Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00860.jsonl.gz/36

يُعدُّ نظام التدريب المهني المزدوج في سويسرا نموذجاً ناجحاً. ولذا يُشَجَّع التعاون الإنمائي باستمرار على تصدير هذا النموذج، الذي تبدو فوائده جلية، إلى دول الشراكة لدعم اقتصادياتها. ولكن ما هي حدود نقل هذه التجربة إلى دول أخرى؟هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يونيو 2019 - 11:00 يوليو,
«النظام التعليمي السويسري يُبهر العالم». «النموذج الألماني مدرسة يُحتذى بها». «التعليم المزدوج: ينتقل إلى خارج سويسرا». ثلاثة أمثلة، من بين أمثلة أخرى كثيرة، تحت عناوين رنانة في الصحافة الناطقة بالألمانية. ويُعتبر نظام التدريب المزدوج المُطبّق في كل من ألمانيا والنمسا وسويسرا نموذجاً ناجحاً. فالتعاون الوثيق بين الدولة والقطاع الخاص يضمن تدريب الأخصائيين الذين يحتاج إليهم هذا الأخير بالفعل. وذلك بفضل المنهج الدراسي الذي يجمع بين المعرفة النظرية التي يتم تدريسها في الفصل والخبرة العملية المُكتسبة في الشركة، فيكتسب المتدربون الخبرة المتجددة طوال مدة دراستهم. وبصفة عامة، تُسجِّل البلدان التي تبنَّت هذا النموذج معدلات بطالة منخفضة نسبياً. ولذا، تطالب الأوساط السياسية باستمرار بتصدير هذا النظام، لا سيما إلى الدول التي تُعاني من ضعف الإقتصاد وارتفاع معدل البطالة بين الشباب. ولكن، هل هذه التوصية هي فعلاً مُجدية؟
"يتطلب الوصول إلى نتائج مثمرة أن يترافق نقل عناصر النظام المزدوج بتغيير العقلية"End of insertion
للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نعود إلى سياق بدايات التعاون الإنمائي السويسري في مجال التدريب المهني. إذ تنخرط الوكالة السويسرية للتنمية والتعاونرابط خارجي (التابعة لوزارة الخارجية) في هذا المجال منذ أكثر من خمسين سنة وتستوحي الأفكار باستمرار من نظام التعليم السويسري المُزدوج. وقائمة المشاريع في هذا الخصوص طويلة وتشمل بوليفيا وبوركينا فاسو وبنغلاديش. في بداية الأمر، اعتمد التعاون الانمائي، في ألمانيا أكثر من سويسرا، بشكل واسع على النموذج المزدوج. وتعليقاً على ذلك، تقول سيبيل شموتز، المسؤولة في أمانة لجنة الدول المانحة للتدريب المهني المزدوج والمتعاونة مع منظمة Swisscontactرابط خارجي غير الحكومية: «عموماً، كان ذلك عبارة عن تطبيق هذا النظام كما هو في بلدان أخرى».
أولويات
في الرسالة حول التعاون الدولي السويسري 2017 ـ 2020، تقول الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون إنها تريد «تعزيز التزامها بشكل ملحوظ في مجال التعليم الأساسي والتدريب المهني. (...) وأنها تضع هذه المواضيع ضمن أولوياتها». وبذلك، تكون قد زادت المُخصصات المالية بنسبة 50% مقارنةً بالائتمان الإطاري 2013 ـ 2016 في هذه المجالات، لتصل إلى أكثر من 600 مليون فرنك. وهي «تستلهم من نموذج التدريب المهني المزدوج في سويسرا، مع مراعاة ظروف وأوضاع بلدان الشراكة».End of insertion
بعض العقبات
ولكن، سرعان ما تبيَّن أنَّ الشروط اللازمة لتطبيق نظام من هذا القبيل لم تكن مُستوفاة في الكثير من الأماكن. ففي بعض البلدان، ليس للتدريب المهني قيمة؛ وفي البعض الآخر، فإن الدولة هي التي تقرر المناهج الدراسية بغض النظر عن احتياجات اقتصاد القطاع الخاص. ويشير برهان شقرون، المسؤول عن التدريب المهني في منظمة اليونسكو، إلى أنَّ «العديد من محاولات تطبيق نماذج ناجحة في بيئة مختلفة باءت بالفشل». في سويسرا وألمانيا، تمكنّت الأنظمة من التطور على مر السنين. وهي ترتكز على شبكة معقدة تجمع بين الجمعيات والنقابات والسلطات والقطاع الخاص. وبالتالي، «ليست هناك وصفة سحرية».
