Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00876.jsonl.gz/204

كان استقبال كتاب توماس بيكيتي الأخير "الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين"، في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، شاهداً على الانزعاج المتزايد إزاء اتساع فجوة التفاوت بين الناس. والواقع أن هذا الكتاب يضفي المزيد من الأهمية على الأدلة الساحقة بشأن الحصة المتزايدة الارتفاع من الدخل والثروة التي تذهب إلى أبناء الشريحة العليا.
جوزيف ستيغليتز (Joseph E. Stiglitz)، خبير اقتصادي أمريكي ، حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2001، يعمل حاليا أستاذا في جامعة كولومبيارابط خارجي بنيويورك. ترأس مجلس المستشارين الإقتصاديين للرئيس بيل كلينتون، كما تقلد منصب نائب أول للرئيس وكبير الخبراء الإقتصاديين في البنك الدولي. من آخر مؤلفاته، كتاب اشترك في تأليفه مع بروس غرينفالد بعنوان: "إنشاء مجتمع التّعلّم: مُقاربة جديدة للنمو والتنمية والتطور الإجتماعي".نهاية الإطار التوضيحي
وعلاوة على ذلك، يزودنا كتاب بيكيتي بمنظور جديد للسنوات الثلاثين التي أعقبت أزمة الكساد الأعظم والحرب العالمية الثانية، فيعرض لهذه الفترة باعتبارها شذوذاً تاريخيا، والذي ربما كان مرجعه إلى التماسك الإجتماعي غير العادي الذي قد تحفزه الأحداث المأساوية. وفي ذلك العصر من النمو الإقتصادي السريع، كان الرخاء مشتركاً على نطاق واسع، مع تقدم كل المجموعات والشرائح السكانية، ولكن مع حصول المنتمين إلى الشريحة الدنيا على النسبة الأكبر من المكاسب.
كما يسلط بيكيتي ضوءاً جديداً على "الإصلاحات" التي روج لها رونالد ريغان ومارغريت تاتشر في ثمانينيات القرن العشرين باعتبارها معززات للنمو يستفيد منها الجميع. وفي أعقاب إصلاحاتهما تباطؤ النمو وتزايدت حالة عدم الإستقرار على مستوى العالم، وذهبت أغلب ثمار النمو إلى الشريحة العليا.
ولكن كتاب بيكيتي يثير قضايا جوهرية تتعلق بالنظرية الإقتصادية ومستقبل الرأسمالية. وهو يُوثّـق زيادات ضخمة في نسبة الثروة إلى الناتج. ووفقاً للنظرية القياسية فإن مثل هذه الزيادات ترتبط بانخفاض في العائد على رأس المال وزيادة في الأجور. ولكن اليوم لا يبدو أن العائد على رأس المال قد تضاءل، وإن كانت الأجور قد تضاءلت (في الولايات المتحدة على سبيل المثال، كانت الأجور المتوسطة راكدة على مدى العقود الأربعة الماضية).
والتفسير الأكثر وضوحاً هو أن الزيادة في الثروة التي يمكن قياسها لا تتوافق مع الزيادة في رأس المال الإنتاجي ــ وتبدو البيانات متوافقة مع هذا التفسير. كان قسم كبير من الزيادة في الثروة نابعاً من الزيادة في قيمة الأملاك العقارية. فقبل اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، كانت الفقاعة العقارية واضحة في العديد من البلدان؛ وحتى الآن ربما لم يحدث "تصحيح" كامل. ومن الممكن أن يمثل الارتفاع في القيمة أيضاً المنافسة بين الأغنياء على الأملاك "ذات الموقع" ــ منزل على الشاطئ أو شقة تطل على الجادة الخامسة في مدينة نيويورك.
وفي بعض الأحيان ترجع الزيادة في الثروة المالية القابلة للقياس إلى ما يزيد قليلاً على تحول من الثروة "غير القابلة للقياس" إلى الثروة القابلة للقياس ــ وهي التحولات التي من الممكن أن تعكس في واقع الأمر تدهوراً في الأداء الإقتصادي العام. فإذا زادت القوة الإحتكارية، أو طورت شركات (مثل البنوك) طرقاً أفضل لاستغلال المستهلكين العاديين، فسوف يظهر هذا في هيئة أرباح أعلى، وفي هيئة زيادة في الثروة المالية إذا تم تحويله إلى رأسمال.
ولكن عندما يحدث هذا فإن الرفاهة الإجتماعية والكفاءة الإقتصادية تتراجع بطبيعة الحال، حتى مع ارتفاع الثروة الرسمية القابلة للقياس. ونحن ببساطة لا نأخذ بعين الإعتبار التضاؤل المقابل في قيمة رأس المال البشري ــ الثروة من العمال.
وعلاوة على ذلك، إذا نجحت البنوك في استخدام نفوذها السياسي لتعميم الخسائر اجتماعياً والإحتفاظ بقدر متزايد من مكاسبها غير المشروعة، فإن الثروة القابلة للقياس في القطاع المالي تزداد. ونحن لا نقيس التضاؤل المقابل في ثروة دافعي الضرائب. وعلى نحو مُماثل، إذا نجحت الشركات في إقناع الحكومة بالمبالغة في الدفع في مقابل منتجاتها (كما نجحت شركات الأدوية الكبرى في القيام بهذا)، أو إذا أتيحت لها الفرصة للوصول إلى الموارد العامة بأسعار أقل من أسعار السوق (كما نجحت شركات التعدين في القيام بهذا)، فإن الثروة المالية المُسجلة تزداد، ولو أن الإنخفاض في ثروة المواطنين العاديين لا يزداد.
وما كنا نراقبه ــ ركود الأجور واتساع فجوة التفاوت، حتى برغم زيادات الثروة ــ لا يعكس طريقة عمل اقتصاد السوق الطبيعي، بل ما أسمّيه "الرأسمالية المُصطنعة". وقد لا تكمُن المشكلة في الكيفية التي ينبغي للأسواق أن تعمل بها أو الكيفية التي تعمل بها بالفعل، بل تكمُن في نظامنا السياسي، الذي فشل في ضمان قدرة الأسواق على المنافسة، والذي صمّم قواعد تدعم الأسواق المشوهة حيث يُصبح بوسع الشركات والأثرياء استغلال كل من عداهم (ومن المؤسف أن هذا هو ما يفعلونه حقا).
السّؤال الرئيسي الذي يُواجهُنا اليوم لا يدور حقاً حول رأس المال في القرن الحادي والعشرين، بل الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين
جوزيف ستيغليتزنهاية الإقتباس
بطبيعة الحال، لا توجد الأسواق في فراغ. فلابد من وجود قواعد للعبة، وهي توضع من خلال العملية السياسية. والمستويات المرتفعة من التفاوت الإقتصادي في بلدان مثل الولايات المتحدة، وعلى نحو متزايد في البلدان التي اقتدت بنموذجها الإقتصادي، تؤدي إلى التفاوت السياسي. وفي مثل هذه الأنظمة، تصبح فرص التقدم الإقتصادي غير متكافئة أيضا، وهو ما يؤدي إلى تدني مستويات الحراك الإجتماعي.
وبالتالي فإن تنبؤ بيكيتي بمستويات أعلى من التفاوت بين الناس لا يعكس قوانين الإقتصاد المتصلبة. والواقع أن تغييرات بسيطة ــ بما في ذلك مكاسب رأس المال الأعلى، والضرائب على التركات، وزيادة الإنفاق على توسيع فرص الحصول على التعليم، وفرض قوانين مكافحة الإحتكار بصرامة، وإصلاحات حوكمة الشركات التي تقيد رواتب المديرين التنفيذيين، والتنظيمات المالية التي تحد من قدرة البنوك على استغلال بقية المجتمع ــ من شأنها أن تحد من اتساع فجوة التفاوت بين الناس وأن تزيد من تكافؤ الفرص بشكل ملحوظ.
إذا أحسنّا فرض قواعد اللعبة، فقد نتمكن حتى من استعادة النمو الإقتصادي السريع العادل التوزيع الذي ميّز مجتمعات الطبقة المتوسطة في منتصف القرن العشرين. والسؤال الرئيسي الذي يُواجهنا اليوم لا يدور حقاً حول رأس المال في القرن الحادي والعشرين، بل الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.
(سبق أن نُشر هذا المقال في موقع بروجيكت سينديكيترابط خارجي)
الأفكار الواردة في هذا المقال لا تعبر سوى عن آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch.
تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مختارة لخبراء، وصانعي قرار، ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والجدّة والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش العام.نهاية الإطار التوضيحي