Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00867.jsonl.gz/30

في عام 1976 استولت جماعة من الطلاب الإيرانيين على مقر قنصلية بلادهم في مدينة جنيف. وقد ألقى هذا الحادث آنذاك بظلاله على العلاقات بين إيران وسويسرا لكن المصالح الاقتصادية انتصرت في نهاية المطاف.هذا المحتوى تم نشره يوم 30 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,
لنعد بالذاكرة إلى صبيحة اليوم الأول من يونيو عام 1967. حين ظهر شابان في القنصلية الإيرانية بمدينة جنيف. وأبلغا أنهما يرغبان في تجديد جوازي سفرهما. فاستقبلهما نائب القنصل؛ ولكن بعدها بعدة دقائق دخل أربعة وعشرون شاباً إلى القنصلية واحتلوا قاعاتها. وبينما قام بعضهم بأعمال تخريبية، استخدم آخرون جهاز التلغراف لإرسال رسالة إعلامية. هذا ما ورد في تقرير شرطة مدينة جنيفرابط خارجي.
في حوالي الساعة الحادية عشرة وصلت الشرطة. أما المحتلون ـ وهم مجموعة من الطلاب الإيرانيين، الذين يعيشون في إيطاليا وألمانيا والنمسا ـ فقد وافقوا بعد بعض الجدال على مغادرة القاعات.
بعد ذلك تأكد أفراد الشرطة من أن العاملين بالقنصلية لم يتعرضوا لأي أذى؛ باستثناء القنصل العام رضا إسفاندياري، "الذي تطاير على وجهه وملابسه طلاء أسود".
في البداية، بدا وكأن سلطات الملاحقة الجنائية قد تغافلت عن السبب الرئيسي وراء هذا الحادث: فالنشطاء قد اقتحموا مكاتب هيئة السافاك في جنيف، وهو جهاز الأمن الداخلي الاستخبارات بين 1957 و1979 المثير للرعب في عهد شاه إيران. وهناك قاموا بتبديد آلاف الوثائق. وفي الأسابيع التالية تم نشر مقتطفات من تلك الوثائق في الصحافة.
"كانت السلطات الفدرالية في موقف غاية في الحرج"، يقول ساشا تسالا، رئيس مكتب أبحاث "الوثائق الدبلوماسية السويسريةرابط خارجي". "فمن ناحية كان عليهم تحمل رد الفعل العنيف الصادر من طهران، ومن ناحية أخرى وجدوا أنفسهم في مواجهة غضب الرأي العام السويسري إزاء أنشطة السافاك على أرض سويسرا".
لقد كان احتلال القنصلية "إشارة إلى أن الأعمال التخريبية للمعارضة الإيرانية على جزيرة السياحة الإمبراطورية سويسرا قد وصلت إلى قمتها". هذا ما كتبته المؤرخة دانيلا ماير موزيني، في رسالتها الجامعية حول العلاقات بين سويسرا وإيران.
ضيف ثقيل ومعارضوه
وجدير بالذكر، أن العلاقات التي جمعت بين كل من الشاه محمد رضا بهلوي (1919 – 1980) وسويسرا كانت ذات طابع خاص. إذ التحق في صغره بمدرسة داخلية ببلدية رول على ضفاف بحيرة جنيف. وفي منتصف الستينيات بدأ يقضي هناك عطلته مع زوجته الثالثة فرح ديبا بصورة منتظمة. كما قام بشراء فيلا في مدينة سان موريتس، بكانتون غراوبوندن في عام 1968. وسرعان ما تحولت هذه الفيلا إلى نوع من مقر الإقامة الشتوي للبلاط الإمبراطوري.
إلا أن وجود الشاه في سويسرا كان مصدراً لبعض الصداع للسلطات. وفي الستينيات أدى الاستبداد المتنامي لنظام رضا بهلوي إلى قيام المعارضة الإيرانية بتنظيم نفسها دولياً لتضم كذلك الحركات الطلابية. وكانت أولى بوادر هذا التحالف قد ظهرت في برلين. حيث أدت إحدى المظاهرات ضد زيارة الشاه للبلاد عام 1967 إلى وقوع اضطرابات دامية.
كذلك كانت هناك حركة في سويسرا تناصب نظام الحكم الإيراني العداء. وفي خريف عام 1971 أثارت مشاركة سويسرا في الاحتفالات الضخمة بمرور 2500 عاماً على تأسيس الإمبراطورية الفارسية في مدينة تخت جمشيد (برسبوليس) التاريخية جدلاً واسعاًرابط خارجي.
في ذات الوقت أثار الحكم بالإعدام على أخٍ لواحد من الطلاب الإيرانيين في سويسرا احتجاجات حاشدة. وفي يونيو 1972 تزامنت الكلمة التي ألقاها الشاه أمام اجتماع لمنظمة العمل الدولية في جنيف مع مظاهرات عارمة في الشوارع.
وقد اضطرت تلك الاحتجاجات برن إلى أن تولي اهتماماً خاصاً بأمن العائلة الإمبراطورية في مقر إقامتها بمدينة سان موريتسرابط خارجي، وكذلك في مقرات إقامتها الأخرى بسويسرا. ولم يفت الشاه نفسه أن يعبر عن خيبة أملهرابط خارجي إزاء النقد الموجه لشخصه ولعمله.
مصالح اقتصادية
من ناحية أخرى، سرعان ما زاد حجم التبادل التجاري بين البلدين في السبعينات. وهذا بعد سنوات من زهد الصناعة السويسرية النسبي في عقد أواصر تجارية مع إيران (وقد اشتكى رضا بهلوي من هذا الأمر في عام 1970) وذلك على الرغم من الاستياء البالغ من نظام الشاه.
فقد أصبح الاقتصاد الإيراني الذي يقوده قطاع البترول جذاباً، خاصة بالنسبة لصناعة الصادرات السويسرية. وقد أتاحت الاستثمارات الكبرى للنظام الإيراني في القوات المسلحة فرصاً جديدة لشركات التسليح السويسرية أيضاً.
وفي خلال عدة سنوات فقط، أصبحت تلك الدولة الواقعة في الشرق الأوسط واحدة من أهم عملاء صناعة السلاح السويسرية. وهذا على الرغم من إدراك السلطات الفدراليةرابط خارجي أنها تتحرك فوق صفيح ساخن، مما يجر عليها نقد لاذع. وفي عام 1975 بلغ فائض الميزان التجاري لسويسرا مقابل إيران 530 مليون فرنكاً.
فضيحة السافاك
في سياق متصل، فإن احتلال القنصلية الإيرانية بجنيف قد أضر بالتوازن الهش في السياسة السويسرية. حيث أرادت سويسرا الاستفادة من النمو الاقتصادي لإيران، لكنها كانت تراعي كذلك حساسية الرأي العام الداخلي.
لقد وضعت هذه الحادثة السلطات الفدرالية في مأزق حرج: فـ القانون العام يلزم الدولة المضيفةرابط خارجي، وهي سويسرا في هذا الحال، بحماية التمثيلات القنصلية وأرشيفاتها. أما المسئول عن ذلك فهي السلطات القضائية في كانتون جنيف.
وقد ألقي القبض على المحتلين بدايةً، ثم أخلى سبيلهم بدون كفالة، وبعدها غادروا سويسرا. وبذلك هرَّبوا أيضاً الوثائق الأصلية المسروقة إلى خارج البلاد. وفي بداية الأمر، قامت السفارة الإيرانية برفع دعوى ضد هؤلاء الطلاب.
لكنها عدلت عن ذلك لاحقاً: لتتفادى إتاحة منصة سياسية للمعارضة. إلا أن ممثلي الدفاع كان في مقدورهم استئناف القضية.
في ذات الوقت قامت الشرطة الفدرالية بالتحقيق في أنشطة جهاز مخابرات الشاه في سويسرا. وجاء هذا بناءً على التماس برلماني من النائب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي آنذاك جان تسيغلر.
وبينما كانت القضية تتعثر في سويسرا، فقد أفضت التحقيقات حول السافاك في شهر أغسطس إلى طرد أحمد مالك مهدوي، السكرتير الأول للبعثة الإيرانية الدائمة بالأمم المتحدة بجنيف.
إمبراطور يشعر بالإهانة
جاء رد إيران غاضباً، فقد قامت من جانبها بطرد دبلوماسي سويسري أيضاً. بهذا تأزمت العلاقات بين البلدين بشدة. وقد اتهمت حكومة طهران سويسرا بإتاحة الفرصة للمعارضة الإيرانية وطالبتها عدة مرات بمعاقبة المحتلين وجعلهم عبرة، وكذلك باسترجاع الوثائق. من ناحية أخرى كانت طهران دقيقة جداً في عدم الاعتراف بأن الوثائق المسروقة كانت أصلية. وقد أرادت بذلك عرقلة القضية المرفوعة في جنيف.
"أما الشيء الواضح فكان [...]، أن الحاكم الإيراني كان غير سعيد إطلاقاً"، كما كتب شارل ـ آلبيرت فيترفالد، السفير السويسري في طهران، في سبتمبر 1976. "إنه لم يُخْفِ أمام أحد مواطنينا [...]، شعوره بالإهانة إزاء الموقف السويسري، وأنه يمكنه النجاح بدوننا أيضاً".
لقد ظهر استياء الامبراطور في إلغائه للمعاملة التفضيلية التي كانت تُمنح للشركات السويسرية حتى ذلك الحين. وقد تكون مثل هذه المشكلات صغيرة نسبياً في القطاع الخاص. لكن بالنسبة للصناعة السويسرية، فإنها واجهت بذلك عقبات متزايدة إزاء التدابير الحكومية. حيث كان الأمر يتعلق بصفقات بالملايين.
الاقتصاد يسارع بتخفيف التوتر
فكرت السلطات السويسرية مراراً وتكراراً في حلول ممكنة لهذا الوضع المتأزمرابط خارجي. وفي نوفمبر من عام 1976 مارست أيضاً ضغطاً رابط خارجيعلى التليفزيون الرسمي. حيث طولب هذا بتأجيل إذاعة برنامجاً حول حادثة السافاك لمدة أسبوعين، ومن ثمَّ إضافة موقف الحكومة إليه.
أثناء الشتاء بدأ نوع من التقارب الحثيث. وفي مارس من عام 1977 كان من شأن عدة تلميحات أرسلتها برن إلى طهران، فتح الباب أمام سويسرا لإرسال مبعوث سلام إلى البلاط الإمبراطوري في نهاية المطاف. وكان هو رئيس البنك الوطني سابقاً إدفين شتوبر.
"لقد بدأت المباحثات حول المشكلات الاقتصادية في الحلحلة، بعدما خُتم الصلح بفنجان من الشاي"، هكذا كتب شتوبررابط خارجي. وأثناء اللقاء أكد الشاه على رغبته في تعزيز وتطوير العلاقات التجارية مع سويسرا.
"وبعيداً عن أمارات التصالح، فقد غلبت في النهاية المصالح الاقتصادية في مقابل التوترات السياسية"، يقول إيف شتاينر، الذي كان يعمل في مكتب أبحاث "الوثائق الدبلوماسية السويسرية". إن هذا التناغم الطاريء أتاح للصناعة السويسرية، إبرام صفقات جيدة مرة أخرى ولمدة قصيرة. حيث زادت الصادرات إلى إيران في عامي 1976 و1977 بنسبة 20%.
ولكن سرعان ما أدت الثورة الإيرانية، والتي قادها آية الله الخميني في مراحلها الأخيرة انطلاقا من باريس، إلى خلط الأوراق في إيران مرة أخرى وبصورة كلية.