Document ID: /fineweb-2-swissfilter-quality_10-filterrobots/filtered/00911.jsonl.gz/46

يتعمد بعض الآباء والأمهات في سويسرا عدم تطعيم أطفالهم لتحصينهم من الأمراض المعدية، الأمر الذي يؤدي إلى عودة أمراض وبائية كانت قد أوشكت على الإختفاء. لكن ما هي الدوافع التي تجعل أولياء الأمور يتخذون قراراً كهذا؟
في بداية شهر فبراير 2019، تَفَشي مرض الحصبة في إحدى مدارس شتاينر في مدينة بيل/بيَان (كانتون برن). من جانبها، طلبت سلطات كانتون برن من 60 طالبا لم يتم تطعيمهم ضد المرض، عدم حضور الفصول الدراسية بشكل مؤقت، بغية الحيلولة دون انتشار المرض شديد العدوى.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها مدارس شتاينَر مَرتَعاً خَصباً لانتشار وباء الحصبةرابط خارجي. وكما صَّرح مُتحدث باسم المكتب الفدرالي للصحة العمومية لوسائل الإعلام السويسريةرابط خارجي، فإن كثرة ظهور هذا المرض في مدارس شتاينر ليس بمحض صدفة؛ حيث تَتبَع هذه المدارس مَنهج فالدورف في التدريس [وهو نظام تربوي وحياتي أسّسه لأول مرة الفيلسوف النمساوي رودولف شتاينر (1861-1925) في العام 1919 في مدينة شتوتغارت الألمانية]. وكما هو معروف، لم يكن شتاينَر مناصراً لفكرة اللقاحاترابط خارجي. لهذا السبب - وقد يكون ذلك لأسباب أخرى ايضاً - لا يقوم بعض الآباء والأمهات بتطعيم أطفالهم إلّا بشكل جزئي، أو أنهم يرفضون تطعيمهم تماماً.
الحصبة
تُعتَبَر الحصبةرابط خارجي من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى. وتنتقل عدوى المرض من شخص إلى آخر عن طريق الرذاذ المتطاير من المريض عند السعال أو العُطاس. وتُعتبر الحصبة مرضا خطيرا بسبب المضاعفات المحتملة عند الاصابة بها، مثل التهاب الرئتين أو التهاب الدماغ. وعلى مدى العقود الماضية، شهدت سويسرا تفشيا كبيرا لمرض الحصبة وبشكل متكرر. وبعد أن تم القضاء على الحصبة في بعض المناطق تقريباً، إلّا أن عدد الإصابات يزداد ثانية في جميع أنحاء العالمرابط خارجي.
(المصدر: المكتب الفدرالي للصحة العمومية)نهاية الإطار التوضيحي
في السابق، لم يكن من النادر ان تقوم أُسَر الاطفال المسجلين في مدارس شتاينَر (وغيرها من الأسر أيضاً) إلى إقامة "حفلة" عند إصابة أحد الأطفال بمرضٍ مُعدٍ، بغية انتقال عدوى أحد أمراض الطفولة إلى أكبر عدد من الأطفال وتحصينهم ضد المرض بالتالي. وكما يؤكد توماس ديدَّن من رابطة مدارس رودولف شتاينر في سويسرارابط خارجي، "كانت المناسبات الإجتماعية التي تقام بهدف انتقال العدوى بشكل مصطنع تحصل حتى أعوام التسعينيات". لكنه يضيف بأنه ليس مُطلِعاً على أي حالة مثل هذه اليوم، كما أنه لن يوصي بمثل هذه الفعالية أيضاً".
كذلك لا تتوفر لدى ديدَّن أي أرقام حول عدد الأطفال المُلقحين في مدارس شتاينَر، كما لا تحتفظ المدارس بأي بيانات حول هذا الموضوع، ولا تقدم توصيات لأولياء الأمور بشأن تطعيم أطفالهم، ويعلق على ذلك بالقول: "نحن معلمون ولسنا أطباء".
المرض كفرصة لنمو الطفل
بغية فهم السبب المحتمل وراء وجود عدد أكبر من الأطفال غير الملقحين ضد الحصبة في مدراس شتاينَر، نتوجه بالسؤال إلى اختصاصي في الطب الأنثروبوسفي (حتى وإن لم يكن جميع أولياء الأمور في مدارس شتاينر من أتباع حركة الأنثروبوسوفيا /علم طبائع البشر). ووفقًا لبرنارد فينغايَر، المتخصص في طب الأطفال في العيادة الأنثروبولوجية في آرليسهايمرابط خارجي، (كانتون ريف بازل) تنظر الأنثروبولوجيا إلى الإنسان من نطاق أوسع من مجرد وجوده المادي.
وكما يوضح فينغايَر، تؤثر هذه النظرة للإنسان على فهم المرض أيضاً في الطب الأنثروبوسفي: "نحن نؤمن بالقدرات الذاتية على التعافي لدى الإنسان ونعرف كيفية تفعيلها أيضاً". وكما يضيف: "لا يَنظُر الطب الأنثروبوسفي إلى المرض باعتباره شَرّا ينبغي التخلص منه فقط، ولكن بوصفه مساراً يرافق عملية النمو أيضاً، ولاسيما عند الأطفال". ومن وجهة نظره، فإن الطفل يتعلم من خلال الإصابة بالحمى والأمراض المعدية كيفية التغلب على الأزمات، مما يُعَزِّز نموه، ويُطور جهازه المناعي.
وخلافاً لمعارضي اللقاحات "الأصليين"، فإن المختصين في الطب الأنثروبوسوفي (القائم على علم طبائع البشر) لا يُعارضون جميع اللقاحات بشكل قاطع. وعلى سبيل المثال، يؤكد فينغايَر نفسه على أهمية التطعيم ضد مرض الكزاز. لكنه على الجانب الآخر يقدم النصيحة للوالدين بشكل فردي بخصوص أمراض الطفولة. وكما يقول، فإن الوعي بالشخصية الفردية مهم جداً في الأنثروبولوجيا.
كذلك يعتمد الأمر على وضع الوالديْن أيضاً. وعلى سبيل المثال، قد لا يكون من السهل على الأم التي تربي أولادها بمفردها رعاية طفل مصاب بالحمّى. "لكن لو تَحَمًّل الوالدان إصابة طفلهما بمرض الحصبة بشكل جيّد، فإن بالإمكان تأجيل الحصول على اللقاح حتى سن البلوغ". لكنه لا يُوصي بالإنتظار أكثر من ذلك، لأن مضاعفات الحصبة تكون أشد لدى البالغين.
تصادم الفردية مع هدف القضاء على المرض
من الملاحظ أن هذا النهج الفردي لعلماء الأنثروبولوجيا يزدهر في سويسرا عموماً - حتى بين غير الأنثروبولوجيين. ووفقاً لـ فيليب تار، رئيس الأطباء المشارك في مستشفى كانتون ريف بازل، والذي يُدير برنامج البحوث الوطني" آباء وأطباء متوجسون من التطعيم في سويسرارابط خارجي" (Impfskeptische Eltern und Ärzte in der Schweiz)، فإن حقيقة طَرح الناس للأسئلة وتشكيكهم في التوصيات الرسمية الصادرة عن السلطات والأطباء، هي من حيث المبدأ دليل على عصرنا الحالي، حيث (ينتشر) طب ما بعد الحداثة والطب الشخصي".
بيد أن المشكلة القائمة الآن هي تصادم هذا الطب الشخصي (أو ما يُعرف بـ "شخصنة العلاج") مع أهداف منظمة الصحة العالمية، المتمثلة في القضاء على أمراض معينة، مثل الحصبة. وبحسب المنظمة التي تتخذ من جنيف مقرا لها، فإن خصوم اللقاحات باتوا يشكلون تهديداً عالمياً.
أما المشكلة الثانية، فتتمثل بتهديد الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح لأشخاص آخرين لا يُمكن تلقيحهم، مثل الأطفال الرضع والنساء الحوامل، أو الأشخاص الذين يفشل اللقاح في حمايتهم من المرض. فعلى سبيل المثال، توفي رجل كان قد لُقّح ضد الحصبة في سويسرا في عام 2018 نتيجة هذا المرض، بسبب ضعف جهازة المناعي نتيجة خضوعه لعلاج كيميائي. وهكذا نجد أن الطب الشخصي يصطدم مع مبدأ التضامن (بين مختلف فئات المجتمع) أيضاً.
من هي هذه الفئة؟ وما الذي يدفعها لاتخاذ هذا الموقف؟
السؤال الذي يطرح نفسه هو: من هم أولياء الأمور الذين يُعارضون تطعيم أطفالهم، و ما هي الأسباب التي تدفعهم لاتخاذ مثل هذا القرار؟ في ألمانيا مثلاً، ووفقاً لدراسةرابط خارجي أجريت بهذا الشأن، يُلاحظ أن معدلات التطعيم منخفضة بشكل خاص في المناطق الغنية للبلاد.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، نجد أن بعض الأطفال غير الملقحين ينتمون إلى أسرٍ من البيض الذين يحظون بتعليم جيّد، من الطبقة المتوسطة العليا التي تقيم في الضواحي، وينتمون في نفس الوقت أيضاً إلى أسرٍ أمريكية من أصل أفريقي، غير متعلمة، وتقطن في أحياء فقيرة - بسبب صعوبة حصولها على الرعاية الصحية. كما حدث وأن تفشت الأمراض في بعض المجتمعات المعزولة مثل المورمون أو الأميش، نتيجة رفضهم اللقاحات لأسباب دينية.
في سويسرا ، يُمكن مشاهدة حالات مماثلة. وكما يقول مارك فيتشي، رئيس قسم توصيات التطعيم في المكتب الفدرالي للصحة العمومية: "نحن نلاحظ أن بعض الآباء والأمهات المتعلمين جيّداً يمتنعون عن تلقيح أطفالهم هم أيضاً"، مشيرا إلى أن الإمتناع عن التطعيم أصبح ظاهرة سائدة في المجتمعات المزدهرة. وقد بات عدم أخذ بعض اللقاحات شائعاً في دوائر أتباع التعاليم الباطنية/الروحانية، وأنصار الطب البديل، وعشاق الطبيعة.
مع ذلك، لا تزيد نسبة الأشخاص الذين يُعارضون التطعيم تماماً، ويُحذّرون بشدة من قطاع الصناعة الدوائية والأضرار المزعومة للقاحاترابط خارجي عن 1 - 3% فقط من سكان سويسرا. وكما يقول الباحث تارّ، فإن المخاوف المتعلقة بالتطعيم لدى السكان تختلف إلى حدٍ كبير، وهي تبدأ من سلامة اللقاحات، وسلامة مضافات اللقاحات، وصولاً إلى مفاهيم ترى بأن ما ترسمه "الطبيعية" للحياة هو أفضل، بمعنى أن المناعة المكتسبة بشكل طبيعي أفضل من المناعة التي يمنحها اللقاح".
وكما يلاحظ، تختلف معدلات التطعيم في سويسرا بشكل كبير تبعاً للكانتون. ولا يتعلق هذا الأمر بالإختلافات في مواقف السكان - حيث يميل السويسريون المتحدثون بالألمانية الأكثر تحفظاً لأن يكونوا أكثر تشككا من أولئك المتحدثين بالفرنسية أو الإيطالية - ولكنه يرتبط بالقدرة على الإستفادة [من اللقاحات] أيضاً: حيث يلُاحظ أن معدلات التطعيم تكون أعلى في الكانتونات التي تتوفر على برامج التطعيم المدرسي.
وفقا لـ فيتشي، ينسى الكثير من السويسريين عملية التلقيح أيضا بسبب الإهمال، بينما يرى آخرون بكل بساطة أن التحصين ضد بعض الأمراض مثل الحصبة غير ضروري.
التطعيم الإجباري في سويسرا؟ أمر لا يمكن تصوره!
لا يوجد هناك أي لقاح إلزامي في سويسرا. وفي الوقت الراهن، لا توجد أيّ خطط لفرض اللقاحات كما هو الحال في إيطاليا، أو فرنسا، أو الولايات المتحدة. وكما هو الحال في ألمانيا، فمن المرجح أن لا يحظى مطلب بهذا الشأن بأي آفاق سياسية في سويسرا أيضاً. وكما يقول الطبيب المدرسي تار: "تحتوي الحرية المكفولة دستورياً للمواطنين السويسريين بالفعل على الحجة الأكثر أهمية ضد إجبارية التطعيم".