Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00918.jsonl.gz/35

قدم مهرجان فريبورغ السينمائي الدولي ضمن بانوراما "فلسطين/إسرائيل، ذاكرة سويسرية" شريطا وثائقيا بالأبيض والأسود عن المقاومة الفلسطينية يستحق نعت "التحفة".
وتابع الجمهور أيضا ثلاثة أشرطة تناولت أوجه مختلفة للاحتلال..ضحايا أيلول الأسود..معاناة أمهات وأرامل قتلى النزاع.. ومأزق الجنود الذين يرفضون إطلاق النار عشوائيا.
تجدد لقاء جمهور الدورة 19 لمهرجان فريبورغ السينمائي الدولي يوم الثلاثاء 8 مارس مع سلسلة الأفلام المقترحة ضمن بانوراما "فلسطين/إسرائيل، ذاكرة سويسرية".
وقد عادت هذه الذاكرة بالمشاهدين إلى بداية السبعينات التي شهدت تصوير الشريط الوثائقي السويسري "بلادي، ثورة" للمخرجين فرانسيس روسير وجون بيير غارنيي، الذي يعد من الأفلام الأوائل ("إن لم يكن الأول" حسب منظمي المهرجان) التي صورت نساء وأطفال ورجال المقاومة الفلسطينية.
وقبل عرض هذا الشريط بحضور المخرجين، تابع الجمهور أولا أحداث الشريط الوثائقي "ألم وثورة" (Douleur et Révolte) رفقة مخرجته لوسيين لاناز التي حكت لمشاهدي مهرجان فريبورغ القصة الغريبة بعض الشيء لهذا العمل الوثائقي المشترك.
فقبل 20 عاما، تحولت الصحفية والكاتبة السويسرية لورانس ديونا إلى منطقة الشرق الأوسط لتجميع شهادات من أجل تأليف كتاب "الحرب بصوتين" (La Guerre à Deux Voix). وقامت ديونا، التي لم تكن لديها أية خبرة في مجال السينما، بتصوير مشاهد عديدة بطريقة عشوائية ومستفيضة ومشوشة استحال تقديمها كفيلم لدى عودتها لسويسرا.
انتهت تلك المشاهد في صندوق رقدت فيه لعقدين في بيت الصحفية، إلى أن لاقاها القدر بالمخرجة لوسين لاناز التي انتقت من المشاهد القديمة صورا لإخراج "فيلم عن الحرب دون الحرب". وأوضحت المخرجة أمام جمهور مهرجان فريبورغ أن الفكرة تمثلت في إنجاز "شريط من أجل السلام".
حرقتهن واحدة..وتسامحهن واحد
وتمت الفكرة بالفعل عام 2003..فالشريط صرخة مؤثرة من أجل السلام. شهادات ست نساء، ثلاث مصريات، مسلمتان وقبطية، وثلاث إسرائيليات.
فقدن زوجا أو أبا أو إبنا أثناء الصراع العربي الإسرائيلي. دفنَّ حبيبا أو صدرا أو فلذة كبد لا تُعوض. حرقتهن واحدة، تساؤلاتهن واحدة، حزنهن واحد. حياتهن كانت أو لازالت أسوء من الموت. ورغم ذلك تسامحهن واحد. لا يحقدن على نساء المعسكر الخصم. لا يردن الانتقام. يقلن إنهن مستعدات للعيش معا ويتمنين بعيون يمتزج فيها الحزن والرحمة أن تتوقف الحرب.
أسيرات ذكرى سلبت جزء من وجدانهن إلى الأبد. إحداهن تغرس أقدامها في رمال الشاطئ الذي كانت تلتقي فيه حبيبها وتتذكر تساؤلاتها آنذاك: كيف تشرق الشمس وتغرب ويمد البحر ويجزر وتدور الأرض ويحيا العالم وكأن شيئا لم يكن؟ والأخرى التي لم تعرف أبيها الطيار أبدا تحكي الحلم الذي سكن روحها لسنوات طويلة..تسقط من فوق جبل عال وتتحطم في الأرض مثل الطائرة التي قـُتل فيها والدها.
منهن من ترفض حمل صفة "أرملة جندي" في إسرائيل لأنها وزوجها كانا يعارضان سياسة الجيش. ومنهن من تصلي ليلا نهارا وتحمد الله أن ابنها "استشهد في سبيل الله" وأنه بالتالي "مازال حيا". والأخرى تتحدث إلى ابنها كل يوم في البيت، أمام الصور، وجنب قبره. بينما تكتشف أرملة أخرى في الأغراض التي تسلمتها بعد وفاة زوجها خواطر وأشعارا وجانبا كانت تجهله عن شخصية زوجها. ومن خواطره تقرأ أمام الكاميرا عبارات ابتدأ بها الشريط واختتم بها: "لماذا الحرب؟ هل هي حتمية؟ هل هي قانون الطبيعة؟ أو من خلق البشر؟
"مأزق غادي" الجندي السابق
بعد هذه التساؤلات، تابع الجمهور شريطا وثائقيا حديثا بعنوان "مأزق غادي" للمخرج السويسري الشاب يورغ هازلر (2004). ترافق كاميرا غادي لدى عودته إلى إسرائيل بعد عطلة طويلة في جمهورية دومينيكان حيث استمتع بالشمس ومارس رياضة الغطس في أعماق البحر الهادئة.
هو ابن حاخام برن السابق. هاجر من سويسرا إلى إسرائيل مع أسرته عندما بلغ سن الثامنة عشرة. التحق بالجيش الإسرائيلي لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية حيث قضى أربع سنوات ونصف وأصبح ضابطا ومسؤولا عن مركز مراقبة في رام الله بالضفة الغربية.
لكنه كان ضابطا أراد تغيير الأوضاع في الجيش. أدرك أن الجنود الشبان الذي يقودهم يمكن في لحظة أن يقرروا حياة أو موت المتظاهرين الفلسطينيين. حاول أن يوضح لهم أن السلاح الذي يحملون مصنوع للقتل. أصعب ما واجهه الإجابة على سؤال تلامذته الجنود "لماذا لا تعطينا الأمر بإطلاق النار" (عندما تحتدم المواجهات مع رماة الحجارة؟).
بحزن يشرح غادي أمام كاميرا المخرج هازلر أنه لا يريد أن يصاب طفل في الخامسة عشرة برصاصة في الصدر. ثم يقول: "لديهم الحق أن يرموا الحجارة، يريدون دولتهم، لو كنت مكانهم لفعلت نفس الشيء". أدى غادي وأخواه الخدمة العسكرية بسلام. يعيش مع والديه في أبو تان قرب القدس. يفكر في السفر مجددا..ربما إلى أٍستراليا..
تحفة الذاكرة السويسرية
كان تشوق وفضول الجمهور واضحين وكبيرين لاكتشاف الشريط الوثائقي القديم حول المقاومة الفلسطينية، خاصة وأن صاحب فكرة بانوراما "فلسطين/إسرائيل، ذاكرة سويسرية" -موزع الأشرطة السينمائية آلان بوتاريلي الذي يحضر كافة العروض- أكد في أكثر من مناسبة أن هذا الشريط هو الذي شجعه على تجميع كافة الأفلام السويسرية حول الشرق الأوسط، وأنه من أول الأشرطة، "إن لم يكن الأول على الإطلاق" حول المقاومة الفلسطينية.
وقبل العرض الذي حضره مخرجا الشريط فرانسيس رويسر وجون بيير غارنيي، قال رويسر في كلمة موجزة أمام الجمهور أنه تردد كثيرا قبل الموافقة على عرض الفيلم مشيرا إلى أنه "ليس فيلما بل أرشيفا سياسيا". وأوضح المخرج أنه كان وزميله مناضلين سياسيين أرادا التحرك ضد الشعور المعادي للعرب الذي كان بدأ ينشأ في سويسرا إثر اختطاف وتفجير طائرات تابعة للخطوط الجوية السويسرية عامي 1969 و1970.
وأكد رويسر أن ذلك الأرشيف تم إنقاذه وتحديثه بثلاث دائق إضافية لتقديمه لجمهور اليوم بفضل فكرة بوتيريلي. ويستحق بوتيريلي الشكر بالفعل على مبادرته لأن الصور التي يتضمنها الشريط ذات قيمة تاريخية أكيدة.
الشريط يدافع عن الثورة الفلسطينية التي لم تكن تحظى بدعم كبير في سويسرا في السبعينات. تمتزج فيه أناشيد الثورة "بلادي..بلادي..بلادي..فتح ثورة على الأعادي"، "فلسطين..حبي الكبير"، وشعارات مثل "الثورة حتى النصر" مع صور أطفال ونساء ورجال المقاومة الفلسطينية في مخيمات الأردن في مايو عام 1970.
صور بطولية تقف فيها فتيات صغيرات قد لا يتعدى سنهن العاشرة إلى جانب رفاقهن الصغار. يتدربون جميعا على حمل السلاح والمناورات العسكرية مثل الكبار تماما. يتغنون بشعارات وأناشيد حماسية ووطنية ويلقون أشعارا ترفض أي استسلام ولا تقبل غير النصر.
والمدهش في الشريط الحضور القوي والمميز للمرأة الفلسطينية في صفوف المقاومة. مشاهد لم تعد معتادة اليوم. تظهر المرأة الفلسطينية في بداية السبعينات بالزي العسكري وراء قاذفة الصواريخ، تنظف وتستعمل سلاحها بنفسها. تبدو تحركاتها ضمن رجال المقاومة طبيعية. لا فرق بين جنس لطيف وجنس خشن. جميعهم فلسطينيون يدافعون عن قضية واحدة.
نسمع صوتا لا يمكن أن يكون إلا للزعيم الفلسطيني الراحل يقول "لا حلول استسلامية، ولا حلول انهزامية، الإمبريالية الأمريكية التي تساند الصهيونية لا بد أن نصرعها على أرض فلسطين".
وتظهر المرأة الفلسطينية أيضا بمستوى ثقافي عال، حتى الطالبات الشابات يتحدثن عن النضال السياسي بـ"حرفية" مدهشة. منهن من ذقن مرارة السجن والتعذيب. لكن العزيمة قوية والكفاح متواصل. أدركن أن التعليم والتوعية والتثقيف ركيزة لاستمرار المقاومة. يشجعن بعضهن البعض على محو الأمية. يتعلمن العربية والعبرية. ينزلن للتظاهر في الشوارع وينجحن في تحريك المظاهرات النسائية في بلدان عربية مجاورة. لكن تلك البلدان لا تقوى كلها على أو تتردد في مواجهة إسرائيل..
هنا وهناك
الشريط الرابع والأخير بعنوان "هنا وهناك" (Ici et ailleurs) للمخرج السويسري جون لوك غودار صور أيضا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بالأردن في يونيو عام 1970، أي قبل ثلاثة أشهر من وقوع مذبحة أيلول الأسود. الشريط الذي كان يحمل عنوان "حتى النصر" ظل في درج من أدراج المخرج غودار الذي يعرف بأشرطته غير اليسيرة الاستيعاب. وفي عام 1974، أعاد المخرج توضيب الشريط الذي أصبح يحمل عنوان "هنا وهناك".
لن أدعي أنني فهمت ولو 50 أو 60% من مضمون الشريط. لا شك أنه يتضمن معلومات منطقية وعقلانية ووثائق مرئية هامة. ولا شك أن يحمل فكرا وانتقادا لأوضاع العالم إذ يطرح تساؤلات عن السينما والكفاح المسلح وفلسطين والثورة والإرهاب.
لكنه يظل وفيا من البداية إلى النهاية لعنوان "هنا وهناك"، فهو بالفعل يتحدث عن نقطة هنا، وسرعان ما تجد المخرج غودار يذهب بالمشاهد إلى نقطة هناك. تارة يتحدث عن المقاومة الفلسطينية (هناك)، وتارة يتحدث عن حياة أسرة فرنسية تعيش بعيدا عن واقع الحرب (هنا). وتارة يظهر صورا من المحرقة النازية، ثم يذكر الحرب في الفيتنام أو يعود للحديث عن الثورة الفرنسية.
وما يكاد المشاهد يستوعب الرسالة التي يود إبلاغها حتى تجد المخرج، الذي يقرأ شخصيا التعليق على الشريط، يتناول تأثير وقوة الصور في الإعلانات..ثم يشير إلى الرأسمالية والبترول والإمبريالية ويقوم بعمليات حسابية ربما لها دلالات هامة، لكن يجب على المشاهد إعادتها خمس مرات على الأقل لفهمها، وبالتالي يفقد تركيزه ويجد نفسه تائها أمام صور وتعليقات تتوالى بسرعة..
هذا على الأقل كان انطباعي الشخصي الذي أكده شخير المشاهد إلى جانبي الذي استيقظ قبل نهاية الشريط وغادر القاعة، ثم تلاه ثلاثة أشخاص على الأقل لم يقووا على مشاهدة غودار إلى النهاية...
وأتساءل الآن إن لم يكن هذا الشريط هو تحفة مهرجان فريبورغ؟ّ!
إصلاح بخات - سويس انفو - فريبورغ