Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00869.jsonl.gz/52

تثير الاستجابة الأوروبية للأزمة الأوكرانية سؤالاً جوهريًا، ليس فقط بالنسبة للنازحين ولكن أيضًا بالنسبة للمستقبل السياسي لأوروبا، كما تقول الأستاذة جولي بيّو والبروفسور أليسّاندرو مونسوتّي من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف في سياق التحليل لفيض التضامن تُجاه اللاجئين الأوكرانيين.
سال حبر كثير في الأسابيع الأخيرة عن الاستقبال المُميّز للاجئين الفارين من الحرب في أوكرانيا مقارنة بالنازحين القادمين من خلفيات مختلفة، لا سيما من الشرق الأوسط أو إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء. تبعا لذلك، بدا أن التضامن سيكون عنصريًا تمامًا مثل (التعامل مع) جسد اللاجئ، في نفس اللحظة التي عادت فيها مشاعر العداء للرّوس للظهور بعد أن ظلت حتى ذلك الحين متخفية في ثنايا ذاكرة الحرب الباردة.
نُشر هذا المقال الذي اشترك في تحريره كلّ من جُولي بيّورابط خارجي، الأستاذة المشاركة في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والبروفسور أليسّاندرو مُونسُوتّيرابط خارجي في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع أيضا بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف أول مرة بتاريخ 28 مارس 2022 على موقع المعهدرابط خارجي، ثم في صحيفة "لوتونرابط خارجي" (تصدر بالفرنسية في جنيف) بتاريخ 4 مايو 2022.End of insertion
في الواقع، لا يُوجد شيء في اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين وبروتوكولها الإضافي لعام 1967، وهما نصّان من القانون الدولي صدّقت عليهما سويسرا، يبرر مثل هذا الاختلاف في المعاملة بين أشخاص فارين من النزاع الأوكراني من ناحية، وأشخاص فارين من النزاعات التي تهز سوريا وأفغانستان وعدة دول أفريقية من جهة أخرى. ومن الصعب الطعن في هذا التفسير لأن التناقض الذي يُميّز الخطابات العامة كالتي يُمكن سماعها في المقاهي أمر مُذهل. فعلى سبيل المثال، تضمن مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز توصيفا لمصير امرأة من أوكرانيا وجدت في بولندا على الفور مكانًا للإقامة، وشابًا سودانيًا كان يتعرّض في نفس الوقت للضرب على أيدي الشرطة.
إن عنصرية الحدود ليست بالأمر المُستجد. فمن الواضح أن الألم البشري لا يُسبّب نفس المشاعر أو العواطف عندما يتعلق الأمر بجسد طفل عُثر عليه مفارقا للحياة على شاطئ في تركيا أو عندما يكون متعلقا بجسد رجل أسود تعرّض قاربه للغرق قبالة سواحل ليبيا. لقد شكّل الاستعمار بنية المشاعـر في أوروبا بشكل عميق، لدرجة جعلت الجسد الأسود الذي يُعاني من الألم غير مرئيّ بالمرة.
رغم كل شيء، يظل الحسّ الاجتماعي قائما
مع ذلك، فإن التضامن الذي يُظهره الأوروبيون حاليًا يوضح لنا أنه من المُمكن تخيّل نموذج آخر للاستقبال. دعونا نرى كيف أن عمال السكك الحديدية الفرنسيين، الذين طلبت منهم الحكومة السماح للاجئين الأوكرانيين بالانتقال مجانًا، رفضوا التمييز بين هؤلاء وأولئك. دعونا نرى أيضًا كيف تم تقديم المساعدة للأوكرانيين بشكل عفوي في البلدان المجاورة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، قبل وقت طويل من بدء عمل المنظمات الإنسانية. أما بالنسبة لسويسرا، فقد قامت السلطات بتفعيل وضع الحماية من فئة "س" للأوكرانيين، وهو ما يُتيح لهم إمكانية استخدام وسائل النقل العام بدون الحاجة لوثيقة سفر صالحة.
بين المطابخ التي أقيمت على عجل أمام بوابات محطات القطار، وعمليات توزيع الملابس، وفتح البيوت لمن يبحثون عن سقف قبل أن يستأنفوا المسير مرة أخرى.. يُشير كل شيء إلى أن الفردانية التي غـذّاها النموذج الاقتصادي النيوليبرالي على مدى الأربعين عاما الماضية لم تدمّـر الحس الاجتماعي تمامًا، ولم تنسف بالتالي قدرتنا على مُساعدة بعضنا البعض.
نعم، لدى الأوروبيين قلب. ونعم، يُمكنهم أن يتأثروا بمشهد مُعاناة البشر الآخرين. من المهم ألا نغفل عن هذا، لأنه إذا كان تشاؤم العقل ضروريًا لإجراء تشخيص دقيق للأزمنة التي نمر بها، فإن تفاؤل الإرادة ضروري أيضا حتى نتمكّن من تخيّل مستقبل أفضل.
بدلاً من انتقاد الفروق في المعاملة بين فئات المُرحّلين (من أوطانهم) وفقًا للون بشرتهم وديانتهم - وهي ممارسة مشكوك فيها قانونًا بالتأكيد وذات نتائج عكسية على المستوى السياسي - دعونا نبتهج بوجود هذه النزعة العميقة داخل المجتمع الأوروبي لمساعدة الفقراء والمُعدمين خارج إطار مؤسسات الدولة والنسيج الجمعوي الرسمي إلى حد ما. لا يزال لدينا القدرة على التأثر، وعلى إيجاد حلول، وعلى اعتبار أن أفراد نفس العائلة لهم الحق في إعادة التجمّع، والتنقل بحرية، وألاّ يتم احتجازهم في مراكز استقبال مجهولة في انتظار صدور قرار إداري لفترة زمنية غير محددة. دعنا ندرك أن الإذلال والتفرقة هي وصفة مؤكدة لحدوث كارثة أخلاقية واجتماعية!
لقد راهنت سلطات البلدان الأوروبية، وقطاعاتٌ كبيرة من السكان فيها على قدرة الأوكرانيين على نقل مهاراتهم وخبراتهم إلى المجتمعات المُضيفة. فمن خلال السماح للاجئين الأوكرانيين بالتنقل بحرية والاستقرار بطريقة عضوية حيثما يستفيدون من المعارف والروابط الأسرية، تُعيد أوروبا النظر في نظام دبلن لإدارة الهجرات الذي أنشأته بنفسها وتؤكد على سخافته الجوهرية. فمن المنطقي أن يُحاول المرء الوصول إلى بلد يُمكنه الاعتماد فيه على مساعدة أحد الأقارب. كما أنه لا يُوجد أدنى شك في أن بدء حياة جديدة من الصفر يكون أسهل بمساعدة المجتمع المحيط.
تبعا لذلك، يطرح الردّ الأوروبي على الأزمة الأوكرانية سؤالاً جوهريًا - ليس فقط بالنسبة للنازحين والمُرحّلين، ولكن أيضًا بالنسبة للمستقبل السياسي لأوروبا – ومفاده: ألم يحن الوقت بعدُ لتجاوز الحدود العرقية من خلال توسيع مبادئ العمل هذه لتشمل جميع اللاجئين؟
(ترجمه من الفرنسية وعالجه: كمال الضيف)
الآراء الواردة في هذا المقال لا تُلزم إلا أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر SWI swissinfo.ch.
سلسلة "وجهات نظر"
تقوم swissinfo.ch بنشر آراء حول مواضيع مختلفة، سواء حول قضايا سويسرية أو مواضيع لها تأثير على سويسرا. يرمي اختيار المقالات إلى تقديم آراء متنوعة بهدف إثراء النقاش حول القضايا المطروحة. إذا كانت لديك رغبة في اقتراح فكرة لمقال رأي، يُرجى إرسال رسالة إلكترونية إلى <email-pii> of insertion
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة