Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00884.jsonl.gz/37

بدأت منطقة القطب الشمالي تحظى أكثر فأكثر بتصاعد الاهتمام الدولي. إلا أن السباق إلى أقصى الشمال ينطوي على مخاطر، كما تشير آنا شتونزي، رئيسة مؤسسة "فورآوس" الفكرية المتخصصة في مجال السياسة الخارجية، التي تحدّثت لـ SWI swissinfo.ch عن كيفية مساهمة سويسرا في التنمية المستدامة والسلمية في القطب الشمالي.
يفقد الغطاء الجليدي في القطب الشمالي كل عام مساحة بحجم النمسا، مما يؤدي إلى استحداث طرق تجارية وإثارة رغبة الاستثمار لدى القوى الاقتصادية الكبرى.
في هذا السياق، وافقت إدارة ترامب على التنقيب عن النفط في منطقة طبيعية محمية في ألاسكا (على الرغم من حظر الامتيازات بموجب قرار مؤقت من قبل جو بايدن)، كما بدأت روسيا مؤخراً مشروع "فوستوك"، وهي الخطة الأكثر طموحاً حتى الآن لاستغلال بترول القطب الشمالي، بينما عززت كندا والنرويج وجودهما العسكري في المنطقة.
إن ما يحدث في القطب الشمالي هو محط اهتمام من قِبَل سويسرا أيضاً، التي قد يكون لها دور ريادي تلعبه في استقرار المنطقة. ونذكر هنا أن سويسرا أصبحت في عام 2017، عضواً بصفة مراقب في مجلس القطب الشماليرابط خارجي.
SWI swissinfo.ch: لماذا أصبح القطب الشمالي محط اهتمام العديد من البلدان والشركات متعددة الجنسيات؟
آنا شتونزي: منطقة القطب الشمالي ليست مجرد جبال من الجليد والصحراء القطبية؛ فهناك أربعة ملايين شخص يعيشون فوق الدائرة القطبية الشمالية. وتتمتع هذه المنطقة أيضاً بنظام بيئي غني جداً متميّز بالتنوع البيولوجي إلى حد كبير. كما تمتلك هذه المنطقة موارد وفيرة مثل النحاس والنيكل والزنك والماس. ويٌعتقد أن منطقة القطب الشمالي تحتوي على 22% من احتياطيات النفط العالمية و30% من احتياطاتها من الغاز.
لقد أصبحت منطقة القطب الشمالي منطقة ذات أهمية جيوسياسية ولم تستحوذ على اهتمام دول المنطقة فحسب - كندا والدنمارك والنرويج وروسيا والولايات المتحدة وفنلندا وأيسلندا والسويد - بل وعلى اهتمام قوى عظمى أخرى مثل الصين.
SWI swissinfo.ch: منطقة القطب الشمالي هي أحدى مناطق الكوكب الأكثر تضرراً من تداعيات الاحتباس الحراري، فالجليد آخذ في الذوبان كما أن وجود الدببة القطبية في هذه المنطقة مهدد. كيف ستؤثر التغيرات في القطب الشمالي على حياتنا؟
آنا شتونزي: تغير المناخ في القطب الشمالي لا يهدد السكان الأصليين والحيوانات فحسب، بل يهددنا جميعاً؛ فبما أن التربة الصقيعية القطبية الشمالية عبارة عن مخزن طبيعي ضخم للكربون، فعندما يذوب الجليد، تطلق هذه التربة الغازات الدفيئة التي تسرّع بدورها وتيرة الاحتباس الحراري.
فيما يتعلق بالاستكشاف واستخراج الموارد، كان هناك حتى الآن نهج تعاوني بين الدول. لكن الأنشطة العسكرية والتجارية المتزايدة في المنطقة قد تؤدي إلى تصعيد بين هذه الدول، مما سيكون له عواقب واسعة النطاق. نحن بحاجة إلى القيام بجهود من شأنها تلافي تحوّل القطب الشمالي إلى مسرح للمنافسات الجيوسياسية التي بدأنا نشهدها حاليّاً؛ على سبيل المثال، ما يحصل بين روسيا والغرب أو بين الولايات المتحدة والصين، ومن شأنها أيضاً المحافظة على هذه المنطقة كمنطقة سلمية يسودها التعاون بين الدول المعنية.
SWI swissinfo.ch: مع ذوبان الغطاء الجليدي يمكن أن يكون لدينا المزيد من الأراضي وموارد الطاقة كما يمكن أن يكون لدينا طرق تجارية مستحدثة. ألا يُعتبر كل ذلك أمراً إيجابياً؟
آنا شتونزي: منذ عام 1979، تقلص حجم الجليد في القطب الشمالي بنسبة 75%، وفي الصيف أصبح من الممكن الآن التنقل من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ دون الحاجة إلى كاسحة جليد. يتحدث البعض عما يُمكن اعتباره بمثابة "قناة السويس الجديدة" عبر القطب الشمالي. وبالإضافة إلى ذلك، يأمل السكان الأصليون، بأن يؤدي هذا التطور والاهتمام المتزايد بالمنطقة إلى خلق فرص عمل واستحداث أنشطة اقتصادية وإلى توسيع الطرق والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية والشبكات الكهربائية.
ولكن استحداث الطرق مع تيسير الوصول إلى هذه المنطقة هو أمر ينطوي أيضاً على مخاطر بالنسبة للمجتمعات الأصلية والنظم البيئية (إيكولوجية) التي تُعتبر اليوم هشّة. فقد يكون لزيادة عمليات الشحن في هذه المنطقة، أثر سلبي من حيث وقوع الحوادث وزيادة التلوث. ونظراً للظروف المناخية الصعبة هناك، فإن القيام بعمليات الإنقاذ أو تنظيف الانسكابات النفطية ليس بالأمر السهل. ويُظهر التسرب الأخير في نوريلسك، في سيبيريا، أن الحوادث الصناعية يمكن أن يكون لها آثار مدمرة على البيئة وسكان القطب الشمالي.
SWI swissinfo.ch: ولكن ما علاقة سويسرا بالقطب الشمالي؟
آنا شتونزي: ما يجمع سويسرا والقطب الشمالي أكثر بكثير مما نظن؛ فالاقتصاد المعولم جداً في سويسرا يعتمد على الطرق التجارية العالمية. قد تعتبر بعض مجموعات المصالح أن إمكانية الوصول إلى الموارد في هذه المنطقة تشكّل فرصاً يمكن لسويسرا، التي تعد مركزاً لتجارة المواد الخام، التقاطها.
إن العداء الجيوسياسي الحالي في القطب الشمالي يمثل تهديداً لأمن أوروبا وبالتالي لسويسرا أيضاً. كما أن مسائل حماية البيئة والأمن البشري هي من التحديات العالمية المشتركة.
نحن نعلم أن سويسرا تتأثر بالاحترار العالمي أكثر من البلدان الأخرى؛ فمنذ أن صادقت على اتفاقية باريس للمناخ ووقعت على أهداف التنمية المستدامة [أجندة 2030 للأمم المتحدة]، أصبحت متابعة ما يحدث في القطب الشمالي أمر يدخل في إطار مسؤولياتها. في عام 2017، أصبحت سويسرا عضواً في مجلس القطب الشماليرابط خارجي وذلك بصفة مراقب، ويرجع ذلك أساساً إلى خبرتها العلمية في مناطق جبال الألب والمناطق القطبية. وتوصف سويسرا أحياناً، بفضل هويتها القوية في جبال الألب، بأنها "القطب الشمالي العامودي". إنها الخبرة العلمية المشار إليها على مدى سنوات وهذا التاريخ الطويل في استكشاف الغلاف الجليدي.
SWI swissinfo.ch: كيف تساهم سويسرا في المناقشات والقرارات في مجلس القطب الشمالي؟
آنا شتونزي: إن نفوذ دولة ذات صفة مراقب هو نفوذ محدود إلى حد ما. لكن سويسرا تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الدول الأعضاء في مجلس القطب الشمالي ويمكنها إثارة قضايا مهمة على المستوى الثنائي. وهناك باحثون سويسريون يشاركون في ثلاث مجموعات عمل من أصل ستة تابعة للمجلس؛ على سبيل المثال، يشارك هؤلاء في حماية البيئة البحرية في القطب الشمالي وكذلك في التنمية المستدامة.
SWI swissinfo.ch: أي نوع من القطب الشمالي تودين رؤيته في المستقبل؟
آنا شتونزي: يجب أن تتم الأنشطة التجارية والتنمية الإقليمية في منطقة القطب الشمالي بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة والحاجة إلى إفادة السكان المحليين. القطب الشمالي يحتاج إلى أن يكون مرساة للاستقرار ومثالاً للحكم بروح التعاون والتعددية. ونظراً إلى أن ازدهار سويسرا وأمنها يعتمدان على عمل النظام الدولي، نحتاج إلى إنشاء آليات لحل الأزمات بالوسائل السلمية والحد من النشاط العسكري.
SWI swissinfo.ch: ما الذي يُمكن أن تفعله سويسرا بالفعل؟
آنا شتونزي: يمكنها العمل على مستويات مختلفة. في المقام الأول، ونظراً لخبرتنا في بيئات جبال الألب والجليد، يمكن أن تعزز إنشاء مجموعة عمل جديدة تركز على التنمية المستدامة للبنية التحتية في هذه المنطقة.
ثانيًا، يمكنها العمل باستخدام قناتين مؤسستين: داخل مجلس القطب الشمالي ومن خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وبوجود علاقات جيدة مع جميع الفرقاء في القطب الشمالي، يمكن أن تدعو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى إنشاء نظام أمني إقليمي، ولو أن السياق السياسي في الوقت الحالي لم ينضج بعد لمثل هذا التعاون من قِبَل الدول المعنية.
كما يمكن لسويسرا أيضاً أن تبذل مساعيها الحميدة لتسهيل الحل السلمي للنزاعات وتشجيع الحوار بين الحكومات والخبراء والمجتمع المدني. أما جنيف، كمركز للتعاون الدولي، فيمكن أن تنظم اجتماعات لإجراء حوار بنّاء حول السكان الأصليين، والحفاظ على التراث الثقافي وإدارة الموارد.
وأخيراً، في مجال الدبلوماسية العلمية، يمكن للحكومة السويسرية أن تروّج لإعلان مشترك حول تأثير تغير المناخ في القطب الشمالي.
بعد كل ما تقدّم، من المهم التأكيد على أن سويسرا لا تزال في طور "اكتشاف" القطب الشمالي. الهدف من رؤيتنا هو إجراء مناقشات على المدى المتوسط إلى المدى الطويل وجعل الأطراف المعنية أكثر وعياً بالخيارات المختلفة المتاحة بهذا الشأن.