Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00900.jsonl.gz/3

توالت ردود الفعل عقب الإعلان عن تقرير لجنة بيرجييه التاريخية، فالحكومة اعترفت بأن خطأ وقع في الماضي، والمنظمات اليهودية الدولية طالبت سويسرا بتعلم دروس من الماضي، القطاع الاقتصادي والأحزاب الرئيسية كان تعليقها إيجابيا عدا حزب الشعب اليميني.
الرئيس السويسري كاسبار فيلليغر ووزيرة الشؤون الداخلية روت درايفوس أكدا على أن هذا الاعتراف بالخطأ والأسف على ما وقع لا يعني توجيه اتهام إلى الجيل الذي شهد الحرب العالمية الثانية، بقدر ما يعني وضع الصورة الصحيحة لصفحة من تاريخ سويسرا.
المنظمات اليهودية الدولية ناشدت سويسرا بأن تتعلم من هذا التقرير دروسا لمعالجة المشاكل الحالية المتعلقة بالعنصرية وحقوق الأقليات واللاسامية والعنصرية، بينما نظرت تلك المنظمات إلى سياسة سويسرا تجاه اللاجئين كنوع من تصحيح الخطأ التاريخي السابق.
الأحزاب الرئيسية كانت ردود فعلها إيجابية باستثناء حزب الشعب اليميني، الذي رفض التقرير لأنه لم يراعي التهديد الخطير الذي واجهته سويسرا آنذاك، بينما طالب الحزب الليبرالي بفتح المصادر التي استقت منها اللجنة التاريخية عملها أمام العامة والباحثين الآخرين، حيث لا يريد اعتبار هذا التقرير نهائي، أما الحزب الاشتراكي فتمنى أن يقوي هذا التقرير تفاعل سويسرا في مجال الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
أما القطاع الاقتصادي ممثلا في اتحاد المصارف السويسرية ورابطة الإقتصاد السويسري فرأت بأن التقرير لم يأت بجديد.
نص جديد و"نهائي" لصفحة من تاريخ سويسرا
بعد خمسة أعوام من البحث والتمحيص، قدمت لجنة بيرجييه يوم الجمعة في برن تقريرها النهائي حول الدور الذي لعبته سويسرا إبان الحرب العالمية الثانية، التقرير جاء في شكل تقييم صارم لمرحلة دقيقة من تاريخ الكونفدرالية.
وصدر يوم الجمعة التقرير النهائي عن اللجنة المعروفة بلجنة "بيرجييه" التي شكلتها الحكومة الفيدرالية السويسرية قبل خمس سنوات خلال المعمعة مع التنظيمات اليهودية حول أموال الهولوكوست وما يعرف بالذهب النازي.
ويأتي هذا التقرير حصيلة خمس سنوات من الاجتهاد لتسليط أضواء جديدة على طبيعة العلاقات السويسرية إبان الحرب العالمية الثانية.
تتكون لجنة بيرجيه الدولية التي تنسب لرئيسها وأستاذ التاريخ السويسري فرانسوا بيرجييه من تسعة أعضاء، من بينهم سبعة مؤرخين وأحد الحقوقيين السويسريين واقتصادية أمريكية. ومن بين المؤرخين واحد إسرائيلي وآخر بريطاني وثالث بولندي وأربعة سويسريين هم: فرانسوا بيرجييه وجورج كرايز وجاك بيكار وياكوب تانير.
وقد نشرت اللجنة التي كلفت نشاطاتها اثنين وعشرين مليون فرنك سويسري واحدا وعشرين تقريرا مرحليا بالألمانية وأربعة بالفرنسية، قبل نشر التقرير الشامل والجامع يوم الجمعة الموافق للثاني والعشرين من مارس ـ آذار.
وفي الإمكان القول: إن هذا التقرير الشامل والجامع جاء بمثابة صورة بالأشعة السينية لجميع نشاطات سويسرا إبان الحرب العالمية الثانية، خاصة العلاقات السياسية والعلاقات الاقتصادية ودور البنوك والتأمينات والصناعات، إضافة لطريق معاملة بعض اللاجئين اليهود الفارين من النازية إلى سويسرا ورفض البعض الآخر منهم على حدود هذا البلد.
كما حاولت لجنة بيرجييه الدولية الإجابة على السؤال ما إذا ساهمت العلاقات التي مارستها سويسرا باسم الحياد، مع كل من ألمانيا النازية والحلفاء قد أدت لتعزيز النظام النازي في ألمانيا سابقا وأدت هكذا لتمديد فترة الحرب الثانية.
الساسة والإقتصاديون ذهبوا بعيدا جدا في المجاملة!
وفي الرد على هذا السؤال بالذات، يقول التقرير: إنه على الرغم من أن سويسرا قد زودت ألمانيا النازية بسلع ومعدات هامة وبالعملة الصعبة الضرورية للمجهود الحربي، إلا أن ذلك لم يلعب دورا أكيدا في حسم الصراع بين ألمانيا والحلفاء ولا يحمل على الاستنتاج استنتاجا عِلميا بأنه ساهم في تمديد الحرب الثانية.
لكن التقرير الذي وقع في خمسمائة صفحة وصدر بالإنجليزية والألمانية والفرنسة والإيطالية يؤكد أن الحكومة الفيدرالية والاقتصاد السويسري قد ذهبا بعيدا جدا في مجاملة ألمانيا النازية وفي تعزيز نشاطاتها الاقتصادية. لا بل ويقول التقرير: إن حكومة بيرن قد انتهكت التزاماتها كدولة محايدة إبان الحرب وأن اعتمادها التام على ألمانيا النازية لا يبرر مثل هذه الانتهاكات.
وفي الصفحات المخصصة للبنوك والتأمينات والمؤسسات المالية والاستثمارية السويسرية التجارية، يقول تقرير لجنة بيرجييه : إن هذه المؤسسات التجارية قد وضعت مصالحها المالية والاقتصادية المباشرة فوق أية اعتبارات أخلاقية، ولم تبذل قصارى الجهد لدى نهاية الحرب الثانية لرد الأموال والإيداعات أو التأمينات اليهودية إلى أصحابها ولورثة من هلك منهم في المحرقة النازية.
ويؤكد التقرير أن البنك الوطني السويسري كان على وعي بأن الكثير من الذهب الذي ابتاعه من ألمانيا النازية إبان الحرب، كان مما غنمه النازيون من البلدان المحتلة. لكنه واصل شراء الذهب رغم تحذيرات "الأوساط المقرّبة" من أنه سيتوجب عليه يوما ما ردّ الذهب إلى أصحابه وأهله.
برن كانت على علم بنوايا النظام النازي
وتأخذ لجنة المؤرخين الدولية على سويسرا، سماحها للنقليات الألمانية عبر أراضيها ومد ألمانيا وحليفتها إيطاليا بالمعدات العسكرية وبالقروض، أو أنها طلبت من ألمانيا أن تختم جوازات سفر اليهود الألمان بحرف "الياء" الدال على انتمائهم لليهودية.
وعلى هذا الصعيد، لم تكن اللجنة طرّية العبارة في الحديث عن تصعيد القيود على لجوء اليهود الفارين من النازية إلى سويسرا. ويقول المؤرخون: إن المسؤولين السويسريين كانوا على علم تام ومبكر بنوايا النظام النازي في ألمانيا سابقا، وبأن سويسرا تملك الإمكانيات الكافية لاستقبال أعداد أكبر من اللاجئين. وكانت هذا على دراية بالمصير المحتمل لهؤلاء الذين ردتهم عن الحدود.
التقرير لا يرضي الجميع
إن ما جاء به التقرير من "حقائق" تاريخية على نقيض مع "الحقائق" المعروفة عن تاريخ سويسرا إبان الحرب العالمية الثانية، لا يبعث على ارتياح جميع السويسريين، خاصة أبناء ذلك الجيل الذي سهر على حدود سويسرا إبان الحرب.
فقد أصدرت مجموعة تطلق على نفسها اسم " لجنة العمل لتدوين التاريخ الحي" كتابا في يوم الجمعة بالذات بعنوان " سويسرا رهن الابتزاز".
جمع هذا الكتاب بيانات واحدة وعشرين شخصية من الشخصيات السياسية والاقتصادية والعِلمية والدبلوماسية والعسكرية التي عايشت تلك الفترة والتي توجه الانتقادات لتقرير لجنة بيرجييه، كتقرير منحاز لا يأخذ أوضاع سويسرا العسيرة إبان الحرب بعين الاعتبار. كما توجه الانتقادات لمواقف حكومة بيرن مما تصفه بالحرب الدعائية ضد سويسرا في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتقول تلك الشخصيات: إن المؤتمر اليهودي العالمي قد ابتز سويسرا بمساعدة إدارة الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون ، وأذلها بالحملات الدعائية المغرضة والمحاكم الجماعية وتهديدات المقاطعة، وان رد فعل بيرن على هذا كله جاء متأخرا، مترددا ومشحونا بالخضوع والخنوع.
وتطالب هذه الشخصيات بالتالي بتصحيح بعض النقاط بطريقة تضع الأمور في "نصابها الحقيقي" حرصا على سمعة سويسرا وسمعة الأجيال التي عانت كل المعاناة إبان الحرب الثانية.
سويس إنفو