Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00873.jsonl.gz/81

"الأمريكيون منقسمون إلى أمتين متحاربتين على الأصعدة الأيديولوجية، والجغرافية، والروحية، وحتى الديموغرافية. وأيا كان الفائز في الانتخابات، سيكون عليه مواجهة نصف أمة غاضب وحانق عليه".هذا المحتوى تم نشره يوم 02 نوفمبر 2004 - 09:10 يوليو,
هذا تحدث جون زغبي، أهم محللي استطلاعات الرأي الامريكيين قبل ساعات من بدء الانتخابات الرئاسية الساخنة.
لم يكتف زغبي برسم هذه اللوحة التوصيفية الداكنة، بل أرفقها بخلاصة أكثر خطورة: بات خروج الولايات المتحدة من هذا الانقسام الكبير يتطلّـب لا أقل من بروز شخصية تاريخية كبيرة كتوماس جيفرسن.
لكن، هل يمكن حقا أن يكون جون كيري أو جورج بوش جيفرسن جديد؟ وكيف وصلت هذه الأمة التي خرجت منتصرة لتوّها من أعظم انتصار في الحرب العالمية الثالثة (الباردة)، إلى مثل هذه المرحلة الدقيقة؟
الإجابة على السؤال الأول تبدو سهلة على عكس الثاني. فجورج بوش وصل أصلا إلى البيت الأبيض عام 2000 استنادا إلى هذه الانقسام الكبير بالذات، وهو عجز عن تثبيت وحدة الأمة، حتى بعد أن التفّـت كلها حوله إثر أحداث 11 سبتمبر 2001، بسبب انتماءاته اليمينية الدينية المتطرفة.
أما جون كيري، فقد حاول حتى قبل بدء الانتخابات، أن يقدّم نفسه على أنه جيفرسن الثاني، وهذا بدا واضحاً في المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي في بوسطن، الذي رُفعت في كل ردهاته شعار "إعادة توحيد أمريكا".
بيد أن هذا الشعار لم يكن أكثر من ذلك، أي مجرد شعار، إذ أشارت استطلاعات الرأي بعد المؤتمر إلى أن الأمور تفاقمت بدل من أن تتحسن، وأن الأمريكيين ما زالوا موزعي الولاءات بشكل حاد بين معسكرين إيديولوجيين - اجتماعيين كبيرين: الليبرالية والمحافظة.
وتحت هذه اليافطة العامة، (التي دفعت "نيويورك تايمز" إلى القول أن "أمريكا تبدو هذه الأيام وكأنها عالمان يتصادمان")، اندرجت جملة واسعة من التناقضات الثنائية الأخرى: العلمانية والدينية؛ التعددية العرقية المنفتحة والقومية المنغلقة؛ الحريات المدنية على أشكالها، والقيود الوطنية الأمنية على أشكالها".
وأخيرا، هناك بالطبع التناقض، شكليا على الأقل، بين حزب "السوبّر" أغنياء الجمهوري، وبين حزب الطبقة الوسطى الديمقراطي.
الأحمر والأزرق
برزت هذه الانقسامات بشكل فاقع منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الشيوعية عام 1989. ثم ما لبثت أن تفاقمت، إلى درجة بات الحديث معها عن أمريكتين لا أميركا واحدة، هو الموضة بين المفكرين، وهو القاعدة بين السياسيين في الولايات المتحدة.
أسباب هذه الانشطار الذي قسم البلاد إلى أمريكا زرقاء ديموقراطية، وأمريكا حمراء جمهورية، تبدو عديدة:
- غياب العدو المشترك الذي كان يُـثير خوفا مشتركا (الشيوعية).
- انفلات الشركات الكبرى الأمريكية من عقالها والزيادة الانفجارية في قدراتها الاحتكارية.
- صعود ظاهرة الأصولية المسيحية التبشيرية، وبدء تحوّلها إلى القاعدة السياسية الرئيسية للحزب الجمهوري.
- التوترات الكبرى التي باتت تخلقها العولمة مع اندفاع الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات إلى تصدير الأعمال والوظائف إلى الخارج، خاصة إلى الهند وآسيا.
كل هذه العوامل لعبت دوراً في "انفصام الشخصية" الأمريكية الراهن، بيد أن العامل الأول والأهم يبقى أزمة الهوية الطاحنة التي تعاينها أمريكا راهنا.
فهناك في جانب "شخصية أمريكية" متمسكة بالليبرالية وما يتفرع عنها من حقوق إنسان وتعددية ثقافية وعرقية، فيما بات يُـطلق عليها تعبير "ما بعد الحداثة"، وهناك في الجانب الآخر شخصية أمريكية أخرى، ترفع رايات الله والقومية و"تسعى لنُـصرة الخير على الشر" (وفق اللاهوت المسيحي) بالقوة.
لخّـص هذه الأزمة بشكل مُـذهل صموئيل هانتينغتن في كتابه الأخير "من نحن"؟ حين حذّر من أن "أسس القومية الأمريكية التي كانت وراء تأسيس الولايات المتحدة نفسها على وشك أن تنهار"، داعيا إلى إحياء الهوية الأمريكية المستندة إلى القيم الدينية – القومية البروتستانتية البيضاء.
وقد كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة عن أن الولايات الأمريكية تلبّـست بالفعل إحدى هاتين الشخصيتين بـ "العدل والقسطاس".
فالغالبية الكاسحة من الناخبين في "الولايات الحمراء" (المؤيدة للجمهوريين) تميل لقناعة هانتينغتن، وتعتبر أن الله "يقف معها لمعاقبة الأشرار"، في حين أن غالبية الناخبين في "الولايات الزرقاء" (المؤيدة للديمقراطيين) تطل على الله بصفته قوة الحب والتسامح المؤيدة للقيم الليبرالية – الديمقراطية وللتعددية الثقافية والعرقية.
يتم هذا التشظي الأيديولوجي الخطير على أرضية تطورات اجتماعية - طبقية لا تقل خطورة، يتبخر خلالها تيار الوسط الذي لعب على الدوام في التاريخ الامريكي الدور الرئيسي في إيجاد القواسم المشتركة بين الأمريكيين.
وأسباب هذا التبخر غير خافية: انتقال الرأسمالية الأمريكية من مرحلة السيطرة على الاقتصاد إلى مرحلة الهيمنة على الاقتصاد والسياسة معا، وبالطبع على كل أدوات السلطة الإعلامية والفكرية، وتحرّكها نحو التفلت من قيود الضمانات الاجتماعية التي فُـرضت عليها بعد كساد عام 1929، وإبان الحرب الباردة مع الشيوعية.
وتركت هذه النقلة بصماتها الواضحة على صدر الحزب الديمقراطي الذي يفترض أنه حزب الطبقة الوسطى الدنيا والطبقة العاملة بياقاتها الزرقاء والبيضاء معا، والذي يخوض "صراعا طبقيا" دائما مع الحزب الجمهوري الداعم للطبقة العليا الرأسمالية.
بيد أن هذا المفترض كان من أحاديث الأمس. أما حكايات اليوم، فتقول إن الحزب الديمقراطي لم يعد يستطيع الادّعاء حقا أنه يدافع عن الفقراء في وجه الأغنياء، ولا أنه سيعمل على تخفيض الضرائب عن عاتق ذوي الدخل المحدود ليضعها بدلا من ذلك على أكتاف ذوي الدخل اللامحدود.
لم تعد "الثورة الرأسمالية" التي حدثت بعد انهيار الشيوعية، والتي أطلقت وحش الجشع من عقاله، قادرة على التعايش مع التيارات الديمقراطية التي تدعو إلى العدل الإنساني والاعتدال الاجتماعي في العملية الاقتصادية. فمن ليس مع الرأسمالية المتوحشة الآن فهو ضدها.
وبالطبع، جون كيري الرأسمالي الذي يمتلك مئات ملايين الدولارات، لا يستطيع أن يكون "لا رأسماليا" أو أن يضع نفسه في مواجهة العدد الصغير من الشركات الكبيرة التي تدير الصرح الاقتصادي الأمريكي – العالمي.
الخوف
ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني ببساطة، أن الانتخابات الأمريكية الحاسمة التي ستجري خلال ساعات، لن تحسم شيئا. فالأمة الأمريكية بعد الانتخابات ستبقى منقسمة كما كانت قبلها، وإن كان فوز بوش سيجعل مثل هذا الانقسام أكثر مرارة بسبب رفضه شعارات التسامح والوفاق التي يرفعها خصمه كيري.
لقد قال بوب باو، الرئيس السابق للحزب الديمقراطي في فلوريدا، أمس: "أنا قلق الآن على مستقبل أمريكا، لا على حاضرها ولا ماضيها، وأخشى التحديات الكبار التي تنتظر الرئيس الجديد. سيكون من الصعب للغاية كسر الطريق المسدود الراهن، لأنه يستند إلى انقسام ثقافي كبير".
انقسام ثقافي كبير؟ أليس هذا أيضا ما حذّر منه جون زغبي حين تحدث عن تشظي الأمة الأمريكية إلى أمتين.. متحاربتين؟
سعد محيو - بيروت
تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: <email-pii>