Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00931.jsonl.gz/4

إهتم بول كلي في بدايات حياته الفنية بالألوان كظاهرة نظرية، ثم اكتشف في وقت متأخر أن لها تأثيرا على الروح.
وفي الواقع، لم ينتبه كلي إلى هذه الظاهرة إلا في عام 1913 أثناء زيارته إلى تونس.
"لقد تملكتني الألوان (..) أنا والألوان شيء واحد، إنني رسام" هذه العبارات كتبها بول كلي في مذكراته اليومية أثناء رحلته إلى تونس، والتي شكلت منعطفا هاما في حياته الفنية.
ففي الفترة ما بين عامي 1921 و 1922 قال بول كلي في إحدى محاضراته في فايمر الألمانية " إن الفرق بين اللون الأحمر والألوان التي لا تحتوى على هذا اللون هائل للغاية، لذلك لا أريد أن أعرف مكونات اللون الأحمر".
ويعتقد كلي بأنه لا يمكن مقارنة اللون الواحد بالصوت البشري، بل يمكن أن تكون مقارنة اللون الواحد بالتآلف الموسيقي من 3 نغمات، وهذا التشبيه ليس غريبا؛ فأبواه كانا يعملان في مجال الموسيقى، وهو كان عازفا ماهرا على الكمان وتزوج بعازفة للبيانو، ولذا لم يكن من الغريب أن تتضمن كتاباته ومحاضراته تعبيرات مثل "تعددية أنغام الألوان" و"انسيابية درجة اللون".
اكتشاف الألوان
كان كلي يستعمل الألوان في بداية حياته الفنية بنوع من التحفظ، فلوحاته بالألوان المائية توضح بأنه كان يهتم بدرجة اللون وتغيره، أكثر من اهتمامه بالتأثير النفسي للألوان.
ويشرح ميخائيل باومغارتنر المؤرخ الفني، بأن بول كلي اهتم في مطلع حياته الفنية بظلال الألوان ودرجاتها، مثل الأحمر والبني والأخضر، والتي كانت على حد كبير تميل إلى الدرجات الفاتحة أو الهادئة.
إلا أنه في الفترة ما بين عامي 1913 و 1914 بدأ يستعمل للمرة الأولى الألوان الصارخة، مثل الأحمر والأصفر والأزرق، ويهتم بها في لوحاته، بنوع من التباين بينها، والاستفادة من درجات توضيح الظلال، ويقول النقاد عن هذه المرحلة في حياة كلي الفنية، بأنها المرة الأولى التي يكتشف فيها عالما من الألوان ليس فيه مساحة رمادية.
وقد تأثر كلي في هذه المرحلة بالرسام روبير ديلوني، الذي ترجم له في عام 1913 مقالة بعنوان "الضوء" ، ثم سافر كلي بعدها إلى تونس، حيث اكتشف هناك أهمية ومضمون الضوء والقوة الروحية والمعنوية للألوان، وهي التجربة التي غيرت مسيرته الفنية.
وحتى تلك المرحلة فإن كلي كان قد أنجز العديد من الأعمال الفنية ، فهو عندما يبدأ في الرسم يستخدم الأولان المائية في البداية، وبعد عودته من تونس اتبع أفكار ديلوني ثم ابتكر شخصيته الفنية التي انعكست في لوحاته فيما بعد.
قوس قزح ... عندما تدخل الطبيعة فى قالب الفن التشكيلي
وفي الحقيقة فإن ديلوني قد أعطى كلي فكرة التعامل مباشرة مع طيف كبير من الألوان، وقال كلي "قوس قزح هو التطبيق التجريدي واندماج الألوان" .
ومن المثير أن علاقة بول كلي الجديدة بالألوان بعد زيارته إلى تونس قد أحدثت تطورا كبيرا في تقنية تعامله مع الرسم بالألوان الزيتية؛ فأصبحت أعماله أكثر تجريدية، وخطوطه أصبحت تتحرك لحرية أكثر على اللوحات، كما عكست أسماء لوحاته انطباعات شخصية ونتيجة ممارسات عملية.
وكان واضحا تأثير ذلك على مضمون الديناميكية والحركة والعلاقة بين الطاقة الشخصية والكونية، وهي التي مهدت لنظريته التي أطلقها فيما بعد للرومانسية التي نقلها فيما بعد من النمط الكلاسيكي إلى حرية التعبير بإستخدام الألوان.
فنان وعالم
لقد ترك بول كلي بصماته على الفن الحديث ومعرفته الجيدة بالألوان وتأثيرها ليس فقط كرسام فنان، بل أيضا كعالم صاحب نظريات.
ويقول باومغارتنر " لقد استطاع كلي أن يجعل نظرية ديلانوي حول الضوء والألوان تتكيف مع نظرته إليها، وطورها إلى نوع من الرسم الشعري. في الوقت نفسه قام بإجراء بعض التجارب، لتعميق نظرية تجاوب الألوان فيما بينها، الباردة مع الدافئة، أو تلك المتباينة والمنسجمة".
استطاع كلي الفنان أن يتعامل مع أجواء اللون بالمشاعر والأحاسيس، وفي نفس الوقت تمكن من وضع نمط لاستخدامها، ليترك إرثا من الأبحاث الفنية ساهمت في تقييم نظرياته المختلفة.
سويس انفو
باختصار
مر كلي ككل الفنانين التشكيليين بمراحل مختلفة في مسيرته، اختلف فيها تعامله مع الألوان، لكن زيارته إلى تونس في عام 1913 كان لها أثرا كبيرا في تعامله مع الألوان، وانعكس ذلك في لوحاته التي قدمها بعد تلك الرحلةـ التي وضع أثنائها الخطوط العريضة لنظريته حول قوة الألوان وتأثيرها.نهاية الإطار التوضيحي