Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00933.jsonl.gz/39

لم يسبق وأن شارك هذا العدد الكبير من الناخبين الأمريكيين في عمليات انتخاباية كما فعلوا في هذا العام. كما لم يحدث أبداً وأن أعلن مرشح رئاسي فوزه قبل إعلان النتائج النهائية وبشكل رسمي.
كان هذا الأسبوع الأوّل من نوفمبر 2020 أسبوعا مليئاً بالمخاوف والآمال الكبيرة في الولايات المتحدة. كانت هناك مخاوف من أن تؤدي نهاية حملات إنتخابية طويلة ومشحونة بالعواطف إلى وقوع اضطرابات وأعمال عُنف حول مراكز الاقتراع، وأن تعم الفوضى وصيحات التزوير الانتخابي مراكز فَرْز الأصوات.
كانت هناك آمال في ولايات مُتحدة أقل انقِساماً - تعمل فيها حرياتها الديمقراطية وتقاليدها المُمتدة لأكثر من 230 عاماً على تماسك التنوع الهائل للبلاد.
عند استرجاع أحداث هذه المحطة الانتخابية - حتى وإن لم يتضح الفائز بعد - نجد بَعض الأخبار الجَيدة: المخاوف من حدوث يوم اقتراع فوضوي لم تتحقق. وعَبر أكثر من 3,000 مقاطعة انتخابية - من كالاو في هاواي التي لا يتعدى عدد سكانها 86 نسمة فقط، وإلى مقاطعة لوس أنجلوس التي تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة - لم يُعلن المسؤولون الرسميون عن حدوث أي خرق لنظام الانتخابات أو سلميتها.
بعبارة أخرى: قام الناخبون الأمريكيون بعملهم بشكل جيد وربما أفضل من أي وقت مضى في تاريخ الولايات المتحدة. وقد شارك ثلثا مجموع الناخبين الموهلين الذي يقارب عددهم 240 مليون ناخب مؤهل (أي المواطنين الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً في جميع أنحاء العالم) في الانتخابات العامة لعام 2020. ولجأ نحو 100 مليون ناخب إلى استخدام وسائل انتخاب أخرى غير التوَجَهّ إلى أماكن الاقتراع في يوم 3 نوفمبر للإدلاء بأصواتهم. وقد استخدموا مجموعة من القنوات بما في ذلك البريد الإلكتروني، والفاكس، والهواتف الساتلية (المتصلة بالأقمار الصناعية) والسُعاة الدبلوماسيين وأخيراً وليس آخراً - التصويت بالبريد.
في هذه الإنتخابات، أسفر الإقبال القياسي للناخبين على صناديق الإقتراع والمقرون مع قنوات التصويت المتنوعة الأخرى والقواعد المختلفة للتعامل معها في كل ولاية (وعبر المقاطعات أحيانًا أيضاً) عن نتيجة مهمة.
ففي الولايات التي تم فيها احتساب الأصوات البريدية أولاً (مثل ولايتي فلوريدا وأوهايو)، كان المرشح الديمقراطي جو بايدن متقدماً، عندما تم حساب الأصوات لأول مرة. أما مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، فكان متقدماً في الولايات التي تم فيها إحصاء الأصوات البريدية في الأخير (مثل ولايتي ويسكونسن أو ميشيغان).
لقد واجه العديد من المُعلقين الإعلاميين وأنصار المُرَشَحَين صعوبات في التعاُل مع ما تعنيه هذه الظاهرة الجديدة لتحديد النتيجة النهائية. فمع احتِدام تفشي فيروس كوفيد 19 في جميع أنحاء أمريكا، اختار العديد من الناخبين، ولا سيما المُناصرين للمرشح الديمقراطي بايدَن، استخدام قنوات التصويت عن بُعد مثل التصويت عبر البَريد، بينما اختار مؤيدو المرشح الجمهوري ترامب التصويت شخصياً في يوم الانتخابات.
إن حقيقة تطور تقليد التصويت الديمقراطي وتكيفه بطريقة أدَّت إلى إقبال قياسي في انتخابات 2020 لهو مثال على الديمقراطية في أفضل حالاتها. وما يجعله مثير للإعجاب إلى هذه الدرجة، هو حدوثه في واحدة من أصعب الأوقات في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، مع استمرار جائحة الفيروس التاجي المُستجد، والأزمة الاقتصادية والتوترات الدولية المتزايدة.
استدعاء المحكمة العليا
على الرغم من إظهار المرونة الديمقراطية، إلّا أنَّ الانتخابات الحالية شهدت بعض أسوأ لحظاتها أيضاً. وقد حدث هذا في الساعات الأولى من يوم 4 نوفمبر، عندما واجه المُرَشحان حقيقة أن فَرْز الأصوات في الولايات الرئيسية اللازمة للفوز بالهيئة الانتخابية سوف يستغرق ساعات وربما أيام حتى يكتمل.
في خطاب ألقاه خارج البيت الأبيض، أدَّعى الرئيس الأمريكي ترامب أنه فاز في الانتخابات الرئاسية، وبأنه سيطلب من المحكمة العليا إيقاف عملية فَرْز الأصوات. ولم يسبق في التاريخ الأمريكي الحديث وأن أعلَنَ أي مُرشح فوزه قبل الإعلان عن النتائج في الولايات الرئيسية. وقد قطعت شبكات التلفزيون الرئيسية خطاب الرئيس ترامب وأبلغت الجمهور أن الرئيس كان ينشر الأكاذيب.
بعد ذلك، انتقد ترامب قناة فوكس نيوز لإعلانها عن فوز منافسه بايدن في ولاية أريزونا، وطلب فَرْز جميع الأصوات.
في حين أن معظم الولايات ستنهي عملية الفرز هذا الأسبوع، يحقّ لبعض الولايات بموجب القانون عَدِّ جميع الأصوات المُتبقية حتى 20 يوماً بعد الانتخابات.
اقتراعات محلية
في الوقت الذي ركزت فيه مُعظَم التقارير الاخبارية المُتعلقة بالانتخابات العامة الأمريكية على مَنصب الرئاسة، إلّا أنَّ الناخبين الأمريكيين الذين قارب عددهم لـ 160 مليون شخص قرروا نتيجة آلاف السباقات الانتخابية الأخرى، بالإضافة إلى مُبادرات واستفتاءات محلية وعلى مستوى الولايات.
ومثلما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى التي يلجأ فيها المواطنون إلى استخدام الديمقراطية المباشرة لاتخاذ قرار بشأن القضايا التي تهمهم، تم إجراء العديد من الاستفتاءات الخاصة بالولايات أيضًا في جميع أنحاء أمريكا. ففي ولاية كاليفورنيا، وهي الولاية الأكثر اكتظاظاً بالسكان، والتي تضم أكثر من 20 مليون ناخب، صَوَّت 55% ضد "الاقتراح 18"، الذي كان سيمنح الشباب الذين تبلغ أعمارهم 17 عاماً حق التصويت في الانتخابات التمهيدية.
بالإضافة إلى ذلك، رفض الناخبون مبادرة في فلوريدا (التعديل 4) كان من شأنها أن تَزيد من صعوبة تَمرير مبادرة للمواطنين. وبالإجمالي، كان هناك 120 استفتاء في 32 ولاية تستدعي الاقتراع عليها في 3 نوفمبر، مما منح المواطنين الأمريكيين العديد من الطرق لتشكيل مجتمعاتهم المحلية بالإضافة إلى انتخاب ممثليهم.
تشابك ديمقراطي
عند النظر إلى الانتخابات من مسافة بعيدة في سويسرا - "الجمهورية الشقيقة" لأمريكا - يصف مارك بوهلمانّ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برن، الانتخابات العامة الأمريكية بـ "النجاح الديمقراطي".
"الديمقراطية التي تُتَّخَذ فيها القرارات السياسية بشكل سِلمي وبَعد نِقاش حاد، هي ديمقراطية ناجِحة"، كما يشير. ويضيف: "ان شعور الأقلية في انتخاباتٍ أو استفتاءاتٍ بالخسارة أو لا، يعتمد على نوعية النظام السياسي ومؤسساته".
وكما أشار بولمان، فإن الانتخابات الأمريكية لعام 2020 تعكس تطوراً آخر يمثل الجهة الجيدة والجهة السيئة للديمقراطية. "لقد وصلت التغطية الإعلامية للانتخابات إلى آفاق جديدة في الولايات المتحدة، لأسباب ليس أقلها أن الرئيس الحالي هو نَجم سابق لبرامج تلفزيون واقع شهيرة. وقد ساهم ذلك في زيادة المشاركة السياسية في المجتمع الأمريكي والإقبال القياسي من قبل الناخبين".
ومع انتظار النتائج النهائية للإنتخابات، يمكننا القول إن انتخابات 2020 تُظهِر أن أفضل وأسوأ ما في الديمقراطية الأمريكية أمران مُتشابكان.