Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00895.jsonl.gz/134

تخصص المحامي إينريكو مونفريني من كانتون جنيف في مهمة صعبة ومعقدة تتمثل في التنقيب عن أموال الديكتاتوريين المكتسبة بطريقة غير مشروعة والمخبأة تحديدا في مصارف سويسرا، بُغية إعادتها إلى البُلدان التي سُلبت منها.
swissinfo.ch حاورت مونفريني البالغ من العمر 66 عاما، والذي أسهم في تسوية عدد من القضايا التي استقطبت أنظار العالم، لعل أبرزها أموال رئيس هايتي السابق جون-كلود (بيبي دوك) دوفاليي والرئيس النيجيري السابق الجنرال ساني أباشا.
ووفقا لأرقام البنك العالمي، يتم اختلاس ما بين 20 و40 مليار دولار سنويا من قبل قادة بلدان أو حكومات فاسدين، وإخفائها في حسابات مصرفية في مختلف أنحاء العالم.
swissinfo.ch: متى بدأتم مطاردة أموال الطــغاة؟
إينريكو مونفريني: عندما أصبح ألوسيغون أوباسانجو رئيس نيجيريا في عام 1999، كان مصمما على استعادة الأموال التي اختلسها سلفه أباشا، الذي كان قد سجنه عندما كان في المعارضة. وكشفت تحقيقات الشرطة عن آثار قيام النظام السابق بمدفوعات على حسابات سويسرية. حدث ذلك عندما كانت تبحث حكومة أوباسانجو عن محام في سويسرا للشروع في عمل التنقيب.
لماذا تم اختياركم بالذات؟
إينريكو مونفريني: كانوا يبحثون عن شخص يمكنهم الوثوق به. وكنت قد دافعت لمدة 20 عاما عن معارضين لنظام أباشا عاشوا في سويسرا. وذات ليلة في شهر سبتمبر من عام 1999، بينما كنت أتناول وجبة العشاء في أحد المطاعم، تلقيت مكالمة من مسؤول في الحكومة النيجيرية طلب مقابلتي على الفور في الفندق الذي كان ينزل فيه. ذهبت إلى هناك وقبلت القيام بالتحقيق؛ وبعد ذلك بأسبوع، غادرت إلى نيجيريا برفقة أحد زملائي.
لماذا وافقتم على تنفيذ هذه المهمة؟
إينريكو مونفريني: لقد عشت لسنوات عديدة في إفريقيا لأن والدي كان سفيرا ولأنني أحب تلك القارة. وسواء تعلق الأمر بإفريقيا أو أماكن أخرى، فلا أستطيع الوقوف مكتوف الأيدي أمام الظلم العميق الذي يرتكبه القادة الفاسدون – أولئك اللصوص المستبدون الذين يسرقون مبالغ ضخمة من المال بينما تعيش بقية الشعب في ظروف بائسة.
وكانت عملية استرداد الأموال تحمل دلالات رمزية، فمبلغ 1,3 مليار فرنك الذي ساعدت على إعادته إلى نيجيريا استُخدم لبناء عدد من المستشفيات والطرق تحت إشراف البنك العالمي.
كيف نجحتم في استعادة الأموال؟
إينريكو مونفريني: ذهبت إلى نيجيريا بعشرات الصفحات من التحويلات المصرفية التي تمت على خمسة حسابات مصرفية سويسرية. ولكننا اكتشفنا في بداية التحقيق أنه تم إغلاق تلك الحسابات. لم ندْر ما يجب القيام به، فلجأت للمدعي العام لجنيف بيرناد بيرتوسا ووجهت اتهامات جنائية لأفراد من عشيرة أباشا.
وسمحت الصلاحيات المخولة لبيرتوسا بتفعيل نوع من "التنبيه العام" في جميع البنوك السويسرية، مما أجبر تلك المؤسسات على تجميد الحسابات التي تمتلكها عشيرة أباشا، ولاسيما نجلي الديكتاتور. وهذه هي الطريقة التي ظهر بها في يوم واحد مبلغ 600 مليون دولار. وكانت تلك الحسابات مفتوحة تحت أسماء تم تعديلها قليلا باستخدام جوازات سفر مزورة.
وتمكنا على إثر ذلك من الحصول على الوثائق المصرفية اللازمة ليبدأ الجزء الرئيسي من المهمة. لقد عملنا ليلا نهارا لتفسير المعلومات واستطعنا إعادة رسم مسار تدفق تلك الأموال. وكانت العملية بمثابة تجربة تعليمية حقيقية لزملائي؛ أنا أعرف القوانين وليس الجوانب العملية منها. وعلى مدى السنوات الاثنتي عشر الماضية تحولنا إلى محاسبين. إنها مهمة صعبة، خاصة وأن الأشخاص الذين يساعدون الديكتاتوريين على إخفاء الأموال والذين يدافعون عنهم هم محامون أيضا.
