Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00853.jsonl.gz/4

يتولى خريجو التلمذة الصناعية السابقون في سويسرا الصدارة في إدارة البنوك الكبرى، وحتى في تسيير شؤون البلاد. وغالباً ما يُشار إلى نظام التدريب المهني المعروف هنا بأنه "المعيار الذهبي" في مجال التدريب المهني على المستوى العالمي، وبأنه الخيار الأول للشباب بعد انتهاء مرحلة التعليم الإلزامي.
من الشخصيات المشهورة التي امتلكت مهاراتها مستفيدة من هذا النظام الرئيس التنفيذي السابق لأكبر مصرف في سويسرا "يو بي إس"، سيرجيو إرموتي، واثنان من وزراء الحكومة الحالية: وزير الاقتصاد غي بارمولان، الذي قام بتدريب مهني في المجال الزراعي، ووزير المالية أولي ماورر، بدأ حياته المهنية ككاتب تجاري في تعاونية زراعية.
يقول سيرجيو إرموتي في حوار مع "دار سويسرا"رابط خارجي: " "إنه مازال يحمل في جعبته حتى اليوم، ما استفاد من الدروس التي تعلّمها أثناء تدريبه المهني قبل أكثر من 40 عاماً، في أحد البنوك في مسقط رأسه في لوغانو".
ويجمع النظام المزدوج في سويسرا بين التعلم أثناء العمل ــ والحصول على أجر تعليمي ــ وبين يوم إلى يومين من التعليم النظري في مدرسة خاصة بهذا التعليم. ويختار حوالي ثلثيْ الطلاب السويسريين التلمذة الصناعية.
يُتاح لطالب التدريب المهني اختيار وظيفة من بين 230 مهنة، تتراوح من فنون الطبخ إلى الصناعات ذات التكنولوجيا العالية. ويعتبر التدريب المهني أحد عوامل النجاح الاقتصادي في سويسرا ، لأنه يسمح باعداد قوة عاملة مؤهلة تأهيلاً جيداً، ما ينتج عنه لاحقا معدلات بطالة منخفضة نسبياً في صفوف الشباب (بمتوسط 2.5% في عام 2021)رابط خارجي.
جائحة كوفيد-19
بيد أنه في بداية وباء كوفيد-19، كانت هناك مخاوف من أن يُكافح الشباب من أجل العثور على أماكن للتدريب. حيث قامت الشركات في البداية باعتماد نهج تقشفي، كما أن إغلاق ربيع عام 2020 جعل من الصعب على التلاميذ حضور مقابلات التوظيف والعمل، وهما عنصران أساسيان في تأمين التلمذة الصناعية.
وتجلى لاحقا أن تلك المخاوف لم يكن لها من مبرر ولا أساس لها في الواقع، وثبت عموما أن "برنامج التعليم والتدريب المهني قاوم أزمة الجائحة الجائحة"، هكذا كانت خاتمة التقرير الصادر في نوفمبر 2021.
ولكن، كما تبيّن من مشروع أبحاث نبض التلمذة الصناعيةرابط خارجي، الذي يراقب تأثيرات جائحة كوفيد-19 على التلمذة المهنية، كان الشباب في بعض الأحيان يتأثرون بشدة بالعمل من المنزل (وهذا ليس الوضع المثالي لبدء تدريب مهني) ويعانون من تبعات تدابير الحجر الصحي.
الثغرات
وحتى في فترات ما قبل الوباء، واجه هذا النظام التعليمي بعض التحديات، إذ يرى بعض أولياء الأمور والطلاب بأن الشباب يجدون أنفسهم مجبرين على اتخاذ قرار بشأن مستقبلهم المهني في سن مبكر ة جداً. ويعتبرون أنه لا يمكن لشاب أن يعرف ما يريد أن يفعله في الحياة في سن الرابعة عشرة. لكن الخبراء يقولون إن التدريب المهني للشباب يوفر تجربة حياتية قيّمة، وأن هناك دائماً إمكانية تغيير المسار المهني لاحقاً.
وتمارس على الطلاب كذلك ضغوط من بعض الأوساط - لا سيما في صفوف المغتربين المقيمين في سويسرا - تدفع التلاميذ باتجاه اختيار المسار الأكاديمي لأسباب تتعلق بالمكانة والسمعة. ويوجد حالياً حوالي 20% فقط من التلاميذ ممن يلتحقون بالدراسات الجامعية.
لكن السلطات السويسرية لا تزال ثابتة في تمسكها بنظام التدريب المهني وتعمل بانتظام على الترويج لفوائده في الخارج. وقد استضافت سويسرا في هذا الإطار، مؤتمراً دولياً ضخماً للتعليم والتدريب المهنيّيْن (VPET). وكان آخر مؤتمر من هذا القبيل، قد عقد في 2018 في فينترتور، وحضره مندوبون من سنغافورة وموزمبيق والهند، على سبيل المثال.
حظي هذا النظام باعتراف دولي: فقد مُنحت سويسرا علامة "المعيار الذهبي" عام 2015 بناء على دراسة أجرتها ودعمتها جامعة هارفارد، متصدرة بذلك نتائج الدراسات الدولية المقارنة لأنظمة التعليم المهني.
اهتمام خاص من الولايات المتحدة
ولكن من هم المهتمون بالخبرة السويسرية في هذا المجال؟ الولايات المتحدة كمهتم أول: في نوفمبر 2021، سافر غي بارمولان، وزير الاقتصاد والبحث العلمي، والذي كان حينها الرئيس الدوري للكنفدرالية، إلى واشنطن حصريا لتجديد مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن التدريب المهني.
وكجزء من الاتفاقيات السابقة، قامت عدة وفود أمريكية بزيارة سويسرا لمعرفة المزيد عن التلمذة الصناعية، كما أطلقت عدة ولايات أمريكية مبادرات لتعزيز التعليم والتدريب على غرار النموذج السويسري. كذلك تكفلت الشركات السويسرية التي لها مقار في الولايات المتحدة بالترويج لهذا النموذج التعليمي.
ويصرّح مايكل تايلور، مدير التدريب والإعداد المهني في "بوهلر إيروجلايد" في نورث كارولينا، لـ SWI swissinfo.ch، في مقابلة أجريت معه مؤخراً قائلاً: "يبدو أن هناك ضغطاً أكبر في هذا الاتجاه، شهدته السنوات الثلاث الماضية، من جانب الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات. لقد بدأ الناس يدركون فائدة الجمع بين الخبرة في العمل والتعليم. والأهم من ذلك كله أن المتدرّب لديه وظيفة وليس لديه ديون مدرسية".
خاصية سويسرية
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت البيانات الحديثة عن التلمذة الصناعية أن العديد من الأشخاص الذين بدأوا مشوارهم بالتلمذة الصناعية انتهوا مسجلين في التعليم العالي، أو بالأحرى التعليم المهني العالي، وهو تخصص سويسري يشمل مجالات مثل التمريض وتكنولوجيا المعلومات وتتيح للدارسين تعميق معارفهم ومهاراتهم الإدارية.
ومن الممكن أيضا، عن طريق البكالوريا المهنية الفدرالية، أن يلتحق المرء بجامعات العلوم التطبيقية، وهي الجامعات الأكثر توجها نحو الفنون التطبيقية والعملية في سويسرا، إذا كان الشخص قد تابع تدريبا مهنيا، فإن الامتحان الإضافي (عبارة عن جسر عبور) سوف يسمح له بالالتحاق بمؤسسة جامعية.
ولكن مؤهلات التعليم المهني العالي هذه لا تحصل على الاعتراف في الخارج دائما، لا سيما في البلدان التي لا يزال التعليم الجامعي مهيمنا فيها. وتدار نقاشات حاليا حول أفضل السبل لتذليل العوائق القائمة على هذا المستوى.
اليوم، تضاعفت نسبة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا الحاصلين على مؤهل جامعي في سويسرا في غضون عشرين عامًا، وبوتيرة أسرع من العديد من البلدان الأخرى، وفقًا لدراسة أجرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. ومن العوامل الرئيسية التي أسهمت في الظاهرة: التدريب المهني عالي الجودة والدرجات العلمية الممنوحة للمتدربين.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة