Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00922.jsonl.gz/72

بعد أن أغلق أبوابه نهائياً ليَدخُل في سُباتٍ عميقٍ منذ خمسة عشر عاماً، استقبَلَنا فندق "غراند أوتيل" الفَخم في لوكارنو لفترة وجيزة، لكي يأخذنا في رحلة قصيرة عِبر الزَمن إلى بدايات مهرجان لوكارنو السينمائي، بتوجيه من فريديريك مير، المدير الحالي لخزينة الأفلام السويسرية، والمدير الفني السابق لهذه التظاهرة الثقافية العريقة.هذا المحتوى تم نشره يوم 02 أغسطس 2021 - 08:09 يوليو,
افتُتح فندق "غراند أوتيل"، كما كان يُسمّى، في عام 1876، واستضاف المفاوضات الخاصة بمعاهدات لوكارنو في عام 1925، والتي أسفرت لاحقاً عن اتفاقية كان من المُفتَرَض أن تَضمن السلام في أوروبا الغربية بعد صَدمة الحرب العالمية الأولى.
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تم التخطيط لإقامة مهرجان سينمائي جديد في الجزُء المُتحدث بالإيطالية من سويسرا لمواجهة تَوَجُه مهرجان البندقية السينمائي الدولي [الذي تأسس في عام 1932]، والذي كان يُعتقد أن خلفيته وثيقة الصلة بنظام موسوليني الفاشي.
مع ذلك، كان للصدفة دروها في اختيار مدينة لوكارنو كموطنٍ لمهرجان الأفلام الجديد. ففي نُسخته الأولى، التي انطلقت في عام 1945، أقيم المهرجان في لوغانو، أكبر مدينة في الجُزء المُتَحَدِّث بالإيطالية في سويسرا.
وعند الاستعداد لتنظيم نُسخته الثانية، كان لا بُد من قَطْع بعض الأشجار في الموقع الرئيسي لتركيب الشاشة، الأمر الذي رَفَضه سكان المدينة بطريقة ديمقراطية من خلال استفتاء شعبي. بالتالي، انتقلت الشاشة إلى حديقة فندق "غراند أوتيل" في لوكارنو. وهناك، كان بالإمكان إعادة تصميم الشاشة بالشكل الذي يتلاءَم مع أغراضها السينمائية الجديدة، لأنها كانت تقف على ملكية خاصة.
الأوقات المجيدة
في ذلك الوقت، كانت حديقة فندق "غراند أوتيل" تتسع لجلوس 1200 مُتفرج، وكانت الكراسي الحمراء المُخصصة لكبار الشخصيات - والتي تُعتبر الأماكن الأفضل - تقع في المُقدمة بالقرب من الشاشة.
في عام 1971، نُقِلَت العروض المسائية إلى ساحة "بياتزا غراندي" الكبيرة في قلب مدينة لوكارنو. لكن هذا لم يؤثر على مكانة الفندق، الذي ظل مركز الالتقاء الرئيسي للمهرجان حيث يجتمع عُشاق السينما من جميع الأعمار والآفاق.
أثناء النهار، كان المكان يَعُجُّ بالنشاط. وكما هو الحال في أسطح السفينة المختلفة، كانت طوابق الفندق تعكس مستويات هرمية مختلفة؛ مع تخصيص الطابق العلوي للضيوف ومُمثلي الصناعة - الذين كان بعضهم من المشاهير أحياناً، والطابق الأوسط للمؤتمرات الصحفية والمناسبات المهنية أخرى، بينما كان الطابق الأرضي بحديقته ومحلاته التجارية وشرفته، بمثابة نقطة التجمع الطبيعية للمهرجان، حيث يختلط النجوم والسكان المحليون في حشدٍ واحد بهيج.
كان حمام السباحة هو نقطة الجذَب الأخرى، التي كانت الحفلات حوله تستمر حتى وقت متأخر من الليل، بعد انتهاء آخر عرض سينمائي في المساء. وبين الحين والآخر، كان محيط بركة السباحة يشكل مكاناً ملائماً لأجراء المقابلات، كما حدث عندما أجرى الصحفي الإذاعي الشاب آنذاك فريديريك مير، الذي يدير أرشيف السينما السويسرية (Cinémathèque Suisse) اليوم، مقابلة مع المخرج والمؤلف جان روش بينما كان يحاول الاستمتاع بالمياه المنعشة .
السقوط من العلياء
في عام 2005، أُغلِقَ فندق "غراند أوتيل" أبوابه للأبد. وكما تَبَيَّن، كان العثور على مكانٍ آخر يمكن أن يرقى إلى مستوى سحر هذا المكان ومكانته وعظمته يشكل تحدياً كبيراً.
حتى يومنا هذا، لم يكن بالإمكان تكرار هذا المزيج الفريد من الأشخاص والأجناس والجو العام الذي ساد حينذاك - على الرغم من توفير ساحة "بياتزا غراندي" (Piazza Grande) مزاجاً متقارباً من التأمل المعماري.
كانت الأروقة المحيطة بمدخل الفندق، المُزَيَّنة بصور مُبهرة لوجوه معروفة تشكل خلفية مهيبة. واليوم، أصبح المدخل الرئيسي للمبنى الذي تم إغلاقه بسور، والذي استقبل في يومٍ ما كبار المشاهير من أمثال مارلين ديتريش، أو جوزيف فون شتيرنبرغ، محاطاً بمطعم ماكدونالدز على اليسار وبمتجر للملابس على اليمين.
على مَر السنين، وبين عروض الشراء المرفوضة وخطط التجديد التي لم تر النور أبداً، ظل فندق "غراند أوتيل" قائماً. لكنه تحول مع حديقته المهجورة، وشرفتة المُغطاة بالطحالب، إلى ملعب مُحبب للقطط المحلية.
مستقبل مجهول
وفقاً لتقديرات بنك "كريدي سويس" الأخيرة، فإن الكلفة اللازمة لتجديد الفندق وإعادة تشغيله تتراوح بين 80 و100 مليون فرنك سويسري (81,5 و 102 مليون دولار).
ورغم أن المبنى لم يُدرَج كموقع تاريخيرابط خارجي، إلّا أن بعض العناصر الموجودة بداخله مازالت مُحتفظة بقيمة معينة. وكانت قطع الأثاث الموجودة في الفندق قد بيعَت في مزاد علني قبل بضع سنوات، ووجد معظمها مكاناً جديداً في منازل المنطقة، باستثناء ثريا عملاقة مُعلقة في بيت الدرج مصنوعة من زجاج "مورانو" الشهير. وحيث تشكل هذه الثريا جزءاً من مجموعة أكبر من الثريات الأخرى - الأصغر حجماً بكثير - فإن بيعها بمفردها غير ممكن. وبالنظر إلى حَجمها - حيث تعُتبَرَ الأكبر من نوعها في أوروبا منذ وقت طويل - فان من غير المتوقع أن تغادر قاعة "غراند أوايل" في وقت قريب.
من النادر أن يحظى أحد بفرصةٍ لإلقاء نظرة خَلف نوافذ الفندق المُغطاة بألواح خشبية في هذه الأيام، على الرغم من المحاولات المُتكررة لإعادة فتح أبوابه خلال أيام المهرجان. كما لا تتوفر فُرصة الاستمتاع بالتصميم الداخلي للمبنى الذي كان مَهيباً ذات يوم، إلّا لفئة محدودة فقط من الاشخاص بين الفينة والأخرى، عندما يتم تنظيم مؤتمر صحفي استثنائي، أو لتصوير أحد الأفلام.
ومع استقطابه للفضوليين بشكل مُتَكَرِّر، لا يزال "غراند أوتيل" مكاناً ساحراً بالنسبة لهواة الاستكشاف الحضري للأماكن المهجورة (urbexرابط خارجي) ومصدراً لإلهام الفنانين على حدٍ سواء. وكان الفندق هو موضوع فيلم قصير يحمل عنوان "Grand Hotel" من إخراج جوليو بيتينو، أحد المشاركين في أكاديمية نُقّاد مهرجان لوكارنو السينمائي لعام 2019.
في الوقت الحالي، لا تزال واجهة "غراند أوتيل" المُتداعية - الذكرى الحية الوحيدة للمهرجان - مُنتصِبة بشموخ، مُتجاهلة صَخب المدينة الذي يُدَوي على بعد عشرات الأمتار.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة