Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00857.jsonl.gz/78

يحِـق في سويسرا تسجيل العلاقة الزوجية بين شخصين من نفس الجنس، غير أن القانون لا يسمح لهم في الأولاد بصفة رسمية ويحظر عليهم، وبشكل واضح، جميع أنواع التبنّي.
مع ذلك، هناك آلاف الأطفال الذين يعيشون في أسَـر باتَ يُطلق عليها تسمية "قوس قُـزح"، للدلالة على أن أحد عنصرَيْها مِثلي أو مُزدوجي أو مُتَحوّلي الجنس. وفيما يلي شهادة لمِثليَّتيْن تربطهما علاقة مُشتركة.
"قبل ولادة إلياس*، تساءلنا كثيرا كيف سيكون ردّ فعل أصدقائنا وما إذا كانوا سينظرون إلينا نظرة سلبية؟ وهل سيُعاني طفلنا؟ حتى الآن، كانت ردود الفعل إيجابية، ولكنّ الأمر ليس بالسّهل، ولا ندري ما إذا كُنّا سنخرج إلى العَلن بشكل دائم...".
غابرييلا * ترمق نظرات صديقتها ناتاليا*، فهما تجلسان حول طاولة مع أكثر من عشرة أشخاص آخرين، حيث من العادة أن تلتقي مجموعة آباء من مثليي الجنس، ذكورا وإناثا، مرة واحدة في الشهر، في إحدى مقرات رياض الأطفال في برن، "لأجل توفير جَو لعِب للأطفال وتبادل الخِبرات والدردشة حول المواضيع المُختلفة.."، بحسب ما قالت لنا ناتاليا.
غابرييلا وناتاليا تبلُغان من العُمر ثلاثين سنة وتعملان لبعض الوقت في سلك التّمريض ولديْهما رغبة جامحة للأمومة. "تَعرَّفنا على بعضِنا البعض في المدرسة، قبل تِسع سنوات. وفي العام الماضي، عقدنا بيننا قِـرانا. وبعد فترة وجيزة، جاءنا إلياس، ونريد مولودا آخر أو اثنين".
إلياس ليس حالة فريدة في سويسرا. فالتقديرات المبنِية على مُقارنات مع بلدان أوروبية أخرى، تتحدّث عن أكثر من 6 آلاف أسْرة، لمِثليين أو لمتحوّلين جنسيا، لديها أطفال.
ماذا عن الوضع في أوروبا؟
يعتبر النِّقاش حول مسألتي الزواج والتبنّي، فيما يتعلق بالأزواج من نفس الجنس، من المواضيع الساخِنة حاليا في العديد من بلاد الغرب.
هناك عدّة دول تعترف بحقّ التبني لأسَر مثليي الجنس وحقّهم في الإستفادة من تقنيات الإنجاب بمساعدة طبية، وهذه الدول هي: الدنمارك والنرويج وأيسلندا والسويد وهولندا وبلجيكا وانجلترا وإسبانيا والأرجنتين وعدد من الولايات في أمريكا وكندا وأستراليا.
في المقابل، تسمح ألمانيا وأيسلندا بتبنّي الأطفال، إذا كانوا من أحد الشريكين المِثليين، وفي ظلّ شروط محدّدة.
في فرنسا، تعهّد الرئيس فرانسوا هولاند بالعمل على تأمين حقّ الزواج والتبنّي للمثليين، وهو ما أثار حفيظة واعتراضات الغالبية المُمثَّلَة في الحركات اليمينية والكنيسة.
وفي إيطاليا، بعد فشل مشروع قانون الشراكة المسجّلة في عام 2007، حيل بين الزوجين من نفس الجنس وبين أي اعتراف قانوني.نهاية الإطار التوضيحي
البحث عن شريك
لكي تصبح أُمّا، اضطرت غابرييلا لتحدّي القانون. "من البداية، استبعدنا فكرة وجود متبرّع مجهول، وبدأنا في البحث عن رجل يتناسَب وضعه مع وضعنا". وتقوم رابطة المِثليين والمِثليات بتنظيم اجتماعات دورية حول موضوع المثلية الجنسية، وهناك أيضا مواقع إلكترونية متخصّصة في نشر إعلانات من هذا النوع، "لقد تعرّفنا على والد إلياس وشريكه عن طريق إحدى المواقع على شبكة الإنترنت وصِرنا أصدقاء، ورويدا رويدا، أخذ مشروعنا المُشترك يشقّ طريقة".
