطان
وفي وقت لاحق، تُساق الساحرة لتؤخذ منها الأقوال والاعترافات. ولإدانتها، كان يكفي أن تكسر ساقها أو تقلع أظافرها أو تُغَطَّس في الماء.. الخ، كي تعترف على نفسها وتقر بجريمتها النكراء، والفضل يعود لتلك الأجهزة التقنية التي جادت بها العقول البشرية والتي قام متحف مدينة مورا في كانتون فريبورغ بعرضها أمام الجمهور في عام 2009، والتي لمجرد رؤيتها يصاب المرء بالإحباط ويكون على الاستعداد للإقرار على نفسه بأنه ارتكب جريمة قتل أبيه وأمه.
تلك هي الحقيقة إذن، التعذيب هو الذي كان ينشئ السحرة والدجالين والمشعوذين، كما التعصب الديني بحسب المؤرخة كاترين أوتز ترومب التي قالت: "سِحر مُتوَهَّم تصنعه مخيلة أصحاب السلطان، كما نشاهده اليوم مما يسمونه الحرب على الإرهاب الذي تقوم به الولايات المتحدة. أنا لا أنكر الأعمال الإرهابية ولا الهجمات التي حصلت، لكن جورج دبليو بوش صنع منها أسطورة استُخدمت وتُستخدم في تبرير التعذيب".
وعلاوة على ذلك، بقي التعذيب بكتم الأنفاس تحت الماء الطريقة المستخدَمَة عبر القرون حتى دخل سجون وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وترى هذه المؤرخة المتميزة بأن تم خلال الفترة الممتدة من القرن 15 إلى القرن 18 حرق ما بين 30 و60 ألف شخص في أوروبا بتهمة ممارسة السحر والشعوذة، منهم 6 آلاف شخص في سويسرا، من بينهم 300 شخص في كانتون فريبورغ.
ويعتبر هذا رقما قياسيا، بل إنه رقم قياسي مزدوج. "بدأت فريبورغ منذ عام 1429 في ملاحقة ومطاردة الساحرات، وكانت ثالث مكان في أوروبا تعدم فيه الساحرات، ومن أوائل السلطات التي قامت بمحاكمة السحرة والمشعوذين دون اعتماد محققين لهم سمة دينية" كما أوضحت ذلك كاترين اوتز ترومب المؤرخة المتخصصة في تاريخ القرون الوسطى.
الشيطان غربي
في بادئ الأمر، قامت الكنيسة ذات التوجه الأكثر أرثوذكسية، مدعومة بسلطة علمانية، بملاحقة أصحاب الهرطقة والشعوذة حتى أصبحت هي بذاتها تصنع هرطقة وشعوذة وهمية وخيالية.
وتوجه كاترين اوتز ترومب الاتهام إلى محاكم التفتيش، التي كانت تنصبها الكنيسة للمعارضين، والتي "كانت تحتاج إلى صناعة مثل هذه الأوهام بوحي من الشيطان حتى لو لم تكن واقعية"، ثم انتقلت هذه المهمة من الكنيسة إلى القيادة السياسية مع بداية القرن 16 والقرن 17 على وجه الخصوص.
واتخذت القيادة السياسية قرارا يعتبر السحر الأبيض، الذي غالبا ما يكون نظيفا، عملا شيطانيا كما هو السحر الأسود، وأن كلاهما يقوم على أساس تعاقد مبدئي مع الشيطان. وهنا تلفت أستاذة تاريخ القرون الوسطى إلى أن هذا المفهوم يخالف تماما ما نعرفه اليوم من سحر وعرافة في بلاد العالم الثالث لأنهما "لا دخل لهما بالدين، وليس لهما علاقة بالشياطين".
الكنيسة والدولة، نضال مشترك
إذن، إنها محاكم التفتيش التي نصبتها الكنيسة لمن تسميهم المهرطقين أو الزنادقة، هي التي فتحت الباب أمام المحاكم التي نصبتها الدولة العلمانية للسحرة والمشعوذين، وقد استغلتها من أجل توسيع سلطانها على الأراضي وتثبيت ولايتها القضائية، خاصة في الأرياف.
وفي القرن 15، تمت محاكمة أغلبية من الرجال ممن لم ينصاعوا لسلطان الكاتدرائية أو للسلطة الحاكمة، ووجهت لهم تهمة التمرد السياسي.
ثم ابتداء من القرن 16 أو من القرن 17 على وجه الخصوص، بدأت السلطات في استغلال مسألة السحرة والمشعوذين لإحكام السيطرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية، ومن هنا، بحسب كاترين أوتز ترومب، بدأت مطاردة السحر والشعوذة على نطاق واسع".
وذكرت أستاذة التاريخ أنه كان من ضحايا هذه الحملة الشعواء ما نسبته 70 أو 80٪ من النساء اللاتي ليس لهن ذنب سوى أنهن فقيرات أو عوانس أو ما شابه ذلك، كما حصل لكتيون التي هي آخر ضحايا هذا القمع، والتي أُضرِمت فيها النيران وتم حرقها في مدينة فريبورغ عام 1731.
تاريخ من الفواصل
وألمحت الأستاذة المؤرخة إلى أن أعتى موجات القمع كانت في سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية)، وقد "تصدت الكنيسة لتيار هرطقة أو حداثة تقوده حركة تحمل الفكر العلماني تعرف باسم "فالدينسير" (Waldenser)، في حين لم تشن حملات تحقيق في سويسرا الشرقية (الناطقة بالألمانية في الغالب) التي كانت تميل بالأحرى إلى ممارسة السحر الأبيض".
ولطالما لعب الدين دورا قياديا في كانتون فالي، وأكثر منه في كانتون فريبورغ، "حيث كان يسود نوع من التاريخ المضاد، مما جعل المسيرة التاريخية للكانتون تنزع غالبا نحو الرجعية، وهذا الشيء حصل أيضا بالنسبة للاضطهاد والقمع الذي ظهر في نهاية القرن 16 على يد أرثوذكسية متشددة جدا ورافضة هي الأخرى للإصلاح والتغيير".
وبالإضافة إلى ما سبق، ترى أستاذة التاريخ أن ثمّة منطق سياسي يفسر ما كان يحدث إبان حقبة القرون الوسطى، إذ كلما زادت مركزية نظام الدولة كلما قلت معاناتها لفرض سلطتها، وبالتالي قلّ ميلها نحو القمع والاضطهاد، وقد كان هذا هو حال فرنسا في عهد لويس الرابع عشر، أما الإمبراطورية الألمانية فقد كان حالها مختلفا، كما هي سويسرا التي كانت ولا تزال كثيرة التجزؤ.
واستطردت: "لقد زاد القمع في كانتون فريبورغ، وبالتحديد في ولاية بروا "Broye"، المتشابكة من حيث تشكيلها إذ تضم العديد من البلديات الصغيرة، ومن الديانات الكاثوليكية والبروتستانتية، ومن الأعراق الجرمانية والفرنسية، ونحوه. إذ كلما كثرت الـحدود كلما استعر حرق الساحرات"، نظرا لكثرة الاضطرابات السياسية والاجتماعية وحاجة الحكومة إلى إحكام سيطرتها عليها.
من المحرقة إلى الحكاية
أثارت التغطية الإعلامية الواسعة التي قام بها كانتون فريبورغ وهو يرد الاعتبار لكتيون فضولا كبيرا حيال تلك المرأة، بصورة ساحرة، التي طُبّق فيها حكم الإعدام حرقا، والغريب أنها كانت حدباء وفقيرة وعجوز ووحيدة ولا يؤبه لها، إنها صورة طبق الأصل للساحرة التي غزت حكايات الحكواتيين في القرن 19، والتي قام بجمعها الأخَوان جاكوب وويلهيلم غريم.
ولحسن الحظ، فإن الساحرة هذه الأيام تنام في أمان وسلام، ذلك أنه لا أحد يأبه لها، هكذا قالت كاترين أوتز ترومب بكلمات مفعمة بابتسامة مشرقة.
وختمت القول: "لو أن محاكمة كتيون أجريت في الوقت الراهن، لما دامت أكثر من خمس دقائق، ولصدر الحكم بحق جلادها. ولحسن الحظ لم يعد هنالك قانون يمنع المرء أن يطير ممتطيا مكنسة.. هذا على فرض أن يوجد من هو قادر على مثل ذلك!".
إيزابيل أيشنبرغر - swissinfo.ch
نظرة تاريخية
تم في بدايات القرن 16 اعتبار القيام بعمل من أعمال السحر والشعوذة هرطقة يُعاقِب عليها القانون أشد العقاب، ولكن معظم المحاكمات بهذا الخصوص تمت في القرن السابع عشر من قبل الدولة العلمانية.
في عام 1731 تم حرق Catherine Repon (الملقبة بكتيون) لتكون آخر شخص ينفذ فيه حكم الإعدام بتهمة السحر والشعوذة في كانتون فريبورغ.
وقد قام الكانتون في مايو 2009 الماضي برد الاعتبار الــمعنوي للضحية، ولكنه رفض تقديم الدعم المالي لصالح الأبحاث التاريخية.
في عام 1782، في مدينة غلاروس، تم حرق الساحرة آنّا غولدي لتكون آخر من ينفذ فيه الحكم في سويسرا وأوروبا، وقد تم رد الاعتبار المعنوي لهذه الضحية في عام 2008.
الأرقام
خلال الفترة بين عام 1429 وعام 1731، تمت محاكمة 500 ساحرة وساحر في كانتون فريبورغ، بينما بلغ عدد من تمت محاكمتهم في منطقة سويسرا الروماندية (المتحدثة بالفرنسية) 6 آلاف شخص، و10 آلاف شخص في كامل سويسرا.
بلغت نسبة النساء من بين الضحايا نحو 70 إلى 80٪. كما طالت الأحكام بالحرق نسبة 60٪ من مجموع الحالات.
أما في أوروبا، فقد تم حرق ما بين 30 ألف 60 ألف شخص، منهم 25 ألف شخص في ألمانيا وحدها.
وقد سجلت سويسرا الروماندية، بتنفيذها حكم الإعدام في 3500 شخص، رقما قياسيا أوروبيا باعتبار تعدادها السكاني.
معرض
أقيم في مدينة مورا بكانتون فريبورغ من 29 مارس إلى 16 أغسطس 2009 معرض بعنوان: "محاكمات السحر المزعوم في كانتون فريبورغ". العرض: نبذة حول السحرة والمشعوذين والعرافة والدجالين بين العلم والدين والخرافة.End of insertion
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>