Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00872.jsonl.gz/47

مِن المُتعاطفين مع النازية إلى مشرف على تسيير دار للبغاء، وصولاً إلى لاجئة سياسية وإمرأة شابة كانت تبحث لنفسها عن كيان مُستقل. هذه ليست سوى نماذج قليلة من الشخصيات التي يُمكن العثور عليها في الأرشيف الخاص بملفات شرطة الهجرة لكانتون بازل المدينة. ولا شك أن هذه القصص التي تعود إلى عدة عقود خَلَت، تكشف الكثير عن تاريخ الأشخاص الذين إتخذوا من المدينة الشمالية السويسرية الواقعة على نهر الراين مُستقراً لهم.
يَضُم الأرشيف الحكومي لكانتون بازل المدينةرابط خارجي قُرابة 500,000 ملف للهجرة، تعود جميعها إلى القرن الماضي. ومع احتلالها لمساحة تزيد عن الكيلومتر فوق الرفوف، تشكل هذه الملفات المجموعة الأكبر من نوعها في سويسرا. وهي دليل على ما شَهِدَه الكانتون المجاور لفرنسا وألمانيا، من عبور الكثير من الأشخاص لحدوده ذهاباً وإياباً.
البعض من هذه الملفاترابط خارجي التاريخية تَظهر في عَرضٍ في فناء الأرشيفرابط خارجي، كجزءٍ من سلسلة معارض ‘بازل المغناطيسرابط خارجي’، التي تُسلِّط الضوء على حركة الهجرة إلى هذه المنطقة. مع ذلك، لا يتضمن المعرض أي إدخالات في السنوات التالية لعام 1974 لأسباب تتعلق بحماية البيانات.
"نحن نُدرك أن هذه الملفات تحتوي أكثر بكثير من مُجرَّد أسماء وأرقام، فهي تروي قصص حياة كاملة"، كما تقول مديرة الأرشيف أستَر باور.
متعاطفون مع النازية
لنأخذ حالة الزوجين ليبّرابط خارجي على سبيل المثال. فكما تُطلعنا قصة معروضة على شكل رسوم مُتحركة، كان كارل ألمانياً، بينما كانت ماريا نمساوية. وكان الزوجان قد عاشا في بازل لفترة طويلة، لكنهما كانا مُتعاطفين مع النازية، حيث كان كارل يَجمع الأموال لصالح قضية أدولف هتلر.
وعندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في يونيو 1945، وشى به زملاؤه إلى السلطات. ورغم إنكار كارل لكل شيء، لكن جيران الزوجين ليبّ رسموا صورة مُغايرة عنهما عندما سألتهم الشرطة. وهكذا وفي شهر أغسطس من نفس العام، طلبت السلطات السويسرية منهما مُغادرة البلاد.
"كان المتعاطفون مع النازية يُطرَدون بطريقة صارمة بعض الشيء، فهذه كانت سياسة ‘التنظيف من النازية’ السائدة في ذلك الوقت".
ولم تُجدِ محاولة كارل وماريا الطعن في هذا القرار، وأرغِمَ الزوجان على مُغادرة بازل في العام التالي. مع ذلك ظل كارل يحلم بسويسرا، ويعود إلى بازل سراً. وقد أسفرت محاولاته عن إلقاء القبض عليه مرتين، أمضى بعدها فترة قصيرة في السجن.
اللاجئة السياسية
حالة فاندا كوفاس [التي تم تغيير اسمها لأسباب تتعلق بحماية البيانات] لا يُمكن أن تكون أكثر اختلافاً عن الحالة آنفة الذكر. فقد هَرَبَت هذه السيدة المَجَرية من بلدها أثناء الحقبة الشيوعية، ووصلت إلى سويسرا في عام 1956.
"كان هؤلاء لاجئين يفرون من بلدٍ شيوعي، في وقتٍ كانت فيه الشيوعية في ذروتها. وقد إستُقبِل الأشخاص الفارين من تلك الدول بسبب مُعارضتهم للأنظمة الحاكمة بأذرُع مفتوحة"، كما توضح باور.
وقد إستُضيفت كوفاس من قبل عائلة من بازل وتم تسجيلها لدى شرطة الهجرة، الذين كانوا يعاملونها بمودة. كما عَثَرت لاعبة كرة الطاولة الموهوبة على عملٍ كمُساعدة مُختبر في شركة ساندوز [لصناعة الأدوية والمواد الكيمياوية]. وفي وقت لاحق، تزوجت من رجل سويسري وانتقلت إلى الولايات المتحدة برفقته.
صاحب دار البغاء
على الجانب الآخر، كان أشخاص آخرون يُعاملون بنوع من التسامح أو التغاضي أحياناً، كما حدث مع الإسباني كارلوس رييس الذي وصل إلى بازل مع زوجته مارغريتا، في عام 1932. ووفقاً لـ باور، أنشأ الإثنان ما أسمته بـ "النشاط التجاري الكبير نسبياً في مجال البغاء".
"تُظهِر هذه الحالة كيفية استفادة شخص مَشكوك بأمره إلى حدٍ ما مِن عَدَم اهتمام السلطات، أو التساهل معه أكثر مما يحدث مع حالات أخرى".
بحلول عام 1934، كان رييس يدير فندق ‘سونّه’ (الشمس) في بازل. لكن أحد الزبائن الذي كان يرتاد الفندق، والذي أصيب بمرضٍ ينتقل عن طريق الإتصال الجنسي من إحدى العاملات هناك، قدَّم بلاغاً ضد مالك دار البغاء لدى حكومة الكانتون، تساءَل فيه عن السبب في "السماح للأجانب بتشغيل دور للبغاء". في أعقاب ذلك، داهمت الشرطة الفندق واكتشفت وجود ما أسمته بـ "المخالفات".
من جانبه، غَيَّر رييس مَقَرَّ عمله وقام بشراء فندق في إسبانيا. لكن محاولته الحصول على الجنسية السويسرية في عام 1955 قوبلت بالرفض من قبل سلطات بازل، نظراً لأن التحقيقات التي أجريت حوله صُنِّفَت بكونها "غير مؤاتية".
وكما يكشف ملفه، كانت آخر تعاملات الإسباني مع سلطات بازل تتعلق بوثائق للحصول على ترخيصٍ لتَمَلُّك عقار في كانتون فالي.
قصة الخادمة
على العكس من ذلك، كان على الخادمة الألمانية آنا كونرابط خارجي، التي وصلت إلى بازل في عام 1925، أن تكافح من أجل الحصول على حقوقها. وكما كان شائعاً في ذلك الوقت، عملت آنا كمُدبِرة منزل لدى إحدى الأسر في بازل. وكانت آنا معروفة لدى السلطات التي عَيَّنَت مُخبراً لمراقبتها لأنها كانت تعمل أحياناً في محل البقالة الذي تملكه الأسرة، وهو ما لَم يكن مَسمُوحاً لها بحسب تصريح العمل الذي كانت تحمله. وهكذا لم يُسمح لها بالإقامة بشكل دائم في بازل.
فيما بعد، خُطِبًت آنا لرجل سويسري، كانت شقيقتة تريد منها إدارة مَتجر لبيع البيض. لكن السلطات المَعنية رفضت الطلب الذي تقدَّمت به لتغيير وظيفتها. ورغم استئناف آنا وحماتها المُستقبلية لهذا القرار، إلا أنهن خَسِرنَ القضية، وظلت شرطة الهجرة ومكتب العمل على حد السواء يمنعان آنا من العمل حتى تزوجت.
في أغسطس 1930 تزوجت كون، وأصبحت مواطنة سويسرية وبدأت بتشغيل متجرها لبيع البيض في مركز المدينة.
وكما تقول باور، تمثل هذه حالة كلاسيكية لامرأة شابة أرادت تقرير مصيرها بنفسها، ولم تتصرف وفق ما كان يُعتَبَر مقبولاً في ذلك الوقت، الأمر الذي أدى إلى التحقيق معها.
"كانت إحدى المخاوف السائدة بين شرطة الهجرة والسكان هي الزيجات الصورية، وهو اتهام كثيراً ما كان يُوَجَّه بشكل مُتسارِع. وظلَّ الحال على هذا النحو حتى سبعينيات وثمانينيات القرن المُنقضي. "لكن هذه المُمارسة لم تَكنْ أبداً بذاك النطاق الواسع الذي كان يظنه الناس"، كما تضيف باور.
وكما تقول مديرة السجلات، لم يَكُن من السَهل إختيار حالات الهجرة المعروضة من بين هذا الكَم الكبير من الملفات. لكنها عَبَّرت عن إرتياحها للإختيار النهائي، الذي يُحاول عَكس موجات الهجرة المُختلفة إلى بازل ومدى تنوع الأشخاص المَعنيين بها.
وبالنسبة لباور، فإن الأمر يتعلق ببساطة بـ "جَعل أشخاص لم يكونوا مَرئيين على الإطلاق في السابق ظاهرين للعيان اليوم".
معرض "بازل - المغناطيس"
يُقام معرض "بازل المغناطيس" - الهجرة في زاوية الدول الثلاثة (في إشارة إلى نقطة التقاء سويسرا وألمانيا وفرنسا) حتى 1 أكتوبر 2017.
يتألف المعرض من خمسة مواقع: ثلاثة في بازل، وواحد في مدينة ليستال (عاصمة كانتون ريف بازل)، بالإضافة إلى موقعٍ في مدينة لورّاخ جنوب غرب ألمانيا. وتتضمن موضوعات المعرض حياة الخادمات الألمانيات، والهجرة من إيطاليا والمهاجرون في العصر الحديث.
بوسع زوار معرض أرشيف بازل المدينة أيضاً الإطلاع على مجموعة مُختارة من ملفات المهاجرين الجُدُد إلى بازل، من ضمنها مِلَف شخص غامبي جاءَ إلى سويسرا بشكل غير قانوني في عام 2015 ولا يَتَوَقَّع الحصول على تصريح إقامة، ومِلَف رجل كردى تم الإعتراف به كلاجئ سياسى، وهو يدرس الآن، وسيدة برازيلية جاءت على عكس العُرف السائد للعمل فى شركة نوفارتيس، وتسعى للحصول على حق المواطَنة لها ولأسرتها.
اليوم، يُقارب عدد الأجانب الذين يعيشون في كانتون بازل المدينة نسبة 35% من إجمالي عدد السكان. وفي عام 2015، كانت البلدان الخمسة الرئيسية التي توافد منها المهاجرونرابط خارجي هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والهند.