وبحكم أن سويسرا تمنع الزوجيْن من نفس الجِنس من الإستفادة من تِقَنيات المُساعَدة الطبية في الإنجاب، تختار بعض النساء السفر إلى دول أخرى أكثر ليبرالية، مثل إسبانيا والولايات المتحدة، لكن تكلفة العملية قد تبلغ عشرات الآلاف من الفرنكات، وليس الأمر في مقدور الجميع، مما حدا بغابرييلا وناتاليا، وبكل بساطة، إلى استِخدام طريقة بدائِية: "أخذنا حقنة ووعاء بلاستيك إلى المستشفى، وقُمنا بحقن الحيوانات المنوية، ورغم أن الأمر استغرق بعض الوقت، إلا أنه في النهاية نجح في تحقيق الهدف".
ومن الجدير بالذكر، أن آنّا * وميكيلا * سلكتا هما أيضا، نفس الطريقة. فقد مضى على علاقتهما المشتركة 12 عاما، ولهما من العمر 29 و31 عاما، وظلّـتا تترقّـبان لمدة سنتيْن إلى أن تـمّ لإحداهما الحمْل. قالت آنّا، الأم البيولوجية: "كِلانا كان يُحاول، وتركنا الأمر للقَدَر". وتابعت تقول: "لا يُسمح للأطباء بتقديم المساعدة لنا، فكان لِـزاما علينا أن نُدبِّـر أمرنا بأنفُسنا، وبدأنا البحث عن المعلومات عبْر شبكة الإنترنت ومن خلال الأصدقاء والمعارف، وإذا بالأمر أسهل ممّا كُنا نتصوّر. وعندما حان وقت الولادة، سألني الطبيب بفضولية عمّا إذا كُنت قد ضاجعت أحد الرّجال... وقال بشيء من التحفّظ، أليس كذلك؟". واليوم، ها هي مارتا* الصغيرة، ذات التِّسعة أشهر فقط، تلعب وتمرح في حُضن ميكيلا، التي يُطلَق عليها اسم "الأم الإجتماعية".
التبني: من الحظر إلى المحافل السياسية
وعلى الرغم من كون آنّا وميكيلا زوجين بكامل المُواصفات القانونية، إلا أنهما لا تتمتّعان بنفس الحقوق التي تمنح للزّوجيْن العادييْن عندما يتعلق الأمر بطِفلتهما، ذلك أن قانون الشراكة المسجّلة، والذي دخل حيِّز التنفيذ في عام 2007، يحظر بكل وضوح، على الزّوج من نفس الجنس تبنّي أطفال شريكة، ولا يعترف بهذا الحق إلا للأم البيولوجية.
هذا الوضع، يُقلق كثيرا ضيفتيْنا المثليتيْن، حيث تقول ميكيلا: "بفرض أسوإ الاحتمالات، لو حصل وأن توفّت آنّا، فمِن الناحية القانونية، أنا منزوعة الحق، ويمكن لوالديْ ابنتنا أن يأخذاها منّي"، وأضافت: "والذي يدفع الثمن، هم آلاف الأطفال الذين يعيشون الآن في كنف العائلات التي تدخل تحت مسمّى قوس قزح".
وفي واقع الأمر، كان الرّفض التام لمسألة التبني، هو السبب وراء إحالة قانون الشراكة المسجّلة إلى الإستفتاء الشعبي، وبعد خمس سنوات، أرسلت كل من الحكومة والبرلمان مؤشّرا إيجابيا، وأعربا عن استعدادهما لأن يأذنا بتبنّي أبناء الشُّركاء، إذا كان الوالد البيولوجي الآخر غير معروف أو ميِّت أو مُوافق على إسناد حقوقه والتِزاماته إلى غيْره. هذه الوضعية تنطبِق على آنّا وميكيلا، باعتبار أن الرجل الذي قدّم الحيوانات المنوية، تخلّى عن حقّ الإعتراف بمارتا، بناءً على الإتفاق الذي تمّ بينه وبين الزّوجتين المثليتين منذ البدْء، كما أنه لا يُمارس في الوقت الحاضر أي دوْر في تربية الطفلة.
واللافت، أن عالم أسَـر "قوس قزح"، أكثر تعقيدا ممّا قد يتبادَر للذِّهن، فابن غابرييلا وناتاليا، على سبيل المثال، لديه أبَوان وأُمَّان. فأبُوه البيولوجي يعترِف به، وشخصية الأبْ وشريكه ظاهِرة في حياة الطفل، وهذا يعني بأن كِلْتا الأسرتيْن لن تستفيدا من قانون التبنّي، لا حاضرا ولا مستقبلا، ووضعهما القانوني يُماثل وضع العائلات المكوّنة من جنسين مختلفين.