أندريا إينغلين، مستشارة التدريب المهني في الشبكة المواضيعية «العمل والدخل» التابعة للوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، تؤكد ذلك بقولها: «في الوقت الراهن، نحن نتحدّث بالأحرى عن نقل عناصر من النظام المزدوج». من أجل تحديد الجوانب التي يُمكن نقلها، علينا أولاً أن نُكوّن فكرة عن الظروف السائدة في البلد المعنيّ. ما هي المكانة التي يشغلها كل من القطاع الخاص والدولة؟ وما هي الفئات المُستهدفة التي نريد الوصول إليها؟ وبحسب سيبيل شموتز، أثارت هذه التساؤلات في السنوات الأخيرة نقاشات أكثر دقة حول ما يمكن أن ينجح أو لا.
كما تشمل هذه المحادثات لجنة الدول المانحة للتدريب المهني المزدوج. وتعزز ألمانيا والنمسا وإمارة ليختنشتاين وسويسرا التبادلات فيما بينها للاستفادة من مزايا التدريب المهني المُزدوج في التعاون الانمائي على المستوى الدولي. ويحدد الشركاء معاً المبادئ الرئيسية للنظام ويدافعون عنها. وتلخص سيبيل شموتز بقولها: «نحاول تبادل تجاربنا، ومناقشتها واستخلاص نتائج منها. ومع ذلك، يبقى من الصعب إستنتاج مبادئ كونية».
الشيء الوحيد الأكيد هو أنَّ الوصول إلى نتائج مثمرة، يتطلب أن يترافق نقل عناصر النظام المزدوج بتغيير العقلية. ففي الدول التي يكون فيها التدريب المهني حكراً على الدولة، على سبيل المثال، غالباً ما يكون التوافق بين العرض وطلب اليد العاملة مفقودا. «لمعالجة هذا الأمر، تضيف سيبيل شموتز، يجب التنسيق مع القطاع الخاص وإعادة التفكير في توزيع المهام». وهو ما يثير المخاوف والتَّحفُّظ. حيث على الحكومة أن تتخلى عن جزء من صلاحياتها للقطاع الخاص، في حين يخشى المعلمون على وظائفهم. وتتابع السيدة شموتز قائلةً: «هؤلاء العاملون هم في موقف دفاعي. ومن الضروري القيام بدور كبير في المواكبة لتطوير طريقة التفكير».
النظام المزدوج السويسري
في سويسرا، يختار ثلثا الشباب بعد نهاية تعليمهم الالزامي التدريب المهني، أي النظام المزدوج. وتعني كلمة «مزدوج» هنا أن التدريب يتم على المستويين العملي والنظري. ومنذ البداية، يعمل المتدربون في شركة ويدرسون في مدرسة مهنية. وعندما تنتهي فترة التدريب المهني، هناك العديد من الفرص لمتابعة الدراسة. ويستطيع الخريجون أيضا مواصلة دراستهم في إحدى الجامعات أو في مدارس عليا متخصصة.End of insertion
مخاوف الشركات
صعوبة أخرى: لا يُمكن للعديد من الشبان والراشدين متابعة التدريب الذي يستغرق ثلاث أو أربع سنوات كما هو الحال في سويسرا. بالإضافة إلى أنَّ الشركات لا تثق غالباً بفكرة تدريب الطلاب ودفع رواتب لهم خلال فترة تدريبهم. في هذا السياق، تنوّه أندريا إينغلين من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون إلى أنه «في العديد من البلدان، هناك مخاوف من أن يؤسّس المُتدرب شركته الخاصة به ويصبح منافساً. وإن كان هذا النظام يسير بشكل جيّد في سويسرا فلأن الشركات تدرك بأنَّ وجود مجموعة من المتخصصين المُدرَّبين لا يمكن إلا أن يَصُبَّ في مصلحتها».
