Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00878.jsonl.gz/15

أعاد انتصار حركة "حماس" في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بعض الحياة لدور تونس الذي فقدته بعد انتقال القيادة الفلسطينية إلى الداخل في صيف 1994.
هذا التوجه الجديد تكرس حسبما يبدو في الاجتماع الذي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع قياديين من "فتح" في بيت فاروق القدومي خلال زيارته الرسمية الأخيرة لتونس.
أحيى انتصار حركة "حماس" في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، دور تونس الذي فقدته بعد انتقال القيادة إلى الداخل في صيف 1994.
وتكرس هذا التوجه الجديد في الاجتماع الذي عقده الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع قياديين من "فتح" في بيت فاروق القدومي (أبو اللطف) خلال زيارته الرسمية الأخيرة لتونس، إذ حُسم خلاله موضوع التمثيل الفلسطيني في المحافل العربية والدولية الذي أُسند إلى الدائرة السياسية (مقرها في تونس)، كما اتُفق أثناءه على تفعيل "فتح" وتسريع الإعداد لمؤتمرها العام عبر اللجنة التحضيرية العليا التي يرأسها محمد غنيم (أبو ماهر) المقيم أيضا في تونس.
بهذا المعنى، ساهمت "حماس" بشكل غير مباشر في إعادة الروح إلى مركز تونس بوصفها محجا للقيادات الفلسطينية، ومقرا رسميا لمنظمة التحرير (أو ما تبقى من هياكلها)، بعدما شحب هذا الدور ثم اندثر تماما مع تجميع السلطات بأيدي الوزارات والمؤسسات الفلسطينية في الداخل.
وكان دور تونس انتهى مع انتزاع وزير الخارجية الفلسطيني السابق ناصر القدوة جميع الصلاحيات من الدائرة السياسية، مدعوما من الرئيس الراحل ياسر عرفات في البداية، ثم من خلفه أبو مازن.
وفي هذا السياق، اتخذ الأخير عدة خطوات قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، رمت لتذويب مؤسسات منظمة التحرير في أجهزة السلطة بإعطائه أوامر لتحجيم دور الدائرة السياسية، وإقفال فرع الصندوق القومي الفلسطيني في تونس.
ويشكل الفرع الذي كان يُـديره منير الفرا، واحدا من ست مؤسسات قرر المجلس المركزي للمنظمة قبل الانتقال إلى مناطق السلطة عام 2004 إبقاءها في الخارج "للمحافظة على المنظمة، خشية أن تفشل التسوية"، وهي الدائرة السياسية ودائرة (وزارة) العائدين، التي كان يتولاها أبو علي مصطفى (ثم عبد الرحيم ملوح من بعده)، وهيئة أركان الجيش الفلسطيني التي يرأسها أبو المعتصم (مكتبه في تونس)، ورئاسة المجلس الوطني وسكرتاريته (في عمان)، إضافة لفرعين للصندوق القومي في كل من تونس والأردن، ومكتب التعبئة والتنظيم لحركة "فتح" الذي يقوده محمد غنيم (أبو ماهر).
إلا أن الصندوق فقد دوره، بعدما أحيلت صلاحياته إلى وزارة المال الفلسطينية وصارت رواتب الكوادر الفلسطينية المقيمة في تونس وعمان تُحوَل منذ سنتين من الوزارة، بواسطة فرع البنك العربي في تونس.
وكان عباس يرمي من وراء تلك الخطوة إلى السيطرة على الشرايين المالية للمنظمة، وإحكام قبضته على المؤسسات الفلسطينية، ليس في داخل مناطق السلطة فقط، وإنما خارجها أيضا.
كما أقفلت مكاتب دائرة العائدين في تونس، وتم تخفيف عدد العاملين في الدائرة السياسية إلى الحد الأدنى، وأصبح السفراء يراجعون الرئاسة وتتم مراسلاتهم مع الرئيس مباشرة، وتُوجه نسخ منها إلى وزارة الخارجية في رام الله.
وكشف مصدر فلسطيني أن القدومي فكر في استقدام سفراء إلى تونس، وضم كوادر جديدة للدائرة السياسية بغية تفعيل دورها، لكن السلطات التونسية أفهمته أنها لا ترغب بعودة الفلسطينيين مجددا إلى البلد.
معركة على المرجعية
لكن إجراءات تحجيم المؤسسات الفلسطينية في تونس سبقت فوز "حماس" في الانتخابات. فالدائرة السياسية مثلا، "باتت تحت رحمة وزارة المال"، على حد تعبير أحد المسؤولين فيها. وفي رأي المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن عباس حاول إفراغ مؤسسات المنظمة من دورها لجعل السلطة هي المرجعية الوحيدة، وهو ما عارضته الأوساط المتشبثة بدور ما للمنظمة، خصوصا الفلسطينيون المنحدرين من مناطق 1948.
وبعد خصومة مدوية بين عباس والقدومي على إثر تقليص صلاحيات الدائرة السياسة، أدركا في أعقاب تشكيل حكومة "حماس" أن ملف العلاقات الدولية سيفلت من يديهما، ويستأثر به الوزير الجديد محمود الزهار.
ومن هنا، جاء وفد فتحوي إلى تونس، ضم عضوي اللجنة المركزية لـ "فتح" عباس زكي وعزام الأحمد، اللذين رتبا سيناريو المصالحة بين الخصمين اللدودين، وهيآ لزيارة الرئيس عباس. وكانت النقطة الجوهرية هي موافقة الأخير على تسليم ملف الخارجية برمته للقدومي.
