Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00893.jsonl.gz/103

عتبر الإشتراكي الإجتماعي والمفكر رودلف شترام (74 عاماً) واحداً من أهم علماء الإقتصاد في سويسرا. وهو يدلي في الحوار التالي برأيه حول الإصلاح التأميني 2020 المزمع إجراء اقتراع شعبي بشأنه في الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري.
swissinfo.ch: بعد دخوله حيز التنفيذ تم تعديل تأمين الشيخوخة والأيتام القصر عشر مرات، آخرها في عام 1997. ومنذ ذاك الحين فشلت عدة محاولات شاملة لإصلاحه. فلماذا؟
رودلف شترام: هذا لأنه لا يُمكن اتخاذ خطوات كبيرة في سويسرا، ومنها تقليل المعاشات. فقد رُفض هذا الأمر ثلاث مرات. كما أنه لا يُمكن رفع الضرائب بصورة فجائية. لذلك فإن المبادرة الإصلاحية الحالية تقترح اتخاذ خطوات صغيرة وهي بهذا تعتبر متوازنة. لهذا السبب أرى أن هذا المقترح سيحظى بموافقة متوسطة.
swissinfo.ch: هل تتوقع للمبادرة المقدمة للإقتراع في الرابع والعشرين من سبتمبر فرصة كبيرة للنجاح؟
رودلف شترام: نعم، أتوقع لهذه المبادرة النجاح. فهناك حالة من عدم الرضا المتوسط تسود سويسرا، قد يجد معها حل وسط متعقل نوعاً من القبول. فالإقتراعات حول تأمين الشيخوخة كانت دائماً اقتراعات تتسم بالإنفعال. وهذا ما يتذكره السويسريون رجالاً ونساءاً. وقد باءت عدة محاولات لإصلاح تأمين الشيخوخة بالفشل. والآن يبدو أن هناك إمكانية للحصول على موافقة "ضعيفة". بمعنى: لابد في النهاية من جمع الشتات للوصول إلى حل وسط.
لقد تمكن الوزير الفدرالي آلان بيرسيه من حث كل معسكر على الموافقة على تقديم بعضاً من التنازلاتنهاية الإقتباس
swissinfo.ch: هل تمكّن الوزير الفدرالي آلان بيرسيه من القيام بانقلاب بتمريره لهذه المبادرة؟
رودلف شترام: لقد تمكن الوزير الفدرالي آلان بيرسيه من حث كل معسكر على الموافقة على تقديم بعضٍ من التنازلات. وقد تمكن من إحياء التحالف التاريخي: فقد استطاع حمل اليسار الإشتراكي الديمقراطيي والمحافظين الكاثوليك (الحزب المسيحي الديمقراطي حالياً) وكذلك صغار العمال والفلاحين على المشاركة. أما الحدث التاريخي في هذا الأمر هو تحرك رؤساء حزب الشعب السويسري اليميني المتشدد الحاليين في إطار مناهض للدولة ومُواجه لتأمين الشيخوخة. فقد كانت الأحزاب السابقة على حزب الشعب وهي حزب المزارعين والحرفيين والبرجوازيين وكذلك حزب الديمقراطيين السويسريين من أكبر الداعمين لتأمين الشيخوخة والأيتام القصر قبيل تأسيسه وتحديداً عام 1947. خاصة وأن الفلاحين وصغار الحرفيين لم يكن لديهم آنذاك بديلٌ عن تأمين الشيخوخة الحكومي، ذلك لأنه لم يكن لديهم صندوق للتقاعد.
swissinfo.ch: ولقد انعكس هذا الوضع الآن.
رودلف شترام: لقد وصل إلى علمنا أن جزءاً من حزب الشعب السويسري قد انشق، حيث قرر اتحاد الفلاحين السويسريين الموافقة على المبادرة. ومؤخراً وجهت جريدة "نويه تسورخر تسايتونغ" (تصدر في زيورخ بالألمانية) اللوم لحزب الشعب السويسري لأنه لا يدعم المبادرة بالصورة الكافية. وهذا لأن رئيس الحزب يعلم بالطبع أن تأمين الشيخوخة والأيتام القصر يعتبر للقاعدة الشعبية للحزب أهمّ بكثير من أي تأمين آخر للتقاعد.