هل انتابكم شعور بالخوف مما قد يحدث؟ هل تلقيتم أية تهديدات؟
إينريكو مونفريني: لا، لم أكن خائفا، وإلاّ ما استطعت القيام بهذا العمل. كانت هنالك تهديدات ولكنها كانت مُقــَنّعة، ولم تصدر من الأفارقة، بل جاءت من وسطاء ماليين في سويسرا. وفي بعض الأحيان، نصحني بعض المحامين، وهم يتظاهرون بأنهم أصدقائي، بالتخلي عن المسألة برمتها. كما أوصوني بالتحلي بالحذر وألمحوا لي بـعدم الإقدام على "المبالغة" لتجنب المشاكل.
وكان بوسعي كسب الكثير من المال في بعض المناسبات إن كنت قد غضيت الطرف عن أشياء مُعينة. ولكن هذه ليست طريقتي في التفكير. ولسوء الحظ، لم يحاول أحد بعدُ خلال السنوات القليلة الماضية إرشائي لأن الشائعة قد انتشرت (يضحك).
انتهت الكثير من أموال الطغاة في حسابات مصرفية سويسرية، وهو ما تسبب في توجيه انتقادات بشكل دوري للكنفدرالية. ما هو التقدم الذي تم إنجازه وما الذي لا زال يتوجب القيام به؟
إينريكو مونفريني: القانون الفدرالي الجديد حول إعادة الأصول المالية للأشخاص المعرضين للمساءلة (من الناحية السياسية) التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة، دخل حيز النفاذ في 1 فبراير 2011. وقد أسهمتُ في وضع هذا القانون الذي يعتبر أساسيا لتسوية قضية أصول دكتاتور هايتي جون-كلود "بيبي دوك" دوفاليي.
ويتعلق الأمر بخطوة مهمة، حيث أنها تضبط التدابير الخاصة بتجميد الأصول المالية والممتلكات وإعادتها عندما لا يتسنى التقدم بطلب مساعدة قضائية دولية نتيجة لانهيار الأوضاع في الدولة الشاكية. في المستقبل، سيكون من الضروري أيضا تحوير بعض فصول القانون الجنائي التي لم تعد متلائمة مع واقع الإجرام الحالي.
وبعد التطورات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية، لم تعد المصارف السويسرية عموما تقبل أموالا من الشخصيات المعرضة للمسائلة من الناحية القانونية أو من عشائرهم.
ولكن الطغاة قد يستمرون في محاولة وضع أموالهم في البنوك السويسرية باستخدام أساليب مُتزايدة التعقيد، مثل إنشاء حسابات بالنيابة عن شركات يكون المساهمون فيها مستقرين في جزر فيرجن البريطانية أو في باناما.
هل تفكرون في تقديم مساعدتكم لاسترجاع أموال وممتلكات الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي؟
إينريكو مونفريني: لا، ليس في الوضع الراهن. في تونس، لا يزال هناك العديد من أعضاء الحكومة الذين لهم صلة بزين العابدين بن علي. ولا أود أن أكون المحامي الذي يتوجب عليه العثور على الأموال، مع العلم أن الشخص الذي يسندني هذه المهمة قد تكون لديه مصالح شخصية ضخمة من وراء ذلك.
القانون الجديد حول الأصول المالية للطغاة
أصبحت الحاجة إلى تحوير القانون السويسري واضحة بعد أن أودعت في الحسابات المصرفية السويسرية أموال الرئيس الزاييري السابق موبوتو سيسي سيكو وأموال أسرة ديكتاتور هايتي الأسبق جون-كلود دوفاليي.
هذا القانون الذي دخل حيز التنفيذ في 1 فبراير 2011، يسمح للمحكمة الإدارية الفدرالية بمصادرة الأصول المجمدة التي تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة إذا كانت البلدان الأصلية المعنية قد أخفقت في إجراء الملاحقات القضائية. وفي هذه الحالة، تُستخدم الأصول لتمويل برامج يستفيد منها سكان تلك البلدان.
وبموجب القانون الجديد، بات يتوجب على المُودع إثبات مشروعية كسب الأموال، وليس فقط على المدعي أن يثبت بأن الأموال قد سُرقت.نهاية الإطار التوضيحي
أبرز قضايا أموال الديكتاتوريين في سويسرا
ماركوس، الفلبين (1986 - 2003): أعيد مبلغ 684 مليون دولار للبلاد.
أباشا، نيجيريا (1999 - 2005): أعيد 700 مليون دولار للبلاد.
مونتيسينوس، بيرو (2002 - 2006): أعيد 92 مليون دولار للبلاد.
ساليناس، المكسيك (1996 - 2008): أعيد 74 مليون دولار للبلاد.
موبوتو، الكونغو (1997 - 2009): أعيد 6,7 دولار لورثة موبوتو.
غباغبو، كوت ديفوار (ساحل العاج): (2011-): (المعلومات غير متوفرة)
بن علي، تونس: (2011-): عشرات الملايين من الدولارات.
دوفاليي، هايتي (1986 - 2011): 5,7 مليون دولار لازالت مجمدة.نهاية الإطار التوضيحي
(ترجمته وعالجته إصلاح بخات), swissinfo.ch