مجتمع متعدّد النماذج
حتى الآن، لا يزال إلياس لم يبدأ الكلام بعدُ، ولكنه حين يكبر، ربما يسأل نفسه، شأن غيْره من الأطفال، كيف جئتُ إلى هذا العالم؟ إلا أن هذا الأمر لا يشغل كثيرا بال غابرييلا وناتاليا، فهما تقولان: "سنشرح له بأن امرأتين بمُفردهما لا تستطيعان الإنجاب، ولذلك، احتجنا إلى أب، وهذه كلّ الحكاية".
ومن جانبها، تشرح ناتاليا قائلة: "من المهِم، بالنسبة لنا، أن تكون عندنا أمثِلة أخرى لأطفال من وسط أسَـر قوس قزح"، ومن شأن لِقاءات أسَر المِثليين والمِثليات أن تخدم هذا المعنى، كي يتسنّى لنا تفهيم أطفالنا بأنهم ليسوا وحدهم الذين يعيشون وضعا غيْر مألوف، لاسيما وأن التعيير لا يزال موجودا، بدليل أن هؤلاء الأربع فتيات لا زلن يُفضِّلن البقاء مجهولات الهوية.
وأشارت غابرييلا: "بالنسبة لنا، قد يكون من الأسْهل أن يرانا الناس في الشارع كما لو كنّا صديقتين برفقة طفل، وحالتنا – أُمّان وأبَوان - ربما تكون من الناحية الإجتماعية أكثر قبولا. وكذلك أهلنا، أيضا قد يطمئِنون أكثر لمجرد وجود صورة رجل، دون أن يعلموا بأن ذلك يجرح مشاعِرنا، لأنه يشكك في قدرتنا على تكوين أسْرة بأتم معنى الكلمة".
ومع أن التعديلات المُقترحة على قانون التبنّي لن تأتي بجديد لهاتين الفتاتين، إلا أن مناقشة الموضوع في البرلمان تفيد، برأيهما، في تسليط الضوء على أسر "قوس قزح": "يبدو أن الناس يتجاهلون وجودنا، وكأننا نعيش في الظل. لكن، المجتمع يتغيّر... وقبل خمس سنوات فقط، كان التبنّي أمرا مستحيلا. أما اليوم، فهُم على الأقل يتكلّمون، وعلينا أن نتحلّى بالصّبر. ومن المعروف عن سويسرا بأنها بلد يسير بخُطىً قصيرة".
ماذا يقول القانون السويسري؟
تحظر سويسرا على الأزواج المثليين والمثليات التبنّي عموما وتبني أطفال أحد الشريكين والاستفادة من تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب.
لا يعترف قانون الشراكة المسجّلة بالأطفال، إلا بشكل هامشي. فعلى سبيل المثال، في حالة وجود زوجين مثليين من الجنس الأنثَوي، لا يعطي القانون الشريكة أي حق بطفل شريكتها، إذا اعترف الذي منحها الحيوانات المنوية بهذا الطفل.
تعتبر منظمات الدفاع عن المثليين بأن الإطار القانوني الحالي ينطوي على تمييز. وفي عام 2011، قدمت عريضة وقّعها أكثر من 19 ألف شخصٍ، تعترض فيها على القانون وتدعو إلى تكافُـؤ الفُـرص لجميع الأسَـر.
في ديسمبر 2012، اعتمد مجلس النواب السويسري (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي) صيغة مُختصرة من نصّ التبني المُطلَـق، المقترح من قبل مجلس الشيوخ (الغرفة العليا).
في حال تمّت المُوافقة النهائية على الصيغة المقترحة، فسيحِق للأفراد المثليين تبنّي أبناء شُركائهم، بشرط أن يكون الوالد البيولوجي، غير الشريك، غيْر معروف أو ميِّتا أو أنه يُوافق على نقْل حقوقه والتِزاماته، وأن يكون في الوضع المُستَحدَث مصلحة أكبَر للطفل.
سيكون للأطفال الذين يولدون في أسَـر "قوس قزح" ضمان في إمكانية العيْش مع الوالد الآخر، في حالة وفاة الوالد البيولوجي، وسيتمتّعون بالحق في الميراث وفي كفالة اليتيم، في حالة وفاة الوالد الثاني.
بعد أن يُصادق البرلمان على التّعديلات المُقترحة، سيحتفِظ الشعب بحقّ رفضها عن طريق الإستفتاء الشعبي، وقد سبق لهذا السِّلاح الديمقراطي أن استخدمه كلّ من الحزب الإنجيلي وحزب الشعب (يمين شعبوي) في عام 2005 ضدّ قانون الشراكة المسجّلة إلا أنه تمّ قبول التعديل المقترح بأغلبية 58٪ من الأصوات.نهاية الإطار التوضيحي
swissinfo.ch