Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00868.jsonl.gz/33

تثير عملية الإفراج عن بعض الرهائن المعتقلين من قبل قوات المنشقين في كولومبيا جدلا حول الوساطة السويسرية واستخدام شارة الصليب الأحمر من قبل القوات الكولومبية.
ولئن كان الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي قد هدأ من حدة السجال بالاعتذار للصليب الأحمر على الاستخدام الخاطئ للشارة، فإن الجدل حول دور الوسيط السويسري لم يـُحسم، لا سيما وأن الخارجية السويسرية تلتزم الصمت في انتظار زيارة رسمية لكولومبيا.
إذا كانت العملية المثيرة التي أدت إلى الإفراج يوم 2 يوليو عن الممثلة البرلمانية الكولومبية الحاملة للجنسية الفرنسية إينغريد بيتانكور و14 رهينة أخرى كانت بين أيدي القوات المسلحة الثورية الكولومبية المعروفة باسم "فارك"، قد أثارت ارتياحا كبيرا في العالم، فإن تداعياتها سببت إحراجا للدبلوماسية السويسرية بعد الاتهامات التي أثارتها كولومبيا تجاه الوسيط السويسري جون بيـير غونتار.
وعلى الرغم من عدم الإفصاح لحد الآن عن كل التفاصيل المتعلقة بهذه القضية والظروف التي تمت فيها، فإن ما يتسرب من حين لآخر عن هذه القضية يلقي مزيدا من الضوء، إن لم نقل مزيدا من الغموض، لقبول الصيغة الرسمية التي روجت لها السلطات الكولومبية في بداية العملية.
استخدام خاطئ للشارة واعتذار مقبول
آخر التطورات في هذه القضية تمثلت في اعتراف الرئيس الكولومبي آلفارو أوريبي يوم الأربعاء 16 يوليو الجاري بأن أحد أفراد القوات الخاصة الذي شارك في عملية الإفراج عن الرهائن كان يرتدي سترة عليها شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وكان قائد القوات المسلحة الكولومبية، الجنرال ماريو مونتويا، قد نفى أمام الرئيس الكولومبي بعد ساعات من عملية الإفراج عن الرهائن في 2 يوليو "أن تكون أي من القوات المسلحة الكولومبية قد استخدمت شارة الصليب الأحمر أو شارة أية منظمة إنسانية أخرى في العملية".
وقد اعتبر الناطق باسم اللجنة الدولية لصليب الأحمر في جنيف فلوريان ويستفال أنه "من الأهمية بمكان اعتراف الرئيس الكولومبي بالخطأ الذي ارتكب باستخدام شارة الصليب الأحمر"، مشددا على "أن احترام شارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر أمر حيوي لكي تستطيع المنظمة الإنسانية مواصلة القيام بدورها لتقديم المساعدة للمتضررين سواء في كولومبيا أو في باقي أنحاء العالم".
وكان محامو اثنين من مقاتلي القوات المسلحة الثورية اللذين تم اعتقالهم في العملية قد أشاروا إلى أن عددا من القوات الخاصة الكولومبية التي شاركت في العملية كانوا يحملون تلك الشارة لإيهام المقاتلين بأنهم من الإنسانيين.
من الوساطة إلى الاتهام
سويسرا التي كانت تقوم، إلى جانب فرنسا وإسبانيا، بدور الوساطة لمحاولة الإفراج عن الرهائن المعتقلين من قبل القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وجدت نفسها محط انتقادات مباشرة من قبل السلطات الكولومبية غداة عملية الإفراج عن إينغريد بيتانكور ورفاقها في الاعتقال.
فبعد عملية وساطة لأكثر من عشر سنوات، قام بها السويسري جون بييـر غونتارن، وأدت في عام 2000 إلى تحرير اثنين من موظفي شركة صناعة الأدوية السويسرية نوفارتيس، اتهم وزير الدفاع الكولومبي الوسيطَ السويسريَ بنقل حوالي نصف مليون دولار لصالح القوات المنشقة وتسليمها لها في كوستاريكا.
وترتكز الاتهامات الكولومبية على معطيات تقول السلطات الكولومبية إنه تم الحصول عليها في حاسوب الرجل الثاني في قيادة القوات المسلحة الثورية الكولومبية، راوول رييس، بعد مقتله. وهو ما رد عليه جون بيير غونتار في حديث للصحف السويسرية بقوله "ليس لي رغبة في التعليق على هذه الإدعاءات"، مضيفا بأنه غير قلق من هذا الجدل.
أما وزارة الخارجية السويسرية فقد أوضحت في بيان لها بأن "عملية الإفراج عن موظفي شركة نوفارتيس كان مقابل تقديم فدية مالية ولكن الوسيط السويسري جون بيير غونتار لم يكن الوسيط في تسليم تلك الأموال".
وأكد هذه الأقوال مدير شركة نوفارتيس دانايل فازيلا في حديث لوسائل إعلام سويسرية، موضحا بأن "جون بيير غونتار قام بدور الوسيط الدبلوماسي من أجل الإفراج عن الرهينتين ولم يكن يحمل معه أية أموال".