وفعلا، ما أن أنهى الرئيس الفلسطيني مراسم زيارته الرسمية لتونس، التي استمرت يومين في باحة قصر قرطاج مع نظيره التونسي، حتى بدأ زيارة خاصة اجتمع خلالها مع القدومي في بيته بحضور رئيس الحكومة السابق أحمد قريع (أبو علاء)، ورئيس كتلة "فتح" في المجلس التشريعي عزام الأحمد، إضافة لمحمد غنيم.
وأهم ما تمخض عنه الاجتماع، هو حسم موضوع التمثيل الفلسطيني في المحافل العربية والدولية، الذي أُسند للدائرة السياسية، واستخدم عباس هُنا الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية على هذا الصعيد.
فالمنظمة هي "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" لدى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز وسائر المحافل وصولا إلى مقعد فلسطين في الأمم المتحدة. ولذلك عاد القدومي إلى رئاسة الوفود الفلسطينية في جميع تلك المحافل بعد غياب طويل، مما منح دورا محوريا لمكاتب الدائرة السياسية في تونس.
وهناك من اعتبر تلك المقايضة بين الرجلين شرعية لأن الدائرة السياسية هي "المُخولة لتسيير السفارات الفلسطينية في العالم، بالنظر إلى أن اتفاقات أوسلو لم تنص على تمثيل دبلوماسي للسلطة في الخارج".
هيكل فارغ
غير أن جمعة ناجي، السفير في منظمة التحرير قلل من ذلك الدور، واعتبر أن الدائرة مازالت "هيكلا فارغا بلا دورة دموية". وساهمت الأزمة المالية، التي تعاني منها المؤسسات الفلسطينية في تعقيد الأمر، وبخاصة، بعد العجز عن صرف رواتب ألف موظف يعملون في البعثات الدبلوماسية ومؤسسات منظمة التحرير للشهر الرابع على التوالي.
وقالت مصادر في السفارة الفلسطينية في تونس لسويس أنفو: "إن البعثات اضطرت للتداين لتصريف الشؤون اليومية وتسديد الفواتير المستعجلة، وبخاصة تلك المرتبطة بالإيجارات الشهرية والعلاج والماء والكهرباء".
كذلك، لوحظ أن دور دائرة اللاجئين انتهى عمليا، بسبب إقفال مكاتبها في تونس ووجود رئيسها الحالي زكرياء الآغا (وهو عضو في قيادة "فتح" أيضا) في رام الله، على رغم أن مقرها الرسمي في تونس، وهي تهتم أساسا بشؤون اللاجئين الذين غادروا فلسطين خلال النكبة (1948) وبعدها، والذين ترفض إسرائيل السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم.
ونتيجة لتقليص حجم المؤسسات الفلسطينية في تونس، تراجع عدد الفلسطينيين في البلد، إذ كان يُقدر ببضعة آلاف في الثمانينات والتسعينات، بمن فيهم أعضاء جيش التحرير المقيمون في معسكر "وادي الزرقاء" القريب من الحدود الجزائرية، والذين أدمجوا لاحقا في أجهزة الأمن الفلسطينية، ليتراجع حاليا إلى نحو مائتي فرد، من بينهم مائة موظف يعملون في الدوائر والمؤسسات التي لم تنتقل إلى رام الله بعد نقل أجهزة المنظمة إلى الداخل في أعقاب اتفاقات أوسلو، إضافة إلى حوالي 470 طالبا.
غير أن المصادر الفلسطينية أكّـدت مع ذلك أن تونس مرشحة لاستعادة بعض من دورها السابق في إطار سعي الرئاسة لرد الاعتبار لمنظمة التحرير، وتفعيل مؤسساتها في ظل إجماع الفصائل المنضوية فيها على ضرورة "تكريس نوع من التوازن مع سيطرة "حماس" على الحكومة الفلسطينية".
ويندرج في هذا الإطار، تنشيط الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي عبّـر عنه قدومي من خلال تعميم أرسله أخيرا إلى السفراء الفلسطينيين، للتأكيد على أن رئيس السلطة هو المخول لتسمية الوفود التي تمثل فلسطين في الاجتماعات العربية والدولية.
كذلك، يمكن اعتبار المسار الجديد لرأب الصّـدع داخل حركة "فتح"، عنصرا مُـهمّـا في جعل تونس مَـقصدا للقيادات الفلسطينية مُـجدّدا في إطار المساعي الجارية لمعاودة ترتيب البيت الداخلي، ودعوة اللجنة المركزية لعقد اجتماع بكامل أعضائها.
وطالما أن أمين سر اللجنة المركزية (القدومي)، ورئيس اللجنة العليا لإعداد المؤتمر (محمد غنيم) يقيمان في تونس ولا يدخلان إلى رام الله، فإن كثيرا من الاجتماعات التحضيرية ستُـعقد في العاصمة التونسية. وفي هذا السياق، دعا القدومي إلى اجتماع للجنة المركزية للحركة، من المقرر أن يُعقد يوم 2 يوليو المقبل، ويُرجح أن يكون في تونس.
لكن الاجتماع التحضيري الأخير، الذي ضم نحو خمسين مشاركا من قادة أقاليم "فتح" (عشرين من الساحات الخارجية ونحو خمسة وعشرين من الداخل إضافة إلى رؤساء اللجان التحضيرية الأربع)، عُقد في عمان برئاسة غنيم في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، وعزا مصدر فلسطيني اختيار عمان لأسباب مالية، تخص بطاقات السفر وتكاليف الإقامة "خصوصا في ظل الضائقة المالية الحالية" كما قال.
رشيد خشانة - تونس