Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00886.jsonl.gz/43

شَهِدَت الفجوة الثقافية الواسعة، التي تفصل بين أجزاء سويسرا الناطقة بالألمانية وباقي أجزاء الكنفدرالية خلال الحرب العالمية الأولى، تسخيراً واستغلالاً من قبل وسائل الدعاية الداخلية والخارجية على مستوى لم تشهده البلاد من قبل.
"في الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولى". هذه المقولة جاءت على لسان الروائي المسرحي التراجيدي اليوناني اسخيليوس قبل نحو 2500 عام. مع ذلك، وصلت جهود الهيمنة على الرأي العام إلى أبعادٍ جديدة في عام 1914، لتُحيل "الجزيرة السويسرية الصغيرة المحايدة، التي تتوسط الدول المتحاربة"، إلى ساحة معارك من نوع مختلف تقودها وسائل الإعلام.
حينها، شكّل الإنقسام العميق في الرأي العام تحدياً خطيراً للسياسة المحلية السويسرية. وفي محاولة من الكنفدرالية لتحاشي حدوث تفكُّكٍ في البلاد على سبيل المثال، حملت العديد من المُلصقات صورة وليام تل، البطل القومي السويسري والشخصية الأسطورية، مُتسامياً فوق الخلافات، في رمز لإستحضار الشعور بالوحدة والهوية الوطنية.
"قد يبدو مثل هذا الإهتمام بسويسرا سخيفاً جداً للوهلة الأولى"، كما يقر ألكسندر ألسيغ، الأمين المشارك في معرض "في نار الدعاية: سويسرا والحرب العالمية الأولى"، الذي يُمثل أول إنتاج مشترك بين متحف الإتصالات في برن والمكتبة الوطنية السويسرية، والذي فتح أبوابه يوم 21 أغسطس ويستمر حتى 9 نوفمبر 2014.
ثم يُضيف "لكن ينبغي علينا أن نتذكّر أنها كانت أول حرب شاملة شاركت فيها وسائل الإعلام، وكان الرأي العام الدولي مُهم جداً للأطراف المتحاربة. وبالنسبة لقوات الحلفاء والقوى المركزية، لم يتعلّق الأمر بتعبئة الجيوش فَحَسب، بل تعدّاه إلى تعبئة العقول أيضاً، وكانت كَسْب الدول المُحايدة مُهما جداً بهذا الشأن، ولاسيما سويسرا التي كانت في المركز الأخلاقي لهذا الصراع".
وخلال الحرب العالمية الأولى (من 28 يوليو 1914 حتى 11 نوفمبر 1918)، لم تكن سويسرا الدولة الوحيدة المُحايدة في أوروبا، حيث وقفت دول أخرى مثل إسبانيا وبلجيكا والنرويج والسويد والدنمارك على الحياد أيضاً. لكن نظام الكنفدرالية اللغوي الفريد من نوعه وموقعها المركزي في أوروبا، جعل منها "مُختبراً تجريبياً" مِثالياً، على حدِّ تعبير بيتر أريسمان، الأمين المشارك الثاني في المعرض.
وابتداءً من الصحف والتقارير الإخبارية والملصقات والنشرات، وانتهاءً بالأفلام السينمائية وألعاب الأطفال والإعلانات، إستخدم كلا الطرفين كافة الأدوات المُتاحة لإقناع الدول المُحايدة بشرعية أفعالهم وضمَّها إلى صفوفهم.
وكما قال أريسمان لـ swissinfo.ch: "كان بوسع الناس هنا للمرة الأولى إختبار نوع من الدعاية الخفية للغاية ومُمارسة النفوذ بشكل سرّي".
التوترات
هنا يجدر التذكير بأنَّ التوترات بين المناطق اللغوية المختلفة في سويسرا، كانت قد بدأت بالتفاقم منذ مطلع القرن العشرين، مع تنامي الشعور بالإنعزال لدى المُتحدّثين بالفرنسية والإيطالية عن الأغلبية الناطقة بالألمانية التي كانت تنظر بإعجاب صَوب الجار الألماني القوي.
وكانت الأطراف المُتحاربة - ولاسيما ألمانيا وفرنسا - مُدرِكة لهذا الإختلاف الداخلي واجتهدت في تسخيره، لشنّ حرب دعائية داخل سويسرا على نطاق لم يسبَق له مثيل من قبل.
من جانبها، انتهت الأجزاء السويسرية الناطقة بالإيطالية إلى إتخاذ موقف مُماثل لأبناء وطنهم الناطقين بالفرنسية. ويقول أريسمان: "في شهر مايو من عام 1915، دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء - الأمر الذي كان مفاجئاً - ونتيجة ذلك، اتخذ كانتون تيتشينو موقفا يميل إلى انتقاد ألمانيا، وهو ما ظهر جلياً في المقالات الصحفية والمجلاّت الساخرة مثل Il Ragno (العنكبوت)".
في هذا الصدّد، يُلفت ألسيغ إلى أن الشعب السويسري كان يحصل على معظم معلوماته آنذاك عن طريق الصحف، ويقول: "كان هذا هو المصدر الأكثر مُباشرة. كانت هناك أيضاً المجلاّت المصورة والنشرات الإخبارية التي كانت تُعرض في دور السينما قبل عرض الأفلام، ولكنها كانت عبارة عن معلومات مكتوبة في الغالب".
وفي بداية الحرب، إعتمدت الصحف السويسرية إلى حدٍّ كبير على وكالات الأنباء الأجنبية، التي كانت خاضعة بدورها إلى سيطرة الرقابة الحكومية. ومع تطوّر الصراع واستمراره، لجأت الدول المُتحاربة إلى إستراتيجية أكثر دهاءً من خلال شرائها لحِصص تُتيح لها التحكّم بالصحف السويسرية و"توجيه" ما يُنشَر من معلومات من الداخل. ونتيجة ذلك، إختلف النظر إلى الأحداث وأسلوب الإعلان عنها، اعتماداً على منطقة "الفجوة الثقافية" السويسرية التي كان القارئ يشتري صحيفته منها.
وكمِثال على ذلك، وصفت صحيفة "تريبون دي جنيف" Tribune de Genève الناطقة بالفرنسية إحراق الجنود الألمان للمكتبة الشهيرة في مدينة لوفين Louvain يوم 25 أغسطس من عام 1914، كجزء من محاولاتهم لتدمير المدينة البلجيكية بـ "العمل البربري"، في حين أشارت صحيفة "تسورخَر بوست" Zürcher Post الناطقة بالألمانية إلى التدمير "المزعوم" لمدينة لوفين. وبشكل عام، حاولت الصحافة الناطقة بالألمانية تبرير الهجوم، من خلال تسليطها الضوء على تنامي "حرب العصابات" البلجيكية. وقد أدّى الحريق إلى فقدان 230,000 مجلّد، بضمنها مخطوطات من العصر الغوطي وعصر النهضة، ومجموعة من 750 مخطوطة من العصور الوسطى وأكثر من 1000 كتاب طُبع قبل عام 1501.
وفي وقت لاحق، وصفت صحيفة "شافهاوزر تسايتونغ" SchaffhauserZeitung الناطقة بالألمانية كلاً من فرنسا وبريطانيا بـ "خونة أوروبا ... وخَوَنة العِرق الأبيض ... ومُدَنِّسي المسيحية". وكان الشعور بالإحتقار مُماثلاً في حِدّته غرب سويسرا.
صورة تعادل 1000 كلمة
مع ذلك، لم تكن جميع الصحف أطرافاً في هذا النزاع. وكانت التقنيات الجديدة قد مَكَّنت الناشرين منذ نهاية القرن التاسع عشر من نشر الصور بأعداد غير مسبوقة من قبل. وخلال سنوات الحرب، أصبحت المجلاّت وسيلة إعلام جماهيرية حقيقية، مع تنامي الطلب على صور الحرب.
وكان يُنظر إلى الصور باعتبارها ناقلاً وَفياً لحقيقة الحرب. وعلى عكس النصوص المكتوبة التي حاولت التأثير على القرّاء من خلال الحُجج والبراهين، كانت الصور تعتبر موضوعية. لكن من الواضح أن هذا كان بعيداً عن الواقع. (انظر الإطار المصاحب للمقال).
من جهتها، كانت ألمانيا البادئة في دخول هذه المجال الإعلامي من خلال مجلة IllustriertenKriegs-Kurier ، التي كانت تضم الصور- وإن كان العديد منها مُرتّباً - فضلاً عن رسوم بلُغات متعدّدة. وبدورها، ردت فرنسا بإطلاق صحيفة "مارس" Mars في بازل. أما بريطانيا فقد دخلت هذه العملية بصحيفة IllustriertenRundschau، التي أطلِقت في زيورخ في عام 1917.
البطاقات البريدية
الوسيلة الإعلامية الأخرى تمثلت بالبطاقات البريدية، التي أصبحت واحدة من أكثر وسائل نشر الدعاية شعبية. وقد تمتّعت هذه البطاقات بوصفها وسيلة للإتصال بسنواتها الذهبية، حين تعاملت مكاتب البريد السويسرية مع 60 إلى 80 مليون بطاقة سنوياً في الأعوام المُمتدّة من 1914 حتى 1918.
"كانت وسيلة إتصال مألوفة بالفعل - ويمكن تشبيهها بالرسائل النصية القصيرة الشائعة اليوم، وقد إستُخدِمَت لإرسال بِضع كلمات لم تَزد كثيراً عن "مرحباً، أنا هنا، كيف حالك" وهلُم جَرّا، وفقاً للأمين ألسيغ، الذي يضيف "إنه أمر مثير للإهتمام، لأن النصّ المكتوب لم يُشِر في معظم الأحيان إلى الصورة الموجودة على البطاقة البريدية".
مع ذلك، كانت البطاقات البريدية التي تحمل صوراً مؤثرة - مثل آثار الدمار في كاتدرائية ريمس (انظر معرض الصور) - تُرسَل بالجملة من قبل قوات الحلفاء إلى الدول المُحايدة، بوصفها أدلّة دامغة على الهمجية الألمانية.
وفي هذا الصدد، حاولت السلطات السويسرية التحكّم بالبطاقات البريدية منذ بداية الصِّراع، ولكن الكم الهائل من هذه البطاقات يُشير إلى محدودية نجاحهم.
وعند سؤاله حول الطّرف الفائز في الحرب الدعائية في سويسرا، أجاب ألسيغ بالقول :"الفائز كان الطرف الذي فاز عسكرياً، فليس بمقدورك إخفاء الهزيمة، هذا غير ممكن".
"لكن الأمر كان أصعب على الألمان خلال الحرب. لقد قاموا بغَزْو بلجيكا، وكان من الصعب حقاً إخفاءُ هذه الحقيقة، لأن سويسرا كانت مُحايدة بدورها وهذا [الغزو] كان ضد القواعد الدولية للحرب".
المعرض في سطور
يمثل معرض "في نار الدعاية: سويسرا والحرب العالمية الأولى" أول إنتاج مشترك بين متحف برن للإتصالات والمكتبة الوطنية السويسرية. ويمتد المعرض الذي افتتح يوم 21 أغسطس حتى يوم 9 نوفمبر 2014، وهو باللغتين الألمانية والفرنسية.
يسلط المعرض الضوء على الحرب الدعائية الضخمة التي استهدفت كسب الرأي العام السويسري، والإختلافات في الرأي التي قسمت الكنفدرالية داخلياً خلال الحرب العالمية الأولى، والتي أدركتها القوى الأجنبية المتحاربة وحاولت استغلالها.
تعود معروضات المجموعة المكونة من نحو 200 قطعة الى متحف برن للإتصالات والمكتبة الوطنية السويسرية مع بعض الإستثناءات. ومعظم هذه المعروضات نماذج أصلية، وتشتمل على الصحف، والمجلات، والملصقات، والبطاقات البريدية، والصور، والرسومات، والمنشورات والبرقيات الأخبارية، والمخطوطات، والكتب والأفلام.