تأزم في العلاقات في انتظار زيارة وزيرة الخارجية
وقوف وزارة الخارجية السويسرية وراء الوسيط السويسري جون بيير غونتار، وتدخل القضاء الكولومبي لفتح تحقيق في مزاعم نقله لحوالي 500 ألف دولار لصالح القوات المسلحة الثورية الكولومبية، أدى إلى تشنج في العلاقات بين سويسرا وكولومبيا، ولو أن الطرفيين لا يرغبان في التهويل.
فقد أوضحت وزارة الخارجية السويسرية في بيان صادر يوم الثلاثاء 8 يوليو الجاري بأن "السفير السويسري في بوغوتا سيقوم بتحرك لدى الحكومة الكولومبية من أجل وقف الهجمات المتكررة الموجهة ضد الوسيط السويسري جون بيـير غونتار".
وهو ما رد عليه نائب وزير الخارجية الكولومبي كاميليو رايس بالقول: "إن هذا التحرك للقضاء ليس موجها ضد سويسرا، والقضاء يتصرف في استقلالية تامة عن الحكومة".
وإذا كانت الخارجية السويسرية قد أكتفت برفض الاتهامات وتجديد الثقة التي تضعها في وسيطها الذي تمكن من الإفراج عن عدد من الرهائن خلال العشرة أعوام التي قضاها في التنقل بين سويسرا وكولومبيا في علم تام للسلطات الكولومبية بتحركاته، فإنها تنتظر الزيارة المرتقبة التي ستقوم بها وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي-ري لكولومبيا في العاشر من أغسطس القادم؛ وهي الزيارة التي تم التأكيد أنها مازالت مبرمجة.
سويس إنفو – محمد شريف – جنيف
ماذا لو كانت الدوافع غير تلك المعلنة؟
الحملة التي تقوم بها السلطات الكولومبية ضد الوسيط السويسري في عملية الإفراج عن الرهائن جون بييـر غونتار ترتكز على معلومات تقول إنها حصلت عليها في حاسوب الرجل الثاني في قيادة القوات المسلحة الثورية الكولومبية بعد مقتله.
وأشارت وسائل إعلام سويسرية إلى تعاظم هذه الاتهامات بعد ظهور تشكيك في وسائل الإعلام السويسرية في الصيغة التي قدمتها السلطات الكولومبية عن العملية التي تم بموجبها الإفراج عن إينغريد بيتانكور و14 رهينة أخرى في 2 يوليو الجاري، إذ أوردت الإذاعة السويسرية الناطقة بالفرنسية بأن أحد صحفييها حصل على تأكيدات من مصدر موثوق في مصداقيته تمت تجربته طوال عشرين عاما الماضية أوضح بأن عملية الإفراج عن إينغريد بيتانكور ورفقائها لم تتم في عملية عسكرية بالطريقة الهوليودية التي تم وصفها، بل في صفقة تمت فيها استمالة حراس للسماح بالتسلل، مقابل مبلغ مالي يقدر بحوالي عشرين مليون دولار.
وأضاف نفس المصدر بأن زوجة أحد حراس الرهائن هي التي قامت بدور الوسيط منذ إلقاء القبض عليها من قبل القوات الكولومبية، واستطاعت فتح قناة تفاوض مع محتجزي الرهائن والحصول على تعاون من قبل زعيمهم جيرالدو آغيلار.
وأضافت الإذاعة السويسرية بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء هذه الصفقة نظرا لأن ثلاثة من رعاياها كانوا من بين الرهائن الذين تم تحريرهم في العملية.
وهذا ما تم تكذيبه مباشرة من قبل الحكومة الفرنسية ومن قبل الجيش الكولومبي، في حين لم ترغب لا وزارة الخارجية السويسرية ولا الوسيط السويسري التعليق على الخبر.
"إستراتيجية مقصودة لإنهاء الوساطة"
أما مدير معهد الدراسات العليا الاجتماعية في باريس دانيال بيكو، فأعرب عن اعتقاده، في حديث للإذاعة السويسرية، بأن هذه الهجمات ضد الوسيط السويسري تدخل في إطار "إستراتيجية مقصودة".
وقال في هذا السياق "إن مهاجمة من قاموا بدور الوساطة طوال سنوات هو بمثابة التهكم على من أنفقوا الكثير من أجل التوصل إلى تحقيق تبادل إنساني للرهائن ... وهو بمثابة محاولة لإثناء من يرغبون في مواصلة هذا الدور في المستقبل".
وقد أشار مراقبون الى أن السلطات الكولومبية كانت دوما تشعر بالحرج كلما تمت التسوية في التعامل بينها وبين مقاتلي القوات المسلحة الثورية الكولومبية. وهذا ما أشارت إليه السفيرة الكولومبية في سويسرا كلوديا خيمينيز عندما صرحت بأنه "من غير السهل بالنسبة لحكومتها قبول المعاملة التي تساوي بين مجموعة إرهابية وحكومة منتخبة" على حد قولها.