وكانت لجنة الدول المانحة قد نشرت، في عام 2016، دراسة قام بها بعض الخبراء لتحديد عناصر النظام المزدوج التي يمكن نقلها بنجاح والشروط اللازمة. أحد الاستنتاجات التي توصلوا إليها، هو أنَّ هذا النقل يستغرق الكثير من الوقت ويبدو معقداً للغاية. والمعروف بالتأكيد أنَّ البطالة بين صفوف الشباب تكون أدنى في الدول التي تمارس النظام المزدوج، إلا أنَّ إدخال هذا النظام لا يؤدي إلى تحسين البطالة بشكل مباشر. ويشير مؤلفو الدراسة إلى أنَّه «لا يُمكن الحسم بالأثر الايجابي إلا على المدى البعيد، ومع أنظمة ناضجة ومناهج مهنية يُنظر إليها بمجملها».
حلول حسب الطلب
للوصول إلى النتائج المرجوّة، ينبغي ترسيخ التدريب المزدوج في السياسة المُتَّبعة من قبل الحكومة المعنيّة، ولكن ذلك لا يكفي. حيث تُظهر الدراسة «أنَّ الممثلين الحكوميين ليسوا الشركاء الأمثل». فالانتقال الناجح يتمُّ عن طريق الجمعيات المهنيّة، والشركات الرائدة ومراكز التدريب المبتكرة. وبالتالي، يجب العمل على المستوى التشريعي لجعل الإطار القانوني أكثر دعماً للنظام المزدوج، مع تحسين الأداء في الممارسة العملية.
في نهاية المطاف، يعتمد نجاح المنهج الذي تمَّ اختياره على الظروف الأولية في البلد الشريك. فالمدارس المهنية الألبانية، على سبيل المثال، تؤمّن غالباً التدريب النظري والعملي، دون معرفة دقيقة لاحتياجات السوق. وبفضل دعم سويسرا لها، تمَّ إدخال أساليب تدريب مبتكرة ومناهج جديدة في المدارس. بالإضافة إلى ذلك، تلقى المعلمون تدريباً لمرافقة الخريجين الشباب بشكل فعال لدى دخولهم عالم العمل.
في دول غرب أفريقيا مثل بوركينا فاسو، الوضع مختلف تماماً. حيث تنتشر فيها أنظمة التدريب المهني التقليدية على نطاق واسع، ويحصل الشباب على تدريب شامل في المؤسسات، ولكن دون الحصول على شهادة رسمية في نهاية المطاف. لذلك يعتبر التعاون الانمائي، أنَّ القضية هنا هي عبارة عن إضفاء الطابع الرسمي على هذه الأنظمة وإضافتها إلى المناهج الدراسية.
ويعطي كل من هذين البلدين، بطريقته الخاصة، صورة عن إمكانيات نقل النظام المزدوج: فيُمكن دمج بعض المكونات، المبنيّة على التجربة السويسرية، مع الظروف المحلية. وبالتالي توجد حلول بقدر ما يوجد من قطاعات ومحاورين ودول شراكة.
نُشر هذا المقال أولا بالفرنسية في عدد شهر فبراير 2019 من مجلة "عالم واحد"رابط خارجي الصادرة عن الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون.
تقوم swissinfo.ch بنشر آراء حول مواضيع مختلفة، سواء حول قضايا سويسرية أو مواضيع لها تأثير على سويسرا. يرمي اختيار المقالات إلى تقديم آراء متنوعة بهدف إثراء النقاش حول القضايا المطروحة. تعبّر الأفكار الواردة في هذه المقالات عن آراء مؤلفيها فقط ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch.
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>