Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00892.jsonl.gz/6

"لم يكد شيعة العراق يخرجون من فرحة الوصول إلى السلطة، حتى وجدوا أنفسهم في ترحة التساؤل عن طبيعة هذه السلطة..
إنهم الأن يقفون وجهاً لوجه مع الامريكيين، ومع السنّة والأكراد، ومع أنفسهم، ولا يدرون في أي إتجاه يجب أن يسيروا"..
هذه قد تكون صورة شيعة العراق الآن، بعد فوزهم المتوقع بأول إنتخابات شبه ديمقراطية في البلاد منذ أكثر من نصف قرن. وهي صورة لا تتضمن، كما قد يفترض البعض، أي قدر من المبالغة.
فالأئتلاف الشيعي الذي أشرف على نسج خيوطه الواسعة آية الله علي السيستاني، والذي يتوقع أن يحصد غالبية الأصوات في البرلمان، بدأ منذ الأن يشهد صراعات حادة حول الحكومة وحصصها، والوزارات وأنصابها، والدولة وتركيبتها.
الصراع على الحكومة والوزارات، والذي يجري أساساً بين الحزبين الشيعيين الرئيسيين "المجلس اللأعلى للثورة الأسلامية" (وهو الأقوى) وحزب "الدعوة الإسلامية" قد يكون الأقل صعوبة. إذ سيتكمن الحزبان المتنافسان في النهاية من العثور على حلول وسط ما، خاصة بعد أن يدخل السيستاني على خط التسويات.
المشكلة الأصعب، والأخطر، تتعلق بطبيعة الدولة العراقية الجديدة. وهذا يعني في الدرجة الأولى الدستور الذي يجب أن يوزّع السلطة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على المستوى الأتحادي، وبين المركز والمقاطعات على المستوى الأقليمي (المحلي)؛ وأيضاً بين الدولة والمواطن الذي يجب أن يتمتع بالحقوق الأساسية للإنسان.
وهذا كله لا تحققه الأنتخابات، بل الدستور ومؤسساته.
ويعتقد ريتشارد هس، رئيس "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكي ذي النفوذ الكبير على صانعي القرار في المؤسسة السياسية والتنفيذية في الولايات المتحدة، أن هذه ستكون مهمة شاقة على الشيعة الذين يجب أن يكسبوا ليس فقط موافقة الناخبين الشيعة، بل أيضاَ رضى الأقليات العراقية الأخرى على مسودة الدستور".
وعلى أي حال، الشيعة مضطرون للحصول على موافقة السنّة والأكراد، لأن القانون الأساسي (الدستور المؤقت العراقي) يعطي أي ثلاث محافظات حق النقض (الفيتو) على أي نص دستوري لا يحظى بموافقتها. في السابق، وضع هذا البند أساساً لتطمين الأكراد، بيد أنه بات يتعلق الأن أيضاً بالمحافظات السنّية الثلاث.
البعض في بغداد وواشنطن يقترح لحل هذه المشكلة، نقل صلاحية وضع الدستور من يد البرلمان الى يد لجنة تتشكل من كل فئات المجتمع العراقي، بخاصة منهم السنّة. لكن هذا الأقتراح يواجه برفض قوي من بعض الأطراف الشيعية، التي تشعر بأنه قد يفقدها النصر الذي حققته في الانتخابات.
إشكالات "المضامين الإسلامية"
هذه إشكالية. ولكن ثمة إشكالات أخرى لا تقل أهمية عنها.
فالكتلة الشيعية ليست موّحدة حول أي دستور تريد: هل سيكون "دستوراً إسلامياً" أو "شبه إسلامي"؟ وإذا كان كذلك، أي إسلام هو المقصود: إسلام مقتدى الصدر، أو السيستاني، أو إياد علاوي؟. ثم، أين الإسلام السّني من كل ذلك؟.
لقد إضطر ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، الى التدخل الأسبوع الماضي لحسم هذه المسألة، فتحدث عن ضمانات قدمها أية الله السيستاني بأن رجال الدين لن يكونوا السلطة في العراق كما في إيران، وبأن نصف المجتمع، أي المرأة، لن تُُحرم من حقوقها في الدستور الجديد.
بيد أن هذه التطمينات لم تطمئن أحداً. إذ إستمر الجدل في بغداد بين الأطراف الشيعية، وبين الشيعة والسنّة والعلمانيين، حول "المضامين الإسلامية" المقترحة للدستور. وهذا يعني أن هذه المسألة ستبقى قضية خلافية كبرى من الأن وحتى إشعار آخر.
إضافة ، لم يتوصل الإئتلاف الشيعي بعد إلى صيغة واضحة حول شكل الدولة التي ستفرزها مضامين الدستور. ففي حين أن معظم أطرافه تحبذ فدرالية محدودة لا يتمتع فيها الأكراد بالفيتو على قرارات السلطة المركزية، إلا أن الأكراد يطالبون بفدرالية لا محدودة تصل إلى حد الكنفدرالية.
وهذا، على ما يبدو، مطلب العديد من الأطراف الأميركية أيضاً. فقد كتب الباحث ليسلي غيلب، القريب من البيت الأبيض والبنتاغون: "صيغة النظام الوحيدة التي يمكن ان تنجح في العراق، هي كونفيدرالية بثلاث مناطق حكم ذاتي واسع: الأكراد في الشمال، والسنّة العرب في الوسط، والشيعة في الجنوب. أما الحكومة المركزية في بغداد فيمكن أن تعطى سلطات محدودة في ظل أغلبية شيعية، على أن تمنح المدن المختلطة "وضعية خاصة" حسب رأيه.
المأزق
هل يمكن للشيعة أن يقبلوا هذه الصيغة الكنفدرالية، التي ستعني عملياً تقسيم العراق إلى ثلاث دول؟. وإذا ما قبلوا، أي سلطة سيمارسونها بعد وصولهم في الأنتخابات إلى رأس السلطة؟.
هذان السؤالان، مضافاً إليهما مسألة الطبيعة الإسلامية للدستور، توضح طبيعة المأزق الذي يعيشه الشيعة، ومعهم العراق، هذه الأيام. وهو مأزق ناجم أساساً عن ضعف الهوية الوطنية، وقوة الهويات الطائفية والأثنية في العراق.
فحين تتحّرك الغالبية الشيعية في السلطة على أنها شيعية، لا ينتظرن أحد من السّنة أو الأكراد أن يتحركوا على أساس وطني. وحين يتكسر البرلمان العراقي على أسس مذهبية، لا ينتظرن أحد ولادة دستور قادر على تغليب الوحدة الوطنية على التجزؤ الوطني.
يقول ماجد شبر، وهو باحث عراقي في الشؤون الأجتماعية- التاريخية: "إذا ما سادت التقسيمات الطائفية التقليدية، فالحصيلة يمكن أن تكون تقسيماً آخر للعراق إلى منطقتين سنّية وشيعية. كما من الممكن أن تنبثق من العراق المعاصر ثلاث كيانات متميّزة يكون كل منها متجانساً نسبياً وقابلاً للحياة كدولة مستقلة".
حسناً. حتى الأن، التقسيمات الطائفية هي السائدة، والتوجهات الوطنية هي الغائبة. وإذا ما إستمر الأمر على هذا النحو، فسيسير العراق نحو أحد ثلاثة مصائر كل منها أسوأ من أخيه:
1- "اللبننة" ، أي توزيع السلطة (والدولة) على أسس طائفية على نمط النموذج اللبناني، الذي يشهد كل عقد تقريباً حرباً أهلية، بسبب إرتكاز نظامه إلى موازين القوى المتغيّرة بين الطوائف.
2- كونفدرالية يبقى فيها الكيان العراقي موحداُ شكلاً ومنقسم فعلاً.
3- حرب أهلية يتقرر بعدها مصير الكيان العراقي.
مخرج ماليزي ؟
هل ثمة مخرج ما من هذه المداخل الكابوسية؟.. أجل. إنه مخرج النموذج الماليزي.
في هذه التجربة، نجحت النخب لدى الأغلبية المسلمة المالاوية والأقليات الصينية والهندية بتطوير نظام سياسي تكون فيه الاولوية للوحدة الوطنية على ما عداها، وبإخضاع كل البرامج الأقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لهذه الاولوية.
والحصيلة: دولة ماليزية قوية وموحّدة ومستقرة، تندفع بقوة في القرن الحادي والعشرين إلى مغادرة العالم الثالث المتخلف ميممة وجهها صوب العالم الاول المتقدم.
هل ثمة نخب من هذا النوع في العراق، خاصة بين الغالبية الشيعية؟. إن نوعية الإجابة التي ستكون على هذا السؤال، سوغ تقرر مصير الوطن العراقي برمته ولعقود طويلة.
سعد محيو - بيروت