swissinfo.ch: هل يمكنك تفسير هذا الوضع تاريخياً؟ فكيف يمكن الحديث على مدى سنوات طويلة بهذه السلبية عن تأمين الشيخوخة والذي يُعتبر الإنجاز السياسي الإجتماعي الأهم في سويسرا؟
رودلف شترام: يُعدّ تأمين الشيخوخة والأيتام القصر أقدم كيان تأميني اجتماعي في سويسرا. ولقد اعتبر هذا التأمين دوماً وعبر الأجيال خطوة كبرى نحو استقرار الوضع الإجتماعي. إذ طالب به الإشتراكيون في مدينة نوشاتيل لأول مرة في تسعينيات القرن التاسع عشر، وفي عام 1918 كان أحد أهم المطالب التي نادى بها الإضراب العام، وبعد معركة انتخابية ضارية تمت الموافقة على تأمين الشيخوخة بنسبة 80% من جميع الأصوات الذكورية المشاركة في الإقتراع الذي أجري عام 1947. إلا أن جزءاً من شركات التأمين الخاصة والشركات الخاصة كانت معارضة لتأمين الشيخوخة الحكومية، وقد قادت هذه الحملة آنذاك جريدة "نويه تسورخر تسايتونغ". وقد وصفت الصحيفة المبادرة المتعلقة بتأمين الشيخوخة عام 1943 بأنها "إنزلاق خطير نحو تأميم 'يأخذ العاطل بالباطل'". صحيح أن المعارضة كانت قليلة، إلا أنها كانت عنيدة وخبيثة.
swissinfo.ch: لقد اتُهمت بالإساءة إلى الركن الثاني من التأمين...
رودلف شترام: يعتبر الركن الثاني من التأمين جزءاً من النظام الثلاثي ولا يشكك فيه أحد ولا حتى أنا. فنظام التأمين التمويلي (الركن أو العمود الثاني) يحظى على المدى البعيد باستقرار أفضل بالنسبة للتطور الديموغرافي. إلا أن الوضع الحالي ومع انخفاض الفائدة، وهو أمر قد يستمر في سويسرا لعدة سنوات قادمة، يجعل الركن (أو العمود) التأميني الثاني باهظ التكاليف. فصحيح أن هذا الركن الثاني قد أدر أرباحاً تقدر بـ 5.8 مليار فرنك عام 2015، إلا أن التكلفة الإدراية للثروات قد التهمت في نفس العام 3.8 مليار فرنك وزاد عليها 0.9 مليار فرنك لإدراة الصناديق. إذن، فسُبع المبالغ التأمينية يُهدر في التكلفة الإدراية للثروات وللصناديق. وهذه الأرقام صادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء.
swissinfo.ch: وماذا يعني هذا تحديداً؟
رودلف شترام: يعني أنه إذا أردت اليوم مع انخفاض نسبة الفائدة تحقيق 1000 فرنك في تأمين التقاعد، فلابد أن تدفع في الركن الثاني أكثر مما تدفع في تأمين الشيخوخة والأيتام القصر. وهذه هي الخلفية السياسية التي أشعلت الجدل حول الركن الأول والثاني من التأمينات مجدداً.
swissinfo.ch: هل لك أن تشرح لنا دور شركات التأمين والبنوك؟
رودلف شترام: لا يفضل المصرفيون ولا مديرو الثروات تأمين الشيخوخة والأيتام القصر الإجباري، ذلك لأنه يعتبر عملية إدخار حكومية. ولقد شجعت شركات التأمين الخاصة بالطبع دائماً العمود التأميني الثالث وهو الإدخار الفردي للتقاعد. كما أن العمود الثاني ما هو إلا عملية تكديس لرأس المال في صندوق التقاعد أثناء الحياة المهنية. وعلى العكس فقد قام اليسار الآن بشيطنة الركن التأميني الثاني. إلا أن النظام التأميني الثلاثي قد ترسخ في سبعينات وثمانينات القرن الماضي سياسياً واقتصادياً، بحيث لا يمكن التخلص منه سريعاً. لكن كل مرة يتم فيها مناقشة الاختلافات في توزيع التقاعد على الأعمدة الثلاثة تنشأ أزمات، بل وسيناريوهات لتقويض هذا النظام، والتي سرعان ما يتأكد خطأ تقديراتها.
swissinfo.ch: الجيل الشاب لا تساوره الشكوك.
رودلف شترام: كذلك يشعر الجيل الشاب بالطمأنينة حيال معاش التقاعد. ذلك أن هذا النظام قد ترسخ منذ سبعين عاماً. فالتعديلات ممكنة دائماً، ولكن لم يحدث أبداً انهيار له. ويمكن لاثني مليون متقاعد الحيال دون هدم هذا النظام التأميني إذا ما طرح هذا الأمر للاقتراع. وإذا ما كانت هناك حاجة لزيادة التمويل، فيمكن الموافقة عليها في خطوات صغيرة. كذلك فإن المبادرة الحالية تتقدم حثيثاً. وفي عام 2030 سيتم تقييم الوضع ـ هذا هو النظام السويسري.
swissinfo.ch: يتقدم البشر في العمر. هذا تطور واقعي يتطلب بشدة تحقيق مبدأ العدالة بين الأجيال.
رودلف شترام: هذا صحيح. وقد تم التنبؤ به في تسعينات القرن الماضي. إذ تنبأ النموذج الحسابي للفدرالية عام 1995 بالعجز الذي سيحدث في تأمين الشيخوخة عام 2005. لكن تم ترحيل هذا العجز مراراً وتكراراً بسبب تطور مجموع الرواتب: فإذا ارتفع مجموع الرواتب ارتفعت إيرادات الدولة. لهذا تم إدراج نسبة من ضريبة القيمة المضافة لصالح تأمين الشيخوخة بدون أن تثير ضجة كبرى وفي هدوء تام، وقد أدى هذا الإجراء إلى تقليص مساحة الخسارة بقوة.
swissinfo.ch: إلى متى سيظل هذا التعاقد بين الأجيال مستمراً؟
رودلف شترام: لازال هذا النظام راسخاً، حتى وإن تم التشكيك فيه مراراً وخاصة الآن قبيل الاقتراع، حيث يتم تحفيز الشباب ضده عن طريق نماذج حسابية مريبة. لكن هذا النظام لن ينهار حتى بعد 2030.
swissinfo.ch: إذن ليس هناك سبب للقلق؟
رودلف شترام: إن الحاجة إلى فعل شيء لتمويل النظام في الوقت الحالي تعد أمراً لا جدال فيه وحتى اليسار لا خيار له إلا الموافقة على ما كان يشكك فيه قبل عشر سنوات مضت. فإذا كان لدينا الآن في سويسرا اختلاف حول المبادرة التي سيتم الاقتراع حولها في سبتمبر، فهو ليس خلاف بشأن حتمية فعل شيء للحفاظ على استقرار النظام وضمان معاشات التقاعد، وإنما حول الأعباء التي يجب تحملها لتحقيق هذا الهدف. وكذلك حول النزاع الأيديولوجي القديم: هل الحل الحكومي أفضل أم الحل القائم على الاقتصاد شبه الخاص؟
إن الحاجة إلى فعل شيء لتمويل النظام في الوقت الحالي تعد أمراً لا جدال فيهنهاية الإقتباس
swissinfo.ch: فلنتوقف عند ما يجب تحمله. من سيتحمل العبء الأكبر؟
رودلف شترام: على كل معسكر بحسب وجهة نظره تحمل عبئاً أو أكثر. فاليسار عليه تحمل العبء الأكبر، وهو رفع سن التقاعد للسيدات من 64 إلى 65، بدون تعويض كامل لهذا عن طريق تحسين رواتب السيدات. لكن رفع المعاشات بنسبة 70 فرنكاً، قد يعد تعويضاً ما لهذه الخسارة التي ستنشأ في التقاعد.
swissinfo.ch: من المستفيد إذن من الإصلاح التقاعدي الذي اقترحه آلان بيرسيه؟
رودلف شترام: إن من يتراوح عمره اليوم بين 45 و64 عاماً هم المستفيدون. فهذا الجيل الأوسط قد يحصل في حالة الموافقة على الإصلاح المقترح على زيادة في تأمين الشيخوخة، أما تقليص الركن التأميني الثاني (تأمين الصناديق المهنية) فسوق يدخل لاحقاً حيز التنفيذ. أما من سيتقاعد اليوم أو يحال إلى التقاعد حتى عام 2018 فلن يخسر شيئاً، لكنه لن يكسب شيئاً أيضاً. وأما من يقل عمره الآن عن الأربعين عاماً فلا يمكن التنبؤ بشيء بخصوصه. فلا يمكننا معرفة ماذا سيحدث خلال الربع قرن القادم من نمو اقتصادي، أو هجرات، أو معدلات مواليد، أو من زيادة في ضريبة القيمة المضافة. إلا أنني افترض أن تأمين الشيخوخة سيتحتم تمويله بعد 2030 بنسبة إضافية من ضريبة القيمة المضافة. فأنا من مؤيدي الزيادة في عدد دافعي ضريبة القيمة المضافة بدلاً من زيادة النسبة المخصومة من الرواتب، لإن بهذا سيتحتم حتى على المتقاعدين الأحسن حالاً الدفع.
swissinfo.ch: هل يمكن في الوقت الحالي إنجاز عملاً اجتماعياً مثل تأمين الشيخوخة والأيتام القصر؟
رودلف شترام: لا يمكن ذلك في البرلمان الحالي. فالدولة الإجتماعية مع تطورها التاريخي ومع مشاركتها بربع اجمالي الناتج المحلي تصل (بالكاد) إلى حدود القبول السياسي. وليست المسألة هنا مسألة القدرة على التمويل، ذلك لإن لدينا ضرائب أقل ونسب مالية أقل من كل الدول المجاورة. لكنها تصل سياسياً ونفسياً إلى حدود المقبول. وأعتقد أن نظام تأمين التقاعد يعتبر من أكثر النظم السياسية رسوخاً، وهذا قياساً على جميع فروع التأمين الإجتماعي الأخرى. أما ما يتهدده خطر الإنهيار فهو المساعدة الإجتماعي، ذلك أن هناك الكثيرين ممن انتقلوا إلى نظام المساعدة الإجتماعي بسبب الهجرات من الدول الأكثر فقراً.
swissinfo.ch: إذا ما أرادت دولة أخرى الاحتذاء بسويسرا، ففي أي شيء تحتذي بها؟
رودلف شترام: إنه من الصعوبة بمكان أن نقدم هنا من الداخل مقترحات، وكأننا نعرف أكثر، خاصة وأن نظامنا قد تطور تاريخياً. ففي عام 1948 انطلق الركن التأميني الأساسي، وفي عام 1985 بدأ وجوب الركن الثاني للمرة الأولى، وفي ثمانينات وتسعينات القرن العشرين بدأ تحسين الركن الثالث عن طريق الإمتيازات الضريبية. لكنني أرى أن الدمج بين التمويل الادخاري في تأمين الشيخوخة (الركن الأول) وعملية تمويل التأمين في صناديق التقاعد (الركن الثاني) يعتبر مثالياً. وكلاهما لديه ميزات وعيوب: فالتأمين التمويلي (الركن الثاني) يعمل على تحقيق استقرار التطور الديموغرافي، إلا أنه في حالة انخفاض الفائدة لا يمكن استثمار رأس المال بصورة مفيدة. من ناحية أخرى تتميز عملية الادخار في تأمين الشيخوخة (الركن الأول) بأن المسار الاقتصادي الجيد يُمَكِّن من تمويل المعاشات، لكن عيبه أن الخزينة الحكومية تتحمل عبئاً أكبر. فدول مثل فرنسا التي يقع عبء تمويل المعاشات فيها على عاتق الدولة فقط، تواجه مصاعب أكبر مع النمو السكاني.
swissinfo.ch: أترى أن تأمين التقاعد ليس نوعاً من مكافحة الفقر الناتج عن الشيخوخة، وإنما المكسب الحقيقي من وراءه هو تحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعي؟
رودلف شترام: نعم، كلاهما، الاستقرار المالي والسلام الاجتماعي. وهو كذلك نوع من فهم النظام الإجتماعي في سويسرا على أنه نظام سياسي، وفهم الشركة صاحبة العمل على أنها الموقع الاقتصادي المسمى سويسرا. وهذا الفهم ـ أي إرادة تحقيق انجازاً للبلد وللاقتصاد ـ لهو أمر يتعدى الاستقرار الإجتماعي. فالمرء يشعر في سويسرا بالاطمئنان. ويعني هذا أن سويسرا تعمل جيداً.