Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00898.jsonl.gz/29

يتواصل توسيع الحي اليهودي في القسم العربي من مدينة القدس. وهو ما يرى فيه البعض عدم مساس بحظوظ اتفاق سلام محتمل، بينما يندد البعض الآخر بكونه محاولة لعزل الأحياء العربية. فيما يلي وجهتا نظر لشخصيتين سويسريتين حول موضوع لم يجد طريقه إلى الحل حتى الآن.
أثارت في شهر مارس الماضي من جديد مسألة تقاسم الأرض في مدينة مقدسة بالنسبة للأديان الثلاثة، توترات جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وشُوهد الحليف الأمريكي وهو يشرع في رفع صوته ضد الدولة العبرية. والسبب في ذلك هذه المرة: الإعلان عن تسليم تراخيص ببناء حوالي 1600 مبنى جديد في الحي اليهودي الأرتدوكسي رامات شلومو.
فرامات شلومو أو "مرتفعات سليمان"، لا تبعد إلا بثلاث كيلومترات (جويا) عن ساحة المسجد الأقصى (أو جيل المعبد من وجهة النظر الدينية اليهودية)، وهي عبارة عن مرتفع يطل على طريق يحيط بمدينة القدس، ويمر بالضبط فوق "الخط الأخضر" أي الحدود القديمة بين إسرائيل والأردن قبل حرب الستة أيام وقبل "إعادة توحيد" المدينة في عام 1967 من وجهة النظر الإسرائيلية.
إذ يرى الفريد دونات، رئيس لجنة مناهضة السامية في المؤتمر اليهودي الأوروبي، أن هذه المباني الجديدة "التي سوف لن يُشرع في تشييدها إلا بعد عامين أو ثلاثة "، "سوف لن تهدد في شيء حظوظ أتفاق سلام مستقبلي" بين الطرفين.
ويضيف الرئيس الأسبق للفدرالية السويسرية للطوائف الإسرائيلية شارحا "لقد حددت حتى مبادرة جنيف أن كل حي رامات شلومو، وحيين آخرين أو ثلاثة مثل تالبيوت وجيلو الواقعين الى الجنوب من المدينة، يجب أن يصبحوا تابعين لتراب إسرائيل بعد إبرام اتفاق سلام، مقابل استبدالهم بأراضي أخرى".
تعويضات منصفة
ويؤكد الدكتور باسكال دو كروزا، المتخصص في التاريخ والمتخرج من معهد جنيف للدراسات الدولية العليا، أن "كلا من مبادرة جنيف او مخطط كلينتون، وحتى رسالة الرئيس جورج بوش الموجهة إلى أرئيل شارون في منتصف عام 2000 كانت تتوقع إعادة الأحياء اليهودية الحالية لليهود والأحياء الفلسطينية للفلسطينيين".
ولكن هذا الخبير في قضايا الشرق الأوسط يشدد على أن "الأمر يتطلب تقديم بعض التنازلات الترابية. فإذا أقدمت إسرائيل على ضم نسبة معينة من الأراضي في الضفة الغربية، يتوجب عليها تقديم أراض في أماكن أخرى للفلسطينيين. ولكن هذا التعويض يجب أن يكون منصفا سواء فيما يتعلق بالمساحة أو بالجودة . أي ما معناه أنه لا يجوز التعويض بكثبان رملية في قطاع غزة مقابل أراض خصبة يتم ضمها في ضواحي مدينة القدس".
لكن المشكلة تكمن في أن المتحدثين يدركان جيدا، أن كلا من التحالف الحاكم في إسرائيل، أو حركة حماس من الجانب الفلسطيني، لا يعترفان بمبادرة جنيف، ولا بمخطط كلينتون، ولا بأي من السيناريوهات المقترحة منذ أكثر من نصف قرن بالنسبة لوضع مدينة القدس، التي تشكل حجر العثرة الرئيسي، الى جانب ملف عودة اللاجئين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
أمر واقع
وفي انتظار بلورة حل، تواصل إسرائيل عملية البناء، وليس في أي مكان. إذ يلاحظ باسكال دو كروزا أن "كل الهضاب الإسرائيلية الواقعة الى الغرب من المدينة أصبحت خالية في معظمها، وتم تحويلها في أغلب الأحيان الى غابات جديدة أو إلى حدائق طبيعية. وكون ذلك يمتد الى ما بعد حدود ما قبل حرب الستة أيام ليس بمحض الصدفة".
إنه تخطيط فرض الأمر الواقع، والذي يخضع لمتطلبات سياسية واضحة: فالفسيفساء السياسية التي تشكل التحالفات الحكومية (في إسرائيل) تتسم دوما بالهشاشة ولا يمكنها الاستغناء عن دعم القوى ذات النزعة القومية. وهذه القوى تمثل مدينة القدس بالنسبة لها، "وبحكم القانون الإلهي عاصمة الشعب اليهودي ولا يمكن تقاسمها".
ويلخص باسكال دو كروزا ذلك بقوله "إذا كانت هناك نية لدى الحكومة الإسرائيلية من أجل تقديم تنازلات في اتفاق سلام، فإنها مرغمة في نفس الوقت على تقديم ضمانات للمتطرفين القوميين. ومن الواضح بأنه في الوقت الراهن، إذا ما وُجد رئيس وزراء يتحدث عن إعادة بعض الأحياء في القدس للفلسطينيين، فإن ذلك سيعمل لا محالة على تفكك تحالفه الحكومي".
وفي ظل هذه المعطيات لا يمكن توقع أن يقوم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو بتشكيل تحالف حكومي بديل بمساعدة المعارضة يكون أكثر استعدادا لتقديم التنازلات من أجل التوصل الى اتفاق سلام.
منطق التطويق
وبالنظر عن قرب للوضع المتشابك الذي تمثله خارطة القدس الكبيرة، يتضح أن إقامة المستوطنات وتطوير الأحياء اليهودية سيكون من عواقبه العزل التدريجي لفلسطينيي القدس عن باقي الأراضي الفلسطينية .
ومن هذا المنطلق، إذا ما تم توسيع رامات شلومو نحو الشرق، سيعمل ذلك على عزل عدد من الأحياء العربية التي تمتد حتى رام الله. ففي الجنوب تم أصلا عزل الحي الفلسطيني سور باحو عن بيت لحم بواسطة الحي اليهودي حار حوما. ويعلق باسكال دو كروزا على ذلك قائلا: "في هذه الحالة ليس هناك أي لبس في الغاية الفعلية من إقامة حار هوما".
مدينة مقسمة
ويعتبر الخبير في علم التاريخ باسكال دو كروزا الذي كثيرا ما يتردد على مدينة القدس بأن "المدينة مقسمة أصلا في قلوب وعقول الناس وفي حياتهم اليومية"، ولكنه يرغب في البقاء متفائلا بخصوص حظوظ التوصل الى اتفاق حول ترسيم حدود "أقل تمزقا وأقل تداخلا".
وبنوع من الحسرة ينتهي دو كروزا إلى أنه "حتى لو كان ذلك لا يرضينا، فإن تحقيق نوع من الاستقرار قد يتم لو استطعنا في مرحلة أولية فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين. ومكنا كلا منهم من العيش في حرية وبكرامة وأمن على أراضيه. ولكننا لا زلنا بعيدين كل البعد عن توفر الإرادة القوية والإيمان الراسخ والاستعداد لتحمل المخاطر السياسية التي تسمح بتحقيق ذلك".
وبالنسبة لآلفريد دونات فإن "الحل المثالي يتمثل في توصل الطرفين الى سلام يسمح لكل منهما بالعيش جنبا الى جنب ومع ووسط الآخرين بدون أن يثير ذلك أية حساسيات"، لكنه يتوصل بدوره إلى استنتاج أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق حلم المدينة المنعدمة الحدود.
مارك أندري ميزري - swissinfo.ch
(نقله إلى العربية وعالجه: محمد شريف)
أسئلة مثيرة للحرج
لم يتم حسم الإطار القانوني النهائي لمدينة القدس منذ قيام دولة إسرائيل.
مايو 1948: بعد يوم من إعلان استقلال دولة إسرائيل، تعرضت إسرائيل لهجوم من جيرانها العرب. إنتهى الصراع بتقسيم مدينة القدس الى قسمين. تم بعدها وضع القسم الشرقي من القدس بما في ذلك المدينة القديمة و الأماكن المقدسة تحت الإشراف الأردني.
يونيو 1967: بعد نهاية حرب الستة أيام، استولى الإسرائيليون على المدينة القديمة ، وقاموا بتوسيع سلطة بلدية القدس الى الأراضي المحتلة، وتواصل غالبية المجموعة الدولية في اعتبار هذا الاحتلال على أنه غير شرعي.
سبتمبر 1993: بموجب اتفاقيات أوسلو، يعترف كل من الإسرائيليين والفلسطينيين بوجود بعضهما البعض(ولكن بدون الاعتراف بالسيادة على قسم هام من مدينة القدس الشرقية، وبالأخص على منطقة الأماكن المقدسة. وهو ما دفع ياسر عرفات الى الرفض وادى بالتالي الى انطلاق الانتفاضة الثانية.
يناير 2001 : تم في قمة طابا اعتبار مدينة القدس " مدينة مفتوحة" مع تمتع الجانب الفلسطيني بالسيادة على الأحياء العربية ، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الأحياء اليهودية. لكن المفاوضات تعثرت بسبب المناطق المتاخمة لساحة المسجد الأقصى أو جبل المعبد. وهو ما دفع ياسر عرفات الى الرفض مرة أخرى.
ابريل 2003: أجلت خارطة الطريق التي تشترك فيها كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ( شأنها في ذلك شأن اتفاقيات أوسلو قبل 10 سنوات ) البث في وضعية القدس الى مرحلة قادمة.
ديسمبر 2003: مبادرة ة جنيف التي هي عبارة عن حل بديل وغير رسمي مقترح من قبل مفاوضين سابقين في مفاوضات طابا، اقترحت تقاسم السيادة على مدينة القدس كعاصمة للدولتين يعود فيها كل ما هو يهودي الى إسرائيل وكل ما هو عربي وإسلامي ومسيحي للفلسطينيين.
أكتوبر 2007: اقترح نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون مخطط تقاسم لمدينة القدس كعاصمة للدولتين تتولى فيها إسرائيل السيادة على الأحياء اليهودية ويتولى الفلسطينيون السيادة على الأحياء العربية.