Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00862.jsonl.gz/63

عندما تفصل مسافات جغرافية بعيدة بين الآباء والأبناء، تُصبح رعاية الكبار سنّا الذين لم يعودوا قادرين على الإعتناء بأنفسهم، مهمة مستعصية على ذريتهم. وغالبا ما يقترن البُعد بمعاناة عاطفية لكلا الجانبين.
تقيمُ كارول ماكيوين في سويسرا، ولكنّها سافرت بانتظام إلى الولايات المتحدة للإطمئنان على حال والديها المُسنين. وتقول ضمن هذا السياق: "على مدى العامين الماضيين، كنت أعود إلى الولايات المتحدة كل شهرين ونصف".
رحلات الذهاب والإياب انتشرت أكثر فأكثر بين ملايين الناس حول العالم، حتى أن عدد الأشخاص الذين يتنقلون من بلد إلى آخر تزايد بأكثر من الضعف، بحيث ارتفع من 2 مليون إلى 4,6 مليون سنويا خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، بالمقارنة مع العقد الذي سبقه.
ووفقا لدراسة مشتركةرابط خارجي بين الأمم المتحدة ومنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، بلغ عدد "المهاجرين الدوليين" (ويُقصد بهم الأِشخاص الذين أقاموا لسنة أو أكثر في بلد آخر غير الذي وُلدوا فيه) ما يُقارب 232 مليون.
كارول تندرج تماما ضمن هذه الفئة من المُهاجرين. فهي ترعرعت في منطقة تبعد بحوالي ساعة من جنوب مدينة نيويورك، وتعيش حاليا في العاصمة السويسرية برن. لكارول أخت تعيش في الولايات المتحدة. أما والداهما فعاشا في المنزل العائلي لمدة 45 عاما إلى أن بدأت أعراض مرض ألزهايمر تبدو على أمهمها. حينها، أصبحت الحياة اليومية أصعب للوالدين، بسبب الظروف الجوية القاسية.
تتذكر كارول إعصار ساندي العنيف (عام 2012) الذي ألحق أضرارا كبيرة بالمنطقة التي يُقيم فيها أبويها، حتى أن الكهرباء انقطع فيها لمدة شهر. وكانت شقيقتها المقيمة في شمال ولاية كارولينا قد جلبت الإمدادات مرتين لللأبوين (اللذين يبعدان عنها مسافة تسع ساعات بالسيارة).
وبعد شهر من الإعصار، ضربت عاصفة ثلجية نفس المنطقة. تقول كارول وهي تستعيد تلك الفترة: "كان والدي يتصل بي كُـلما سقطت شجرة، حتى في الساعة الثانية صباحا".
علاقات صعبة
اتخاذ القرار حول كيفية رعاية أحد الوالدين المُسنين أو كليهما غالبا ما يكون مصدرا للنزاع والنقاش داخل الأسر، مثلما يشرح عالم الإجتماع توماس غايزن من كلية العمل الإجتماعي في جامعة العلوم التطبيقية والفنون شمال غربي سويسرا.
وحتى بعد وضع الترتيبات اللازمة، تظل الحاجة لمواكبة النقاش والتواصل بصورة دائمة، مثلما يؤكد غايزن، لأن الصراعات العاطفية "شائعة جدا" عندما تعيش العائلات بعيدا عن بعضها البعض.
وأحيانا تكون هذه المسافات عاطفية أيضا. هاينس كيبلير (إسم مستعار) هو أكبر أربعة أشقاء نشأوا في برن. يعيش أحد إخوته في تايلاند، وآخر استقر في الولايات المتحدة قبل حوالي 40 عاما، وآخر مرة التقيا فيها كانت في أواخر الثمانينات. يقول هاينس البالغ من العمر 73 عاما: "نحن أسرة جدلية ومثيرة للمشاكل، فنحن لا نُكنّ مودة كبيرة لبعضنا البعض".
عاشت أمّ كيبلر بمفردها في شقة إلى أن بلغت سنّ 93 عاما. في ذلك العمر، صدمتها سيارة. كان كيبلر وشقيقته يعيشان بالقرب منها وبالتالي تمكّنا من مساعدتها. "لكن شقيقيّ العزيزين لم يبذلا أدنى مجهود، ولم يحركا ساكنا"، مثلما يقول كيبلر الذي يضيف: "نحن لا نتحدث إلى بعضنا البعض".
الحفاظ على التواصل
في السياق، يُلفت غايزن إلى أنه "في كثير من الأحيان، يكون أحد المُقربين [للشخص المُسن] يعيش بمقربة كبيرة منه ويأخذ على عاتقه عبء الترتيبات لتوفير الرعاية الضرورية، بينما يكون الأشقاء بعيدين". ويستطرد قائلا: "قد لا يكون الشخص حاضرا دائما، واتصالاته بوالديه ليست روتينية، ولا تتّم على أساس يومي".
ويضيف عالم الإجتماع أن الحفاظ على العلاقات رغم بُعد المسافة أصبحت مهمة أسهل مما كانت عليه في الماضي بفضل التكنولوجيا، ولكن الدراسات أظهرت أنه "حتى سكايب، الذي يتيح لك رؤية الشخص، لا يُعوض ذلك الإدراك والشعور بتواجد أقربائك معك، ذلك الإحساس الذي يغمرك عندما تكون تتواصل معهم يوميا. لذلك فإن الإتصال بهم شخصيا عن قرب يُحدث فرقا كبيرا".
لكن الإعتناء بهذا التواصل الشخصي له تكاليفه المادية والمعنوية. فعندما كانت ماكيوين تذهب للإعتناء بوالديها المُنهكة قواهما في الولايات المتحدة، كان زوجها يسافر كل ثلاثة أسابيع إلى ميونيخ لزيارة والده الأرمل حديثا.
وتقول كارول: "كُـنا خلال الأشهر القليلة الماضية وكأننا نلعب لعبة القط والفأر، فبمجرد عودة زوجي إلى البيت، كنت أحزم أمتعتي للسفر".
حركية عالمية
في هذا الصدد، أنجز "مشروع بيو Pew البحثي للإتجاهات العالمية" خريطة تفاعليةرابط خارجي تعطي لمحة عن أصول المهاجرين ووجهاتهم، حسب البلدان، ما بين 1990 و2013. وتظهر الخريطة أن سويسريا واحدا تقريبا من كل عشرة مواطنين يعيش في الخارج.
وهنا يعلق غايزن قائلا: "عندما يبلغ التنقل في جميع أنحاء العالم مستوى من هذا القبيل، فمن الطبيعي أن تصبح العلاقات الأسرية أكثر تطلبا وأكثر صعوبة - خاصة عندما يتعلق الأمر بترتيبات الرعاية".
"ظاهرة الطفل الوحيد"
بعض الناس لا يتفاهمون مع أشقائهم، والبعض الآخر ليس لديهم إخوة أساسا. ويواجه "الأطفال الوحيدون" نفس المشكلة في الصين التي يناهز عدد سكانها 1,4 مليار نسمة. وكانت الحكومة الصينية قد فرضت في عام 1979 سياسة "الأسر ذات الطفل الوحيد" بهدف تقليص نموها الديمغرافي . واليوم، يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم وحيدين بدون أخت أو أخ لتقاسم عبء ومسؤولية رعاية الوالدين المُسنّين.
كارمن غريتلير، التي تحمل الجنسيتين السويسرية والصينية، تُعتبر استثناء في هذا السياق. فهي كانت ثالث بنت وُلدت لزوجين في مدينة قوانغتشو، جنوب الصين، بالقرب من هونغ كونغ.
ولكن بنتا واحدة فقط لازالت تعيش في الصين؛ فغريتلير تقيم في جنيف منذ 16 عاما، فيما تعيش شقيقتها الأخرى في الولايات المتحدة. وتقول غريتلير إن أختها المقيمة في الصين مشغولة جدا لأنها "صاحبة أعمال". وعندما تم تشخيص إصابة والدتهن بمرض السرطان قبل ثلاثة أعوام، شعرت غريتلير بضرورة التدخل. وتتذكر تلك الفترة قائلة: "اتصلت برئيسي في العمل، وذهبت إلى برن للحصول على تأشيرة، ثم ذهبت إلى الصين على الفور... أردت تقاسم العبء مع شقيقتي لأنني كنت أعلم أنها لن تستطيع القيام بكل شيء بمفردها".
ويتوجّب على الأبناء الصينيين رعاية والديهم في سائر الأيام، وليس فقط في حالة المرض، فقد سنّت حكومة بيكين في يوليو 2013 قانونا يُلزم الأبناء الراشدين بالإتصال بصورة منتظمة مع والديهم من خلال زيارتهما أو مكالمتهما عبر الهاتف. ويمكن للوالدين رفع دعوى قضائية ضد الأطفال الذين لا يعتنون بهم.
لكن غريتلير تقول إن هذا لا يغيّر من حقيقة أن سياسة الصين لم تعُد مُوجّهة نحو رعاية الأسرة مثلما كان حالها في الماضي، مضيفة أن المُسنين باتوا "وحيدين أكثر فأكثر، وهذه مشكلة خطيرة الآن في الصين. في السابق، كانت تعيش أسرة كبيرة، تتكون من جيلين، أو ثلاثة أو حتى أربعة، تحت سقف واحد، ولكن هذا كان قبل نصف قرن، الأمور لم تعد كذلك الآن".
بالنسبة لكارول ماكيوين، لا يُعتبر السّفر بانتظام إلى الولايات المتحدة عبئا جسديا وماديا فحسب، بل هو أيضا عبء عاطفي. وبعد وفاة والدها في الصيف الماضي، تشعر كارول الآن بمسؤولية أكبر تجاه أمها المريضة. وتقول: "لا يُمكن فعل كل شيء لتوفير العناية اللازمة لهم لأننا بعيدون جدا. فكيف لنا تقبل مثل هذا الوضع ومعالجته؟".
شيخوخة السّكان
وفقا لتقديرات المكتب الفدرالي للإحصاء، سيبلغ 28% من سكان الكنفدرالية سن 65 أو أكثر في عام 2060، بالمقارنة مع 17% في عام 2010. وفي بلاد تتوفر على واحد من أعلى مستويات متوسط العمر المتوقع في العالم، سيُشرف عدد متزايد من المتقاعدين على رعاية الوالديْن الذين سيكون عمرهم قد بلغ 90 عاما أو أكثر.نهاية الإطار التوضيحي
(ترجمته من الإنجليزية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch