Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00926.jsonl.gz/44

أنتقد البعض تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن عملية "الدرع الواقي" الإسرائيلية الذي نُشر في الفاتح من أغسطس. لكن المفارقة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت، اعتمادا على هذا التقرير بالذات، قرارا يوم الاثنين طالبت فيه إسرائيل بالانسحاب الفوري من المدن الفلسطينية المحتلة.هذا المحتوى تم نشره يوم 06 أغسطس 2002 - 12:24 يوليو,
"تقرير إيجابي للغاية. وأنا أهنئ الأمين العام للأمم المتحدة وكذا من شارك في إعداده على تقريرهم الدقيق والشجاع، والذي جاء إثر استحالة إرسال فريق تقصي الحقائق إلى عين المكان"!
هكذا علق بهدوء السيد كورنيليو سوماروجا الرئيس السابق للجنة الدولية للصليب الأحمر على التقرير. وهو تعليق حري بإثارة علامات الاستفهام إن لم يكن الاستغراب.
فمنذ أصدر الأمين العام كوفي أنان تقريره عن الأحداث التي واكبت إعادة إسرائيل احتلال عددٍ من المدن الفلسطينية منذ بداية شهر مارس إلى السابع من مايو، مع تركيزٍ على ما حدث في مخيم جنين، وردود الأفعال توالت معبرة عن قدر من خيبة الأمل.
ماذا حدث في جنين؟
طرح السؤال السيد سوماروجا نفسه أثناء الحوار. وأجاب عليه في اللحظة ذاتها:"ما حدث في جنين كان نزاعا دوليا بين مجموعتين مسلحتين تختلفان في النوعية: بين جيش نظامي وجماعات مليشيات مسلحة، وهذا النزاع حدث في وسط المدينة في منطقة مزدحمة بالسكان".
"لماذا حدثت المواجهات في تلك المنطقة بالذات؟ اعتقد أن التقرير أظهر بوضوح وجود مواقع إستراتيجية (للذخيرة والسلاح) أراد الجانب الإسرائيلي تحطيمها. أنا مقتنع، وأنا واثق أن هذه هي نتيجة تقرير الأمين العام، أن عددا من الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني حدثت من قبل الجانبين، ولكن على وجه الأخص من قبل الجيش الإسرائيلي".
"وليس بوسعي أن أسمي هذه الانتهاكات جرائم حرب. حيث أعتقد أن هذا أمر يجب أن يتم الحكم عليه من قبل قضاة مختصين، ولكني أقول ببساطة إن مثل هذه الحوادث هي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني".
تفاصيل ...تفاصيل
لن تجد من سيقبل بما ورد في التقرير دون جدل أو نقاش. والدليل على ذلك الكيفية التي علق فيها الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني على التقرير. كلاهما قرأه كما أحب أن يقرأه.
الدولة العبرية اعتبرت أنه جاء داعما لموقفها الرافض لحدوث مذبحة في مخيم جنين، على حين وصفت السلطة الفلسطينية التقرير بأنه خطوة متقدمة خاصة وأنه ساند، على حد قناعتها، ما أكدته من ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب.
وكلاهما أختار أن يتجاهل التفاصيل. إذ أن ما يلفت بحق في التقرير هو إغراقه في التفاصيل: تفاصيل الظروف التي أدت إلى شن إسرائيل لعملية الدرع الواقي، تفاصيل الخطوات والإجراءات القمعية التي اتخذتها إسرائيل أثناء هجومها العسكري، تفاصيل الانتهاكات التي ارتكبتها إٍسرائيل في جنين وغيرها من المدن الفلسطينية، تفاصيل تبريرات الدولة العبرية لما سبق، وتفاصيل أفعال المليشيات المسلحة الفلسطينية التي عرضت السكان المدنيين إلى الخطر لا سيما ما يتعلق بتحركهم ضمن مناطق سكانية مكتظة.
وضمن ذلك السيل المتدفق من المعلومات انتقدت الأمم المتحدة إسرائيل انتقادا قوياً وإن كان مغلفاً بالكياسة، رغم أنها لم تشر من قريب أو بعيد إلى كلمة "جرائم حرب".
تقييم إيجابي.. رغم النقد!
ربما لذلك، كان تقييم السيد سوماروجا إيجابيا. بل أنه دافع عن التقرير إلى حد القول "إن النتائج التي توصل إليها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لم تكن مغايرة أو مختلفة عن ما ورد في تقريري منظمة مرصد مراقبة حقوق الإنسان (هيومان واتش) ومنظمة العفو الدولية عن أحداث جنين".
يبدو ذلك التصريح غريباً لاسيما وأن منظمة مرصد مراقبة حقوق الإنسان (هيومان واتش) أصدرت بيانا صحفيا بعد يوم واحد من نشر التقرير الأممي اعتبرت فيه الأخير "مليئا بالعيوب".
انتقدت هيومان واتش التقرير لأنه لم يتوصل إلى استنتاجات وخلاصات عامة بشأن ما أورده من ادعاءات، ولأنه أشار بصورة مقيدة إلى التزامات الجانبين تجاه القانون الدولي، كما لم يحدد نتائج واضحة عن معنى انتهاك ذلك القانون، ولم يثير موضوع محاسبة من اقترف تلك لانتهاكات الخطيرة التي وصل بعضها، على حد قولها، إلى حد جرائم الحرب.
لكن، لعل استخلاص النتائج لم يكن الهدف الذي أراده الأمين العام للأمم المتحدة. بل من الواضح أنه ترك تلك المهمة عامداً إلى الجمعية العامة، التي كلفته بإعداد التقرير إثر رفض إسرائيل استقبال بعثة أممية لتقصي الحقائق فيما حدث في مخيم جنين.
ولم يخب ظنه. فإثر مناقشة الجمعية للتقرير يوم أمس أصدرت قرارا طالبت إسرائيل فيه ( بإجماع 114 دولة واعتراض 4 دول منها الولايات المتحدة وإسرائيل وامتناع 11 دولة عن التصويت) بالانسحاب الفوري من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد يفسر هذا إلى حد بعيد تركيز التقرير المضني على التفاصيل. هو لم يسمِ تلك التفاصيل ولم يصفها بمصطلحاتها. لكنه بمجرد تعدادها، بصورة تكاد تكون مملة، أبرز بصورة جلية حجم الانتهاكات التي أقدم عليها الجيش الإسرائيلي. ولذلك فإن العبرة ليست فقط فيما كتب، بل فيما قاله التقرير بين السطور.
إلهام مانع
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة